|
|
الاسلامية وخصوصا في الفترة الاولى من العهود الاسلامية والتي شكلت مضامين العقيدة فيها جدولا انصب فيه اكثر من رافد ورافد عن طريق الامم التي اعتنقت الاسلام جماعات منها ودخلت وهي تحمل افكارها وعقائدها التي لم تتخلص منها وظهرت في الافكار والسلوك كجماعات الروم والفرس والصينيين والعبريين ولعل اليهود اكثر الجماعات تاثيرا في الحضارة الاسلامية حيث تبدو روحهم واضحة في هذه الميادين . وذلك لانهم استاثروا بالتفسير وبالقصص الديني لانهم اهل كتاب فيهم كثير من الاحبار الذين يحفظون احكام التوراة وقصص الامم التي حفظتها الحضارة العبرية والاساطير التي رافقت تلك القصص ، ولما كانت الجزيرة العربية فقيرة الى الافكار الدينية والمضامين الثقافية لعب الفكر اليهودي دورا هام في ملء هذا الفراغ وخصوصا في الفكر السني الذي حاول ان يتخلص من هذا الرداء ويخلعه على الشيعة عن طريق الشخصية الوهمية عبد الله بن سبأ كما سنبرهن لك على همية هذه الشخصية قريبا . ولكن حقائق الامور والبحث الدقيق يثبت عكس ما اداه هؤلاء القوم وما نسبوه للشيعة .
اجل ان اراء اليهود انتقلت الى الفكر الاسلامي عن طريق كعب الاحبار ووهب بن منبه وعبد الله بن سلام وغيرهم واخذت مكانها في كتب التفسير والحديث والتاريخ وتركت بصماتها على كثير من بنود الشريعة ، ان بوسع اي باحث الوقوف على ذلك في كتب كثيرة مثل تاريخ الطبري ، وتفسير جامع البيان ، وفي كتاب البخاري وغيره من الؤلفات مما سنشير الى مصادره عند ذكره . وستجد فصلا ممتعا في تعليل العداوة بين الانسان والحية يذكره الطبري في تفسيره بسنده عن وهب بن منبه وذلك عند تفسيره للاية السادسة والثلاثين من سورة البقرة وهي قوله تعالى :« قلنا اهبطوا منها بعضكم لبعض عدو » الخ ، يقول الطبري واحسب ان الحرب التي بيننا ـ اي نحن والحيات ـ كان اصله ما ذكره علماؤنا الذين قدمنا الرواية عنهم في ادخالهن ـ يعني الحيات ـ ابليس الجنة بعد ان اخرجه الله منها ، ويستمر في سرد افكار عجيبة يستحسن ان يقرأها من
يريد الفائدة من تفسيره (1) ويقول الطبري في تاريخه عند شرح الذبح العظيم الذي فدى به ابراهيم ولده اسماعيل بامر الله تعالى :
ان الكبش الذي ذبحه ابراهيم هو الكبش الذي قربه ابن ادم فتقبل منه (2) .
وينقل في تاريخه قصصا تلمس عليها الروح اليهودي واضحا ومن ذلك ما ذكره فقال : تزوج اسحق امراة فحملت بغلامين في بطن واحد فلما ارادت ان تضعهما اقتتل الغلامان في بطنها فاراد يعقوب ان يخرج قبل عيص فقال عيص والله لئن خرجت قبلي لاعترضن في بطن امي ولاقتلنها فتاخر يعقوب وخرج عيص قبله واخذ يعقوب بعقبه فسمي عيص عيصا لانه عصى وسمي يعقوب يعقوبا لانه خرج بعقب عيص ، وكبر الغلامان وكان عيص احب الى ابيه ويعقوب احب الى امه وكان عيص صاحب صيد فلما عمى اسحق قال لعيص اطعمني لحم صيد واقترب مني حتى ادعولك ، وكان عيص اشعر ـ اي كثير الشعر ـ ويعقوب اجرد فخرج عيص يتصيد وقالت امه لاسحق اذبح كبشا ثم اشوه والبس جلده وقدمه لابيك كي يدعو لك فلما مسه قال من انت ؟ قال : عيص ، فقال : المس مس عيص والريح ريح يعقوب فقالت امه : هو ابنك عيص فادعو له الخ (3) ولست ادري كيف كان يعقوب لا يعرف اصوات اولاده وكيف تطلب الام البركة من دعوات اسحق وهي تكذب وكيف يكذب ابناؤها واي بيت نبي هذا البيت الذي يكون اعضاؤه من هذا النوع ، ثم اي اسم مشتق مثل يعقوب او اسحق او عيص لا يصلح لان يشتق منه امثال هذه الخزعبلات وهذا الهراء والسخف .
