بناء الاسرة الفاضلة 235

كيف نتعامل مع الطفل
التعامل مع الطفل وفق حاجاته

يظن بعض الآباء والأمهات جهلاً أن الطفل لا يحتاج إلا لثلاث حاجات فقط وهي ( الغذاء ، الحماية ، اللعب ) في حين أن حاجات الطفل كإنسان كثيرة ومتشعبة ، منها ما هو مرغوب به على الإطلاق كحاجته للإيمان مثلا ، ومنها ما هو منبوذ على الإطلاق كحب الإعتداء مثلا ، ومنها ما هو مرغوب أحياناً ومنبوذاً أحياناً أخرى ، ولا يجب الاستجابة لها على الدوام كالحاجة إلى الحب مثلاً ، يقول تعالى : « ونفس وما سواها فإلهمها فجورها وتقواها ، قد أفلح من زكاها ، وقد خاب من دساها » (1) .
ويجب على الأب أو المربي أن يتعامل مع طفله وفق مبدأ الحاجات ، فالساعات الكثيرة والتي يكون الطفل فيها فارغاً من النوم والطعام ونحوه لا يمكن للطفل أن يكون ساكنا فيها ، وهو يرفض هذا السكون مهما فرض عليه من أبويه ويصر على ذلك ، وكثيرا ما نشاهد مصداقية هذه الحقيقة في واقعنا ، ولنأخذ

(1) سورة الشمس ، الآيات : من الآية 7 الى 10 .
بناء الاسرة الفاضلة 236

مثالاً على ذلك :
عائلة مدعوة على العشاء عند أحد الأقرباء فاصطحبت العائلة طفلها ذو السنتين من العمر وهناك رفض أن يأكل على مائدة العشاء لأنه لا يشعر بالجوع ، رأى بعض التحف الغريبة موجودة في أحد زوايا المنزل فذهب يعبث بها ليستكشف ما هي .. الأب يحاول اقناع الطفل بالجلوس والأكل ، ولكنه يرفض لأنه يشعر بحاجة أخرى يريد اشباعها ويصر على ذلك ، والأب يعلم أنه لو ترك طفله فإن النتيجة الحتمية تكون دمار التحف في منزل الداعي والتعرض لموقف محرج .. كيف سيتصرف الأب تجاه هذا الموقف ؟
هنا يعتمد سلوك الأب على مدى معرفته بأسلوب التعامل مع الطفل وقدرته على التفكير والبحث عن الأسلوب اللائق .
بعض الآباء يشبع الطفل ضرباً حتى لا يستطيع الحركة من شدة الألم والبكاء ، أب آخر يترك طفله يفعل ما يريد ، وبالتالي لكي يرضى صاحب البيت فانه يضرب طفله بعد أن يحطم أكبر قدر من الموجودات ، وأب آخر يترك ابنه يفعل ما يريد دون اي اكتراث او خجل من الاخرين ، واب اخر قد يضحي فيترك المائدة ويذهب مع طفله ليرى ما يريد ثم يحاول أن يعطيه شيئا لا يكسر ليعبث به أكبر مدة ممكنة من الوقت ، وإن أصابه الملل أعطاه شيئا آخر أو وجه إليه بعض الأسئلة وحول اتجاه فكره لحاجة أخرى .
إن على الأب أن يحاول معرفة الحاجات الكامنة في نفس طفله ( المراقبة ) ويحاول قدر الإمكان تصنيفها وتحديدها ( التحليل ) ثم يحاول أن يجد الطرق السليمة لاشباعها ( وضع الحلول إذا كانت جيدة أوتوجيهها إذا كانت غير جيدة ) ثم يحاول ممارستها ( التطبيق ) وبحذر ويتأمل النتائج فإذا ثبت صحة ما قام به وإلا أعاد هذه التجربة من البداية ، وهكذا حتى يستطع أن يكشف أكبر قدر من اسارير الطفل وحاجاته وميوله ليحاول الاستفادة من هذه الغرائز الفطرية في نفس

