بناء الاسرة الفاضلة 198

واخلق لهذه القصة بطلاً يمكن أن يتخذه طفلك قدوة لحب الخير والمساعدة وليس الإعتداء .
(3) مراعاة اختلاف الأطفال :
إن الأطفال وإن كانت هناك صفات عامة تميزهم وتجمعهم في سلوكهم وغرائزهم وميولهم إلا أنهم يختلفون عن بعضهم البعض في نوعية ودرجة حدة هذه الصفات والله يقول في كتابه : « مالكم لا ترجون لله وقارا وقد خلقكم أطوارا » (1).
لذا على من يقوم بالتربية أن يعي هذه المسألة ولا يتعامل مع كل الأطفال على نسق واحد بل يحدد أسلوبه مع الطفل وفق ميوله وسلوكه .
كذلك فإن عواطف الطفل وإدراكاته الحسية والعقلية في تغير دائم ويجب أن يكون لكل عمر من أعمال الطفل تعامل يتناسب .
فالسبع سنوات الأولى يترك الطفل يلعب ويلهو ، وليس معنى هذا كما يفهمه البعض أن يترك الطفل دون ارشاد وتوجيه ، فهذه المرحلة هي أخطر مرحلة يمر بها الطفل ، وبما يكتسب صفاته الأولية ، وبها تتوجه ميوله وغرائزه ورغباته ، وعندنا أحاديث تشير إلى ضرورة تعليم الطفل في الثالثة والرابعةوالخامسة ، إلا أن المطلوب كما يبدو من ( اتركه سبع ) أي لا تشدد عليه في هذه المرحلة كتشديدك على صبي في الثانية عشر ، مثلاً فهو يتعلم في هذه المرحلة ويخطأ كثيراً ويستجيب بعد ذلك ، إذ أنه لا يمتلك انضباطاً كاملاً في هذه الفترة ، وقد يؤدي التشديد عليه إلى رفض كل ما يوجه إليه ويتجه إلى العناد وهذا ما يقع فيه كثير من الآباء ( عناد شديد من الطفل ) ، فالطفل في هذه

(1) سورة نوح ، الآية 13 ـ 14 .
بناء الاسرة الفاضلة 199

المرحلة يحتاج إلى استخدام سياسية اللين والمراوغة في اقناعه وتلقينه المعلومات .
والمرحلة الثانية هي مرحلة التعلم حيث تتفتح ادراكات الطفل لاستقبال أكبر قدر من المعلومات ، وتكون لديه قوة الذاكرة متقدة وفعالة .
وأما المرحلة الثالثة فهي المرحلة التي يشعر فيها الشخص بكيانه ليبرز الى مجتمعه في شخصيته وثقته بنفسه وإيمانه بقدراته وطاقاه ، فاستشارته تعني بالنسبة له إنك فرد مهم ولرأيك قيمة يمكن أن تفيد من خلالها المجتمع ، فلا تخشى ولا تضعف ولا تتردد في مشاركتك لبناء مجتمعك .
وأما الاختلاف بين الأطفال في عمر متجانس فهو أمر واضح حيث تجد الطفل الهادئ والطفل الحاد المزاج ، والطفل البخيل جداً ، والطفل المسرف ، والطفل العدواني ، والطفل الجبان ، وتجد أيضا بين هذين النقيضين أطفالاً متوسطين ولكل منهم معاملة خاصة .
فالأطفال المتوسطين يشتركون في اتباع الأساليب التربوية في حقهم بشكل هادئ وبسيط وهم مريحين في التربية .
أما الأطفال الحديين في صفاتهم فإنهم يحتاجون ألى اتباع أساليب متباينة معهم كل حسب ما يناسبه ، ولا يمكن تحديد الأسلوب المجدي معه ارتجالاً ، وإنما يحتاج إلى معرفة خاصة بخصوص الموضوع مع قدرة فائقة من المربي الذكي على التحمل والمداراة .
ولا ينبغي أن يترك الطفل المتطرف على أي حالة من الأحوال وان استدعت الحاجة لمراجعة المختصين النفسانيين ( الطبيب النفسي ) مثلاً .

