ادب الطف ـ الجزء العاشر134


ما أن شب وترعرع في كنف هذه العائلة حتى دفعه ابوه الى احد الكتاتيب ـ وعباس لم يتجاوز السادسة من عمره آنذاك فتعلم القراءة والكتابة وولع بالادب منذ الطفولة وتدرج وهو يقرأ النحو كالقطر لابن هشام والالفية لابن مالك ويطالع (البيان والتبيين) للجاحظ و(جوهر البلاغة) وتاريخ الاسلام ويقضي شطرا من وقته بقراءة دواوين الشعر كما حفظ خمسين خطبة من نهج البلاغة لامير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام ، وحفظ ما يقارب عشرة آلاف بيت من الشعر ومنها (المعلقات) .
ونهض به عزمه ونبوغه لاكمال دراسته في النجف وهكذا مكث مكبا حوالي سنتين وعاد بعدها الى مسقط رأسه وصار يشارك في الحفلات الادبية وينشر روائعه في الصحف المحلية حتى جمع أكثر من ديوان ، وسمى أول دواوينه بـ (هدير الشلال) ومنه نعرف الروح الحماسية التي يتحلى بها شاعرنا ومنها تحية الجيش الباسل لخوض المعارك في فلسطين .
فلسطيـن تناديـكم بنفس تكـاد تهد زفرتـها الجـبالا
وقلت لا يزال من البلايا ومن صهيون يلتهب اشتعالا

ومن دواوينه (أغاني الشباب) جمع قصائده في الوصف والغزل والنسيب .
يا ذكريات الحب والسمر وافاك ليل الصب فانتشري
ودعي الهموم تظل عالقة بـسوانح الاحـلام والفكر
وتجـمعي حولي مهدهدة أشواق قلب ضـج من كدر
وتحشدي والليل يحضنني والنجم لـماح على البـشر
وطلاقة الماضي مرفرفة كرفيف حلم مشرق الصور

كتب الاديب المعاصر سلمان هادي الطعمة عن الشاعر وقال :
له ديوان في مديح ورثاء أهل البيت يضم طائفة من القصائد العامرة تليت في احتفالات كربلاء ومهرجاناتها الادبية ومن روائعه في ذكرى الامام علي عليه السلام وقد ألقاها في الروضة الحسينية :
ولد الوصي فيا خواطـر رددي نغم الهنا في مهرجان المولد
واستلهمي الذكرى قوافي ترتمي بأرق من روح الربيع وأبرد
ثم اسكبي الشعر الجميل بشائرا غرا تفيض بصبوتي وتوددي


ادب الطف ـ الجزء العاشر135


شعرا كما انتفض الاريج مرفرفا فوق الجـداول والغـصون الميد
كأس الهـوى بيدي فاضت رقة وعلى فمـي نغم المـحب المنشد
وصبا فؤادي للوصي وكيف لا يصبو المشوق الى الحبيب الابعد

وهذا مطلع أخرى من روائعه ألقاها في الروضة الحسينية ليلة مولد الحسين :

ناجاك قلب بالصبابة مفعم وفـم بـغير ولاك لا يترنم
وهفا لمولدك المخلد شاعر من فيض حبك يستمد وينظم

ودع الحياة وهو في عمر الورد دون أن يتزوج فقد وافاه الاجل يوم السبت 26 ـ 12 ـ 1958 في المستشفى الحسيني بكربلاء فشيع الى مثواه الاخير في مقبرة كربلاء .

