بناء الاسرة الفاضلة 256

الثقة بالنفس الى جانب اناس واثقين بأنفسهم رغم ضعف قدرتهم وامكاناتهم ، قد تجد عالماً أو دكتوراً قمة في العلم ولكنه يكون غير قادر على الخطابة الارتجالية امام حشد هائل من الناس ، وقد تجد صبياً واثقاً من نفسه ويخطب في جمع كبير بخطبة متواضعة وكأنه يكلم صديقاً له .
يذكر انه غضب عبد الملك بن مروان على عباد بن اسلم البكري يوماً ، فكتب له واليه على الحجاج بن يوسف الثقفي بأن يقتله ويبعث برأسه الى الشام ، فأرسل الحجاج إلى عباد يطلب حضوره لتنفيذ أمر عبد الملك بشأنه ، لقد تألم عباد من الخبر وأقسم على الحجاج في ان يتخلى عن قتله لأنه يعيل 24 امرأة وطفلاً ، فتأنى الحجاج وأمر باحضار عائلته الى دار الامارة ، وعندما حضروا بدأوا بالبكاء والعويل .. لكن هذا البكاء لم يرد الحجاج عن تنفيذ امر الخليفة .. وفجأة قامت طفلة صغيرة من بينهم كانت ابنة لعباد وقالت : يا أمير اسمع ما أقول : وانشدت :
أحجاج ، إما ان تمن بتركه علينا وإما ان تقتلنا معا
احجاج ، لا تفجع به ان قتلته ثمانا وعشرا واثنتين واربعا
أحجاج ، لا تترك علة بناته وخالاته يندبنه الدهر أجمعا

إن ثقة هذه الطفلة بنفسها وجرئتها هي التي انقذتها واهلها من هلاك محتوم .
ان كثير من الاباء والمربين يعدمون الثقة في نفس الطفل من خلال تربيته الخاطئة ، اننا كثير ما نسمع هذه العبارات موجهة من الأب لطفله : « أنت لا تعرف شيء . انت غبي ، انت جاهل ، لا ينبغي ان تفعل هذا بنفسك » ويقوم

بناء الاسرة الفاضلة 257

الأب بعمل كثير من الأشياء التي يجب ان يؤديها الطفل بنفسه ظناً منه بأنه يخدمه ، كأن يحل له واجباته المدرسية أو لا يترك له فرصة تركيب بعض اللعب ويقوم هو بتركيبها له ، وقد يستمر بهذا الأسلوب معه الى ما بعد مرحلة المراهقة ليفقده القدرة على مواجهة أي ظروف مهما كان بسيطاً أو تافهاً معه ـ تافها أي يصبح اتكاليا اومصابا بشللية القدرة ان صح التعبير ـ .
ينقل ان رجلاً يهودياً كان يهوى تربية الفراشات ، وقد تأثر من الصعوبات التي تواجهها الفراشات عند خروجها من شرانقها ، فدفعه الحنان الخاطئ يوما الى شق الشرنقة بأظافره لتستطيع ان تخرج منها دون كفاح ، لكن الغريب ان الفراشة لم تستطع بعد ذلك ان تستخدم أجنحتها على الاطلاق ، والسبب انها لم تكافح من أجل شق الشرنقة في بداية حياتها مما أحدث خللاً في نمو أجهزتها وتدريب القدرات لديها (1) .
ان هذا الأب الذي يؤدي عن طفله كثيراً من الأعمال ولا يفسح له الفرصة لاثبات قدرته يجعل الطفل يرى نفسه غير جدير بعمل اي شيء ويرسخ هذا المعنى في نفسه ، حتى يقتنع الطفل في قرارة نفسه انه لا يمكن أن يصدر منه اي عمل مفيد ، انه يشعر انه انسان تافه حقير لا قيمة لوجوده هو وعدمه سيان ، ويعتبر نفسه طفلاً حتى بعد سن العشرين ان هذا الاحساس هو البداية لترسيخ عقدة النقص في نفس الطفل لتلازمة طوال حياته ، وتجعله يرى ان كل الآخرين هم اناس افضل منه ، لذا يجب ان يقلدهم في كل تصرفاته ، ويلهث وراءهم ليتكفف انجازاتهم ، وبذلك تقتل بذور الابداع عنده في مهدها .
ان كثيرا من شباب مجتمعنا يعانون من عقدة نقص حادة ، فتجدهم يهابون الإقدام على اي عمل مفيد مبررين ذلك بالحياء ، لكنه ليس كذلك ،

