بناء الاسرة الفاضلة 274

قال : فلا تضعها في حجرك ولا تقبلها » (1) .
10ـ قال علي (ع) :« مباشرة المرأة ابنتها إذا بلغت ست سنين شعبة من الزنا » (2) .
والمقصود من المباشرة هنا مس عضوها الخاص .
ويقول القرآن الكريم :« يا أيها الذين آمنوا ، ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات من قبل صلاة الفجر ، وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ، ومن بعد صلاة العشاء ، ثلاث عورات لكم »(3) .
قال رسول الله (ص) : « والذي نفسي بيده لو أن رجلاً غشي امرأته وفي البيت صبي مستيقظ يراهما ويسمع كلامهما ونفسهما ما أفلح أبدا ، إن كان غلاماً كان زانياً أو جارية كانت زانية » (4) .
وعن الامام الصادق (ع) : « لا يجامع الرجل إمرأته ولا جاريته وفي البيت صبي ، فإنه ذلك مما يورث الزنا » (5) .
وعن الامام الباقر (ع) : « إياك والجماع حيث يراك صبي يحسن أن يصف حالك » (6) .
إن إي مخالفة لهذه النصوص الواردة يمكن أن تؤدي الى نضوج مبكر

(1) مكارم الأخلاق : ص 223 .
(2) مكارم الأخلاق : ص 223 .
(3) سورة النور ، الآية 58 .
(4) الوسائل : ج 14 ص 94 الباب 67 من ابواب مقدمات النكاح ح2 .
(5) الوسائل ج 14 ص 94 الباب 67 من ابواب مقدمات النكاح ح 1 وص 95 ح 7 .
(6) الوسائل : ج 14 ص 95 الباب 67 من ابواب مقدمات النكاح ح 8 .
بناء الاسرة الفاضلة 275

لهذه الغريزة ، وبالتالي سوف يقع الأبوان في دوامة أسئلة من الطفل حول هذا الموضوع ، والتي قلما يستطيع الأبوان ان يخرجا من هذا المأزق بشكل جيد .
وفي حالة كهذه أو في حالات مشابهة كأن يرى الأبوان بعض التصرفات من أطفالهما تشير إلى إنتباههم الى هذه الأمور ، كأن يعبث الطفل بعضوه أو ما شابه ذلك ، ففي هذه الحالة على الأب مع الصبي أو الأم مع الفتاة ان تتصرف بحكمة ، فلا ينبغي ارهاب الطفل بشكل يجعله اكثر إثارة تجاه هذا الشيء بحيث ينشد تجاه الممنوع ودون ان يشعر والدية في المرات الاخرى ، فعلى الاب ان يتصرف معه دون اشعاره بأنه قام بعمل فادح مما قد يزرع بذور عقدة النقص في نفسه ، بل يجب ان يكلما الطفل بكل هدوء ، ويحاولان ان يشعراه بعدم أهمية الموضوع ، ونهيه بشكل رقيق ، وتعريضه لمؤثرات اخرى بحيث تشد انتباهه عن الموضوع سالف الذكر .
والخطوة التالية هي أن يخضع الوالدان هذا الطفل لمراقبة شديدة لمعرفة إن كان هناك أي مضاعفات أخرى لم يعلما بها دون اشعاره بهذه المراقبة ايضا .
وهنا يجدر الاشارة الى نقطة هامة في هذا الموضوع ، وهو أن كثيرا من الآباء والأمهات يصارحون أبناءهم وبناتهم بكل شيء حول الأمور الجنسية ، ولربما وصل الحد الى درجة شرح تفاصيل العملية الجنسية ، يفعلون ذلك باسم العلم والثقافة ، والغريب انك تسمع من هؤلاء الآباء تأكيدا على وجوب شرح هذه الأمور للأطفال اثناء البلوغ ، ولربما وجدت هذه المعلومات مفصلة في المكتبة المدرسية في عمر مبكر .
والحقيقة ان هذه الفكرة خطأ فاحش ، إذ أن البالغ يكون خياله في قمة نشاطه في هذه الفترة ، وهنا تمكن الخطورة إذ قد يستحوذ هذا الجانب على