بناء الاسرة الفاضلة 200

(4) الحد من المؤثرات السلبية :
غرس زيد نبتة صغيرة لشجرة التفاح في تربة طيبة ثم رطب لها التربة بماء عذب ، وتعهدها بالعناية حتى بدأت تنمو ، وزادت خضرتها ، وأصبح ثمرها مرجواً ، واستبشر صاحبها بذلك ، لكنه في يوم لاحظ صفرة على وريقاتها فبادرها بالماء العذب ، لكن هذه الصفرة لم تزل بل أخذت في الإزدياد يوماً بعد يوم وهو يحاول يائساً أن ينقذها من الفناء بالماء العذب ، لكن محاولاته كلها باءت بالفشل ، فقد باتت هذه الشجيرة قبل أن يتحقق أمله ويأكل من ثمرها وضاعت كل جهوده هباء أدراج الرياح .
جلس زيد يفكر في السبب الذي سلب الحياة من شجرته رغم كل ما بادرها به من عناية ! وبدأ يسترجع في ذاكرته كل ما مر له من علاقة بهذه الشجرة ، لكنه لم يجد في ذاكرته سوى صورة واحدة يمكن أن يكون لها علاقة بالشجرة ، تذكر أن جاره عمر كان يأتي بإناء مملوء بالماء يسقي به الشجرة ، وكان يفعل ذلك قبل موت الشجرة بأيام ، وكان زيد يتشكر منه على هذه المساعدة .
لكن هل من الممكن أن يكون عمر قد أضاف سماً لهذا الماء ، لا غير معقول فإن عمراً شخص طيب ولا يمكن أن يصدر منه مثل هذا العمل ، لكن هذه الفكرة ظلت تراود زيداً ، ولا زال يحاول طرد هذه الشكوك حتى ذهب وسأل عمر عن هذا الأمر .
زيد : ما الذي كنت تضع في الماء يا عمر ؟
عمر : لم يكن بالماء شيء وكان ماء صافياً أحضرته بنفسي من البحر !!
زيد : وكيف تفعل ذلك ؟ ألا تعلم أن ماء البحر مالحاً وبسببه يموت

بناء الاسرة الفاضلة 201

الزرع ؟ ! إنك شخص جاهل والناس أعداء ما جهلوا ولكن من أمرك أن تفعل ذلك ؟
عمر : لقد أمرني بذلك شخص كان يمر من هنا قبل أيام .
زيد : ومن هو هذا الشخص ؟
عمر : لا أدري إني لا أعرفه !!
وهنا يكون السؤال مهماً .. من هو ذلك الشخص ولماذا فعل هذا الدمار في الشجرة وحرم صاحبها من ثمارها ؟
إن هذا الشخص المجهول في قصتنا ليس مجهولاً في واقعنا إنه يتجلى في معاول الهدم التي يتعرض لها أطفالنا في حياتهم التربوية ، إنه يتجلى في الفيديو وشاشة التلفزيون من خلال برامجه السخيفة والتي تجعل أطفالنا سخفاء في فكرهم وتصوراتهم .
يروى أن طفلاً ألقى بنفسه من الدور الثالث من النافذة بعد أن تناول وجبة سبانخ ظناً منه بأنه لن يموت كما يشاهد في أفلام الكارتون ـ هذه القصة حقيقية وحدثت في لبنان ـ .
وذلك الطفل ذو العشر سنوات الذي احتضن خادمة المنزل وأخذ يرقص معها لأنه شاهد القط يفعل ذلك مع القطة ، ومناظر تنافي العفة والحياء والفضيلة يشاهدها أبناؤنا في التلفزيون كل يوم .
أما في مناهجنا التربوية والدراسية فإنه تقع الطامة الكبرى إن الطفل والطفلة يرون في المدرسة والمدرس أعلى قدوة يمكن الإقتداء بها ، لذلك إن بعض الأطفال عندما يريد أن يثبت لك حقيقة ، يقول لك : إن المدرس قال