(1) كيف تسعد الحياة الزوجية : ص 109 .
بناء الاسرة الفاضلة 258

فهو خوف شديد من الاقدام على عمل ينتهي بالفشل ويؤدي الى ازدراء الآخرين ولومهم إياه ، لهذا فهو يفضل دائما عدم الاقدام على اي عمل ويتجنب الاختلاط بالآخرين ، ويخشى حتى من الكلام أمام اناس لا يعرفهم خشية ان تصدر منه هفوة في الكلام فيتعرض للسخرية دون مبرر لذلك .
ان عدم اعطاء الطفل ثقته بنفسه منذ البداية قد تكون امرا عادياً لدى الآباء لكن خطورته تكمن في ان تتحول عدم الثقة بالنفس الى عقدة النقص بشكل حاد كمرض مزمن مستقر في اعمق شعوره يصاحبه طوال حياته ، ويؤثر على أدائه وعطائه وسعادته حتى الممات .
منشأ عقدة النقص :
ان عقدة النقص يمكن ان تصيب الانسان نتيجة لعدة اسباب نذكر منها
1ـ الأطفال المدللون :
الأفراد الذين يلاقون دلالاً وحناناً مفرطاً من قبل الوالدين بحيث لا يرفضون لهم طلبا ، ويحاولون ان يقدموا لهم كل مساعدة صغيرة كانت أم كبيرة ، احتاج لها ام لم يحتج لها ، ويفهمونهم انهم احسن من كل الأطفال الآخرين « انت افضل طفل ، انت اجمل طفل ، لا يوجد اذكى منك » وحتى انهم يسمحون لهم بإيذاء الآخرين دون عقابهم ، أو قد يفتخر الأب ان ابنه استطاع ان يضرب الأطفال الآخرين ، ويذكر ذلك مفتخراً واذا اصيب ابنه بأدنى اذى طبيعي كأن يسقط على الأرض أو يتعرض لوعكة بسيطة فانه يهول الأمر ، ويقيم الدنيا ويقعدها ، ويريد كل افراد البيت ان يكونوا خدما لهذا الطفل ، ويسمحوا له بأن يتأمر عليهم ويشتمهم دون ان يعترض عليه .
نعم كل هذا يحدث بكثرة في مجتمعنا وهي مناظر تكاد تكون يومية :

بناء الاسرة الفاضلة 259

أحد الآباء انفجر ضاحكاً عندما سمع ان ابنه ذو الأربع سنوات عندما دخل حجرة الضيوف فوجئ بأنه لم يعرفهم فبصق في وجه كل واحد منهم فرداً فرداً ثم انصرف بعد ذلك من الغرفة ، والأغرب من ذلك ان الأب أخذ يروي هذه القصة على سبيل النكتة وظرافة ابنه المدلل القوي .
ان الطفل الذي لا يسمع من أبويه كلمة اعتراض على ما يفعل وما يطلب سوف لا يتحمل الصدمة عندما يجد ان المجتمع يواجه تصرفاته بالكراهية والمقت ولا يتجاوب معه مدحا أو تلبية ، وسوف يشعر بأنه انسان ناقص غير قادر على جلب انتباه وحب هذا المجتمع ولن يستطيع ، بل سيزداد حقدا على افراد المجتمع وسوف يراه المجتمع تافها مما يرسخ احساسه بالنقص أكثر وأكثر .. ان الآباء الذين يفرطون في تدليل ابنائهم ويريدون ان يفرضوا افضلية ابنائهم على سائر ابناء الآخرين ، انما هم يسعون إلى تحطيم ابنائهم وهم لا يعلمون ، ومن أخطار هذا النوع من التربية هو زرع صفة العجب والغرور في نفس الطفل .
العجب والغرور :
ان العجب والغرور من الأمراض الخطيرة والذميمة ، فالغرور هو اعتقاد الشخص انه على صواب دائما ، وانه افضل من الآخرين ، لذا يجب أن يتعالى عليهم ويخضعون له ، فالمغرور يعيش في عزلة نفسية مظلمة بعيدا عن مجتمعه دون ان يشعر بذلك ، وخصوصا ان كانت هذه الصفة قد وزعت فيه منذ الصغر ، لذا تجد ان الشريعة الاسلامية أولت هذه الصفة اهتماماً بالغاً من خلال القرآن الكريم والسنة الشريفة .
لقد نصح لقمان ابنه قائلاً له :
« ولا تصعر خدك للناس ولا تمشي في الأرض مرحا ان الله لا يحب كل