بناء الاسرة الفاضلة 237

الطفل ، والتي يشكل كنوزاً فطرية بحاجة إلى من يكتشفها ويستثمرها .
والأطفال بطبيعة الحال يختلفون في ميولهم وحاجاتهم وعلى الأب ان يعي ذلك ، ويفسرذلك تفسيراً علمياً وليس عاطفياً ، فلا يحكم أن طفله سيء لأن طفل غيره ليس كذلك يقول الله جل وعلا : « وقد خلقكم أطواراً » (1) .
ولتسهيل عملية الملاحظة لدى الأب نذكر بعض الحاجات والدوافع على سبيل المثال لا الحصر ، ودون فصل الجيد عن السيء منها ، والتي تكمن وراء كثير من سلوكيات الإنسان وفق التصنيف الذي قدمه بعض المتخصصين في هذا المجال وهو ( هنري موري ) في كتاب استقصاءات في الشخصية (2) .
(1) الحاجة إلى الود :
أن يكون الفرد مخلصاً لأصدقائه ، ويعمل ويقدم أشياء من أجلهم دون مقابل وتكون علاقته معهم وثيقة ومخلصة ، وهي حاجة جيدة .
(2) الحاجة للخضوع :
أن يحصل الفرد على مقترحات الآخرين وأفكارهم ، ويمدح الآخرين ، ويقبل قيادة الآخرين ، ويتبع التقاليد ، وهذه الحاجة مرغوبة أحيانا وغير مرغوبة أحيانا إذ يعتمد على نوعية الطرف الآخر .
(3) الحاجة إلى لوم الذات :
ان يشعر الإنسان بالإثم حين يعمل خطأ ، ويقبل اللوم ، وأن يشعر أن الألم الشخصي والتعاسة تفيد أكثر مما تضر ، وهي حاجة جيدة في الغالب ، لكنها خطرة على الشعور بالثقة لذا يجب الحذر .

(1) سورة نوح ، الاية : 14 .
(2) الأطفال يقرأون : ص 183 .
بناء الاسرة الفاضلة 238

(4) الحاجة إلى السيطرة :
ان يدافع عن وجهة نظره ويكون قائداً في جماعات ، وأن يتخذ قرارات الجماعة ، ويقنع الآخرين ، ويؤثر فيهم ، ويشرف على أعمالهم ويوجههم ، وهي حاجة غير مرغوبة لذاتها بل يجب أن تكون وسيلة لحاجات محبذة ، أو لأهداف نبيلة ، كأن يكون هدفه من قيادة مجموعة من الأطفال هو حفظهم أثناء اللعب من الأخطار في مكان هو أعلم به منهم .
(5) الحاجة إلى الاستغلال الذاتي :
أن يقول رأيه في الموضوعات المختلفة ويكون مستقلا عن الآخرين باتخاذ قراراته ، وأن يشعر بالحرية فيما يريد أن يعمل ، وهي حاجة مرغوبة إلى حد ما مع أخذ الحيطة من اصابته بالكبر .
(6) الحاجة إلى اللعب والترويح :
الميل إلى التسلية واللهو ، وهي حاجة مرغوبة لسن معين ( السابعة ) تقريبا ، ولكم يحب أن تنظم وتكون في أشياء مفيدة ، ويجب أن تقل بعد السابعة من العمر .
(7) الحاجة إلى الاستعراض :
أن تصدر عن الفرد عبارات تدل على الذكاء ويحكي نكتا مسلية ، وقصصا ممتعة ، وأن يكون مركز الاهتمام ، وهي حاجة مرغوبة في الغالب مع الحذر من الغرور .
(8) الحاجة إلى النبذ :
أن يزجر شخصا آخر أو يتجاهله أو يطرده ، ويبقى مترفعا عن الآخرين