بناء الاسرة الفاضلة 202

كذلك ! . ومع ذلك تسمع الكثير من قصص اشتهرن بها بعض المدرسات المتدنيات .
أو نشاهد مدرسة الدين تصل القمة في تبرجها مع إنها هي التي تعلم أطفالنا أمور دينهم .
وأغرب ما سمعنا في ذلك أن وزير التربية في احدى الدول الإسلامية يصرح بأن رقص البنات في المرحلة المتوسطة نصف عاريات في احتفال عام ليس حراماً ، وهو أمر يجوزه الإسلام لأنه فن .
إن هذه الصورة تشكل معاول الهدم التي تفقد المربي أثره في تربية أطفاله إذا لم ينتبه لها ويحاول الحد من تأثيرها .
وكذلك المجتمع يمارس ثقافة غربية في تفكيره وسلوكه ، ولذلك فهو يعتبر أيضا من أهم المؤثرات السلبية في التأثير على تربية الأطفال من خلال تأثير أطفاله على الأطفال الذين يتلقون تربية فاضلة .
لذا يجب أن تراقب من خلال الحديث مع طفلك ما يسمعه من الأطفال الآخرين في المدرسة والمجتمع .
إذا أردت أن تكون جهودك مثمرة في تربية طفلك فامنع عنه كل ما يمكن أن يؤثر به تأثير الماء المالح على شجرة التفاح .
إن حاجتنا لتربية ابنائنا تربية منهجية تفوق حاجة آبائنا السابقين لهذا الأمر ، والسبب أننا نواجه اليوم تربية سلبية في مقابل تربيتنا الإيجابية لأطفالنا .
(5) لا لليأس في التربية :
قد يصمم فنان أن يرسم لوحة على درجة كبيرة من الدقة ليفتخر بها ، أو يصمم عالم على اكتشاف قانون يفتخر به ويحل به كثير من المشاكل والعقبات

بناء الاسرة الفاضلة 203

التي تعترض كثير من الإختراعات ، ويسهر لهذا الهدف ويقضي الساعات تلو الساعات في مختبره . وقد يصمم مدرب ألعاب قوى أن يصل بمن يدربه في رفع الأثقال إلى الرقم القياسي ويحصل على الميدالية الذهبية .
وهناك كثير من البشر يصممون على أهداف ويدركونها بجهودهم ، فبعضهم عالي الهمة في نوعية هدفه ، وبعضهم تافه في نوعية هدفه .
أما أنت أيها المربي ، وأنت أيتها الأم المؤمنة ، فأنتما أمام مهمة من أقدس المهمات في الوجود الإنساني ، مهمة أوكلت إلى الأئمة والأنبياء ، مهمة اصلاح البشر والفرصة أمامكم في تقديم انسان من طراز معين للمجتمع ، هذا الطفل بين أيديكما .
يقول الإمام علي (ع) مخاطباً ولده الحسن : « إنما قلب الحدث كالأرض الخالية ، ما ألقى فيها من شيء قبلته » (1) .
فلا تفوتكما الفرصة ، فليكن انتاجكما انسان يعتز به المجتمع الذي ينتمي إليه في إيمانه وعطائه وتفخر به في الميزان أمام الله تبارك وتعالى ، اجهدا في ذلك نفسيكما وأعلما إنكما قادران إن وجد التصميم فإن « من رام شيء ناله أو بعضه » .
أيها الأب المؤمن .
أيتها الأم المؤمنة ...
إن الإسلام قد عني كثيراً براحة الإنسان في كل أموره ومسؤولياته وهذا من رحمة الله تبارك وتعالى ، ولمهمة تربية الطفل في ظل أسرة نجد أن الإسلام قد وضع لذلك أسسا قوية لنتمكن من أداء هذه المهمة على الوجه الأكمل .

