|
|
وعاملاً من عوامل سعادته ورفاهيته .
ذكر رسول الله (ص) الجهاد فقالت امرأة : يا رسول الله ما للنساء من هذا شيء ؟
فقال : « بلى ، للمرأة مابين حملها إلى وضعها ثم إلى فطامها من الأجر كالمرابط في سبيل الله ، فإن هلكت فيما بين ذلك كان لها مثل منزلة الشهيد » (1) .
فهذه البطلة الخالدة أم البنين تربي أربعة أولاد ثم لا تعبأ عندما تسمع خبر استشهادهم في سبيل الله والدين والحق ، وكلهم دفعة واحدة ، إنها استنكرت على من قال لها أن أولادك استشهدوا ، فقالت له : وهل سألتك عنهم ؟ إني إسألك عن الحسين ، وكأنها تريد أن تقول وما قيمة أولادي أمام قضية مصيرية أممية كقضية الحسين (ع) .
أما إذا كانت الأم غير جديرة بأن تكون أماً ، فمن الاجرام أن تعطى هذه المهمة الخطيرة ، لأن النتائج لا يمنع أن تكون وخيمة على الأسرة والمجتمع ، بل وعلى الأمة بأسره ، وعبر عدة أجيال ، وهذا ما أنتجته مثل فارغة .
لقد كانت فارغة زوجة المغيرة بن شعبة . وبينما كان عمر بن الخطاب يسير في أزقة المدينة بعض الليالي .. سمع امرأة تغني في أحد البيوت وتنشد البيت الآتي :
| هل من سبيل إلى خمر فأشربها |
|
أم من سبيل إلى نصر بن حجاج ؟ |
وكانت تترنم بشاب أجنبي وهي محصنة ذات بعل ، عندها أحضر عمر
|
|
(1) مكارم الاخلاق : ص 234 .
|
الشاب نصر بن حجاج وقد كان جميلاً فحلق رأسه وسفره إلى البصرة .
إن امرأة كهذه تتمنى أن تعاقر الخمر وتتغنى بشاب تتمنى الوصل به ، كيف ستكون تربيتها لولدها .
إن ابن هذه المرأة أصبح لعنة على الأمة الإسلامية والمسلمين ، وإن التاريخ ليخجل أن يضم في سجلاته اسمه وتاريخه ، إن ابنها هذا هو الحجاج والذي انجبته من زوجها الثاني يوسف الثقفي .
الأسرة : مهد الطفل التربوي
قبل أن تهيء لطفلك سريراً أنيقاً ، وفراشاً زاهياً ، وملابس جذابة ، فكر في دفئه الأسري ، فقبل أن يولد الطفل لابد أن يعي الأبوان أن العائلة أو الأسرة هي الوحدة الإجتماعية للمجتمع الإنساني وهي المكان الطبيعي الذي يجب ان ينشأ في الطفل وفق سنة الله « ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة » (1) .
وأساسا كما مر فإن هدف الزواج هوالإنجاب « خير نسائكم الودود الولود » (2) إذاً فمن الطبيعي أن يولد الإنسان ليجد نفسه في أسرة أي ( أب وأم ) .
بعض الأسر يصيبها الإنهيار وتنتهي علاقة الأبوين بالطلاق ، بأسباب تافهة تاركين فلذات أكبادهم يعيشون في جحيم فرقتهم ، يحرمونهم من النعمة التي أعدها الله لأطفالهم ، إن الطفل لا يمكن أن ينشأ سوياً في هذه الحالة ، فغالباً ما يعيش مع أحد أبويه وهو بحاجه إليهما معاً وفق ما سنه الله له ، أو قد يعيش
|
(1) سورة الروم ، الآية : 21 .
(2) مكارم الاخلاق : ص 200 .
|
بعيداً عنهما ، أو عن عنايتهما في حال تزوج كل من الأبوين ، إن دفء صدر الأم مع شعور الطمأنينة بوجود الأب في جو من التفاهم والتعقل والألفة هو المحيط السليم الذي يستطيع فيه الطفل أن يتجاوز مراحل طفولته بسلام ونجاح « فإنه ليس مثل عش العائلة مكاناً آخر لتربية الأولاد ومنحهم الصحة الجسدية والنفسية » (1) .