بناء الاسرة الفاضلة 276

خياله فيشده الى التفكير في هذه الأمور دون الأمور الأخرى ، ويكون قد وقع في خطرالانحراف مع وجود المؤثرات وتأخر الزواج في عصرنا الحاضر ، والخطر الثاني التأثير على مستقبله العلمي والفكري .
إن الحديث بصراحة في هذه الأمور لا يجب أن يكون إلا قبيل الزواج بفترة بسيطة جداً ، إذ أن الاسلام يحافظ على سلامة الخيال من أي شائبة قد تؤثر سلبياً على صاحبها ، وقد جاء في الحديث : « لا تعلموا نساءكم سورة يوسف وعلموهن سورة النور » (1) .
أيها الأب المؤمن ...
أيتها الأم المؤمنة ...
* ان الطفل مخلوق ضعيف وقد جعل الله امره بيدك تتصرف معه كيفما تشاء وانت المسؤول عنه بدقة « ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة و لا كبيرة الا احصاها » (2) فلا تظلمه ، ولا تؤذيه فهو كبدك الذي يمشي على الأرض ، وانسان صغير محتاج لك ويرجو فضلك ، ويرى انك الذي ترزقه كما جاء بالحديث ، ولا ملجأ له غيرك فانظر كيف تكون معه .
إن طفلك منسوب إليك ، وهو جزء منك ، وسيحمل اسمك في المجتمع ، فكيف تريد ان تراه ؟ وطبقا لما تتمناه تستطيع ان تضعه ، واعلم ان صيرورة الطفل تحت يديك فتنة وبلاء ومسؤولية ، فانظر كيف ستجتازها .
ضع نفسك مكان الطفل ، وتأمل كيف تريد ان تكون حياتك منذ بدايتها ، وكيف تود ان يعاملك أبواك ، واعمل على هذا الأساس .

(1) الكافي : ج 5 ص 516 باب تأديب النساء ح 2.
(2) سورة الكهف ، الآية : 49 .
بناء الاسرة الفاضلة 277

وأخيرا اعرف ان هذا الطفل الذي بين يديك سيعكس شخصيتك وايمانك وفكرك لله وللناس .
فما تستطيع أن تنتجه في تربيتك لطفلك تكون قيمتك . وكما قال الامام علي (ع) : « قيمة كل امرء ما يحسنه » (1) .


(1) نهج البلاغة : قصار الحكم 81.
بناء الاسرة الفاضلة 278




بناء الاسرة الفاضلة 279




تزلزل العلاقة بين الزوجين .. نهاية الأسرة

بناء الاسرة الفاضلة 280




بناء الاسرة الفاضلة 281

المقدمة

إن الزواج وتكوين الأسرة من المسائل المهمة في حياة الانسان ، فقد كان و لا يزال مادة للبحث والنقاش بين المفكرين من علماء التربية والفلسفة والمشرعين باختلاف عقائدهم ، وأهم ما يبحث في هذا الجانب هو حقوق أفراد الأسرة وأسس العلاقات بين أفرادها والمشاكل التي تعترض تكوين الأسرة .
إن وجود الأسرة ضرورة يثبتها العقل والشرع ، وبدونها لا يكون للحياة الاجتماعية شكل أو معنى ، والدراسات تثبت أن محاولات بعض الماديين ـ كأصحاب نظريات الشيوعية الجنسية وغيرها ـ بطرح آراء تقلل من ضرورة الأسرة وتقلل من البناء الأسري ، كان خطأ فاحشاً وخيانة عظمى للانسانية حيث أصابت المجتمع بالهزات والمصائب والخراب (1) .
ففي المجتمعات الغربية والحضارية الجديدة عامة قد اختلط الصالح مع الطالح ، والأفكار السليمة مع الخاطئة حتى أصبح الحق باطلاً والباطل حقاً ، وبسبب هذه التناقضات حدثت ردود فعل متباينة عند الناس في تلك المجتمعات ، فالبعض مثلاً ضرب عرض الحائط بأي نوع من العلاقات