بناء الاسرة الفاضلة 239

غير مكترث بهم ، ويتحين تكوين الصداقات ، وهي حاجة غير مرغوبة ويجب توجيهها أو كبحها .
(9) الحاجة إلى الانجاز :
أن يفعل الفرد أفضل ما يستطيع ، وأن ينجز أعمالاً تتطلب مهارة وجهد ، وأن يحقق شيئا له مغزى كبير ، وأن يجيد القيام بعمل صعب ، ويحل مشكلات صعبة ، وهي حاجة مرغوبة ومهمة جداً ويجب الاعتناء بها واستغلالها قدر الامكان .
(10) الحاجة إلى تجنب اللوم :
أن يتجنب الفرد اللوم والعقاب ، ويطيع القانون والأوامر ، ولا يفعل ما يضايق الآخرين ، ويتجنب كل ما يثير المعارضة والعداء ، وهي حاجة مرغوبة يمكن استغلالها في أسلوب التأديب بعد تنيمتها .
(11) الحاجة إلى الفهم والمعرفة( الاستقصاء ) :
حاجة الفرد إلى أن يسأل أسئلة للكشف عن الحقائق ، وهي حاجة مرغوبة يجب تنميتها لتنمو وتؤدي غرضها ، وهي الحاجة التي أوصلت الانسان إلى مستواه العلمي الحالي .
(12) الجاحة إلى العدوان :
أن يهاجم الآخرين وينتقدهم ويعنفهم ، وأن يغضب ويلوم الآخرين عندما تسوء أحواله ، وهي حاجة غير مرغوب فيها يجب التخلص منها .
(13) الحاجة إلى التملك :
وهو الميل للاحتفاظ بالملكية بدون شريك ، أو السيطرة على شيء ما ،

بناء الاسرة الفاضلة 240

وعدم الرغبة في المشاركة مع الآخرين في الممتلكات ، وهي حاجة يجب أن تستجاب بقدر معين مع تعويد الطفل على العطاء ونكران الذات .
(14) الحاجة إلى التأمل الذاتي :
أن يحلل الفرد مشاعره ويحلل سلوك الآخرين تجاهه ، وهي حاجة مرغوبة تنمي الذكاء .
***

إن استخدام تلبية الحاجات من الأساليب المفيدة في حث الطفل على طاعتنا ، إلا أن الملاحظ في واقعنا التربوي الافراط في استخدام الكذب للحصول على طاعة ميسورة من الطفل دون التفكير بالعواقب السيئة للكذب على الطفل ، إذ أن الطفل سوف يرغب اكتساب هذه الصفة السيئة ( الكذب ) حيث يفقد الاحساس بفضيلة الصدق ، ثم نغضب عندما يصبح الطفل كذاباً ، ونحاول جاهدين قلع هذه الصفة منه دون جدوى .
إننا باستخدامنا الكذب نعلم الطفل إن أفضل الطرق وأسهلها لتلبية الحاجات هي الكذب ، ونعينه أكثر على اكتساب هذه الصفة عندما لا نعير حاجاته أي أهمية في الوضع الاعتيادي ، فيحاول أن يهول كل أمر ليحصل على اهتمانا ، كالتمارض مثلا للحصول على الحنان ، أو نقل أخبار كاذبة للحصول على لفت النظر والشعور بالاهمية ، اجعل طفلك يطيعك وهو يجد لذة فيما يطيعك فيه ، فان عصاك فابحث عن السبب ، واعلم ان الطفل لا يجب ان يخضع لفهم كامل ، وهو لم يتجاوز الست سنين .
والحديث الذي يشير الى ترك الطفل يلعب الى ست سنوات يشير الى هذا المعنى ، اذ يجب الرشد والتوجيه في فترة الست سنوات الاولى ، دون

بناء الاسرة الفاضلة 241

ضغط قوي وعنيف ، ومن يباشر في تربية طفله منذ بدايته لا يحتاج أساساً للضغط العنيف .


بناء الاسرة الفاضلة 242




بناء الاسرة الفاضلة 243

احترام الطفل

إن من أهم الحاجات التي يحتاجها الانسان بشكل عام والطفل بشكل خاص هي الحاجة إلى الاحترام ، فالإنسان قد فطر على هذه الحاجة ، يقول الله تبارك وتعالى : « ولقد كرمنا بني آدم »(1) .
فالإنسان الذي نشىء على الفطرة مستعد أن يضحي بكل ما يملك مقابل أن لا يهان ، وكل انسان يتعرض لموقف يشعر من خلاله إن الطرف الآخر لم يحترمه أو أهانه فإنه يشعر بألم شديد في النفس ، ويظل يفكر في هذا الموقف ساعات ويتألم ، وكلما تذكره في أي وقت تألم لذلك .
إن الطفل إنسان لكنه صغير وضعيف ، ويجب أن يشعر بعضويته لهذا المجتمع ، أنه ليس حيواناً أليفاً في البيت من شاء مالكه مسح بيده على رأسه ومتى شاء ركله برجله .
إن تعاليم الإسلام تؤكد على احترام الطفل بشكل واضح وصريح وبتركيز لكننا تركنا تعاليم الإسلام ولم نقتدي برسول الله (ص) في أسلوب تعامله مع