« وعلى أي حال فالدار المتزلزلة لا يمكن أن تربي الطفل السليم » (2) .
فعلى الزوج أن يعي هذه الأحاديث :
عن الباقر (ع) قال : « رحم الله عبداً أحسن فيما بينه وبين زوجته » (3) .
وقال ابن جعفر (ع) : « من احتمل من امرأته ولو كلمة واحدة أعتق الله رقبته من النار ، وأوجب له الجنة ، وكتب له مائتي ألف حسنة ، وكتب الله عز وجل له بكل شعرة على بدنه عبادة سنة » (4) .
وعلى الزوجة أن تعي هذه الأحاديث :
قال النبي (ص) : « إيما امرأة لم ترفق بزوجها وحملته على ما لا يقدر عليه وما لا يطيق لم تقبل منها حسنة وتلقى الله وهو عليها غضبان » (5) .
وقال الصادق (ع) : « أيما امرأة قالت لزوجها : ما رأيت منك خيراً قط فقد حبط عملها » (6) .
|
(1) الفقه الاجتماع للشيرازي .
(2) الفقه الاجتماع للشيرازي .
(3) مكارم الأخلاق : ص 217 .
(4) مكارم الأخلاق : ص 216 .
(5) مكارم الأخلاق : ص 214 .
(6) مكارم الأخلاق : ص 215 .
|
فعلى الأبوين الدائمي الخلاف أن يتجردا قليلا عن حب ذواتهما ، ويفكرا في مستقبل فلذة أكبادهما ، فإن خانتهما العاطفة وعزما على الطلاق فلينظرا إلى حكم العقل والشرع في تربية هذا الطفل المسكين .
الطفل اليتيم :
ومما يثبت الأهمية البالغة لوجود الأبوين حول الطفل في تربيته اهتمام الاسلام البالغ في اليتيم الذي فقد أحد أبويه في الصغر ، إذ لم يهتم الإسلام فقط في حاجاته المادية حيث يصرف عليه من بيت المال إن كان محتاجاً ، وإنما أمن له حاجاته الروحية كي لا يشعر بأي نقص يكدر صفو روحه وعاطفته ، فينشأ سوياً كغيره من الأطفال ، ولئن فقد أحد أبويه فإن المجتمع الإسلامي كله له آباء ، فهو عضو من المجتمع الإسلامي وعلى المؤمنين أن يدركوا ذلك ، لذا نجد أن الإسلام قد أحاطه برعاية خاصة قال الرسول (ص) :« خير بيوتكم بيت فيه يتيم يحسن إليه . وشر بيوتكم بيت يساء إليه » (1) .
انظر إلى أهمية البيت حيث لم تنشئ الحكومة الإسلامية دوراً للأيتام بل أرادت أن يعيش الطفل في بيت ، فالبيت هو المكان الذي اختاره الله بلطفه للطفل ويكون فيه بسلام في صحته وعقله وعواطفه وقال (ص) : « من عال يتيماً حتى يستغني عنه أوجب الله له بذلك الجنة » (2) .
قال الرسول (ص) : « من أنكرمنكم قساوة قلبه ، فليدن يتيماً فيلاطفه وليمسح رأسه يلين قلبه بإذن الله إن لليتيم حقاً» (3) .
وعن حبيب بن أبي ثابت أنه قال : جيء بمقدار من العسل إلى بيت
|
(1) مستدرك الوسائل : ج 1 ص 148 الباب 78 في متعلقات أحكام الأموات ح 6 .
(2) بحار الانوار : ج 72 ص 4 ح 8 .
(3) بحار الانوار :ج 72 ص 5 ح 11 .
|
المال ، فأمر الإمام علي (ع) بإحضار الأيتام ، وفي الحين الذي كان يقسم العسل على المستحقين كان بنفسه يطعم الأيتام من العسل ، فقيل له يا أمير المؤمنين مالهم يلعقونها ؟ فقال : « إن الإمام أبو اليتامى وإنما ألعقتهم هذا برعاية الآباء » (1) .