(1) بحار الانوار : ج 74 ص 200 .
بناء الاسرة الفاضلة 204

ولقد كانت عناية الإسلام بالطفل قبل ولادته بل قبل أن تنعقد نطفته ، ويستمر في رعايته له حتى يكبر ويتحمل مسؤوليته بنفسه .
وسوف نستعرض جزءاً من هذه الأسس بشيء من الاختصار لتكون للقارئ بداية انطلاق في العزم على التربية المنهجية ، والاستعانة على ذلك بالإطلاع على المناهج الإسلامية الخاصة بالتربية .
والدراسات الحديثة القائمة على التجرية العلمية مع التدقيق والتأكد من صحة نتائجها .


بناء الاسرة الفاضلة 205

مراحل تربية الطفل في الاسلام

إن الدين الإسلامي كعادته عندما يريد أن يعالج أي قضية أو مشكلة من مشكلات الإنسان يبدأ بالجذور ، إذ أن جذور الشجرة هي التي تجعلها ثابتة رغم الرياح والعواصف ، وكذلك المبنى الضخم لا يهمه أن يكون جميلاً في تصميمه كي يثبت على الأرض وإنما المهم هي قوة القواعد اضافة إلى أمور أخرى كحجم الأعمدة ونوعية المواد وموازين الضغط ، إلى غير ذلك من الأمور والتي تساهم كلها في بقاء هذا المبنى ثابتاً على الأرض .
والإسلام عندما يحث أفراده على الزواج يؤكد على أهمية الزواج « النكاح سنتي فمن رغب عن سنتي فليس مني » (1) .
وقال رسول الله (ص) : « ركعتان يصليهما المتزوج أفضل من سبعين ركعة يصليها أعزب » (2) .
فهو في الوقت ذاته يبين الهدف من الزواج وهو الإنجاب واستمرار وجود البشرية .

(1) جامع الأخبار : ص 106 في التزويج وبحار الانوار : ج 100 ص 220 ح23 .
(2) الكافي : ج 5 ص 328 باب كراهة العزبة ح 1 .
بناء الاسرة الفاضلة 206

وعنه (ص) : « تناكحوا تكثروا فإني أباهي بكم الأمم يوم القيامة حتى بالسقط » (1) .
وبما أنه يحث على الانجاب والتأكيد على أهميته ، فإذن يجب أن يكفل ( وفق العدالة الإلهية ) كل ما يضمن سلامة وسعادة هذا المخلوق الجديد . لذا فهو يرشدنا إلى اختيار نوعية الأم والتي ستكون سببا من أسباب سعادة أو شقاء الطفل ، أي إنه يمكننا أن نقول أن الأم هي الأساس التربوي والوراثي للطفل في بادئ الأمر .


(1) المحجة البيضاء : ج 3 ص 53.
بناء الاسرة الفاضلة 207

الأم الأساس الوراثي للطفل

لكي يكتب للبذرة النمو بشكل سليم لابد لها أن توضع في تربة صالحة . إن قانون الوراثة هو قانون ثابت من القوانين الإلهية والتي سنها في خلقه ، فهو سنة الله في خلقه ، وكذلك فهو قانون ثابت من الناحية العلمية إذ أن الصفات تنتقل من خلال الجينات الموجودة داخل الكروموسومات الموجودة أصلاً في الخلية الحية ، والتي بواسطتها يكون الطفل كشبه أباه أو أمه ولا داعي للخوض في اثبات قانون الوراثة فهو إضافة إلى ما تقدم قانون ثابت من واقع الحياة والتجربة ، فغالبا ما نجد الياباني ينجب أطفالاً قصيري القامة على عكس الأوروبي ينجب أطفالاً طويلي القامة ، وحتى في الصفات الخلقية كثيراً ما نجد أن عائلة بأكملها تتصف بالهدوء والسكينة وغالبا ما يكون أبناوئهم كذلك ، وعلى العكس أيضا تجد أن بعض العوائل يتسم أفرادها بالمزاج الحاد والعصبية وغالباً ما يكون أبناؤهم كذلك .
يشير النبي محمد (ص) فيقول : « انظر في أي شيء تضع ولد لك ، فإن العرق دساس » (1) .