واما الامام البخاري فانك تلمس الروح الاسرائيلي في كثير من رواياته
|
(1) تفسير الطبري جـ 1 ص 234 .
(2) تاريخ الطبري جـ 1 ص 142 . واذا كان يمكن لكبش ان يعيش هذه المدة الطويلة كما هو في الفكر السني فلماذا يستكثر علينا اذا قلنا ان شخصا عاش منذ الف ومائة سنة تقريبا للان ولا يستكثر على من يفرض ان كبشا عاش الافا مؤلفة من السنين .
(3) تاريخ الطبري جـ 1 ص 164 .
|
واليك نماذج من تلك الروايات التي يتضح فيها هذا الروح :
يقول البخاري بسنده عن ابي هريرة : ما من بني ادم مولود يولد الا يمسه الشيطان حين ولد فيستهل صارخا من مس الشيطان غير مريم وابنها (1) وما ادري اذا كان هذا فضيلة فلم حرم منها نبينا (ص) وهو سيد الانبياء واذا لم يكن ذلك فضيلة فما قيمة ذكرها ، وما ذنب الانبياء الباقين يمسهم الشيطان .
ويقول البخاري بسنده عن عائشة ام المؤمنين : ان النبي (ص) سحر حتى كان يخيل اليه انه كان يفعل الشيء ولا يفعله (2) .
ويروي البخاري قصة موسى حين نزل اليه ملك الموت لقبض روحه فصكه موسى على عينه حتى فقأها الى ان قال : قال الله تعالى لملك الموت ارجع اليه وقيل له ليضع يده على جلد ثور فله بكل شعرة غطتها يده عمر سنة الخ (3) .
وفي الواقع ان هذه العملية طريفة فان الشعر الذي يغطيه الكف ربما يصل الى خمسة الاف شعرة ، وعمر نبي الله موسى معروف فاما ان نكذب الرواية او نكذب التاريخ .
وذكر البخاري بسنده عن ام المؤمنين عائشة ان النبي (ص) مكث كذا وكذا يخيل اليه انه ياتي اهله ولا ياتي الى ان قال لي : يا عائشة ان الله افتاني في امر استفيته فيه اتاني رجلان فجلس احدهما عند راسي والاخر عند رجلي فقال الذي عند رجلي للآخر مابال الرجل ؟ قال : مطبوب ـ اي مسحور ـ قال : ومن طبه ؟ قال : لبيد بن اعصم الخ الى ان ذهب عنه اثر السحر بعد مدة (4) .
ومعنى هذه الرواية ان النبي (ص) اصيب بفقدان الذاكرة او بالفصام وما ادري ما هو حال الوحي خلال هذه المدة فاذا جاز ان يصاب النبي بمثل هذا
|
(1) البخاري جـ 4 ص 164 .
(2) البخاري جـ 4 ص 122 .
(3) البخاري جـ 4 ص 157 .
(4) البخاري جـ 8 ص 18 .
|
المرض فما هو مقدار الثقة بالوحي وعلى كل تبقى مسؤولية الرواية على عاتق ام المؤمنين والبخاري ، ولقد حفل كتاب البخاري بمثل هذا اللون من الفكر اليهودي وذلك من قبيل ما ذكره في كتاب الاستئذان باب بدء السلام قال :
باسناده عن ابي هريرة عن النبي (ص) خلق الله ادم على صورته ـ الضمير يعود لله تعالى اذ لا معنى لعوده لادم قبل ان يخلق ادم وتعرف صورته ـ طوله ستون ذراعا فلما خلقه قال : اذهب فسلم على اولئك النفر من الملائكة جلوس فاستمع ما يحيونك فانها تحيتك وتحية ذريتك فقال : السلام عليكم فقالوا : السلام عليك ورحمة الله فزادوه ورحمة الله فكل من يدخل الجنة على صورة ادم فلم يزل الخلق ينقصون حتى الان (1) الى امثال ذلك من هذه الروايات العبقرية ، ومع هذا اللون من الفكر الغريب عن روح الاسلام للزومه التجسيم والهرطفة فما وجدنا من ينبز حملة هذا الفكر بالخروج عن الاسلام او باليهودية لنقلهم هذا الفكر الاسرائيلي الى الاسلام اما اذا قدر ان شخصا تشيع وحمل معه شيءا من افكاره للتشيع تحول التشيع فورا الى يهودية او نصرانية مع ان تبعة كل فكر تقع على حامله وقد اسلفنا ان كل ما ينافي الاسلام يأباه التشيع جملة وتفصيلا .