بناء الاسرة الفاضلة 260

مختال فخور » (1) .
« أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا » (2) .
قال الصادق (ع) : « من دخله العجب هلك » (3) .
يقول الامام علي (ع) : « رضاء المرء عن نفسه برهان سخافة عقله » (4) .
ويقول : « اياك ان ترضى عن نفسك فيكثر الساخط عليك » (5) .
وقال الإمام الهادي (ع) : « من رضي عن نفسه كثر الساخطون عليه » (6) .
ان الطفل الذي كان يحكم لسنين طويلة في محيط اسرته باستبداد ، وكان أبواه مطيعين له بلا قيد أو شرط ينشأ بالطبع معجباً بنفسه ، والطفل الذي كان يسمع المديح والاطراء على شيء لم يفعله ويصور له انه أفضل الأطفال ، فانه ينشأ كذلك معجباً بنفسه ، والطفل الذي لا يطرق سمعه شيء عن التواضع واحترام الآخرين ينشأ ايضا محباً بنفسه ، وبديهي ان شخصاً كهذا اذا خرج للمجتمع سينفر منه الناس ، ويبتعدون عنه ، وينظرون اليه بعين السخط والاحتقار وهذا مما يزرع في نفسه عقدة النقص .
ان على الأب ان يمدح طفله على الأشياء التي يستحق المدح عليها ولا

(1) سورة لقمان ، الآية : 18 .
(2) سورة فاطر ، الآية : 8 .
(3) الكافي : ج 2 ص 313 باب العجب ح2.
(4) غرر الحكم: ص 288 ح 5524.
(5) غرر الحكم : ص 135 ح 2736 .
(6) بحار الانوار : ج 75 ص 369 ح 4 .
بناء الاسرة الفاضلة 261

يفرط في ذلك ، فانه « خير الأمور أوسطها » (1) كما ذكر .. وألا يمدحه امام جمع من الأطفال الآخرين ، وألا يستقبل كل ما يصدر من ابنه خطأ أو صواب بالابتسامة والرضا .
2ـ الأطفال المكبوتون
وهم الذين يلاقون ارهاباً من الوالدين ، عنف في الضرب وازدراء للرأي ، واحتقار دائم لأتفه الأسباب فلا يكاد يسمع من والديه كلمة مدح أو إطراء ، بل لا يسمع الا الشتم والفحش في القول اسلوباً للكلام معه ، واذا تكلم بكلمة بدون ان يسمح له أو ضايق والده فالصفعة المدوية تأتي على وجهه كلمح البصر أو هي اسرع ، وهذا هين اذا عرفنا ان بعض الآباء لا يكاد ان يمر عليه اليوم دون ان يبصق في وجه ابنه ثلاث أو أربع مرات .
إن كثيراً من الأطفال لو تتاح لهم الفرصة لشكلوا نقابة ، وتظاهروا امام أي جهة مسؤولة يطالبون بالخلاص من ظلم آبائهم ، أنا أعرف طفلاً بريئاً طيب القلب يعيش في ظل أب أهوج صرح لطفل آخر بأنه سينتقم من أبيه شر انتقام اذا كبر ، انه يكره أباه وقد يتمنى موته ، رغم انه يدين له بالطاعة العمياء مع ابتسامة في كل مرة .
ان الآباء الذين يظلمون أبناءهم بالضرب أو بالشتم والاهانة هم اناس ظلمة ، ولو اتيحت لهم الفرصة لظلموا مجتمع بأسره .
قال تعالى « والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتاناً واثماً مبيناً » (2) .

(1) العوالي : ج 1 ص 296 ح 199.
(2) سورة الأحزاب ، الآية : 58 .
بناء الاسرة الفاضلة 262