وقال أمير المؤمنين (ع) :« أدب اليتيم مما تؤدب منه ولدك واضربه مما تضرب منه ولدك » (2) .
ومن وصية الإمام أمير المؤمنين إلى أولاده : « الله الله في الأيتام فلا تغبوا أفواههم ولا يضيعوا بحضرتكم » (3) .
عن فقه الرضا (ع) : « وإن كان المعزي يتيما فامسح يديك على رأسه » (4) .
لما أصيب جعفر بن أبي طالب ، أتى رسول الله أسماء فقال لها : اخرجي لي ولد جعفر ، فأخرجوا إليه فضمهم وشمهم ، قال عبد الله بن جعفر : احفظ حين دخل رسول الله على أمي ، فنعى لها أبي ونظرت إليه وهو يمسح على رأسي ورأس اخي (5) .
يستفاد من مجموع النصوص الإسلامية ضرورة تربية الأيتام كسائر الأطفال في المجتمع ، ولهم الحق في الاستفادة من جميع المزايا والعواطف الإنسانية .
إن الإيتام في الدولة الإسلامية يمتازون برعاية كاملة من حيث الطعام
|
(1) الكافي : ج 1 ص 406 باب ما يجب من حق الامام ... ح5 .
(2) الوسائل : ج 15 ص 197 الباب 85 من ابواب احكام الاولاد .
(3) نهج البلاغة : الكتاب 47 .
(4) مستدرك الوسائل : ج 1 ص 147 الباب 78 في متعلقات احكام الاموات ح 1 .
(5) بحار الانوار : ج 79 ص 92 ح44.
|
واللباس والحنان والأدب بحيث لا يحسون بأي فوق بينهم وبين سائر الأطفال .
ويستفاد من الأحاديث أيضاً أن لا بديل للطفل من الأسرة مهما كانت الضروف التي يتعلل بها الآباء والأمهات الأنانيون .
(1) في دور الرضاعة :
في اليوم الأول لولادة الطفل تبدأ رحلة التربية للطفل ، ويكون لكل تصرف وسلوك تجاهه أثر على عقله وعواطفه ، وإن لم ندرك ذلك إننا عندما نضع بذرة في التربة ثم نصب عليها قليل من الماء تبدأ عملية النمو في اللحظة الأولى دون أن نرى ذلك ، وعندما تتشقق الأرض وتبرز النبتة إلى الخارج فإنها تكون قد قطعت مراحل عدة حتى وصلت لهذه المرحلة ، فيبدأ الطفل يستقبل المؤثرات في اليوم الأول كما تبدأ تفاعلات النبتة لحظة وضعها في التربة وصب الماء عليها ، وعندما يرى الأب أن الطفل بدأ يدرك ويتأثر فإنها كلحظة يرى الزارع فيها بزوغ النبتة خارج التربة .
يقول الإمام علي (ع) : « إنما قلب الحدث كالأرض الخالية ما ألقى فيها من شيء قبلته » (1) .
وقد ذكر بعض علماء النفس أن مخ الطفل من أول يوم ولادته ، يسجل كل ما حوله من الأحداث ، ويؤثر ذلك في وعيه ، ولعل ذلك سبب تأكيد الشارع على الآذان في أذنه اليمنى ، والإقامة في إذنه اليسرى » (2) .
قال رسول الله (ص) : « من ولد له مولود فليؤذن في أذنه اليمنى بآذان الصلاة ، وليقم في اليسرى فإنها عصمة من الشيطان الرجيم » (3) .
|
(1) نهج البلاغة : الكتاب 31 .
(2) الفقه الاجتماع للامام الشيرازي .
(3) الكافي : ج 6 ص 24 باب ما يفعل بالمولود ... ح 6.
|
يتصور البعض أن المولود الجديد قطعة من اللحم الحي ، يحتاج إلى الغذاء والنوم فقط ، ويجب أن يمر عام على حياته ـ على الأقل ـ حتى تستيقظ المشاعر النفسية عنده تدريجياً ، وعند ذلك يتمكن الآباء والأمهات من الابتداء بتنمية العادات الحسنة في الطفل ، وبعبارة أخرى يظن هؤلاء أن الغذاء المادي يبدأ من اليوم الأول للطفل ، أما حاجته إلى الغذاء الروحي فإنها تبدأ بعد عام من ولادته على الأقل .