ادب الطف ـ الجزء العاشر136


الشيخ محمد جواد الجزائري

المتوفى 1378

يا ليل طـلت ورحت تمـتد قـل لي أهل لك في غدعهد
انـي لاسمع بالصـباح فهل ذاك الصـباح لمقـلتي يبدو
هـل أوقف الافلاك مبدعها أو حال دون مسـيرها سـد
أو كان نظم الكون مضطربا لا العكس متـجه ولا الطـرد
أو أنت ذيـاك القـديم فـلا قبل لـديك يـرى ولا بعـد
كـلا فـأنـت الـكم متصلا حـتم عـلى أجـزائك الـعد
أو أنـت انت وان يومي من أرزاء يـوم الطـف مسـود
أرزاء هذا الـكون تعبث في سـر الحـياة ومـا لها حـد
أنا لا أغالـط في حـقائقها كلا فـأمـر عـيانـها جـد
لكن رزايا الطـف ليس لها فـي نوعـها مثـل ولا نـد
طوت الحقوب حدودها ولها فـي كـل آونـة لـنا حـد
هـل انها نـوع وكـان له في قـلب كـل موحد فـرد
أو أنهـا فـرد وكـان لـه بعـد لـيـوم الحشر ممـتد
نزلت بحـومة كربـلا ولها آل الـنـبي محـمـد قـصد
وتمـثـلت ومثالـها شـعل وتمثـلوا ومـثالـهـم وقـد

الشيخ محمد جواد الجزائري .
ابن الشيخ علي الجزائري ولد في النجف سنة 1298 وفيها نشأ

ادب الطف ـ الجزء العاشر137


وتوفي سنة 1378 .
هو من أسرة عربية وبيت علم استوطن النجف الاشرف قبل القرن التاسع الهجري وكانت فيه الزعامة الروحية متوجة بالعلم . قوي القلب صلب الارادة لا يخاف في الله لومة لائم ما رأيت مثله من يغار على النجف وكرامتها وعلى العمة وحرمتها . له مؤلفات مطبوعة ومخطوطة وحديثة عن الثورة ومواقفه الجريئة وكيف حكم عليه بالاعدام من قبل الانكليز حديث ملذ معجب . مرض ودخل المستشفى ببغداد للتداوي فأرسلت اليه قطعة شعرية نشرتها مجلة الغري النجفية في سنتها 14 اذكر منها :
حن الفـؤاد الى لـقـائك متطـلعا لسـما عـلائك
قفـص الاضالـع عـاقه من أن يطـير الى فنائـك
فـمـتى البشـير يـسرنا فالانس في بشرى شـفائك
عـيدي بمـطـلعك الاغر وأن أراك عـلى روائـك
متسلسلا بـحديثك العـذب الـمسـلسل كـالسـبائك
ويزيـنـه في نـدوة العلم الصحـيح سـنى بـهائك
وتـضـم حفـلك صفـوة مثل الغصون على الارائك
وكان هيـكلك الـملائـك أوانـت من بعض الملائك
فالفضل ما ضمت شفاهك والفـضائل فـي ردائـك
تصغـي لمقـولك البـليغ بحـسن لفـظك في أدائك
أأبا المعز ، وعزك المعقود فــي عـالـي لـوائـك
مـاقيـمة الجـبل الاشـم بجـنب عزمك أو مضائك
فـاقبل تحـية مخـلـص لا زال يلـهـج في ثـنائك

وحين صدور (حل الطلاسم) ردا على ايليا ابي ماضي كان له صدى اعجاب في الاوساط الادبية في بلاد العرب ، وكان لادباء لبنان السبق الى التنويه بفضل هذا الديوان واكباره لما فيه من المحاكمات العقلية حول أي موضوع شك فيه الشاعر الكبير ايليا أبو ماضي في طلاسمه . ومن أدباء لبنان البارزين بأدبهم العالي الاستاذ حسان حليم دموس صاحب الاثار الشعرية الرائعة والمقامات الادبية العالية والمواقف الدينية في سبيل اسلامه وقد

ادب الطف ـ الجزء العاشر138


بعث بتحية الاعجاب الى العلامة الجواد في رسالة شعرية رائعة وعنوانها :
الى العلامة الجزائري :
سلام على النجف الاشرف سلام مشوق محب وفي
قرأت كـتابك يا ابن العرا ق بثغر بسيم وقلب حفي
قواف رقـاق كذوب الندى أزاحت لنا كل سر خفي
حللت الطـلاسم حلا عجيبا فعـدت اليـها ولم اكتفي