وقال رسول الله (ص) : « المسلم من سلم المسلمون من يده ولسانه » (1) .
وقال (ص) : « من أهان لي ولياً فقد أرصد لمحاربتي » (2) .
« ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش البذيء » (3) . « شر الناس عند الله يوم القيامة الذين يكرمون اتقاء شرهم » (4) .
إن هذه الأساليب التعسفية في العقاب تغرس بذور عقدة النقص في اعماق شعور الطفل ، وتجعله يرى نفسه انساناً حقيراً لا يساوي جناح بعوضة ، ويشعر وكأن الناس كلهم يحتقرونه كما يفعل أباه .
إن الطفل الذي يخاف من أبيه ليس طفلاً سوياً بل طفلاً معقداً فالأب أقرب الناس للطفل ، ويجب ان يحبه اكثر من أي شخص آخر ، ولا يجب ان يخاف منه بل يجب أن يخاف من عمله ، ويشعر دائما ان العمل السيء هو الذي قد يجر عليه العقاب وليس أبيه الذي يجب ان يراه قدوته الصالحة .
العقاب :
إن موضوع العقاب من المسائل التي تمس موضوع التربية بشكل مهم وحساس ، وهي من المواضيع التي تشغل بال الأب أو المربي كثيرا ، لذا يجب ان نتطرق إليه أينما تطرقنا الى موضوع التربية او الطفل .
لا يفهم مطلقاً مما ذكرناه في السطور السابقة ان يترك الطفل دون عقاب

(1) الكافي : ج 2 ص 233 باب المؤمن وعلاماته ... ح 12 .
(2) الكافي : ج2 ص 351 باب من أذى المسلمين ح 3 و 5 .
(3) كنز العمال : ج 1 ص 146 ح 720 .
(4) الكافي : ج 2 ص 326 باب من يتقى شره ح 2 .
بناء الاسرة الفاضلة 263

كي لا يصاب بعقدة النقص ، بل قد يؤدي ترك العقاب الى عقدة النقص مستقبلاً .
ولكن النقطة الحساسة والمهمة هي أن العقاب لدى كثير من الآباء قد فقد مفهومه ، أو أصبح غير واضح المفهوم ، او لدى البعض الآخر اصبح عقاب الأطفال انتقاماً كما نسمع كثيراً من بعض الآباء وهم يضربون ابناءهم وعندما يهم أي شخص آخر أن يمنعه يقول : « أتركني اشفي غليلي منه » أي المهم هو الأب ان يطفئ حرارة قلبه ، ويستجيب لفورة غضبه ، وليس الطفل هو الموضوع .
قال رسول الله (ص) : « رحم الله من أعان ولده على بره » قال : قلت : كيف يعينه على بره ؟
قال : « يقبل ميسوره ، و يتجاوز عن معسوره ، و لا يرهقه و لا يخرق به » (1) .
لكن للأسف الشديد أن نرى آباء يحطمون فلذات أكبادهم بأيديهم وهم لا يشعرون ، أو قد يشعرون لكنهم لا يعقلون .
ويذكر ان احد الآباء عندما دخل المطبخ وجد ان أرض المطبخ مفروشة بأواني مهشمة وطفله واقف في وسط هذا الحطام فقال له الأب : من الذي كسر كل هذه الأواني ؟ فقال الابن : انا . فثار الأب وتلفت حوله فلم يجد سوى خشبة كان بها مسماراً حاداً فتناولها وأخذ يضرب بها طفله على يديه بشكل جنوني . النتيجة ان الطفل قطعت يداه بعد ثلاثة أيام قضاها في المستشفى ، و كانت حياة الطفل تقتضي قطع يده المتسممة ، وعاش الأب فترة كان يتجرع

(1) الكافي : ج 6 ص 50 باب بر الأولاد ح 6.
بناء الاسرة الفاضلة 264

بها مرارة عمله غصة بعد غصة دون أن يعرف ساعته التي هو فيها ليلاً أم نهاراً ، وأتت الكارثة بعد أن جاء الطفل إلى أبيه يوماً وهو يبكي قائلاً لوالده : أبه أعد الي يدي ولن أكسر شيئا بعد ذلك . فلم يحتمل الأب هذا الموقف فتناول مسدسه وأردى نفسه قتيلاً ، وأيتم ابنه بعد ان افقده يديه ، والظريف المبكي أن الطفل قال لأمه : انني لم أكسر الأواني وانما أردت أن ألعب بها كما تلعبون بالكرة ، لكنها لم تكن ترتد الي بل كانت تتهشم لوحدها .
تخيل لو أن الأب كان حكيماً وحاور ابنه محاولاً أن يعرف سبب تصرفه هذا ثم يشرح له بهدوء وحنان الخطأ من الصواب ، ماذا ستكون النتيجة .
ان العقوبات التي يرجح فيها الوسائل العاطفية على الوسائل المادية لها تأثيراً كبيراً مستقلين في ذلك الغرائز النفسية في نفس الطفل كعزته ووجدانه وعواطفه .
وفي هذا الصدد يقول الامام علي (ع) : « ان العاقل يتعظ بالأدب والبهائم لا تتعظ إلا بالضرب » (1) .
وقال رجل شكوت إلى ابي الحسن (ع) ابنا لي قال : « لا تضربه واهجره ولا تطل » (2) .
وهنا لا بأس بذكر بعض المسائل الواردة في الرسائل العلمية . ـ « إذا لظم على وجه أحد باليد أو بشيء آخر فاحمر وجهه ، فديته مثقال ونصف من الذهب ( كل مثقال 18 حبة ) وإن اخضر لونه فثلاثة مثاقيل وان اسود لونه فستة مثاقيل ، ولئن تغير لون سائر البدن على أثر الضرب ، فاحمر او اخضر او اسود ، فديته