إن هذا التصور خطأ فاحش فإن الطفل يستجيب في الأسابيع الأولى من حياته بفضل غرائزه واستعداداته للعادات والمؤثرات .
« إن الأطفال الرضع محتالون أكثر مما يتصوره البعض ، إنهم عندما يرون أن نتائج البكاء أنفع لهم فإنهم يستخدمونها بلا شك » (1) وإن كثير من الأمهات يدركن هذه الحقيقة .
أحد الآباء يذكر أنه يعرف لغة طفله الرضيع ، ويعرف ماذا يريد ، إذ أن هذا الطفل يبكي بطريقة معينة عندما يشعر بالجوع ويبكي بطريقة اخرى عندما يشعر بالبرد ، أو عندما يشعر بالألم ، وكذلك عندما يكون بحاجة إلى أنيس يجلس بجانبه وهكذا .
إن على الوالدين الاهتمام بتنمية عواطف الطفل إذ أن مشاعره العاطفية تكون يقظة في فترة غياب ادراكه العقلي ، ومن أفضل وسائل تنمية عواطف الطفل مناغاته ، والابتسام في وجهه ، وتقبيله ، وشمه ومعاملته بالرفق والحنان ، فإن العطف من أطيب الأطعمة النفسية التي يلتذ بها الطفل .
وقد ورد سابقاً في الحديث القدسي في سؤال موسى لربه قال : يا رب أي الأعمال أفضل عندك؟
|
|
(1) الطفل بين الوراثة والتربية .
|
قال : « حب الأطفال فإني فطرتهم على توحيدي فإن أمتهم أدخلتهم جنتي برحمتي » (1) .
ويقول الإمام الصادق (ع) : « هل الدين إلا الحب » (2) .
إن الطفل الذي يتلقى مقداراً كافياً من الحب والحنان يمتلك روحاً منتعشة ، إنه يشعر بذلك عند ضمه إلى صدر أبويه وتقبيله ويري ذلك إلى نفسه فلا يصاب بعقدة الحرمان بل تتفتح أسارير الفضائل في قلبه بسهولة ، وينشأ عطوفاً يكن الحب والخير لمن حوله بل ولمجتمعه.
عن الإمام الصادق (ع) قال : « من قبل ولده كتب الله عز وجل له حسنة ومن فرحه ، فرحه الله يوم القيامة » (3) .
وقال (ع) : « أكثروا من قبلة أولادكم فإن لكم بكل قبلة درجة » (4) .
إن الأطفال هم أحباء الله ، وحبهم عبادة عظيمة يؤديها المسلم ، فعلى المؤمنين أن يحبوا الأطفال بشكل عام ، ولا تخص بذلك ، حب أطفال الآخرين وعاملهم كما تحب أن يعامل الآخرون أطفالك ، وكذلك كان رسول الله (ص) ولنا فيه أسوة حسنة ، فقد كان محباً لأطفال الناس ، رفيقاً بهم ، فكان (ص) يؤتى بالصبي الصغير ليدعو له بالبركة أو ليسميه فيأخذه فيضعه في حجره تكرمة لأهله ، فربما بال الصبي عليه فيصيح بعض من رآه فيقول (ص) : « لا تزرموا بالصبي » فيدعه حتى يقضي بوله ، ثم يفرغ من دعائه وتسميته فيبلغ سرور أهله فيه ، ولا يرون أن يتأذى ببول صبيهم ، فإذا
|
(1) مكارم الاخلاق : ص 237 .
(2) الخصال: ص 21 الرقم 74 وبحار الأنوار : ج 66 ص 237 ح 5 .
(3) الكافي : ج 6 ص 49 باب بر الأولاد ح 1 .
(4) بحار الانوار : ج 101 ص 92 ح 10 .
|
انصرفوا غسل ثوبه (1) .