(1) المستطرف من كل فن مستظرف : ج 2 ص 218 . وانظر كنز العمال : ج 16 ص 296 ح 44559 والمحجة البيضاء : ج 5 ص 93 . وراجع هامش الصفحة ذاتها .
بناء الاسرة الفاضلة 208

وإذا بحثنا عن كلمة دساس في المنجد في مادة دس نجدها تعني أن أخلاق الآباء تنتقل إلى الأبناء (1) .
وعن الإمام أمير المؤمنين (ع) :« حسن الأخلاق برهان كرم الأعراق » (2) .
وقصة الإمام علي (ع) مع ولده محمد بن الحنفية تشير بوضوح إلى هذا المعنى : فقد كان محمد بن الحنفية ابن الإمام علي (ع) حامل اللواء في حرب الجمل ، فأمره الإمام (ع) بالهجوم ، فأجهز على العدو ، لكن ضربات الأسنة ورشقات السهام منعته من التقدم فتوقف قليلاً .. وسرعان ما وصل إليه الإمام وقال له : « احمل بين الأسنة » .
فتقدم قليلاً ثم توقف ثانية ، فتأثر الإمام من ضعف ابنه بشدة فاقترب منه و .. ضربه بقائم سيفه وقال : « أدركك عرق من أمك » (3).
وهنا يشير الإمام علي (ع) إلى أن ابنه قد ظهرت فيه علامات للجبن رغم أن أباه أشجع شجعان العرب ولكن أمه والتي ساهمت في تربيته لا يمكن لها أن تكون كالزهراء (ع) . وهذا القرآن يشير إلى هذا المعنى :
« رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً ، إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجراً كفاراً »(4) .
فإذا أراد المؤمن الزواج فعليه أن يبحث عن زوجة مؤمنة عفيفة تملك من الصفات الحسنة والفضائل ما يمكنها من انجاب أطفال مؤهلين للسير في معارج

(1) الطفل بين الوراثة والتربية .
(2) غرر الحكم : ص 261 . ح 4942 .
(3) تتمة المنتهى : ص 17 كما في الطفل بين الوراثة والتربية : ج 1 ص 60 .
(4) سورة نوح ، الآية : 26 ـ 27 .
بناء الاسرة الفاضلة 209

الكمال ، فهذا هوالاعتبار الذي يجب أن يؤخذ في الحسبان تاركا كل المعايير الجاهلية والتي كثيراً ما تجدها سائدة في بعض المجتمعات الإسلامية مثل الجمال والمال والجاه وغيرها من المعايير الزائفة ، لذا تجد أن الرسول (ص) يحذر المسلمين في موضوع الزواج يقول الرسول (ص) : « إياكم وخضراء الدمن ».
قيل : يا رسول الله وما خضراء الدمن ؟
قال: « المرأة الحسناء في منبت السوء » (1) .
عن الصادق (ع) : « إذا تزوج الرجل المرأة لمالها أو جمالها لم يرزق ذلك فإن تزوجها لدينها رزقه الله عز وجل مالها وجمالها » (2) .
وهذا الإمام علي (ع) بعد وفاة زوجته الصديقة (ع) وأراد الزواج تجده يشير إلى هذا المعنى حيث يقول لأخيه عقيل ـ وكان عارفاً بالأنساب ـ :
« اخطب لي امرأة ولدتها الفحول من العرب لأرزق منها ولداً يكون عوناً لولدي الحسين يوم عاشوراء ..» .
وكما أن الإسلام حريص في اختيار الأم ، كذلك نجده حريص في اختيار الأب فعن النبي (ص) : « شارب الخمر لا يزوج إذا خطب » (3) .
وعن الإمام الصادق (ع) :
« أيما امرأة اطاعت زوجها وهو شارب الخمر ، كان لها من الخطايا بعدد نجوم السماء ، وكل مولود يلد منه فهو نجس ولا يقبل الله منها صرفاً ولا عدلاً