(1) نظريات الشيوعية الجنسية وغيرها .
بناء الاسرة الفاضلة 282

الأسرية ، وطرح فكرة الاباحية اللامحدودة كبديل للأسرة وتكونت روابط كثيرة غير مشروعة .
ولم تستطع النهضة الثقافية أن تحل مشكلة العلاقات والروابط بين الناس ، بل إن الأسرة في عالمنا اليوم تزلزلت تزلزلاً شديداً في علاقات أفرادها سلبتها الثبات والهدوء ، مما أدى بها إلى أن تكون العلاقات سطحية وهشة ، لذلك نرى كثرة الطلاق وهدم الأسرة ، وبعكس تلك القوانين فقد اختار الله للبشرية الدين الاسلامي كمنهج للحياة وأنزل القوانين والمبادئ التي تنظم الأسرة وتحفظها من الأهواء ولم يترك أي جانب يعتريه الخلل أو النقص « وانكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم » (1) .
وعن الرسول الأكرم هذا الحديث الذي يقول فيه : « ما بني في الاسلام بناء أحب إلى من التزويج » .
وقال (ص) : « ما بني بناء في الإسلام أحب إلى الله عز وجل ، وأعز من التزويج » (2) .
كيف ينظر الاسلام للزواج :
ينظر الاسلام للأسرة على أنها جماعة أو اجتماع مكون من أفراد ذوي شخصية مدنية وحقوقية معنوية ، وقال الرسول (ص) : « أعظم الناس حقا على المرأة زوجها وأعظم الناس حقا على الرجل أمه » (3) .
إن البنية الأساسية للأسرة تتكون من الزواج ، والنكاح عقد على أساسه تتكون الروابط الزوجية والتي من أثرها يصبح للطرفين وظائف وحقوق وعليهم

(1) سورة النور ، الآية : 32 .
(2) مكارم الأخلاق : ص 196 .
(3) كنز العمال : ج 16 ص 331 ح 44771 .
بناء الاسرة الفاضلة 283

واجبات والتزامات .
والزوجين يمثلان اللبنة المهمة والأساسية التي بهما تتكون الأسرة ، وهما الوحدة التي يرتكز عليها استمرار الأسرة منذ عقود الزواج (1) .
ففي البداية يكون الزوجان وحيدين ومن ثم يأتي الأبناء ليكملوا بناء الأسرة ، وفي النهاية وعندما يكبر الأبناء ويكونوا أسراً جديدة يخرجوا من إطار الأسرة إلى القاعدة الأساسية ، ويبقى الوالدان مترابطان في إطار احدى الأسر الجديدة للأبناء .
فالزواج هو تكوين اجتماع بين فردين لم يكن لهما أية علاقة ببعضهم في السابق ، وعندما تبدأ هذه العلاقة الجديدة من البديهي أن يحدث نوع من الروابط بين الطرفين ، ولكي يكون هذا التجمع ( الكيان ) راسخاً وثابتاً ، هناك حاجة لقوانين وأسس للتعامل على ضوء العلاقة الجديدة التي حدثت ، حتى يحافظ كل فرد على حقوقه ، ويباشر مهامه بالوجه السليم دون التعدي على حقوق الطرف الآخر ، والمعروف أن الروابط بين أعضاء الأسرة مبنية على أساس التفاني والتراضي ، والاعتماد على الصفات الانسانية النبيلة التي دعى لها الشرع الاسلامي كي تسير سفينة الأسرة في خضم بحر الحياة وتجابه أمواج المشاكل المتلاطمة .
ولنناقش جانبا من هذه العلاقات التي تحكم الأسرة والمشاكل التي يمكن أن تحدث من جراء ذلك وكيفية حلها .