فالحدة والشدة والغلضة تأثر في نفس الطفل ويستاء منها ، وربما تركت حرجاً في نفسه ، وخدشاَ في شخصيته يصعب فيما بعد إزالته ، وإلى ذلك يشير الرسول (ص) : روي عن أم الفضل زوجة العباس بن عبد المطلب مرضعة الحسين(ع) قالت : أخذ مني رسول الله (ص) حسينا أيام رضاعه فحمله ، فأراق ماءه
على ثوبه فأخذته بعنف حتى بكى ، فقال (ص) : « مهلاً يا أم الفضل إن هذه الإراقة الماء يطهرها ، فأي شيء يزيل الغبار عن قلب الحسين » (2) .
وهنا ندرك نقطتين :
الغبار : ويقصد به الآثار النفسية السلبية التي ستصيب قلب الطفل .
فأي شيء يزيل : استفسار مفاده صعوبة التخلص من هذه الآثار النفسية التي ستصيب الطفل .
ومن الملاحظ أن كثير من الأمهات ربما ضربت طفلها الرضيع غضبا لكثرة بكائه ، ولربما ألقت به بشدة بحيث يرتطم في فراشه ثم تصرخ عليه غضباً منه ظناً منهم بأن هذه التصرفات لا يمكن أن تؤثر في نفس الطفل وهو بهذا السن ، في حين احتمال ظهور آثار هذا السلوك على الطفل مستقبلاً ، شعور بالنقص والإنكسار ، ولربما كان بكاءه ولم لا يستطيع الافصاح عنه ، أو لحاجة ، أو لشيء ما ، ثم لا يجد إلا الإيذاء بدل التلبية .
وكذلك يجب الاهتمام في غذاء الطفل في سنواته الأولى ، ذلك أن
|
(1) بحار الأنوار : ج 16 ص 240 ومكارم الاخلاق : ص 25 .
(2)هدية الأحباب : ص 176 .
|
الأساس الأول في بناء المبنى إذا كان منحرفاً استمر البناء في انحرافه مهما علا في السماء شاهقاً .
إن المخ ينمو بالرغم من ثبات عدد خلاياه ، وهذا النمو يحصل في الأعوام الثلاثة الأولى بسرعة عجيبة بحيث يمكن إرجاع 95 % من نمو الدماغ عند الإنسان إلى تلك الأعوام الثلاث (1) .
إن كثيراً من الأمراض عند الأطفال والتي يعانون منها في سنواتهم المتأخرة إنما نتجت من سوء التغذية في سنتهم الأولى والسبب يرجع إلى اهمال الأبوين في هذا الجانب وعدم مراجعتهم للمختصين .
فكما جاء عن الرسول (ص) : « والرجل راع على أهل بيته وهو مسؤول عنهم فالمرأة راعية على أهل بيت بعلها وولده وهي مسؤولة عنهم ألا فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته » (2) .
وعلى الوالد أن يراعي موضوع التسمية ، والذي ورد في كثير من الأحاديث ، وليعرف أن ذلك أثر بالغ على نفس الطفل فليسمه إسماً لشخص مميز مصدر فخر كأسماء النبي والأئمة (ع) ، أو اسماً فيه معنى يحب الشخص أن يشعر به ، وخير الأسماء كما ورد في الحديث « ما حمد وعبد » (3) .
الايمان : الحجر الأساسي في البناء النفسي للطفل :
يجب اعتبار تربية الطفل على الإيمان وإشعاره بوجود الله هو الأساس الأول والرئيسي لتربية الطفل ، وبعبارة أخرى يجب اعتبار الإيمان الحجر
|
(1) الطفل بين الوراثة والتربية .
(2) مجموعة ورام ( تنبيه الخواطر ) : ص 6.
(3) انظر مستدرك الوسائل : ج 2 ص 618 الباب 15 من ابواب احكام الأولاد ح 1 و 5 .
|
الأساسي والرئيسي في البناء النفسي والعاطفي للطفل .