(1) الكافي : ج 5 ص 332 باب اختيار الزوجة ح 4.
(2) مكارم الأخلاق : ص 203 .
(3) الوسائل : ج 14 ص 53 الباب 29 من ابواب مقدمات النكاح ح 2
بناء الاسرة الفاضلة 210

حتى يموت زوجها ، أو تخلع عنه نفسها » (1) .
وبعد ان يحدد الاسلام نوعية الأم ونوعية الأب يستمر في عناية الشاملة للطفل الذي يولد ليبين لنا كل ما يمكن أن يؤثر في الطفل من نوعية الطعام وطهارته والذي ستتكون منه النطفة . بل ويحدد لنا الموعد الذي يجب أن تنعقد فيها النطفة في مجموعة من الأحاديث والتي تستر وراءها حقائق علمية هائلة بدأ العلم الحديث يتوصل شيئا فشيئا إلى اثباتها .
إن أحد أسباب سلامة هيكل الطفل أو عدمها يتعلق بالغذاء الذي تناوله الأب قبل انعقاد النطفة ، إذا كانت نطفة الأب مسمومة حين الاتصال الجنسي فإن الجنين يولد ناقصاً وعليلاً ، وهذا التسمم ينشأ من تناول الأطعمة الفاسدة ، إذ يجب الاجتناب حين الاتصال الجنسي عن الأكل المتسمم أو الخمر بالخصوص والعياذ بالله ، فيجب أن يكون الطعام الذي يتناوله الانسان في ليلة الاتصال الجنسي للتكاثر كاملاً وحاوياً بالفيتامين A بالخصوص .
ولقد قام أحد الأطباء في أوروبا بجمع احصائيات دقيقة للنطف التي تنعقد في ليلة رأس السنة المسيحية فوجدوا أن 80 من الأطفال المتولدين من تلك النطف ناقصوا الخلقة وذلك لأن المسيحيين في تلك الليلة يكثرون من تناول الخمر (2) .
يرى العلم الحديث أن للأطعمة تأثيراً خاصاَ على شكل الطفل ، وجماله ، ولون شعره ، وكل مظاهرجسده .
وكذلك في الروايات والأحاديث اشارات صريحة إلى هذا المضمون عن الصادق (ع) أنه نظر إلى غلام جميل فقال : « ينبغي أن يكون أبو هذا أكل

(1) لألىء الأخبار : ج 5 ص 216 في النهي عن معاشرة شارب الخمر ...
(2) الطفل بين الوراثة والتربية .
بناء الاسرة الفاضلة 211

سفرجلاً ليلة الجماع » (1) .
« واطعموه حبالاكم فإنه يحسن أولادكم » (2) .
وعن النبي (ص) : « أطعموا المرأة ـ في شهرها التي تلد فيه ـ التمر فإن ولدها يكون حليماً نقياً » (3) .
ووردت أحاديث كثيرة تنهي عن الجماع في حالات التوتر الجوي مثل العواصف السوداء والصفراء ، وفي حالات حدوث الكوارث الطبيعية مثل الزلازل وغيرها ، أو بعض الظواهر الطبيعية الغريبة مثل الخسوف والكسوف .
فالأعصاب في هذه الحالة ليست مستعدة لإعطاء الإنسان فرصة الممارسة الهادئة ، فالتوتر في الطبيعة يترك توتراً نفسياً عند كل الطرفين ، فإذا انعقدت النطفة ـ في تلك الليلة ـ فلا يؤمن على الجنين من بعض الأمراض العصبية والنفسية .
قال رسول الله (ص) في وصاياه للإمام علي (ع) بخصوص أمور الزواج :
« يا علي لا تجامع امرأتك في أول الشهر و وسطه وآخره فإن الجنون والجذام والخبل سريع إليه والى ولدها » (1)« ياعلي: لا تتكلم عند الجماع .. » (4) .
« يا علي: لا تجامع أهلك إذا خرجت إلى سفر مسيرة ثلاث أيام ولياليهن »