سيدي الجليل الجواد ، الآن قلبت آخر ورقة بل آخر صفحة وانتهيت من تنسم ألطف نفحة من آخر مقطع من حل الطلاسم وأنا ارد دقائلا مع الناظم :
بهداه سرت في الدرب وأدركت المراما
وتمشيـت مع المنـق بـدءا وختـاما
كل سار تخذ المنطق في السيـر اماما
فاز من ناحية الحكمة فيـه انا ادري

فشكرا لهيتك الشعرية الثمينة يا شيخ العصر فلقد عرفنامنها كيف يستخرج الدر من البحر وكيف يلمع العقد النظيم الكريم في النحر .. ورأينا كيف تتكشف الحقائق الروحية شعرا ويعصر الشعر خمرا بل يذوب سحرا . ان من الشعر لحكمة وان من البيان لسحرا . فمن جار السماء(1) وجارة الوادي(2) الى واديك وناديك ، ومن سماء بلادي ابنة الارز اهتف وأناديك ومن أرض أجدادي احييك وأناجيك

(1) جبل لبنان الاثم .
(2) زحلة مسقط رأس الناظم وقد ولد فيها عام 1888 .
ادب الطف ـ الجزء العاشر139


سلاما ، فخر آل الشيخ احمد وعـد لربوعنا والعود احمـد
اليـك تـحن أرواح تمـنت بـقاءك بـيـنها والله يشـهد
سأذكـرساعة فيها اجتـمعنا وانـت علـى ربى لبنان فرقد
تزيد وداعـة وتزيـد فيضا بـنور نباهـة وشعاع سـؤدد
فيا لمجرب خـبر اللـيالـي وطـار الى كـواكبها وصعد
وأعـلن أن سر الكون روح هو النـور اللباب وما تـردد
فـيدري انه يـدري ويجري ويعرض مشهدا في اثر مشهد
يطل على الطـبيعة مثل نسر برأي مـن صحائفـها مسدد
وهذي الروح من انوار ربي وهذا الجسم مـن ذرات جلمد
فمرحى أيـها الاسدي مرحى فمـثلك من جرى ابدا وعبد
عرفت الـدرب والدير المعلى عرفت الكوخ والقصر المشيد
حللت طـلاسم الماضي بشعر أعـدت به لنا اعـجاز احمد
أزحت عـن الحقائق كل ستر بمرهـف خاطر وبنيل مقصد
وخضت غمارها وبلغت شوطا علـيه رايـة الآمـال تعـقد
فحـلك حكـمة والقول فصل وشعرك نغـمة والوحي معبد
فمن وطني الى النجف المفدى تحـياتي لآل الشـيخ احـمد

وطبع ديوانه في لبنان سنة 1389 هـ وهو طافح بالوطنيات والوجدانيات سيما أحاسيسه ومواهبه عن ثورة الحرب العالمية وما عاناه من سجن وتعذيب يقول :
ولما ادلهمت علينا الخطوب وحقـقت الحادثات الظـنونا
لقيـنا زعازع ريب المنون وهان على النفس ما قد لقينا
ولم نلـو للدهر جـيد الذليل وان يكـن الدهر حربا زبونا

ونظم ملحمة (حل الطلاسم) نشرتها المجلات مع شرحها ثم نشرت مستقلة في بيروت كما نشر له (نقد الاقتراحات المصرية في تيسير العلوم العربية) و(فلسفة الامام الصادق) وألف في الفقه والاصول والفلسفة ولا زلت اتصوره واستشهد بأحاديثه وأكبر روحه الدينية ومواقفه الوطنية كتب عنه باسهاب زميلنا الباحث علي الخاقاني في شعراء الغري وأسهب في الحديث عنه وجاء بألوان من شعره سيما وطنياته ووجدانياته ومما هو جدير بالذكر ان الخاقاني زامل الشيخ الجزائري وجالسه فترة طويلة . وقد انطفا هذا المصباح الوقاد يوم الاثنين 15 ـ 10 ـ 1378 المصادف 23 ـ 4 ـ 1959 م .