(1) سورة الاسراء ، الآية : 70 .
بناء الاسرة الفاضلة 244

الطفل ، بل أصبحت السمة الأساسية لتعاملنا مع الطفل هي احتقار الطفل وليس احترامه .
ومن المؤسف حقاً أن نلمس في مجتمعنا احتقار الطفل بشكل واضح وواسع فلا يكلم إلا بنهر ، ويشتم لأتفه الأسباب ويهان ، يسفه رأيه ، ويسخر منه ، ويستهزء به ، و لا يحترم ، و لا يعار له أية أهمية ، دون اكتراث ودون أي شعور بفعل الخطأ ، أصبح شيئا طبيعياً وقد قبله الأطفال المساكين مرغمين أذلة ، لذلك ينشأون ضعيفي الشخصية ، عديمي الارادة ، لا يشعرون بقيمتهم في المجتمع ، بل يشعرون بالنقص والضعف ، إنهم يشعرون أن وجودهم شيء لا فائدة منه ، وأنهم أحقر من أن يأتي يوم ويكون لهم دور في المجتمع ، إنهم تافهين في نظر المجتمع فلم المحاولة عبثا في المشاركة فيه .
من المؤسف أن نشاهد أيضا أن بعض من يعتقدون أنهم يحترمون أطفالهم يسيئون لهم في تصرفاتهم ، ويشعرونهم بالنقص دون أن يعتقدوا ذلك ، بل يعتبرونها تصرفات اعتيادية ، لكنها بالنسبة للطفل مؤلمة موجعة تبعث في نفسه الحزن والكآبة ، وتترك آثارها على نفسه دون أن يشعر الآباء بذلك ، وسوف نستعرض بعضاً منها من واقع حياتنا اليومية :
الأمثلة :
(1) مجلس يدور فيه حديث بين مجموعة من الرجال حول موضوع معين فيتكلم واحداً منهم فيصغي إليه الآخرون ثم يسكت ، ويتكلم آخر في سرد قصة معينة وكذلك يستمع الآخرون إليه فيتكلم ثالث وهكذا .
تسود فترة صمت ، أحد أطفال الجالسين تخطر بباله قصة تخص الموضوع يحاول أن يلقيها على مسامع الجالسين لكن الحياء يمنعه ، لكنه يحاول ، وبعد جهد جهيد يستطيع أن يتغلب على خجله فيبدأ بالكلام ، لكنه

بناء الاسرة الفاضلة 245

يفاجأ بأن أحداً لم يسمعه ، لكنه يقاوم ويكمل كلامه فلا سبيل إلى التراجع ، لكنه يصطدم عندما يرى أن أحد الجالسين ابتدأ بالكلام مرة أخرى وتوجهت له أسماع الجالسين وضاعت كلماته الناعمة بين أصواتهم الغليظة ، وضاع الجهد الذي بذله لمقاومة الخجل ، وضاعت كرامته ، بل وتمرغت بالوحل ، فيطرق برأسه إلى الأرض وهو يتمنى لو أن الأرض انشقت فابتلعته .
إن هذا الطفل يفهم أن المجتمع لا يريد أن يسمع كلامه ، مستغني عن أي مشاركة منه لأنه تافه ولا أهمية لكلامه ، انه ناقص ولا يجب عليه أن يتكلم مرة أخرى ، في حين لو أن الكبار استمعوا لكلامه مع قليل من التفاعل لانتعشت روح الطفل ، وشعر بوجوده وأهميته ، وأنه يستطيع أن يفيد المجتمع ، ولا بد إذن أن يبحث عن المفيد ليجد ما يقوله لهذا المجتمع الذي يقدر جهوده .. !
(2) شخص يتنقل في المجلس يقدم العصير للحاضرين فرداَ فرداً ، الطفل يرى ويشاهد بأن الشخص الذي قدم العصير يسير ماراً بالجالسين واحداً واحداً وكل منهم يمد يده ليأخذ كأساً من العصير ، الطفل يراقب العملية فينتظر دوره بفارغ الصبر وعندما يصل دوره يمد يده فيفاجأ بأن الموزع لم يتوقف عنده بل تخطاه ،
يسحب يده بسرعة ويلمها في ثيابه ويلتفت يمنة ويسرة ينظر بوجوه الجالسين ليرى ما هي انفعالاتهم تجاه فضيحته ، إنه صغير وضعيف لا يستطيع أن يوقف ذلك الشخص ويسأله لماذا لم تعطيني كما أعطيت البقية فيسكت ، ولكن نفسه الجريحة تبكي في داخله على هذه الفضيحة دون أن يراها الآخرين ، ثم يسرد في عقله الباطن النتائج التالية :
1ـ أنا ليس واحد كالآخرين .
2ـ أنا إنسان حقير .