(1) مكارم الأخلاق : ص 172 .
(2) مكارم الأخلاق : ص 172 .
(3) مكارم الأخلاق : ص 169 .
(4) مكارم الأخلاق : ص 209 .
(5) مكارم الأخلاق : ص 209 .
بناء الاسرة الفاضلة 212

فإنه ان قضى بينكما ولد يكون عونا لكل ظالم » (1) .
قال رجل لأبي جعفر (ع) : أ يكره الجماع في وقت من الأوقات ؟ قال : « نعم ، من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس ... وفي اليوم الذي تنكسف فيه الشمس ، وفي الليلة التي يخسف فيها القمر ، وفي اليوم والليلة التي تكون فيها الرياح السوداء أو الرياح الحمراء والليلة التي تكون فيها الزلزلة .. » (2) .
يستفاد من بعض الأحاديث أن الاستقرار النفسي والطمأنينة ساعة انعقاد النطفة لها أكبر الأثر على سلامة انعقاد النطفة .
وقد سأل بعض الأشخاص بروفسوراً في مستشفى خاص للأطفال في لندن عن سبب بعض التشوهات في الخلقة ، فذكر البروفسور عدة أسباب كان منها الاضطراب النفسي وقت الجماع .

(1) مكارم الأخلاق : ص211 .
(2) كما في مكارم الأخلاق : ص 213 .
بناء الاسرة الفاضلة 213

ما بعد النطفة

وتستمر التوجيهات الإسلامية في الحفاظ على سلامة الجنين وهو في بطن أمه ، إذ أن هذه فترة هامة وحرجة في سلامة الطفل النفسية والعضوية .
يقول رسول الله (ص) : « الشقي من شقا في بطن أمه والسعيد من سعد في بطن أمه » (1) .
على الأم الواعية أن تعرف أن فترة الحمل التسعة اشهراً إنما هي فترة تكون الأم فيها مسؤولة عن سلامة جنينها ، وان هذا الجنين أمانة استودعها عندها وهي مسؤولة عنها ، فعلى الأم أن تتصور أن النطفة التي انعقدت في رحمها إنما هي كالمسافر في لحظته الأولى ، وسوف يقطع مسافة طويلة يكون فيها معرض لأخطار كثيرة ـ في أي لحظة من لحظاته طوال التسعة أشهر ـ من سقوط ، أو تشوهات خلقية ، أو آثار نفسية سيئة ، ولا يمكن الجزم بسلامة الجنين إلا حين ولادته سالماً .
لذا كان علي بن الحسين (ع) إذا بشر بولد لم يسأل أذكر هو أم أنثى ؟ بل

(1) كنز العمال : ح 490 .
بناء الاسرة الفاضلة 214

يقول : « أسوي هو ؟ » فإذا كان سوياً قال : « الحمد لله الذي لم يخلقه مشوهاً » (1) .
وكما أن الأمراض العضوية عند الأم يمكن أن تصيب الطفل كذلك الأمراض النفسية والانحرافات الخلقية والانفعالات الحادة يمكن أن تكون تربة مساعدة لوجود انحرافات نفسية كافية في نفس الطفل ، قد تظهر تدريجياً مع نمو الطفل دون أن تشعر الأم بذلك ، وقد يشاهد على الطفل بعض الكدمات مرجعها الانفعالات النفسية .
يولد في الولايات المتحدة سنوياً 000’200 ’ 4 طفل ، ولكن مئات الألوف منهم مصابون بنواقص وعيوب ناشئة قبل الولادة ، وأكثرهم يشكون من الأمراض القلبية ، والشلل العصبي ، والصرع ، والعمى ، والصمم، وغير ذلك .
وغالبية ذلك يرجع إلى ما تتناوله الأم الأمريكية من طعام وغيره .
فعلى الأم أن تتبع في غذائها وسلوكها كل الأوامر والمستحبات الشرعية اضافة إلى الإرشادات الطبية بكل دقة وأمانة لتنعم بمولود سوي خلقاً وخلقاً ان شاء الله تعالى .