وعلى تقدير ان هناك مجموعة من افكار نقلها الفرس الذين تشيعوا معهم للفكر الشيعي : كالقول بالحق الالهي الذي يقول به الفرس بالنسبة لملوكهم ويقول به الشيعة بالنسبة لائمتهم ـ مع وجود فوارق بين الامرين ـ وحتى اي مفهوم يحصل به التقاء بين الفكرين كما يصوره البعض فان ذلك لا يوجد قدحا في العقيدة ما دامت الاصول التي يتحقق معها عنوان الاسلام محفوظة عند الشيعة بحيث اذا وجدت كان الانسان مسلما باعتناقها ونحن نعلم ان الاصول التي تحدد اسلام المسلم هي ما حدده النبي نفسه كما في صحيح البخاري عن انس قال : قال رسول الله (ص) : من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا واكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ذمة الله ورسوله فلا تخفروا الله في ذمته ، كما اخرج البخاري عن
علي (ع) ، انه سال النبي (ص) يوم خيبر على ماذا اقاتل الناس ؟ فقال (ص) : قاتلهم حتى يشهدوا ان لا اله الا الله وان محمدا رسول الله فاذا فعلوا ذلك فقد منعوا منك دماءهم (1) .
وقال الامام جعفر بن محمد الصادق (ع) : الاسلام شهادة ان لا اله الا الله والتصديق برسول الله به حقنت الدماء وعليه جرت المناكح والمواريث وعلى ظاهره جماعة الناس (2) فصفة الاسلام ثابته لمن قال بالشهادتين سواء اعتقد ان الامامة نص من الله تعالى فهي حق الهي ، او بالشورى فهي حق للجماعة يضعونه حيث تتوفر المؤهلات ، وحتى لو لم يكن لمعتقد الامامة بالنص شبهة من دليل بل لو ذهب الى ابعد من ذلك فابتدع وكان من اهل البدع فان علماء المسلمين لا ينبزونه ولا يكفرونه . فقد عقد ابن حزم فصلا مطولا في كتابه الفصل في باب من يكفر او لا يكفر وقد قال في ذلك الفصل : ذهبت طائفة الى انه لا يكفر ولا يفسق مسلم بقول قاله في اعتقاد او فعل ، ان كل من اجتهد في شيء من ذلك فدان بما رأى انه الحق فانه مأجور على كل حال ان اصاب فأجران وان اخطأ فأجر واحد وهذا قول ابن ابي ليلى وابي حنيفة والشافعي وسفيان الثوري وداوود بن علي وهو قول كل من عرفنا له قول في هذه المسألة من الصحابة لا نعلم خلافا في ذلك اصلا (3) .
ويروي احمد بن زاهرالسرخسي وهو من اصحاب الامام ابي الحسن الاشعري وقد توفي الاشعري بداره وقال : امرني الاشعري بجمع اصحابه فجمعتهم له فقال اشهدوا علي اني الا اكفر احدا من اهل القبلة بذنب لاني رأيتهم كلهم يشيرون الى معبود واحد والاسلام يشملهم ويعمهم (4)
وبعد ذلك كله فما هو وجه ربط التشيع باليهودية لان فيه افكارا فارسية او
|
(1) انظر صحيح مسلم جـ 2 باب فضائل علي ، والبخاري جـ 3 باب غزوة خيبر .
(2) الفصول المهمة لشرف الدين ص 18 .
(3) الفصل لابن حزم ج3 ص 247 .
(4) الفصول المهمة لشرف الدين ص 32 .
|
نعته بانه اثر فارسي اذا كان هناك بضعة افكار نقلها معه بعض من اسلم منهم ودان بها وهي لا تتعدى رأيا اخذ به بشبهه من دليل او حتى ببدعة كما مر عليك وقد عرفت اراء العلماء في ذلك .
ان هذا التهور على المسلمين والتهريج عليهم من خطل الرأي وسنوقفك عن قريب على مصادر ما ذهب اليه الشيعة من الكتاب والسنة وان حسبه البعض انه اقتباس من الفرس اما لقلة اطلاع او لسوء قصدي والله من وراء القصد .