بناء الاسرة الفاضلة 246

3ـ هؤلاء الكبار اعدائي و لا بد أن آذيهم .
4ـ لن أسمع نصائحهم وسوف أعاندهم مهما قالوا .
5ـ وفي النهاية فلا قيمة لأي شيء وكل شيء تافه في هذه الحياة .
(3) يذهب الطفل مع أهله لزيارة عائلة صديقة ، وعند التقاء العائلتين يرى الطفل ترحيباً خاصاً لكل شخص ، وكل شخص يعانق الآخر ، فالسلام والترحيب حار جداً بين هاتين المجموعتين ، لكنه لا يرى ان شخصاً من هؤلاء مد يده ليصافحه ، أو ليسأله عن حاله ، لكنه بادر بنفسه ليضع حداً لهذا التجاهل فقال : السلام عليكم ، لكن النتيجة كانت مؤلمة لم يرد عليه أحداً سلامه ، رغم وجوب الرد .
إن مثل هذه القصص كثيرة في واقعنا ، وهي تترك ردود فعل مختلفة عند الأطفال ، لكنها تجتمع في النهاية لتترك أثراً بليغاً في نفس الطفل ، الشعور ( بعقدة النقص ) والتي تحطم شخصيته في الوقت الذي تبدأ غرائزه الاجتماعية بالنشاط وقد تلازمه مدى الحياة ، تتحول كل طاقاته ومواهبه واستعداداته الفطرية إلى كلمات لا دور لها في واقع حياته ، وقد تجره للانتقام من المجتمع فيصبح مجرماً خطيراً يقول الصادق (ع) : « جبلت القلوب على حب من نفعها وبغض من ضرها » (1) (2) .

(1) وسائل الشيعة : ج 11 ص 445 الباب 18 من ابواب الامر بالمعروف ... ح 4و 5 والكافي : ج 8 ص 152 ح 140 .
(2) يقول شاختر : ( ان شاباً من أقربائي كان يفضل الإنزواء دائما ، كان يمشي وحده في فرصة المدرسة ويجول في غيم الخيال وسمائه ، وكان يبادر بالذهاب إلى البيت فور خروجه من المدرسة ، وكان يفر من اللعب مع زملائه ، لم يشترك في أية جمعية خيرية ، ولم يكن يدعو أحداً إلى داره ، كما كان لا يذهب ضيفاً لأحد .
كان يقول : أحب مكتبتي وغرفة عملي أكثر من أي شخص آخر ، ولكن الحقيقة هي =
بناء الاسرة الفاضلة 247

إننا نتعامل مع الأطفال بهذه الصورة رغم كل ما ورد بحقهم من الله ورسوله .
لقد كان قائد الإسلام محمد (ص) يعامل أطفاله وأطفال الآخرين بقدر ليس بالقليل من الاحترام والتقدير ، فعندما كان يقدم من السفر يتلقاه الصبيان فيقف لهم ، ثم يأمر بهم فيرفعون إليه فيرفع منهم بين يديه ومن خلفه ، ويأمر أصحابه أن يحملوا بعضهم ، فربما يتفاخر الصبيان بعد ذلك فيقول بعضهم لبعض حملني رسول الله (ص) بين يديه وحملك أنت وراءه (1) .
وقد جاء في الحديث : « التلطف بالصبيان من عادة الرسول (ص) » (2) .
لقد كان (ص) على عظيم شأنه هو الذي يبدأ السلام مع الأطفال احتراماً لهم لذا نجد أن العلماء أوردوا باب استحباب التسليم على الصبيان في باب خاص في كتبهم .
عن أنس : ان رسول الله (ص) مر على صبيان فسلم عليهم وهو مغذ(3) ـ أي ماشي مسرع ـ .
وعن الصادق (ع) : قال النبي (ص) : « خمسة لست بتاركهن حتى الممات .. وتسليمي على الصبيان لتكون سنة من بعدي » (4) .