(1) مكارم الأخلاق : ص 228 .
بناء الاسرة الفاضلة 215

الأساس التربوي للطفل

بعد أن يتم زرع النبتة في تربة صالحة فإن هذا لا يكفي لنمو النبتة فيلزمها ليكون وضعها ونموها سليماً أجواء صالحة مثل الضوء الشمسي والأوكسجين للزرع ، فبعد أن يولد الطفل فإن المدرسة الأولى التي ستحتضنه هو حجر أمه ، وانك لتشاهد ارتياح الطفل وهدوءه عندما تضمه أمه إلى صدرها ، ولقد اثبتت التجارب العلمية أن صوت دقات قلب الأم هي التي تعطي الطفل الشعور بالطمأنينة والأمان ، ولذلك فإن بعض دور الحضانة تسجل على شريط التسجيل صوت دقات قلب الأم ، وعندما يبكي الطفل يفتح الشريط بالقرب من إذنه ويهدأ بهذه الصورة (1) .
إن الأم بعد أن تضع طفلها عليها ان تعرف بأن هذا الطفل يحمل استعدادات وعوامل مساعدة لنشوئه على صفات موروثة حسنة أو سيئة ، فإن كان يحمل الصفات الحسنة من أبيه أو منها يجب ان ترعى هذه الصفات وتنميها ، وان كان العكس أي يحمل استعدادات وراثية سيئة منها أومن أبيه عليها أن تفكر كيف يمكن أن تقومها وتحسنها ، وبطبيعة الحال فإن الأم لا

(1) الطفل بين الوراثة والتربية .
بناء الاسرة الفاضلة 216

يمكن لها أن تعرف ذلك ، فإن ذلك لا يمكن أن يتضح منذ الأيام الأولى ، المهم ان تفكر الأم وفق هذه الفروض منذ اليوم الأول .
فالإمام علي يقول : « العادة طبع ثان » (1) .
ويجب أن تفكر منذ اليوم الأول كيف ستستخدم الأساليب التربوية الصالحة بحق هذا الطفل ، وتستخدم كل امكانياتها في محاولة الإطلاع على كل ما تقدم في هذا المجال من دراسات .
وعليها أن تعلم أنها تمارس مهمة مقدسة وعظيمة وأن الله قد قدرها حق قدرها بسبب هذه المهمة حيث قال على لسان نبيه (ص) : « الجنة تحت أقدام الإمهات » (2) .
هناك بعض الأمهات المتعلمات يرون وللأسف أن التربية عمل دنيء لا تمارسه إلا النساء الأميات ، أو الخدم ، وأن عليها أن تثبت ذاتها ووجودها في المجتمع من خلال العمل خارج المنزل ولربما يكون عملها لا يتعدى تصفيف بعض الأوراق ، لكنها رغم ذلك تجده عملاً يعطيها قيمتها ، وإن التربية في المنزل عمل يفقدها قيمتها .
لا غرابة في ذلك في مجتمع يستقي ثقافته وعاداته من مصادر أجنبية خارجية .
لكن الأم الرسالية المؤمنة فانها تفتخر بهذه المهمة ، وتعتبرها كرامة من الله وهبها إياها ، وما هو أفضل من أن تخدم دينها وعقيدتها في تربية شخص وفق المناهج الإسلامية لنراه فيما بعد عضواً بارزاً وفعالاً في مجتمعه وأمته ،

(1) غرر الحكم : ص 44 ح 768 .
(2) كنز العمال : ح 45439 .

السابق السابق الفهرس التالي التالي