وهذه المهمة لا تحتاج في بداية الأمر لأي قدر من التكلف ، إذ أن الطفل قد فطر على التوحيد كما مر في الحديث القدسي « فطرتهم على توحيدي » (1) فالإيمان بالله موجود أساساً في باطن كل طفل بفطرته .
وعلى المربي أن يراقب الطفل في شعوره وادراكه ، وحالما يجد أن جهاز الإدراك عند الطفل ابتدأ في العمل والنشاط بشكل واضح ، وابتدأ الطفل يكثر في السؤال عن الموجودات المحيطة به وعن علل الأشياء ، فإن نفسه الطاهرة تكون على أتم الإستعداد للإيمان بالله الخالق لكل هذا العالم ، وعلى المربي أن يستغل هذه الثروة الفطرية بأسرع ما يمكن ، ويفهمه الله هوالذي خلق كل شيء ، وهو الذي يرزقنا ، وهو يرانا في كل وقت ونحن لا نراه ، وسوف يثيبنا على أعمالنا الحسنة ويعاقبنا على أعمالنا الخاطئة .
إذا انتعشت نفس الطفل بالإيمان بالله فإنها تكون قد سارت وفق فطرة الله ، واستجابت لأقوى قوة وجدانية في نفس الإنسان ـ وهي الإيمان بالخالق ـ عندها تكون نفس الطفل نشيطة ومستعدة لإحياء جميع السجايا الفطرية الفاضلة في نفسه ، فيبدأ في تحصيل السلوكيات والصفات المرغوبة بشكل أقوى وأفضل .
عن ابن عبد الله (ع) : « بادروا أولادكم ـ أحداثكم ـ بالحديث قبل أن يسبقكم إليهم المرجئة » (2) أي علموهم أمور دينهم وعقيدتهم بشكل صحيح قبل أن يسمعوا كلام المخالفين ويبادروهم بالباطل فيفسدوا فكرهم ومعتقدهم .
وعن ابن عبد الله (ع) : « إذا بلغ الغلام ثلاث سنين يقال له : قل لا إله
|
(1) مكارم الأخلاق : ص 237 .
(2) الكافي : ج 6 ص 47 باب تأديب الولد ح 5 .
|
لا الله ( سبع مرات ) ثم يترك حتى يتم له ثلاث سنين وسبعة أشهر وعشرون يوما فيقال له : قل : محمد رسول الله ـ سبع مرات ـ ويترك حتى يتم له أربع سنين ثم يقال له : قل سبع مرات صلى الله على ومحمد وآله ، ثم يترك حتى يتم له خمس سنين ثم يقال أيهما يمينك؟ وأيهما شمالك؟ فإذا عرف ذلك حول وجهه إلى القبلة ويقال له : اسجد ، ثم يترك حتى يتم له ست سنين فإذا تم له ست سنين قيل له : صل وعلم الركوع والسجود حتى يتم له سبع سنين فاذا تم له سبع سنين قيل له : اغسل وجهك وكفيك ، فإذا غسلهما قيل له : صل .. » (1) .
وعن النبي(ص) قال : « مروا صبيانكم بالصلاة إذا بلغوا سبعاً » (2) .
والمقصود بـ [ ترك ] في هذا الحديث على حسب الظاهر هو عدم الاثقال عليه بتزاحم الأفكار ، وليس أن يترك بعد أن يلقن العبارة سبع مرات فقط إلى حين الموعد الآخر ، وإنما الاستمرار بتلقينه فقط العبارة الواردة في عمر معين حتى يصل عمره لمرحلة أخرى والعلم عند الله .
وفي الحديث عن الامام العسكري (ع) : « إن الله يجزي الوالدان ثواباً عضيماً ، فيقولان : يا ربنا انى لنا هذه ولم تبلغه اعمالنا ؟ فيقال : هذه بتعليمكما ولديكما القرآن وبتبصيركما إياه دين الإسلام » (3) .
ويذكر أن الحسين (ع) أعطى من علم ولده سورة الحمد نقوداً وهدايا ثم ملأ فمه دراً ثم قال : وأين يقع هذا من عطائه ! (4) .
|
(1) كما في مكارم الأخلاق : ص 222 .