جـ ـ ان هذه الدعوى المقلوبة وهي فارسية التشيع سنوقفك قريبا على اثبات عكسها واقول على فرض صحتها فما هو البأس في ذلك اذا كان الفارسي مسلما ونحن نتكلم بلغة الاسلام طبعا وشعارنا «يا ايها الناس انا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ان اكرمكم عند الله اتقاكم»13 / الحجرات .
فلماذا هذا الموقف وكيف ينسجم مع روح الاسلام ولو كنا نتكلم من منطلق قومي فان لغة اخرى ستكون لنا حينئذ ولا يكون لنا اي مناقشة مع المتكلم بها هذا مع ان العقل والمنطق القومي السليم يحتم احترام القوميات الاخرى اذا اراد احترام قوميته وما اروع كلمة الامام الصادق (ع) في هذا المقام اذ يقول :
ليس من العصبية ان تحسب قومك ولكن من العصبية ان تجعل شرار قومك خيرا من خيار غيرهم ، ان لغة الاسلام لا تفرق بين جنس وجنس فلا يعتبر مسلما من يتكلم بهذه اللغة ، اما اذا كان له دوافع وراء هذه اللغة غير اسلامية فلا تخفى على القارئ الفطن ان من يعتبر الناس مغفلين لهو المغفل الاكبر وسنرى عن قريب الدوافع من وراء هذه المزاعم .
هناك فرض اخرى في تصور فارسية التشيع وهو ان كل اوغالبية الشيعة فرس وقد طغت افكارهم الفارسية على التشيع حتى غطته وربما ادت الى اصطدام مع الشريعة الاسلامية لمخالفة تلك العقائد للاسلام هذا الفرض صرح به بعضهم
كما ستقرأه مع ما نعرضه من اراء في هذا الموضوع ـ وسترى ان هذا الرأي باطل ويعلم بطلان ذلك كل من له المام بتاريخ المسلمين وعقائدهم وبطلانه للاسباب التالية :
أ ـ ان عقائد الشيعة تحفل بها مئات الكتب والمراجع وهي ميسورة تحت ايدي الباحثين والكتاب في كل مكتبات العالم ، وان عقائد الشيعة مصدرها الكتاب والسنة وفقه الشيعة مصدره الكتاب والسنة والاجماع والعقل كما مر علينا واشرنا الى الكتب التي تشرح ذلك مفصلا ونضيف اليها كتاب اوائل المقالات للشيخ المفيد وعقائد الصدوق والدرر والغرر للسيد المرتضى واعيان الشيعة للسيد محسن الامين ، ومن كتب الاخبار والاحاديث الكتب الاربعة وهي الاصول المعتمدة عند الشيعة بالجملة وهي من لايحضره الفقيه للصدوق ، والكافي اصولا وفروعا لمحمد بن يعقوب الكليني والتهذيب والاستبصار للشيخ الطوسي ، مع ملاحظة ان ليس كل ما فيها معتمدا عندنا ولكل رواية حساب ولذلك قلت انها معتمدة بالجملة وقد تعرضت كتب التقريرات لنقد كثير من مضامين الكتب المذكورة .
ب ـ ان الفرس لا يكونون الا جزءا قليلا من ناحية الكم الشيعي فالتشيع منتشر عند العرب والهنود والترك والافغان والكرد والصينيين والتبتيين والخ ويشكل الفرس جزءا من الشيعة ليس كما يصوره البعض عن سوء فهم او سوء نية .
جـ ـ ان بذرة التشيع نشأت في مهد العرب في الجزيرة العربية وان الرواد الاوائل للتشيع يشكلون مؤشرا واضحا في ذلك ، وما كان غير العرب في الرواد الاوائل من الشيعة عدى واحدا هو سلمان المحمدي كما سماه النبي (ص) وكان فارسيا . وقد ذكرنا الطبقة الاولى من الشيعة الذين تتوزع وشائجهم على مختلف البطون والقبائل العربية ، وانت اذا تتبعت الطبقة الثانية والثالثة من الشيعة فسوف تجدهم عربا في الاعم الاغلب ولا اريد الاطالة في هذا المورد
فلذلك مكانه من كتب السير والتراجم ، وسيرد في نهاية هذا الفصل ما يثبت دعوانا من اراء الباحثين والمنقبين .