(1) راجع مشاكل العائلة الحديثة في فقه الاجتماع لآية الله الشيرازي .
بناء الاسرة الفاضلة 284




بناء الاسرة الفاضلة 285

العلاقة بين الزوجين

1ـ العلاقة بين الزوج والزوجة :
إن الزواج في الإسلام ـ بخلاف كل المدارس الفكرية الأخرى ـ أمر مقدس ، فكل الروايات والأحاديث تركز على ذلك . يقول الرسول (ص) : « ما من شيء أحب إلى الله من بيت يعمر في الاسلام بالنكاح » (1)
ويقول (ص) : « من أحب فطرتي فليستن بسنتي ، ومن سنتي النكاح » (2) .
ولهذه العلاقة الجديدة ثمار قيمة وقيم عالية لا تنشأ بدون هذه الرابطة والعلاقة المقدسة ومنها :
1ـ بالرغم من القيمة السامية للفرد المؤمن في الإسلام كان رجلاً أو امرأة إلا أن عظمة الفرد وقيمته تزداد أضعافاً مع تكوين الروابط الأسرية ، ففي الأسرة يخرج الانسان من إطار الفردية والوحدة إلى الزواج ، الذي هو نوع من التكامل

(1) الكافي : ج 5 ص 328 باب الحض على النكاح ح 1.
(2) مكارم الأخلاق : ص 196 .
بناء الاسرة الفاضلة 286

ورفع لمكانة الرجل والمرأة في نظر الإسلام ، ففي الحديث عن رسول الله (ص) : « لركعتان يصليهما متزوج أفضل من صلاة رجل عزب يقوم ليله ويصوم نهاره » (1) .
وفي رواية أخرى عن الصادق (ع) : « ركعتان يصليهما متزوج أفضل من سبعين ركعة يصليهما اعزب » (2) .
فالزوجية في كل شيء كما يقول الله تعالى : « من شيء خلقنا زوجين » (3) تعتبر سنة من سنن الله الفطرية ، وبالزواج يدرك الانسان حقائق لا يدركها وهو فرد ، لأن الزواج نصف الدين كما في الرواية عن الرسول (ص) « من تزوج فقد أحرز نصف دينه فليتق الله في النصف الباقي » (4) .
وقال (ص) « المتزوج النائم أفضل عند الله من الصائم القائم العزب » (5) .
وقال (ص) « من تزوج فقد أعطى نصف العبادة » (6) .
2ـ ادراك قيمة الوحدة :
يقول الامام الرضا (ع) : « لو لم تكن في المناكحة آية منزلة ولا سنة متبعة ، لكان ما جعل الله فيه من بر القريب وتآلف البعيد ما رغب فيه العاقل

(1) مكارم الأخلاق : ص 197 .
(2) مكارم الأخلاق : ص 197 .
(3) سورة الذاريات ، الآية : 49 .
(4) مكارم الأخلاق : ص 196.
(5) جامع الأخبار : ص 106 في التزويج وبحار الانوار : ج 100 ص 221 .
(6) روضة الواعظين : ص 375 وبحار الانوار : ج 100 ص 220 .
بناء الاسرة الفاضلة 287

اللبيب وسارع اليه الموفق المصيب » (1) .
في ظل العلاقة الجديدة بين الزوج والزوجة يتوصل الطرفان إلى إدراك مفهوم جديد للوحدة والتفاني فانهما وإن كانا اثنين ولكنهما جسدان وروح واحدة .
والوحدة هذه تعلمهما التفاني في سبيل بعضهما البعض في درب الخير والسعادة ، فكل منهما يتعلم من الآخر سبل العيش مع الطرف الآخر كوحدة متجانسة متفقة .
3ـ ادراك قيمة الحياة الانسانية :
بسبب هذه العلاقة الجديدة يدركان قيمة أخرى للحياة ، ومعنى آخر للحياة الانسانية وهو معرفة الأهداف السامية والحميدة التي خلق من أجلها الانسان ، فما أكثر التفاهات المقدسة في حياة الكثير من العزاب .
عن علي (ع) قال : « إن جماعة من الصحابة كانوا حرموا على أنفسهم النساء والافطار بالنهار والنوم بالليل فأخبرت أم سلمة رسول الله (ص) فخرج إلى أصحابه فقال :
ا ترغبون عن النساء ، إني آتي النساء ، وآكل بالنهار ، وأنام بالليل ، فمن رغب عن سنتي فليس مني وأنزل الله « لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا ان الله لا يحب المعتدين وكلوا مما رزقكم الله حلالاً طيباً واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون »(2) .
فقالوا : يا رسول الله إنا قد حلفنا على ذلك :