(1) نهج البلاغة : الكتاب 31 .
(2) بحار الأنوار : ج 101 ص 99 .
بناء الاسرة الفاضلة 265

نصف ما ذكر » (1) .
ـ « اذا ارتكب الصبي احدى المعاصي الكبيرة جاز للولي اوالمعلم ضربه بمقدار التأديب ما لم يصل إلى حد الدية » (2) .
ـ « اذا ضرب صبياً الى حد وجوب الدية كانت الدية للصبي ، فلو مات فعلى الضارب ان يدفع ديته الى ورثته ولو ضرب الوالد ولده حتى مات كانت ديته لسائر الورثة ، وليس له شيء من الدية » .
إذن فلنحاول ان نضع تعريفا للعقاب في ظل المبادئ الإسلامية والتربوية .
حاول اخي القارئ أن تضع هذا التعريف قبل ان تواصل القراءة ثم أكمل بعد ذلك .
تعريف عقاب الأطفال :
العقاب هو سيلة تربوية لتوجيه ميول الطفل الخاطئة الى الوجهة الصحيحة دون ان تؤدي إلى إي شيء من النتائج السلبية وتكون مختلفة حسب عمر الطفل ، يحدد ذلك المبادئ الإسلامية والتربوية وتقدير الأب الواعي لتلك المبادئ الحكيم في طبعه ومزاجه .
أو يمكن القول :
ان العقاب هو آخر وسيلة لرد الطفل عن ميوله الخاطئة بعد فشل كل الوسائل الأخرى مثل التوجيه ، النصح ، الترغيب ، الاستدراج . وبشكل لا يؤدي الى نتائج عكسية على نفس الطفل .

(1) و (2) تراجع المسائل العملية .
بناء الاسرة الفاضلة 266

والعقاب ليس المقصود به الضرب كما يتصور كثير من الآباء والأمهات .. خطأ بل مثلاً يمكن ابداء علامات الغضب على الوجه ، أو الهجران للطفل المعاند أو الكاذب ، أو التجاهل للطفل المغرور ، عدم اعطاء الطفل ما اعتاد من الحلوى للطفل الذي اعتاد اخذ ألعاب الآخرين عنوة .. الخ من هذه الوسائل النفسية ولكن دون مباشرتها إلا بعد النظر إلى الموضوع بتامل ، ومحاولة تحليل المشكلة ، وتحديد الأسباب لتحديد الأسلوب الناجح دون التخبط في الضغط على الطفل بشكل يجعله لا يستجيب لأي نوع من العقاب فيما بعد .
ولنأخذ مثلاً متعدد الجوانب عن حالة طفل صدر منه خطأ ونريد ان نحلل المشكلة ونعالجها ولنتبع الخطوات التالية :
1ـ الملاحظة وجمع المعلومات .
2ـ تحديد المشكلة وأسبابها .
3ـ اختيار العلاج المناسب وتطبيقه وفق نوعين من الدوافع .
مثال : باقر طفل له من العمر 3 سنوات ، رأته والدته وهو يحمل نظارة أبيه فصرخت في وجهه وطلبت أن يعطيها النظارة ، لكنه رفض وأدار النظارة خلف ظهره ، وعندما همت ان تأخذها عنوة ألقاها في الأرض فتهشمت النظارة وتهشم زجاجها ، وكاد رأس الطفل أن يتهشم من شدة الضرب الذي تلقاه من أمه ، ثم سقط على الأرض يجهش بالبكاء ، وهذا بالطبع هو الأسلوب الخاطئ في العقاب .
إذا فما هو الأسلوب الصحيح ؟؟