ومن ما اسلفناه من كلام فما هو وجه نسبة التشيع للفارسية والذي اصبح يرسل عند بعضهم ارسال المسلمات كانه من الامور المفروغ منها . ولاجل ان نستوعب الموضوع سنضطر الى الخوض في جوانب متنوعة ونستعرض اراء كثيرة وما بررت به هذه الاراء صحة هذه النسبة للتشيع وهي لا تختلف في مستواها من العلم عن اصل صحة هذه النسبة ولا اشك انك ستضحك كثيرا عندما تقرأ هذه الاسباب وياخذ العجب كيف ان مثل هؤلاء الباحثين وهم على منزلة من العلم والتحقيق لا يستهان بها : يقتنعون بوجاهة هذه الاسباب فضلا عن انهم يسوقونها لاقناع غيرهم لولا الهوى والعصبية اعاذنا الله تعالى واياك منها ، ولولا الاسر الذي يقع فيه من نشاء على عقيدة ولا يسمح للضوء ان يسلط على عقيدته ومسبقاته حتى يرى منها ما كان ناتجا من مجرد تقليد اعمى ويصطدم بالمقاييس الصحيحة فينبذه وما كان على ارض صلبة ويلتئم مع قواعد الشرع فيتمسك به .
|
اقوال الباحثين في فارسية التشيع
|
|
|
 |
ان نسبة التشيع الى الفارسية نشأت في عصور متاخرة ولاسباب وظروف سياسية خاصة اهمها : ان الفرس لم كانوا ولاسباب سنشرحها غير مرغوبين من قبل العرب ولما كان الشيعة فئة معارضة للحكم طيلة العهود الثلاثة الصدر الاول والاموي والعباسي ، وكوجه من وجوه محاصرة التشيع ارادوا رمي التشيع بما هو ومكروه عند العرب وهذه الدعوة هي واحدة من مجموعة دعاوى سترد علينا ولا تتعدى هذا الهدف بل هي جزء من المخطط . اما الاسباب التي ادت الى النفرة بين القوميتين العربية والفارسية فهي :
1ـ ان الفرس ما كانوا يفرقون بين الاسلام والعروبة وحيث ان الاسلام قضى على دولتهم واجتاحهم فانهم بعد اسلامهم كانوا ينزعون لاسترداد مجدهم باسلوبين احدهما سليم ايجابي والاخر سلبي حتى اذا جاء دور الامويين استعان الحكام بهم لتنظيم شؤون الدولة نظرا لخلفيتهم الحضارية وللاستعانة بهم احيانا لدعم جناح مقابل جناح ، ولاستيلاء جماعة منهم على مناصب هامة في العهدين مما مكنهم من فرض نفوذهم كل ذلك ادى الى احتكاك شديد بين العرب والفرس ، اذ رأى العرب انهم حملة الاسلام والسبب في هداية الامم وهم العمد الذي قام الاسلام عليه فلماذا يزاحمهم غيرهم ، ويقدم عليهم ويلمع نجمه ويحتل مناصب كبيرة ، ورأى الفرس انهم ابناء حضارة عريقة وانهم اكثر علما ودراية بسياسة العرب وادارة شؤون الحكم فلماذا يقدم عليهم من لا يملك هذه
المؤهلات . فادى ذلك كله للاحتكاك ونجمت عنه ظاهرة الشعوبية وترك خزينا كبيرا من الحقد في تاريخ القوميتين كما ادى الى مواقف سلبية متبادلة .
2ـ ان فتح هذه الثغرة التي دخل منها الفرس ادى الى دخول عناصر غير عربية اخرى مثل الترك وغيرهم مما كان له بعد ذلك اثاره السلبية الفظيعة وقد عصب كسر النطاق هذا بالفرس انهم اول من فتح هذا الباب وادى الى تدمير الخلافة بعد ذلك .
3ـ لعب الاستعمار دورا بارزا فيما خلقه من النفخ بالابواق التي يحسن صنعها وذلك لتحقيق مصالحة عن طريق فتح امثال هذه الفجوات واختلاق خصائص للجنسين زعم انها تصطدم مع بعضها واراء لا تتلاقى وتأثر بهذه الاراء فريق من هؤلاء وفريق من هؤلاء ممن عاش على موائد المستشرقين ولم يتفطن الى اهدافهم وغرته الصبغة العلمية الظاهرية في امثال هذه المزاعم فنسج على منوال هؤلاء وكان صدى لهم وسلاحا بايدي هؤلاء لضرب ابناء دينه ولهدم عقيدته حتى خلفت من ذلك تركة كبيرة تحتاج الى جهد كبير لازالة هذا التراكم .