ادب الطف ـ الجزء العاشر140


الشيخ كاظم نوح



المتوفى 1379

هـلال مـحـرم قـد أوجــرا فؤادي بنار جـوى مسعرا
هـلال بـه هـل دمـع العيـون فكان لطـرفي قـد أسهرا
بكيـنا لـما حـل فـي كـربـلا ودمع العيون دمـاء جرى
وقـد كسفـت شمـسنا والنجـوم تساقطن حزناعلى ما جرى
على ما جرى في عراص الطفوف بعترة احـمد خير الـورى
غـداة ابـن سـعـد اتـى فائـدا لجيش كثيف بـها عـسكرا
يـناجـزسـبـط نـبي الـهـدى ويطـمع في الـري اذ أمرا
ودارت رحـى الحرب في موقف بـه قـابل الادهـم الاشقرا
فـفـرت كــتـائـبـها نكـصا وفي وجهـها السبط قد غبرا
ومـذ اثخـنوا جسـمه بـالجراح ثوى يا بنفـسي لقى بالـعرا
وجالـت عـلى جسـمه خـيلـهم ورضت له الصدر حتى القرا

الشيخ كاظم ابن الشيخ سلمان بن داود بن سلمان بن نوح ابن محمد من آل غريب الاهوازي الكعبي الحلي الكاظمي ، تخرج على يد أبيه الخطيب الشهير الشيخ سلمان الذي انتقل من الحلة الى الكاظمية وعمره خمسة عشر سنة وتوفي وهو ابن ثلاث وأربعين سنة وذلك عام 1308 هـ وحمل الى النجف ودفن بوادي السلام .

ادب الطف ـ الجزء العاشر141


ولد المترجم له في اوائل شهر رجب سنة 1302 هـ وتلقى الكتابة والقراءة عند الكتاتيب ويقفو أثر أبيه في المجالس الحسينية ويستمع اليه بكل لهفة ويكتب القطعة من المراثي ويحفظها ويتلوها على أبيه على الطريقة المألوفة في المآتم الحسينية . درس النحو على السيد محمد ابن السيد محسن العاملي ، والشيخ محمد رضا اسد الله ، كما درس الفقه عليهما وعلى السيد احمد الكيشوان وكتاب تجريد الاعتقاد في علم الكلام على الشيخ مهدي المراياتي وبرع في الخابة حتى عرف بـ خطيب الكاظمية ومن أجلى المواقف خطابه في (حسينية الشيخ بشار) ببغداد يوم جاء الوفد المصري وعلى رأسه الكاتب الشهير احمد أمين يستمعون الى حديثه وخطابه ففتح باب المناظرة وأخذ يحاسب الدكتور احمد أمين على مفترياته على الشيعة في كتابه (فجر الاسلام) وكان الموقف موفقا والمجتمع يصغي اليه بكل شوق وهو مستمر في بيانه واحتجاجه وقوة استدلاله وتفنيده لتلك المفتريات والتهم مما دعى الدكتور أحمد أمين ان يصرح بأنه سيعيد طبع الكتاب خاليا من هذه الاغاليط ، قال المرحوم السيد محسن الامين في (أعيان الشيعة) ج 1 ـ 135 ما نصه : ومن العجيب ان احمد أمين زار العراق بعدما انتشر كتابه (فجر الاسلام) في زهاء ثلاثين رجلا من المصريين وحضر في بغداد مجلس وعظ الشيخ كاظم الخطيب الشهير فتعرض لكلام أحمد أمين في كتابه وفنده بأقوى حجة وأوضح برهان ووفى المقام حقه وهم يسمعون فاعجبوا ببيانه واذعنوا لبرهانه .
وفي سنة 1376 هـ دعي للمشاركة في الاحتفال العالمي في الباكستان بمناسبة مرور أربعة عشر قرنا على ميلاد أمير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام ، وكان وفد العراق يتألف من السادة الاعلام وهم : السيد علي نقي الحيدري ، السيد حسن الحيدري ، الشيخ محمد علي اليعقوبي ، الشيخ كاظم نوح ، الشيخ محمد رضا المظفر ، السيد محمد تقي الحكيم ، السيد عبد الوهاب الصافي ، السيد ابراهيم الطباطبائي . أما آثاره العلمية فمنها ديوانه المطبوع بمطابع بغداد في ثلاثة أجزاء وديوان رابع وهو يختص بأهل البيت عليهم السلام وقد طبع بمطابع بغداد أيضا غير شعره الذي لم يطبع والذي يزيد على (10000) بيتا ومن