بناء الاسرة الفاضلة 267

الأسلوب الصحيح :
1ـ جمع المعلومات :
ان على الأم في المثال السابق أن تسأل طفلها لماذا أخذ نظارة أبيه ؟ فقط يكون أباه قد قال له سأعطيك النظارة إن فعلت كذا .. أو أنه قد وجد النظارة في غرفته مع ألعابه فظن ان أباه قد اعطاه إياها ، أو قد يكون عثر على النظارة فجاء لأمه ليعطيها النظارة ليحصل على كلمة ثناء .. لكنه عندما رأى غضب أمه عندما شاهدت النظارة بيده قرر أن ينتظر والده ليعطيها له ، أو قد يكون راغب في امتلاك نظارة كأبيه لذا قرر امتلاكها ، فمن خلال هذه الافتراضات يمكن للأم الاستفادة في جمع كثير من المعلومات وتحديد المشكلة .
2ـ تحديد المشكلة :
ما هي المشكلة ؟ وبطبيعة الحال فإن النظارة ليست هي المشكلة فكونها قد انكسرت فهذا ليس شيئا مهما ، الا ان كثير من الآباء أو الأمهات يستجيبون للغضب بسبب الأضرار التي يحدثها الطفل ، إن الامام علي (ع) عندما شعر بغضب في نفسه من تعدي عمرو بن ود عليه لم يقدم على قتله ، وإنما تركه فترة ليهدأ كي يعود فيقتله قربة إلى الله تعالى .
وكذلك في العقاب مع الأطفال فإن كان عفوياً هائجاً كان استجابة لهوى النفس ، وان كان بهدوء وتروي من خلال ترك الموقف فترة وتهدئة الأعصاب ثم التفكير بالعقاب الأنسب فإنه يكون عقاباً للاصلاح وليس لزيادة الدمار ، إذا فتحديد المشكلة أمراً هاماً لتستطيع ان تحدد ما هو العقاب أو العلاج ، فقد يكون نزعة في الطفل الى التمرد والعصيان ، أو قد تكون المشكلة في اسلوب الأم في سؤاله مما اخافه ، لقد فقد السيطرة على عضلات يده وسقطت النظارة منه ، أو نزعة قوية لحب التملك ... الخ ومن المفروض أن نحاول أن نجد

بناء الاسرة الفاضلة 268

الأسباب الكامنة إزاء هذه المشكلة .
فإذا افترضنا ان المشكلة هي نزعة في الطفل الى التمرد والعصيان فما هي الأسباب لهذا التمرد والعصيان ، فقد يكون الزائر الجديد أي أخوه الرضيع الذي حاز على انتباه الأبوين دونه ، أو قد يكون كثرة العنف الذي يلاقيه من أبويه فيكون سلوكه هذا انتقاماً لكرامته ، أو يكون سلوكاً خاطئاً موروثاً أو مكتسبا من الأطفال الآخرين .
اما اذا افترضنا ان المشكلة هي محاولة اشباع حاجة التملك فقد تكون الأسباب أن أبويه عادة ما يعطونه الأشياء ويملكونه اياها ثم يأخذونها منه ، أو إنه يرى الأطفال الآخرين يمتلكون اكثر منه ويعيرونه بذلك .. الخ .
أما إذا إفترضنا ان المشكلة هي في خوفه من أمه ، وعدم سيطرته على عضلات يده ، فقد يكون ذلك من كثرة استخدام اسلوب التخويف مع الطفل بشكل خلق لديه عقدة الخوف .. الخ.
3ـ اختيار العلاج وفق نوعية الدوافع :
فإذا أخذنا الافتراض الأول وهو نزعة الطفل الى التمرد والعصيان ، ثم اكتشفنا أن إهتمام أبويه بأخيه الصغير هو السبب فإن العلاج مراعاة حالته ، وعدم إثارته بكثرة العناية بأخيه الصغير أمامه ، وتحاشي تقبيله على مرأى منه مع إظهار العناية به واشعاره بأنه لا زال طفلهم المحبوب .
وأما إذا كان السبب سلوكاً خاطئاً موروثاً أو مكتسباً فإنه يجب ان نستخدم معه عقاباً يناسبه بحيث لا يكون عديم التأثير كأن نحرمه من الحلوى وهي غير محببة إليه تماما ، وعندها يحاول ان يزيد من سلوكه الخاطئ لأنه يشعر أن الحرمان الذي يسعون إليه لا يعتبر ذو أهمية بالنسبة له ، وهو يستطيع أن يقاوم ويصمد ويعتبر ذلك انتصاراً بالنسبة له ، ولا يجب ـ أي العقاب ـ ان يكون حاداً