ان اسباب الكره استغلت لينتزع منها كما ذكرت سببا من الاسباب التي تبغض التشيع وتنفر النفوس منه . ولذلك لا نرى هذه التهمة عند اوائل السنة واسلافهم فيما قدموه من قوائم الاسباب التي ينعت بها التشيع لان اسبابها لم تكن قائمة انذاك .
ومن الغريب ان الالسن السليطة التي تشتم الشيعة هي ألسنة السّنة الفرس كما سيرد ذلك قريبا .
ان اصحاب الغرض الاصلي في الضرب على هذا الوتر كثيرون ومن اكثرهم حماسا في ذلك المستشرقون وتلاميذهم حيث يستهدف المستشرقون مصالح لا تخفى ويضرب تلاميذهم على نفس الطبول ولمختلف الغايات والاهداف وبالاضافة الى من يهتز على هذا الايقاع واليك اراء بعضهم :
لقد قرر المستشرق دوزي ان اصل المذهب الشيعي نزعة فارسية وذلك لان العرب تدين بالحرية والفرس تدين بالملك والوراثة ولا يعرفون معنى الانتخاب ولما كان النبي (ص) قد انتقل الى الرفيق الاعلى ولم يترك ولد فعلي اولى بالخلافة من بعده (1) .
ذهب هذا المستشرق الى نفس الرأي في كتابه السيادة العربية ولكنه رجح اخذ الشيعة من اراء اليهود اكثر من اخذهم من رأي الفرس ومبادئهم (2) .
قال انه لم تعتنق نظرية الحق الالهي بقوة كما اعتنقت في فارس ولمح الى اخذ الشيعة منهم (3) .
ان هذا المستشرق اشار الى فارسية قسم كبير من الشيعة ضمنا حيث ذكر ان اكثر من نصف سكان الكوفة من الموالي ولما كان معظمهم شيعة فقسم كبير منهم من الفرس (4) .
الذي يقول وحزب الشيعة الذي اصبح فيما بعد ملتقى جميع النزعات المناوئة للعرب واليوم لا يزال ضريح الحسين في كربلاء اقدس محجة عند الشيعة وبخاصة الفرس الذين ما برحوا يعتبرون الثواء الاخيرفي جواره غاية ما يطمعون
|
(1) تاريخ المذاهب الاسلامية لابي زهرة جـ 1 ص 41 .
(2) نفس المصدر السابق والصفحة .
(3) فجر الاسلام ص 111 .
(4) فجر الاسلام ص 92 .
|
فيه (1) . وبالجملة فان مراجعة اي بحث للمستشرقين في هذا الموضوع يظهر منه ان كثيرا منهم يذهبون الى هذا الرأي ولاسباب لا تخفى .
وقد ربطوا بفارسية التشيع اثر اخر يكون بمثابة النتيجة للسبب وذلك والاثر هو انه لما كان اكثر الفرس شيعة وكانوا يسمون بالموالي وحيث انهم يرون ان العرب انتزعوا دولتهم منهم ولما كانت الدولة الاموية يتجسد فيها المظهر العربي فقد زحف عليها الموالي واسقطوها واعلنوا بدلها دولة العباسين التي دعمت الفرس والتي زحف معها بالتالي الفكر الشيعي فتغلغل ايام العباسين ، وانت واجد هذه الافكار عند معظم من كتب في العصور الاسلامية وخصوصا الكتاب المصريين ويتلخص من هذه المتقطفة ثلاثة امور :
1ـ تصوير الزحف الذي جاء من خراسان للقضاء على الدولة الاموية بانه زحف دوافعه قومية وليست دوافع اجتماعية او انسانية وقد اجتمعت فيه اكثر من قومية واحدة وبذلك يطمس الهدف الاجماعي الذي كان من وراء تلك الحملة .
2ـ ان العنصر الرئيسي في الحملة والفاعل هم الفرس وبذلك تكون الحملة انتقامية تستهدف اعادة مجد الفرس الذي قضى عليه العرب ، وبذلك يطمس الدور الرئيسي الذي قام به العرب في الحملة وتولوا فيه القيادة .