ادب الطف ـ الجزء العاشر142


الجدير بالذكر انه أرخ اكثر من 500 حادثة تاريخية اضافة الى أغراض أخر .
2 ـ محمد والقرآن ذكر شهادات الاجانب في القرآن الكريم والنبي العظيم .
3 ـ الحضارة والعرب وما ذكره الاجانب في ذلك .
4 ـ المدنية والاسلام .
5 ـ ملاحظات على تاريخ الامة العربية لدرويش المقدادي .
6 ـ الحسم لفصل ابن حزم .
7 ـ رد الشمس لعلي بن أبي طالب من طرق أهل السنة .
8 ـ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وفيه أربعة مسائل تتضمن حديث (الائمة من قريش ...) .
9 ـ المواعظ الدينية الصحية ، نشرته مديرية الصحة العامة بغداد 1936 م . توفي رحمه الله فجأة على أثر ضيق في التنفس وذلك في شهر جمادى الآخرة من سنة 1379 هـ فكان يوما مشهودا في الكاظمية وبغداد واقيمت له الفواتح في أماكن عديدة ، وأقيمت له حفلة تأبينية في الكاظمية بمناسبة الاربعين شارك فيها الدكتور حسين علي محفوظ والسيد محمد علي الحيدري القاضي ، والسيد سعيد العدناني والخطيب جواد شبر (كاتب هذه الترجمة) واليكم قطعة من القصيدة أو المقدمة :
حياتـك كلـها غيـث عمـيم ولفـظك كله در نظـيم
ونـثرك يمـلأ الاجواء طيـبا كأن حروفـه عطر شميم
مربي الجيل أنـت ، وكان حقا رثاؤك أيها الرجل العظيم
تذيع على الـورى ستين عاما دروسا نهجها جزل قويم
وانـك خالد الـذكرى ويـبقى حديثك تستطيب به النسيم
* * *
أبا الاعواد والحكم اللواتي تمثل فيها الادب الصميم


ادب الطف ـ الجزء العاشر143


ترف عـلي روائعـها قلوب لرقتـها ، وتنتـعش الجـسوم
رأيتك تـسحر الالباب وعظا فكانـت في يـديك كما تـروم
وآلاف الانـام اليك تصـغي ووجـهـك لاح مطـلعه الوسيم
ودوى صوتك المرهوب فبها كـأنـك في اللقـا أسد هـجوم
وقد ضاق المكان بهم فضلت عـلـى مرآك أرواح تـحـوم
مواقف لسـت احصـيها بعد على الدنيا وهـل تحصى النجوم
* * *
أبا الاعـواد منـبرك المرجى لنفع الناس يعـلوه الوجوم
فهـل اسنـدتـه لفـتـى أبي وهل أحـد يقوم بما تقـوم
فمن لشباب هذا العصـر يهدي اذا عصفت بفكرته السموم
تجاذبـه العوامل لـيس يدري عـلي أي المبادئ يستـديم