بناء الاسرة الفاضلة 269

في تأثيره كأن يحرم الشعور بالأمن فيحبس في غرفة مظلمة في الليل ، أو نحرمه من الطعام ، بل يجب ان يكون العقاب بين هذا وذاك ، أن نحرمه شيئا مهما جدا بالنسبة له ولا يؤدي به الى أضرار بالغة كأن لا يرد عليه أبواه عندما يناديهم أو يلاعبهم كما كان يفعل كل يوم ( الهجران ) ... الخ.
ولكن لا يجب الاكثار من ذلك فحالما نجد ان علامات الندم والتوبة الصادقة بدت عليه يجب المبادرة برفع العقاب عنه ، وإلا فإنه قد يضحي بما حرم منه لأنه وجد أن الندم لم يفيد ، والتوبة لم تنفع فلا داعي لهما ، ويستمر بسلوكه الخاطئ وليحدث ما يحدث ، أما بقية الفروض والتساؤلات الأخرى فنتركها للقارئ يتتبعها ليصل إلى نتائج أخرى في مثالنا هذا .
هذا مثال مبسط يمكن أن يشير الى التروي والتفكير في استخدام العقاب المناسب ، وترك اتباع الهوى العفوية في أسلوب العقاب .
الخلاصة :
إذا رأيت أيها الأب رجالا واثقين من أنفسهم ، ناجحين في حياتهم ويرجون النجاح في آخرتهم ، فاعلم أن آباءهم أو مربيهم قد عانوا من أجل هذه النتيجة على الأغلب ، ولتكن هذه عبرة لك .
وإذا رأيت أفراداً يشعرون أن النقص جزءا منهم ، مهزومين في شخصيتهم ، يتخبطون في حياتهم ، لا يعرفون ماذا يعملون ، وينهارون امام الصغائر من المشاكل ، ولا يعرفون معنى النجاح ، فاعلم أن آباءهم أو مربيهم قد ساهموا في هذه النتيجة على الأكثر ، ولتكن هذه عبرة لك .
وليكن صدرك الركن الذي يأوي اليه الأطفال في خوفهم ، وجوعهم ، وحاجتهم ، ولتكن قدوة صالحة لهم موجهاً مسؤولاً عن إنشاء جيل يحمل كل الصفات الايجابية ، خال من كل السلبيات ، أباً مسؤولاً يحب بقدر ، ويغضب

بناء الاسرة الفاضلة 270

بقدر ، ويعاقب بقدر ، ويمدح بقدر ، ويندم بقدر ، و « شر الآباء من دعاه البر إلى الافراط » (1) كما يقول الامام الباقر (ع) .
فان التسيب في هذه الأمور انما هو دمار للطفل ، وبالتالي دمار جزء من المجتمع القادم .
فليكن طفلك رجلاً واثقاً مسؤولاً رصيناً في شخصيته ، مؤمناً يعرف من أجل ماذا يعيش ، ومن أجل ماذا يحب أن ينفق حياته .
يقول الامام علي (ع) عن كيفية تربية الرسول (ص) : « يرفع لي في كل يوم من أخلاقه علما ويأمرني بالاقتداء به » (2) .

(1) تاريخ اليعقوبي : ج 3 ص 53 .
(2) نهج البلاغة : الخطبة 192 .
بناء الاسرة الفاضلة 271

الطفل والغريزة الجنسية

من الأمور الهامة التي يجب التطرق إليها وبكل وضوح وبحثها بشكل مفصل ودقيق هو موضوع الغريزة الجنسية ، وذلك بتجنب أي مضاعفات قد تحدث للطفل ، وذلك لجهل الأبوين لكيفية التعامل في هذا الجانب ، و كثيرا هم الذين يتجنبون التطرق لمثل هذا الحديث فيما بينهم إما حياء أو جهلاً بأساسيات هذا الموضوع وأهميته ، في حين ان هذا الجانب من حياة الطفل له اعتماد وأهمية قصوى في مستقبل حياته ، وأي تقصير في التعاليم الواردة بهذا الشأن قد تجر مصائب ومشاكل يصعب حلها فيما بعد .
وأول نقطة يجب ان يضعها المربي في حسبانه هي أن يكبر الطفل وهو يحمل في ميوله وغرائزه الباطنية ( العفة الجنسية ) بشكل قوي ورصين ليواجه أي عارض انحراف قد يتعرض له في هذا المجتمع الموبوء جنسياً في أغلب مرافقه ( المدرسة ، التلفزيون ، المجلات ... الخ ) .
وللأسف الشديد ، نجد أن بعض الآباء لا يتورعون عن التكلم بعبارات بذيئة أمام طفلهم ويرتكبون الأفعال المنافية للعفة أمامه بوقاحة ، فيقودونه الى الميول الخاطئة واللامبالاة والاستهتار منذ الصغر دون ادراك وفهم الى خطورة