= أن ذلك الشاب لم يكن ذو مزاج سليم ، ولكي يستر ضعفه ولا يقع موقع السخرية والتحقير كان يحذر من اللعب ، وبالتدريج فإن هذه العادة جعلت منه إنساناً منزوياً في جميع المناسبات الأخرى ) .
(1) المحجة البيضاء : ج 3 ص 366 أخرجه عن البخاري ج 8 ص 10 .
(2) المحجة البيضاء : ج 3 ص 366 () .
(3مستدرك الوسائل : ج 2 ص 69 الباب 34 من ابواب احكام العشرة .. ح 1 .
(4) مكارم الأخلاق : ص 222 .
بناء الاسرة الفاضلة 248

فالسلام يحيي في قلب الطفل خصلة التواضع ، وحب الآخرين ويعطيه شخصية رصينة مستقلة ، وقال (ص) : « اكرموا أولادكم » (1) .
وقال : « ... من أقر عين ابن فكأنما بكى من خشية الله » (2) .
يقول موريس تي يش في كتابه « دروس للوالدين » :
« يجب أن تسلكوا مع أولادكم كأصدقاء أن تعملوا معهم ، أن تشاركوهم في اللعب ، أن تقرأوا لهم القصص ، وتتحدثوا معهم بعبارات الود والصداقة ، وبصورة خاصة فإن الفرد يجب أن يعرف كيف يجعل نفسه بمستوى الأطفال ويتكلم بلغة يفهمونها » .
وبذلك تكون كبيراً ، وليس كبيراً من يكلم الأطفال ويعاتبهم على أنهم رجال ، والرسول (ص) يقول : « كلموا الناس على قدر عقولهم » (3) .
إن الأشخاص الذين لا يحترمون الأطفال إنما هم أشخاص أنانيين ، لا يراعون حرمة للإنسانية حيث أن الطفل انساناً ، و لا يراعون حرمة للدين حيث أمرنا الله ورسوله باحترامهم ، و لا يراعون حرمة للأمة إذ يحرمونها من كفاءات ذات ارادة قوية ونفوس أبيه تتطلع دائما إلى الرفعة ، قد تبرز فتشارك في رفع شأنها .
لقد كان أطفال الناس أيضا يحوزون احتراماً وتكريماً من قائد الإسلام العظيم ، وكان يبذل لهم من العناية بمشاعرهم الروحية وعواطفهم ما يبذله لأولاده ،فعن الإمام الصادق (ع) أنه قال : « صلى رسول الله (ص) بالناس

(1) وسائل الشيعة : ج 8 ص 441 الباب 35 من ابواب احكام العشرة ح 2.
(2) مكارم الأخلاق : ص 221 .
(3)أنظر الكافي : ج 1 ص 23 كتاب العقل والجهل ح 15 وفيه : « انا معاشر الانبياء أمرنا أن نكلم الناس على قدر عقولهم » والعوالي :ج 2 ص 103 ح 284.
بناء الاسرة الفاضلة 249

الظهر فخفف في الركعتين الأخيرتين ، فلما انصرف قال له الناس : هل حدث في الصلاة حدث ؟
قال : وما ذاك ؟
قالوا : خففت في الركعتين الأخيرتين :
فقال لهم : أما سمعتم صراخ الصبي ؟ ! » (1) .
وهكذا نجد النبي العظيم يطيل في سجدته تكريما للطفل تارة ، ويخفف في صلاته تكريماً للطفل أيضا تارة أخرى ، وهو في كلتا الصورتين يريد التأكيد على احترام شخصية الصبي وتعليم المسلمين طريق ذلك .
يقولون : ان الأطفال يستأثرون باهتمام العصر الحاضر ، وإن تربيتهم تشغل مجالاً واسعاً من تفكير الحكومة والشعب ، أ فهل يمكن أن يبلغ اهتمامهم بالأطفال الدرجة التي بلغها اهتمام الرسول الأعظم بهم وتكريمه لهم ؟! .