(1) بحار الأنوار : ج 100 ص 264 ومكارم الأخلاق : ص 206 .
(2) سورة المائدة ، الآية : 87 ـ 88.
بناء الاسرة الفاضلة 288

فانزل الله : « لا يؤاخذكم الله باللغو في إيمانكم » إلى قوله .. « ذلك كفارة إيمانكم »(1) (2) .
4ـ ارتقاء قيمة العبادات :
بالزواج ترتقي قيمة العبادات وتسمو روحياً فقد قال رسول الله (ص) : « من تزوج أحرز نصف دينه » (3) .
ويعتبر الاسلام الزواج بعد ذاته عبادة قال رسول الله (ص) : « من تزوج فقد أعطى نصف العبادة » (4) .
5ـ النكاح يزيد في الرزق :
« وانكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وامائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله » (5) .
وعن الرسول(ص): « اتخذوا الأهل فإنه ارزق لكم » (6) .
وعنه (ص) : « حق على الله عون من نكح التماس العفاف عما حرم الله » (7) .
هذه بعض القيم التي يدركها الانسان المتزوج في ضوء العلاقة الجديدة ، وهذا ما نرجوه لكل مسلم ومؤمن بالله ـ ولكن تجري الرياح بما لا

(1) سورة المائدة : الآية : 89 .
(2) الوسائل : ج 14 ص 8 الباب 2 من ابواب مقدمات النكاح ح 9.
(3) الكافي : ج 5 ص 328 باب كراهة العزبة ح 2.
(4) روضة الواعظين : ص 375 وبحار الأنوار : ج 100 ص 220 .
(5) سورة النور ، الآية :32 .
(6) قرب الاسناد : ص 11 وبحار الانوار :ج 100 ص 217 ح1 .
(7) كنز العمال : ج 16 ص 276 ح 44443 .
بناء الاسرة الفاضلة 289

تشتهي السفن ـ فما زلنا نلاحظ في مجتمعاتنا الحاضرة أن معظم الروابط الأسرية ليست على أسس متينة ، ولم تؤد العلاقات الجديدة أهدافها ، بل كثيراً ما كان الطلاق وفسخ تلك العلاقة المقدسة نهاية للمشكل التي تعترض مسار الأسرة .


بناء الاسرة الفاضلة 290




بناء الاسرة الفاضلة 291

أسباب تزلزل العلاقات بين الزوج والزوجة

أولا : الأسباب الفكرية والأيديولوجية :
التقارب العقائدي مطلب أساسي ومهم للزواج في الإسلام ، والاختلافات العقائدية من العوامل المهمة لتضارب العلاقات . والسبب في هذا واضح ، فالتعايش بين نظريتين متباينتين غير ممكن ، كعدم اجتماع الأضداد ، فمن المفروض على المسلم أن يسير حياته ويؤدي أعماله حسب المنهج الاسلامي ، ومن جهة أخرى ، الطرف الآخر كذلك يريد تطبيق عقيدته في الحياة فيما يتعلق بالعلاقة بينهما وبين الزوج ، و لا مرد فإن هذا الاختلاف في المنهج التطبيق يؤدي إلى التضارب بين الرأيين والمشاحنة .
أما إذا رأيت أحدا قد استطاع الانسجام مع زوجته التي تختلف معه في العقيدة فاعلم بأنه قد قدم تنازلات في فكره وعقيدته ، ونقول هذا لشبابنا المسلم الذي تقتضيه الضرورة أن يسافر إلى الخارج لتقصي العلم ، ويحاول هناك أن يكون علاقات أسرية ، فكم رأينا من هؤلاء الذين قرروا الزواج من إمرأة ليست من عقيدتهم ، كيف ان هذه العلاقة لم تستمر وكانت نهايتها المشاحنة والفراق .