(2) مستدرك الوسائل : ج 2 ص 624 الباب 53 من ابواب احكام الأولاد ح1.
(3) مستدرك الوسائل : ج 1 ص 290 الباب 6 من ابواب قراءة القرآن ح 1 .
(4) مستدرك الوسائل : ج 1 ص 290 الباب 6 من ابواب قراءة القرآن ح 3 .
|
لقد تربى علماؤنا السابقون على الإيمان والفضيلة منذ الصغر ، وكان هذا هو سر سموهم وشموخهم ، ومن طرائف ما نقل بهذا الشأن أن العلامة الحلي رحمة الله عليه كان عندما يريد أن يفلت من أبيه إذا ألحق به ليمسكه على جرم فعله كان الغلام ( الحلي ) يقرأ من القرآن ما يوجب السجود ، فيضطر أبوه للسجود ، ويتمكن هو من الفرار لأنه غير مكلف ولا يجب عليه السجود .
لذا نرى أن العلامة الحلي قد بلغ درجة الإجتهاد وهو ابن الثلاثة عشر سنة ، وكان يلعب في الشارع مع الأطفال فإذا حان موعد الدرس يلبس عمامته ليذهب ويجالس كبار العلماء وفيهم من يسأله ويستفيده .
فالطفل الذي استوعب مسألة الإيمان بالله وبالغيب في صغره لا يكون بحاجة للتكلف في اقناعه ببقية المسائل الإيمانية في الكبر ، بل يجدها واضحة وكحقيقة مسلمة .
« إن الطفل الذي يتربى على هذا الأساس يمتاز بإرادة قوية وروح مطمئنة ، تظهر عليه إمارات الشهامة والنبل منذ الصغر وتطفح كلماته وعباراته بحقائق
ناصعة وصريحة » (1) .
وهكذا كان نبي الله يوسف (ع) الذي تربى في حجر النبي يعقوب (ع) على التقوى والإيمان ، فعندما ألقي في البئر في قصته المعروفة كان عمره كما يروى عن علي بن الحسين (ع) « ابن تسع سنين » (2) فبعد أن أخرج يوسف من البئر بيع لقافلة مصرية ، وفي ظروف كهذه فإن المتوقع من طفل في عمره هو الخوف والجزع ، لكن من تربى على الإيمان من صغره يمتلك مقداراً عجيباً من الإطمئنان في الحديث : « لما أخرج يوسف من الجب واشتري قال لهم
|
(1) الطفل بين الوراثة والتربية .
(2) تفسير البرهان : ص 495 .
|
قائل : استوصوا بهذا الغريب خيراً ، فقال لهم يوسف : من كان مع الله فليس في غربة » (1) .
ونظير هذا نجد قصة الرسول الأعظم (ص) مع مرضعته حليمة السعدية .
تقول حليمة : لما بلغ محمد (ص) الثالثة من عمره قال لي : أماه أين يذهب إخوتي نهار كل يوم ؟
فأجبته : يخرجون إلى الصحراء لرعي الأغنام .
قال : لماذا لا يصحبوني معهم ؟
فقلت له : هل ترغب في الذهاب معهم ؟
قال : نعم .
فلما أصبح دهنته ، وكحلته ، وعلقت في عنقه خيطا فيه جزع يمانية ، فنزعها ثم قال لي : « مهلا يا أماه فإن معي من يحفظني » (2) .
يقول ريموندبيج : إن قلب الإنسان لا يمكن أن يعتنق الأخلاق من دون وجود دافع ديني ، ولو حاول شخص أن يتفهم الأصول الخلقية بمعزل عن الدين فكأنه يقصد تكوين موجود حي لكنه لا يتنفس ، إن أول صورة يرسمها الطفل في ذهنه عن الله تنبع من علاقته مع والديه ، عليهما أن يعرفا الله لأطفالهما بأحسن صورة ، وهما في هذا السبيل يستطيعان أن يستعينا بمصورين فياضين أولهما الدين والثاني الطبيعة » (3) .
|
(1) مجموعة ورام ( تنبيه الخواطر ) : ص 33.