(1) الكافي : ج 6 ص 48 باب حق الأولاد ح 4.
بناء الاسرة الفاضلة 250




بناء الاسرة الفاضلة 251

بناء ملكات الطفل

لا أحد يختلف في أن سعادة الإنسان ونجاحه في الدنيا والآخرة هما في سلامة طباعه الخلقية والنفسية ، وكذلك شقاءه وتألمه وتعاسته في الدنيا والآخرة مرهونة في انحراف طباعه الخلقية والنفسية ، وللأسف نجد أن موضوع سلامةالطباع وانحراف طباعه الخلقية والنفسية ، وللأسف نجد أن موضوع سلامة الطباع وانحرافها لا تحظى إلا بجزء يسير من الاهتمام الذي يوليه الآباء لسلامة أولادهم الصحية والغذائية ، فكما أن البدن يتألم من أمراض نقص التغذية ويسبب للمريض شعوراً بالتعاسة والشقاء بسبب الألم الذي ينتابه ليل نهار ، كذلك فإن آلام الروح والنفس أشد وطأة وأكثر ألماً لصاحبها ، والإنسان العاقل الواعي يعي هذه الحقيقة ، أضف إلى ذلك نسبة صعوبة علاج الأمراض النفسية مقارنة بعلاج الأمراض البدنية والمصحات النفسية تشهد على ذلك .
لذا يجب على الأب أو المربي الإلتفات إلى هذا الجانب من حياة الطفل ، والمجاهدة الحريصة على أن تكون طباع هذا الإنسان الصغير سليمة وصحيحة ، ووفقا للمبادئ الإسلامية بحيث تكون طباعه السليمة ملكات خلقية يتمتع بها هذا الطفل ونوره من الطباع المنحرفة والأخلاق الذميمة ملكه أيضاً يسعد بها طوال حياته ، والملكة كما يعرفها بعض العلماء : « الخلق عبارة عن ملكة للنفس ، مقضبة لصدور الأفعال بسهولة من دون احتياج إلى فكر أو روية ،

بناء الاسرة الفاضلة 252

والملكة كيفية نفسانية بطيئة الزوال » (1) ولك نفس في بدء الخلقة خالية من الملكات بأسرها ، وإنما تتحقق كل مكلة بتكرر الأفاعيل والآثار الخاصة به كالتربية والتلقين والمشاهدة إلى غير ذلك من وسائل التأثير .
وكذلك الأحوال النفسانية إذا تضاعفت قوتها صارت ملكات راسخة ، فالنفوس الإنسانية في أوائل الفطرة كصحائف خالية من النقوش والصور تقبل كل خلق بسهولة ، وإذا استحكمت فيها الأخلاق تفقد قبولها لأضدادها ، ولذلك سهل تعليم الأطفال وتأديبهم ، أو يتعذر تعليم الرجال البالغين وردهم عن الصفات الحاصلة لهم لاستحكامها ورسوخها ، ثم لا خلاف في أن هذه الملكات وأفعالها اللازمة لها إن كانت فاضلة كانت موجبة للالتذاذ والبهجة مرافقة للملائكة والاخيار ، وإن كانت رديئة كانت مقتضية للألم والعذاب ، ومصاحبة للشياطين والأشرار(2) .
إنك إيها الأب إذا حرصت على مراقبة خلق طفلك فإنك قد شاركت في مهمة الأنبياء إذ يقول الرسول (ص) :« إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق » (3) .
وهل هناك شرف أعظم من هذا ؟ !
واعلم ان أي إنسان مهما عظم شأنه وتعالى علماً أو عملاً فإنه غير جدير باحترام المجتمع ، وبعيد عن الله إذا كان منحرفا في طباعه الخلقية .
« ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك » (4) .
فاحرص أيها المربى على أن تكون قد شاركت في المهمة التي بعث الله