بناء الاسرة الفاضلة 292

لقد كانت آسيا بنت مزاحم امرأة فوعون مثالاً للنساء ولكل المؤمنين في مدى تمسك المرأة بعقيدتها وهي زوجة لأكبر طاغية في زمانه ، والقرآن يذكر لنا هذا النموذج ليكون قدوة لنا حتى لا يكون الزواج على حساب العقيدة والتنازل عن المبدأ « وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأة فرعون إذ قالت رب ابن لي عندك بيتاً في الجنة ونجني عن فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين » (1) .
والواقع إن التباين العقائدي لا يؤدي فقط إلى تزلزل العلاقة ، بل ان التفاوت في مدى التمسك بالعقيدة قد يكون سببا لسوء العلاقات بين الزوجين ، فمن الممكن أن يكون الزوج ممن يتعامل مع زوجته على خلاف المنهج الاسلامي ضارباً بقوانين الاسلام عرض الحائط ، فتارة يدعوها للخروج معه للزيارات المختلطة مع أصدقائه وأهله ، وتارة يمنعها من التمسك بحدود الاسلام من لبس الحجاب وزيارة المساجد والأماكن المقدسة ، ففي الأثر روي أن رجلاً جاء إلى الحسين (ع) يستشيره في تزويج ابنته فقال : « زوجها من رجل تقي فإنه إن أحبها أكرمها وإن أبغضها لم يظلمها » (2) .
فكثيراً ما شاهدنا في الآونة الأخيرة أن الزوجة تريد أن تتحجب ولكن الزوج يمنعها من ذلك ، وفي رواية عن أم سلمة قالت : كنت عند النبي (ص) وعنده ميمونة فأقبل ابن مكتوم الأعمى وذلك بعد أن أمر بالحجاب ، فقال : « احتجبا » .
فقلنا : يا رسول الله أليس أعمى لا يبصرنا .
فقال (ص) : « أفعميان أنتما ألستما تبصرانه » (3) .

(1) سورة التحريم ، الآية : 11 .
(2) مكارم الأخلاق : ص 204 .
(3) مكارم الأخلاق : ص 233 .
بناء الاسرة الفاضلة 293

فتقع الزوجة بين نارين نار معصية الله، ونار عدم طاعة الزوج ، وتبدأ بالتخوف على دينها ، ويؤدي ذلك إلى المشاحنات والمشاجرات المستعرة والعكس كذلك قد يكون صحيحاً وذلك بأن يكون الزوج مؤمناً متمسكاً بعقيدته ملتزماً لحدود الله أما الزوجة فيكون فهمها سطحياً للدين ولا تتمسك بقيم الاسلام سواءا العبادية منها أو السلوكية ، فالتباين العقائدي يلعب دوراً رئيسياً في الخلافات وسوء العلاقة بين الزوجين .
ثانياً : نماذج أو صور من سوء المعاملة بين الطرفين :
أـ حب الذات وتحقير الغير :
عند التدقيق في أسباب الخلافات في الأسرة نرى حب الذات وتحقير الغير يلعبان دوراً أساسياً في ذلك ، فالزوج مثلاً يتعامل مع زوجته وكأنها خلقت لخدمته والترفيه عنه فهي والخادمة في البيت سواء ، ولا يتعامل معها كإنسانة تساويه في المشاعر والأحاسيس بل يرى نفسه أفضل منها .
ويزداد الوضع سوءا إذا كان هناك تبايناً علمياً أو مالياً أو عرقياً بجانب الجهل ، فلا يرى هذه الأفضلية نعمة من الله وأنه لا يعني كونه أفضل منها ، ولا يسعى لتصحيح الفارق أو تقليله ، بل يستغله لفرض سيطرته وتسيير دفة الأسرة لمصلحته الذاتية بدون اعطاء أي قيمة للطرف الآخر .
وهذا بالطبع يؤدي إلى إحساس الزوجة بأنها مجرد قطعة أثاث ، أو آلة ليس لها أي دور في الأسرة سوى الغسل والطبخ وخدمة الزوج بحيث يجب أن تتعامل معه كالسيد المترأس ، فإن قالت أو أبدت رأيها في شيء أسكتها ، وأفهمها أن هذا ليس من شأنها وأنها لا تفهم في هذه الأمور ، وبهذا تفقد دورها في الأسرة مما يعني عدم مقدرتها على أداء واجباتها كتربية الأطفال والمعاشرة المثلى .