3ـ ان الفكر الشيعي زحف بزحف هؤلاء وانتصر في العهد العباسي ؛ ان كل هذه الامور غير مسلم بها ولم تقم على واقع بل هي تغطية في محاولة مكشوفة .
|
|
(1) تاريخ الشعوب الاسلامية ص 128 .
|
فيبطله ان القادة الذين قادوا الحملة انما قادوها لتخليص الناس من جور الامويين وبامكان اي قارئ ان يستبين الحقيقة باستقراء احوال الحكم الاموي الذي سايره الجور والظلم من ايامه الاولى حتى سقط ايام مروان بن محمد اخر حكام الامويين ومن الخطأ ان نورد شاهدا او شاهدين للتدليل على ذلك محاولة ايضاح الظلم والجور فان كل ايامهم كانت مليئة بالظلم والجور واني لاحيل القارئ الى تتبع التاريخ من ايام معاوية الاول حتى نهاية الدولة وفي كتب كل المسلمين لا الشيعة وحدهم فربما يقال ان الشيعة خصوم الامويين وهم يحقدون عليهم وهذه كتب الطبري وابن الاثير وابن كثير وابن خلدون وما شئت فخذ لترى الى اين وصلت الحالة حتى بلغ الامر حدا يوجزه احد الشعراء بقوله :
| واحـربـا يـا ال حـرب منكم |
|
يـا ال حـرب منكم واحـربـا |
| مـنـكـم وفـيـكم واليكم وبكم |
|
مـا لـو شرحنـاه فضحنا الكتبا |
فيبطله ان قادة الحملة ووجوهها هم العرب وقد افاض في ذلك الجاحظ برسالته المسماة مناقب الاتراك ، وقد ذكر من قادة الحملة ، قحطبة بن شبيب الطائي ، وسليمان بن كثير الخزاعي ، ومالك بن الهيثم الخزاعي ، وخالد بن ابراهيم الذهلي ، ولاهز بن طريف المزني ، وموسى بن كعب المزني ، والقاسم ابن مجاشع المزني ، كما نص المؤرخون على اسماء القبائل العربية التي كانت مقيمة في خراسان والتي كونت الزحف في معظمه وهم خزاعة وتميم ، وطي ، وربيعة ، ومزينة وغيرها من القبائل العربية وللتوسع في معرفة اسماء القادة والقبائل العربية التي جاءت في الحملة للقضاء على الحكم الاموي يراجع كتاب ابن الفوطي مؤرخ العراق لمحمد رضا الشبيبي فقد توسع في ايراد النصوص التاريخية من
امهات الكتب وشرح اهداف الحملة ونوعية الجيش والاقطاب الذين اشتركوا بالحملة وبالجملة بكل ملابسات الموضوع (1) .
والشق الثاني الوارد في الزعم وهو ان العناصر غير العربية ارادت الانتقام لانها كانت محرومة من الاشتراك بالمناصب فهو بالجملة غير صحيح لان كثيرا من العناصر الاجنبية والموالي شغلوا مناصب كبيرة في العهد الاموي على امتداد هذا العهد ولم يكن وضعهم ايام العباسيين يختلف كثيرا عن وضعهم ايام الامويين وقد اشار لذلك الدكتور احمد امين بقوله : فسلطة العنصر الفارسي كانت تنمو في الحكم الاموي وعلى الاخص في اخره ولو لم يتح لها فرصة الدولة العباسية لاتيحت فرص اخرى مختلفة الاشكال (2) .
لقد تولى جماعة من غير العرب مناصب هامة ومنهم سرجون بن منصور كان مستشارا لمعاوية ورئيس ديوان الرسائل ورئيس ديوان الخراج ، ومرادس مولي زياد كان رئيس ديوان الرسائل ، وزاذا نفروخ كان رئيس ديوان خراج العراق ، ومحمد بن يزيد مولى الانصار كان واليا على مصر من قبل عمر بن عبد العزيز ، ويزيد بن مسلم مولى ثقيف كان واليا على مصر ، وكان منهم القضاة والولاة ورؤساء دواوين الخراج وقد تغلغلوا في ابعاد الدولة وشعبها بصورة واسعة (3) .
هذا من ناحية ومن ناحية اخرى ان وضع العرب لم يكن يستاثر باهتمام الامويين الا بمقدار ما يحقق مصالح الامويين انفسهم فاذا اقتضت مصالحهم ان يضربوا العرب بعضهم ببعض فعلوا كما حدث ذلك اكثر من مرة في حكم الامويين فراجع (4) . وقد تعرض الدكتور احمد امين الى ذلك وشرحه مفصلا وبين كيف كان العرب يضرب بعضهم بعضا اذا اقتضى الامر ذلك فراجع (5) .
|
(1) مؤرخ العراق ابن الفوطي ج1 ص36و37 .
(2) ضحى الاسلام ج ص3 .
(3) راجع الامام الصادق لاسد حيدر جـ1 ص344 .
(4) مروج الذهب جـ2 .