ادب الطف ـ الجزء العاشر144


الشيخ كاظم كاشف الغطاء



المتوفى 1379

أيا عتـرة المختار والسادة الطهر وآل رسـول الله والانـجـم الزهـر
ويا عـلة التـكوين والآيـة التي تحـير فـي ادراكـهـا اللب والفـكر
بني أحـمد انتم مـعادن حكـمة فـعلـمكم كـنـز وجـودكـم بـحر
أدين بحب المصـطفى وولائـكم مدى الدهـر حتى ينقـضي منى العمر
تـنوه طـه والنـبا بمـديحـكم وياسـين والانفـال تـشـهد والقـدر
كذا سورة الاعراف قد شهدت لكم وفـي جـل آيات الـكتاب لـكم ذكر
وكم قـد أتت مـن آيـة في امية ليخـزى بها حرب ويرمـى بها صخر
لقد لعنوا في محـكم الذكر لعـنة يدور بها عـصر ويفـنى بـها عصر
وقد قـتلوا سـبط النبي وسبـطه تـطالبه ثـأرا بـما فـعـلـت بـدر
وقد رفعوا رأس الحسين على القنا تطـوف بـه البلـدان عـسالة سـمر
بنفسي جسوما طاهرات وقد غدت تداس بجرد الخيل مـذ رضض الصدر
* * *

الشيخ كاظم ابن الشيخ موسى ابن الشيخ محمد رضا ابن الشيخ موسى ابن الشيخ جعفر صاحب كشف الغطاء . ولد سنة 1304 ومات والده وهو طفل رضيع فكفله عمه الشيخ صاحب الحصون فنشأ نشأة علمية أدبية وحضر على اعلام عصره بحكم

ادب الطف ـ الجزء العاشر145


بيئته وأسرته ، أدركت أيامه فكان مثالا لطهارة القلب وحسن الخلق وطيب المعشر وكنت اقرأ على اساريره النور فلا تفارقه الابتسامة واثر السجود بين عينيه كثيرا ما كان يحضر مأتم سيد الشهداء ويشجعني كثيرا على خدمة المنابر ولا زلت احتفظ بأشعاره بخط يده اذ كان يتأثر بمنابري فينظم القطعة الشعرية ويثنى على تلك الروحانية وربما فارق النجف الى البصرة اذ له هناك مزرعة ويروي جملة من الشعر الذي نظمه شعراء عصره بمناسبة قرانه بابنة عمه الشيخ صاحب الحصون سنة 1324 هـ وأرخ بعضهم قائلا :
قد أصبحت آيات آل جعفر تتـلى بلفـظ ناثـر وناظـم
حتى السماء نظمت نجومها في مـدح تلك السادة الاعاظم
والمجـد قد تهـللت طلعته بشرا فأرخه بعـرس كاظـم

ترجم له الخاقاني في شعراء الغري وذكر قسما من شعره وجانبا من أخلاقه وتواضعه فمن شعره في أهل البيت عليهم السلام :
أرقت وماخـوفا من الموت أأرق ولا طمعـا في الـمال مثلي يـأرق
ولسـت بحـب الغانيـات مـوله ولا للـحسان البيض قلـبي يعـشق
ولسـت لمخلوق من الناس راجيا ولا لغـنـي جـئـتـه اتـمـلـق
ولا كنت في حرب الرياسة راغبا بأثـقالـها اشـقى وفيـها اطـوق
ولكنني فـي عفو ربـي ولطـفه واسـأل غفران الـذنـوب وافـرق
وفي حـب آل الله والعترة الـتي بهم سارت الافلاك والـشمس تشرق
أموت وأحـيا مستـهاما بحـبهم وفيهم من النيـران انجـو واعـتق

كانت وفاته رحمه الله في مدينة الحلة وشيع جثمانه الطاهر يوم الثلاثاء 3 ـ 11 ـ 1959 من مقبرة المحقق الحلي الى النجف الاشرف وكان الناس في باب البلد عند جامع الحيدري يستقبلون الجثمان من مختلف الطبقات حتى دفن في وادي السلام .