بناء الاسرة الفاضلة 294

فهل يتوقع من هذه المرأة ان تربي جيلاً متسماً بمتانة الشخصية ، وقوة الارادة والثقة بالنفس ، بالطبع كلا لأن فاقد الشيء لا يعطيه .
عن الرسول (ص) : « ألا وان الله ورسوله بريئان من المختلعات بغير حق ، ألا وان الله عز وجل ورسوله بريئان ممن أضر بأمرأة حتى تختلع منه » (1) .
ويقول الامام علي (ع) : « لا يكن أهلك أشقى الخلق بك » (2) .
أما إذا كان التعالي من قبل الزوجة بحيث ترى نفسها أفضل من زوجها عرقياً أو غيره فالمصيبة أكبر ، لأن رد فعل الزوج يكون أقوى ، وبه تفقد الأسرة قائدها ومعيلها .
قال الامام الصادق (ع) : « ملعونه ملعونه إمرأة تؤذي زوجها وتغمه وسعيدة سعيدة إمرأة تكرم زوجها ولا تؤذيه وتطيعه في جميع الأحوال » (3) .
وقال رسول الله (ص) : « لا تؤدي المرأة حق الله حتى تؤدي حق زوجها » (4) .
بينما الاسلام يؤكد على أن الرجل والمرأة سواء في قاموس الرسالة « من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة » (5) وفي آية أخرى « ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون »

(1) بحار الأنوار : ج 73 ص 366 .
(2) بحار الانوار : ج 74 ص 229 .
(3) بحار الانوار : ج 100 ص 252 ح 55.
(4) مكارم الأخلاق : ص 215 .
(5) سورة النحل ، الآية : 97 .
بناء الاسرة الفاضلة 295

الجنة » (1) .
فلا مجال للتفاضل بين الزوجين سواءا بالحسب ، أو النسب ، أو المستوى الاجتماعي ، أو الاقتصادي ، لأن الاسلام ينسف جميع هذه المقاييس البالية التي أصبحت عثرة تعيق بناء تكوين الأسرة الفاضلة أو لا أقل تعرقل استمراريتها ...
فهذا قدوتنا رسول الله (ص) يقول : « أنكحت زيد بن حارثة بنت جحش وأنكحت المقداد ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب ليعلموا أن أشرف الشرف الإسلام » (2) .
وقال أبو جعفر (ع) : « إن رجلاً كان من أهل اليمامة يقال له جويبر أتى رسول الله (ص) منتجعاً للإسلام فأسلم وحسن اسلامه ، وكان رجلاً قصيراً دميماً محتاجاً عارياً ، .... وان رسول الله (ص) نظر إلى جويبر ذات يوم برحمة منه له ورقة عليه فقال له : يا جويبر لو تزوجت إمرأة فعففت بها فرجك وأعانتك على دنياك وآخرتك .
فقال له جويبر : يا رسول الله بأبي أنت وأمي من يرغب في فوالله ما من حسب ولا نسب ولا مال ولا جمال ، فأية إمرأة ترغب في ؟
فقال له رسول الله (ص) : يا جويبر إن الله قد وضع بالإسلام من كان في الجاهلية شريفاً ، وشرف بالإسلام من كان في الجاهلية وضيعاً ، وأعز بالاسلام من كان في الجاهلية ذليلاً ، وأذهب بالاسلام ما كان من نخوة الجاهلية وتفاخرها بعشائرها وباسق أنسابها ، فالناس اليوم كلهم أبيضهم وأسودهم

(1) سورة النساء ، الآية : 124 .
(2) مكارم الأخلاق : ص 207 .

السابق السابق الفهرس التالي التالي