(2) الطفل بين الوراثة والتربية في أثر الايمان في الطفل وكما في بحار الأنوار : ج 15 ص 392 .
(3) الطفل بين الوراثة والتربية .
|
ولا يكفي أن يعرف الطفل وجود الله وقوة الله وقدرته لكن يجب أن يزرع حب الله في قلب الطفل وبشكل يفوق أي حب ، ومن الملاحظ أن بعض الآباء لكي يثبت لطفله أنه يحبه يقول له : بني أتعلم من أكثر من أحب ؟ فيسأل الطفل : ومن أكثر من تحب ؟
فيجيب الأب : أنت طبعا يابني .
فيرد الطفل ويقول لأبيه : وكذلك أنا أحبك أكثر من أي شخص آخر ، فيقبله أبوه فرحاً .
كان أمير المؤمنين (ع) جالساً يوماً في بيته وقد جلس على جانبيه طفلاه الصغيران : العباس وزينب قال علي (ع) للعباس : قل واحد .
فقال : واحد .
فقال : قل اثنان .
قال : استحي أن أقول باللسان الذي قلت ، واحد : اثنان !
فقبل علي (ع) عينيه ثم التفت إلى زينب وكانت على يساره والعباس عن يمينه
فقالت : يا أبتاه أتحبنا ؟
قال : نعم يا ابنتي ، أولادنا أكبادنا !
فقالت : يا أبتاه حبان لا يجتمعان في قلب المؤمن ، حب الله وحب الأولاد ، وإن كان لابد فالشفقة لنا ، والحب لله خالصاً فازداد علي (ع) بهما حباً (1)
إننا عندما نريد أن نزرع حب الله خالصا في قلوب أطفالنا علينا أن نزرعه
|
|
(1) مستدرك الوسائل : ج 2 ص 635 الباب 79 من ابواب احكام الأولاد ح16 .
|
بالاقناع ونعلل ذلك لهم لا أن نأمرهم بحب الله ثم نقول لأطفالنا ما يزرع البغض لله في قلوبهم ، كثيراً ما نسمع هذه العبارة متوجهة من الأب أو الأم لطفلهما : « إن الله سوف يدخلك النار إذا فعلت كذا » رغم أنه طفل وغير مكلف فيعتبر ما قالته الأم خطأ في الأسلوب وكذب شرعاً .
وهذا أسلوب خاطئ كانت نتيجته أن أحد الأطفال قال لأبيه : أنا لا أحب الله لأنه سوف يدخلني النار ، وهنا تحضرني قصة بهذا الصدد :
أحد البيوت استقبلوا مولوداً جديداً لكنه كان ناقصاً في الخلقة بسبب عقار طبي تناولته الأم أثناء فترة الحمل . فتألمت أسرة المولود بسبب هذا الحدث
وشكروا لله حامدين . ولكن هناك طفلة تأثرت لهذا الحدث وسألت أمها : لماذا ولدت ناقصة ؟
فقالت لها أمها : أنه من عند الله ، فتأملت مليا وقالت : أنا لا أحب الله ، فاستفسرت الأم مندهشة لماذا ؟ فقالت : لأنه فعل بالمولودة هكذا .
عودوا أطفالكم حب الله ، وقولوا لهم إن الله يحبكم كثيرا ، وكل ما عندنا من خير أو نعمة فإن مصدرها الله أعطانا إياها حباً ورحمة ، وكل ما يصيبنا من سوء فمن أنفسنا .
قل لطفلك يجب أن تحب الله أكثر مني لأن الله هو الذي خلقني لك فأوفر لك ما تريد .
وخلاصة القول : يجب أن تكون قلوب أطفالنا فياضة بحب الله وتوحيده ، فتكون الخطوة الأولى في معارج الكمال وأيديهم لا تزال مستندة ومشتبكة بأيدينا نرعاهم ونحميهم من أي زلة أو عثرة قد تصيبهم بأذى ، ونحمي قلوبهم وعقولهم من أي شائبة في العقيدة ، ونكون بذلك قد وفرنا لهم سلامة الروح والبدن .
| |