ادب الطف ـ الجزء العاشر146


الشيخ كاظم السوداني



المتوفى 1379

خـلت مـن الـدار مغانـيها وأقفـرت بعـد مبانيها
فـهي يباب بعـدهـم للـبلا ما أحسن الـدار بأهليها
سلهاعسى تنـبيك عـن نأيهم وأين جد السـير حاديها
وحيـها في صـيب كـالحيا تندى لـه العـين أماقيها
لها على العـشاق حـق البكا فقف بـها يا سعد نبكيها
يا وحـشة الدار وقـد أقفرت خـالـية الا أثـافـيهـا
قطـينها خف وقـد زمزمت تحدو الى الطف نواجيها
وقـوضت لكن عـلى اثرها قوضـت الدنيا بـما فيها
حملها المجد فـشالت ضحـى تقـودها غـر مساعـيها
شـعارها الذكـر به قـد تلت ورتلـت في الآي تنشيها
يا يـومهم وهوالعـظيم الذي قد طبق الدنـيا نواعـيها
قد أعقـبوا فـيه لهم وقـفة تبقى الى الحشر مـعاليها
سل كربلا عنهم وسل أرضها مـن دك بالكر روابيـها
وكيف فاضت وطغت في دم تجري وحد السيف يجريها
أبـادهـا الـمـوت ولكـنما نشر جمـيل الذكر يحييها
وثـائـر شـمرعـن وثـبة يقصر عنها اللـيث تشبيها
صادق طعن ليس يخطي الحشا والطـعنة النـجلاء يرويها
أرخصـها دون الـهدى مهجة ـ يا بأبي والناس ـ أفديها


ادب الطف ـ الجزء العاشر147


الشيخ كاظم ابن الشيخ طاهر بن حسن بن بندر ، ولد في النجف سنة 1303 هـ ونشأ بها وتلمذ على مشايخ الادب وأخذ عنهم أصول العربية وشغف بالادب الجاهلي ويعتد بنفسه كثيرا ، وكثيرا ما كان يقول اذا اسمعته شعرا لشعراء العصر الحاضر يقول وأين هذا من شعر الرضي والمهيار .
له ديوان شعر فيه العشرات من القصائد في أهل البيت عليهم السلام والعلماء والاعيان وقد استكتبني مرة في دارنا ـ وأنا صغير السن ـ فأعجبه الخط فأعطاني ديوانه وهو أوراق مبعثرة فكتبته له بأكثر من مائتي صفحة وكان اذا نظم القصيدة في أهل البيت ينشدها بنفسه بطريقته الخاصة في مجلس المرحوم الشيخ هادي كاشف الغطاء الذي كان يعقد كل يوم خميس اسبوعيا . والشيخ كاظم أديب ولغوي ومنبري خدم المنبر الحسيني طيلة عمره وله نوادر أدبية ومساجلات شعرية كثيرة ، ومن قوله :
بادر فـطرق العلى من أوضح الطرق وانفض لها ساعيا في جد مستبق
لا يـركـب الهـول الا قـلب ولـه قلـب جريء عـلى أمن بلا قلق
ولا يـلم عـلى مـجد سـوى رجـل مسهد الجفن مطبـوع على الارق
حاذر على المجد واحرص ان تحوط به كما أحاطت جفـون العين بالحدق
لملـبـس خلـق فـي العـز تلـبسـه أجل مـن جدة الـديباج والـسرق
ومـن بـثوب جـديـد كان مفـخره فـذاك ابخـس ثوب في الدنا خلق