(1) جامع السعادات : ج1 ص 55 .
(2) جامع السعادات : ج 1ص 48 .
(3) كنز العمال : ج 3 ص 16 ح 5217 .
(4) سورة آل عمران ، الآية :159 .
بناء الاسرة الفاضلة 253

من أجلها خاتم رسله محمد (ص) وقد يسأل سائل : ما هي الصفات والأخلاقيات الفاضلة التي تريد جعلها ملكات لدى أطفالنا ؟
إن السؤال لا يجب أن يكون بهذه الصورة وإنما يجب أن تقول : ان كل الصفات الفاضلة مطلوبة ، ولا غنى عن واحد منها ، وكل أضدادها مرفوضة ولا يجب أن تقبل واحداً منها .
فالسخاء والرفق واللين والشجاعة والعفو الحياة والتواضع والخوف من الله ، والعزة والوقار والعدالة وحب الآخرين والعفة والصدق والأخلاق الفاضلة كلها أمور مطلوبة يجب الاهتمام بترسيخها في نفس الطفل ، وكذلك الجبن والعنف والخوف من غير الله أو الخوف الزائد والوقاحة والتكبر والغرور والظلم وكثرة الهزل والكذب والخيانة والغيبة والنميمة والحسد وإيذاء الآخرين والشتم والاستهزاء بالآخرين والنفاق .. إلى غير ذلك من الصفات والأخلاق الذميمة كلها صفات يجب الاهتمام بحماية الطفل من اكتسابها من أي جهة يمكن أن تؤثر به من داخل البيت أو من خارجه دون علم والديه كالأطفال الآخرين أن المدرسة أوالمجتمع .. الخ .
وفي الحقيقة يصعب أن نرجح صفة دون أخرى في مقدار أهميتها ، إذ أن كل صفة حسنة أو سيئة مما ذكرنا سالفاً أو غيرها صفات لها أهمية كبرى في التأثير على الطفل سلباً أو ايجاباً ، لكننا في هذه العجالة لا يمكننا أن ندرس كل هذه الصفات وسنقتصر على ذكر بعضها على سبيل الأهمية والمثال إن صح التعبير .. تاركين للأب المربي الاهتمام بدراسة بقية الصفات ، ومعرفة كيفية ترسيخها ، أو دفعها عن الطفل بالأساليب الصحيحة والعلمية الواعية .

بناء الاسرة الفاضلة 254




بناء الاسرة الفاضلة 255

الطفل بين الثقة بالنفس وعقدة النقص

لقد ذكرنا في الصفحات السابقة أهمية غمر الطفل بالحب والحنان منذ لحظاته الأولى ، وأهمية احترامه وتكريمه كي تصبح نفسه رطبة طرية لتقبل زرع كل الصفات المرغوبة في نفسه بسهولة ويسر ، وحتى لا ينجرف لأي تيار آخر مشوب قد يؤثر فيه ويلتصق به ، ظنا منه بأنه هو الملاذ المنشود لنيل الحنان والاحترام ، خاصة الفتيات الفاقدي الحنان قد يستجيبون لأي كلمة معسولة أو نغمة ناعمة ، ويعتبرونها هي النجاة وهي السعادة المفقودة ، ومع غياب الوازع الديني قد تترتب مشاكل عويصة ونتائج خطرة دون وعي الأهل وغفلة من الوالدين ، فيجب اشباع الفتيات بالحب والحنان ، وتعميق الوازع الديني في نفوسهم لحمايتهم من أي ميكروب ممكن ان يهاجمهم ، وقد ورد تقديم الفتيات على الصبيان في بعض الأحاديث .
ومن الصفات التي يحتاجها الانسان في حياته ليواجه بها مصاعب الحياة وتقبل المسؤولية هي شعوره بالثقة بالنفس ، وهي حالة قد لا تعتمد اعتماداًَ كلياً على القدرة والمعرفة ، انها حالة اقتناع القدرة والكفاءة داخل النفس ، وهي بحاجة لزرعها في نفس الانسان منذ طفولته فتكون ملكة من ملكاته يقويها بالعلم والتجارب ، فكم من الناس لديهم القدرة والعلم والخبرة لكنهم يفتقرون الى

السابق السابق الفهرس التالي التالي