(5)ضحى الاسلام جـ1 ص20 .
|
وهو انتشار الفكر الشيعي عن طريق الموالي وتعاظم نفوذهم وامتداده تبعاً لذلك فيكذبه ان هذا المضمون بجملته غير صحيح فقد نكب الفرس أيام العباسيين وضرب نفوذهم أكثر من مرة ، ومن امثلة ذلك القضاء على ابي مسلم وأتباعه أيام المنصور والقضاء على البرامكة أيام الرشيد ، والقضاء على ال سهل أيام المأمون وهكذا ، يبقى أن الموالي لمعوا في ميادين اخرى فذلك صحيح بالجملة ، وتصور نفوذ الفرس انما هو من ايام السفاح حتى ايام المأمون وهي كما ترى لاتثبت للفرس والموالي نفوذا خارج دائرة العباسيين وانما ضمن دائرتهم بحيث يستطيعون احتوائهم في اي وقت . اما الفترة التي تبدأمن عصرالمتوكل حتى نهاية الحكم العباسي فان الحكم العباسي ضعف نفوذه حتى انقض عليه حكام الاطراف .ولا يعني ذلك استشراء نفوذ الفرس فقط بل هو شأن الكيان الضعيف الذي ينهشه كل طامع . ان العوامل التي أدت الى ضعف الحكم العباسي اشبعها الباحثون بالتفصيل .
ان تصوير نفوذ الفرس بالشكل الذي أورده بعضهم ونفوذ الموالي مبالغ فيه غاية المبالغة فاذا كانت الشعوبية قد وجدت أيام العباسيين فانها امتداد لنزعة الشعوبية منذ ايام الامويين واذا كان للفرس نفوذ فلم يصل الى الحد الذي ينتزع نفوذ العرب ، بل كان ذلك النفوذ ملحوظاً من قبل الدولة ومسموحاً به لاهداف كثيرة استهدفها العباسيون من السماح بذلك .
يقول فلهوزن عن نفوذ الفرس في العصر العباسي : أما ان النفوذ الفارسي كان هو الراجح فهو امر غير موكد(1) .
اما الشق الثاني من هذا الزعم وهو تنفس التشيع أيام العباسيين فهو غير صحيح بل العكس هو الصحيح فان العباسيين اولعوا بدم الشيعة وائمتهم
|
|
(1) الزندقة والشعوبية لسميرة الليثي ص81 .
|
وتعرض التشيع في مختلف ادوارهم الى محن وخطوب مروعة عدا فترات بسيطة مرت مرور الغمام كما هو الحال في فترة البويهيين وبالجملة ان كتب التاريخ قد حفظت لنا صورا مروعة من تعرض الشيعة للابادة ايام العباسيين وبوسع القارىء الرجوع الى اي كتاب من كتب التاريخ الرئيسية ليرى ذلك واضحاً .
وبعد هذا التعقيب البسيط على هذاه المزاعم : أعود الى تلاميذ المستشرقين الذين نسجوا على منوال اساتذتهم فقلدوهم في هذه الزعم وهو فارسية التشيع ومنهم :
يذهب الدكتور أحمد امين الى استيلاء الفكر الفارسي على التشيع برغم قدم التشيع على دخول الفرس فيه وذلك لان اكثر الشيعة فرس ـ على زعمه ـ فغلبت نزعاتهم على التشيع وصبغته بالفارسية ولنستمع الى قوله حرفياً :
(والذي ارى كما يدلنا التاريخ ان التشيع لعلي بدأ قبل دخول الفرس في الاسلام ولكن بمعنى ساذج ولكن هذا التشيع اخذ صبغة جديدة بدخول العناصر الاخرى في الاسلام وحيث أن أكبر عنصر دخل بالاسلام الفرس فلهم أكبر الاثر بالتشيع (1) .
ويقول في مورد اخر : فنظرة الشيعة في علي وابنائه هي نظرة ابائهم الاولين من الملوك الساسانيين ، وثونية الفرس كانوا منبعاً يستقي منه الرافضة في الاسلام فحرك ذلك المعتزلة لدفع حجج الرافضة (2) .
اني اطلب من القارئ هنا التأمل في هذه اللهجة الحادة التي يفح منها الشرر والنار حتى يعرف مدى موضوعية أحمد أمين ونظرائه ، وقد دائب أحمد أمين على اجترار هذه الفكرة وترتيب الاثار عليها كما يظهر ذلك واضحاً في كل
|
(1)فجر الاسلام ص276 .
(2) فجر الاسلام ص111.
|
| |