ترجم له الباحث المعاصر الخاقاني وأتحفنا بألوان من شعره لا اتخطر أني كتبته يوم استنسخت له ديوانه ، ومما يخطر ببالي ان المرحوم السيد مير علي ابو طبيخ قدس سره حدثني بأن الشيخ كاظم السوداني كان يطالبه بأكلة من الباذنجان المقلي وهو الذي يسمى بـ (المسمى) وطالت مطالبته فنظم :
علي القدر يا ابن أبي طبيخ الى اللقب الذي قد شاع اسما
طبيـخك في مسـماه والا فاسمك والطـبيخ بلا مسمى

ويحدثنا الخاقاني ان المترجم له كان يثور حينما يسمع بتفضيل

ادب الطف ـ الجزء العاشر148


المتنبي على غيره كما انه كان يقول : شعر المتنبي مسروق وحتى هجا المتنبي بقصيدة فنظم الشيخ محمد علي اليعقوبي يخاطب المتنبي :
يا ابن الحسين وقد جريت لغاية قد أجهدت شعراء كـل زمان
لكنما السـودان حيـن هجوتهم ثارت عليك ضغائن (السوداني)

وقال أيضا :
يا هاجـيا رب القـوافي احمدا بلواذع من نظمه وقـوارص
حسبي وحسبك في جوابك قوله (واذا أتتك مذمتي من ناقص)

وقد سجلت له في مخطوطاتي قصيدة نظمها في زفافي سنة 1356 هـ :
فـضائل فعل الـمرء تعرف بالاثر لك الخير فاخـتر أحسن الحـمد والـذكر
ولا خير فيمن همـه المـال والغنى وكان مـن العـلياء فـي جـانب الـفقر
ورب امرء خالي الوطاب من العلى يزاحم ـ وهوالذيل ـ من حل في الصدر
يدقـر مـعنى نفـسه لا بنـفسـه كبيت بـل معـنى أضيـف الـى الشعر
تقـدم فيـها خامل الذكر مـن بـه أتى هل أتـى الانـسان حين مـن الدهر
لعـبد حقـيق حـرة ذكـريـاتـه هو الـحر لا مـن قـد تـشـبه بالـحر
الى م الشقا في ليلة البـؤس والعمى أما قد تـرى من بعـدهـا طلـعة الفجر
فعقـلك مـرآة لامـرين نـاظـر فبالخـير تـلقى الخـير والـشر بالـشر
وعنـدك لـذات فـصاحـب أجلها فـان فـساد العـقل مـن لـذة الخـمر
ومهما ارتقى فيـك الكمال بـأوجه فـانـك محـتاج الـى الـرأي والـفكر
باخلاقه الانـسان لا فـي بـروده وفي حسـنها الحسـناء لا في حلى الدر
الا ان حسـن الـسير أطلـب نافع وكم من سفـيه يطـلب الـنفع بالـضر
اذا غلب الطغـيان يوماعـلى امرء تجـنى مسـيئا وهو يـدري ولا يـدري
وفـي كـل نفـس للتكـبر خـلقة اذا وجدت حـظا تخـطت الـى الكـبر
ومن كان ذا عسر فـلا يك موجسا فمن بعـد هـذا العـسر لليسر واليـسر
ومن كان ذا صبر على واجـب له فبـشره بالحسـنى بعـاقـبة الـصـبر
ومن كان ذا حرص بعيد عن الندى تـجاوزن عـنه الـسن المـدح والشكر


ادب الطف ـ الجزء العاشر149


وما كـل من قد قال يفعل صادقا دع الخبر المكذوب فالصدق في الخبر
وما طاب يوما منبت السوء زاكيا وهل ثـمر يحـلومن الشـجر الـمر
تحذر مـن النادي ولاتـك مغمزا فمحـشده ضـم الـذكي مـع الغمر
وسر سابقا مثل الجـواد الى العلى غـداة شآ فيـها الى حـلبة الفـخر
تجـلى وجـلى لامعا بين تـربه فبان بحـسن السعد كالكوكـب الدري
فتـى لعلي ينتـمي وكـفى بـه عـلاء ومجدا طيـب الحـجر والدر


السابق السابق الفهرس التالي التالي