بناء الاسرة الفاضلة 272

هذا الأمر ، وظناً منهم أن ادراك الطفل لا يمكن أن يستوعبه ، وأن ذاكرته لا يمكن ان تحتفظ بما يصدر منهم .
الغريزة الجنسية من الأمور الفطرية الموجودة في نفس الطفل ، لكنها ليس كما قال فرويد بأن الغريزة هي التي تدفع كل تصرفات الطفل وسلوكياته ، كأن يكون التذاذ الطفل بامتصاص ثدي أمه يعود إلى جذور جنسية ، وإنما هذه الغريزة تكون في حالة ضمور تام حتى سن السادسة ، وفيما بين السادسة والثانية عشرة تكون ايضا في حالة ضمور الا انه يمكن ان تتاثر اذا تعرضت لمثيرات ، وهنا تكمن الخطورة ، إذ يمكن اعتبار الغريزة الجنسية في هذه الفترة كالحجر الضامر تحت الرماد وأي تحريك للرماد قد يجعل الجمر ظاهرا ، وهذه الحقيقة يعترف بها حتى متبني الفكر الفرويدي .
ولقد عنى الإسلام بهذا الموضوع اعتناءاً بالغاً ، ووضع لنا الأسس والمبادئ التي يمكن ان تكون منهجاً متكاملاً لتنمية العفة والنزاهة في نفس الطفل لينشأ سعيداً بهذه الفضيلة التكاملية ، ويمكن من خلال مجموعة من الأحاديث التي سنوردها أن ندرك هذا المنهج بشكل مبسط وواضح بشرط الالتزام الشديد بها .
1ـ قال رسول الله (ص) : « الصبي والصبي ، والصبي والصبية ، والصبية والصبية ، يفرق بينهم في المضاجع لعشر سنين » (1) .
2ـ وعن الباقر (ع) « يفرق بين الغلمان والنساء في المضاجع إذا بلغوا عشر سنين » (2) .

(1) من لا يحضره الفقيه : ج 3 ص 276 الباب 128 في الحد الذي إذا بلغه الصبيان ... ح 5 .
(2) مكارم الأخلاق : ص 223 .
بناء الاسرة الفاضلة 273

3ـ عن ابن عمر قال النبي (ص) : « فرقوا بين أولادكم في المضاجع إذا بلغوا سبع سنين » (1) .
4ـ وحديث آخر : « روي أنه يفرق بين الصبيان في المضاجع لست سنين » (2) .
5ـ وعن الامام موسى بن جعفر قال : قال علي (ع) : « مروا صبيانكم بالصلاة إذا كانوا أبناء سبع سنين ، وفرقوا بينهم في المضاجع إذا كانوا أبناء عشر سنين » (3) .
6ـ قال رسول الله (ص) : « اذا بلغت الجارية ست سنين فلا تقبلها ، والغلام لا تقبله المرأة إذا جاوز سبع سنين » (4) .
7ـ وعن ابي الحسن (ع) : « إذا أتت على الجارية ست سنين لم يجز أن يقبلها رجل ليست هي بمحرم له ، ولا يضمها إليه » (5) .
8ـ وعن الامام الصادق (ع) : « إذا بلغت الجارية ست سنين فلا ينبغي لك ان تقبلها » (6) .
9ـ وعنه (ع) : « سأل أحمد بن النعمان ، فقال : عندي جويرية ليس بيني وبينها رحم ولها ست سنين .

(1) مكارم الاخلاق : ص 223 .
(2) من لا يحضره الفقيه : ج 3 ص 276 الباب 128 في الحد الذي اذا بلغه الصبيان ... ح 4 .
(3) مستدرك الوسائل : ج 2 ص 558 الباب 98 من ابواب مقدمات النكاح ح 2.
(4) مكارم الأخلاق : ص 223.
(5) الوسائل : ج 14 ص 170 الباب 127 من ابواب مقدمات النكاح ح 6.
(6) الوسائل : ج 14 من 171 الباب 127 من ابواب مقدمات النكاح ح 7 .

السابق السابق الفهرس التالي التالي