بناء الاسرة الفاضلة 177

بسم الله الرحمن الرحيم

« إنما أموالكم وأولادكم فتنة وأن الله عنده أجر عظيم »(1)
« المال والبنون زينة الحياة الدنيا »(2) .
لما آلت الخلافة إلى عمر بن عبد العزيز أخذت الوفود تتقاطر إليه من أنحاء الدولة لتهنئته وكان في تلك الوفود وفد من الحجاز ، كان في ذلك الوفد صبي صغير ، قام في مجلس الخليفة ليتكلم فقال الخليفة : ليتكلم من هو أكبر منك سناً .
قال الطفل : أيها الخليفة إن كان المقياس للكفاءة كبر السن ففي مجلسك من هو أحق بالخلافة منك ، تعجب عمر بن عبد العزيز من هذا الكلام وأيده على ذلك ثم أذن له في التكلم ، وبعد أن أنهى كلامه قال له عمربن عبد العزيز : عظني .
قال الطفل : لقد أصيب البعض بالغرور لحلم الله عليهم ، وأصيب آخرون بذلك لمدح الناس إياهم ، فاحذر من أن يبعث هذان الأمران الغرور

(1) سورة الأنفال ، الآية : 28 .
(2) سورة الكهف ، الآية : 46 .
بناء الاسرة الفاضلة 178

فيك فتنحرف في تدبير شؤون الدولة .
سر عمر بن عبد العزيز لهذا الكلام وسأل عن عمر الصبي فقيل له : هو فتى ابن اثنتي عشر سنة .
نسمع كثيراً عن مثل هذه القصص التي تظهر نبوغ بعض الأطفال في بعض المجالات ، ولعلك قد استرجعت في ذهنك بعض منها .
نستمع إلى هذه القصص ثم نبتسم ونرفع حاجبينا اعجابا بهذه القدرات الصادرة من أحداث ، ثم نهز رأسنا ونطلق آهات الحسرة عن قصور أبنائنا في الوصول إلى مستوى كهذا ، دون أن ندرك وجود مواهب وطاقات كامنة في أطفالنا دفينة بسبب سوء التربية والمعاملة .
تعد أزمة التربية التي نعيشها هي من أهم المشاكل التي تواجه مجتمعنا ، حيث أصبحت تهدد أمتنا بسمتقبل مظلم .
فقد فقدت كلمة التربية في مجتمعنا مفهومها الحقيقي ، وأصبحت لا تعني سو الاهتمام بمأكل وملبس الأطفال وحمايتهم من الأمراض الجسمية ، وتركهم بعد ذلك يعيشون كما يعيش الطائر في قفصه دون أي اهتمام في شؤونهم النفسية والروحية ، وإذا تعدى البعض في ادراكه لمفهوم هذه الكلمة فإنه لا يعدو أن يكون أحد أمرين متناقضين ، وقلما نجد توازنا أو اعتدال ، فالبعض يرى أن التربية هي عنف ، وضغط ، وضرب ، والنتيجة أشخاص عديمي الشخصية ، فاقدين الثقة بالنفس ، يعانون من عقدة النقص التي تنغص عليهم حياتهم ، وتشلهم عن التقدم والابتكار ، والمشاركة الفعلية في أي دور في المجتمع .
وكثيرا ما نشاهد مصداق هذا الكلام في واقعنا ، ثم يرجو هذا الأب بعد ذلك ابنا سويا ، شجاعاً رزيناً ، ذو شخصية رصينة ومتفوقة ، وإذا اصطدم

بناء الاسرة الفاضلة 179

بالنتائج الوخيمة : ابنا عاقاً ، أو شاذاً في سلوكه وخلقه ، مليء بالعقد النفسية ، تجده يشكو الحظ أينما حل أو جلس ، ويأتيك بالدليل تلو الدليل بأن العلة ليست في التربية إنما هي في شخصية الطفل ، ماذا ننتظر من شخص لاقى الضرب العنيف من والده منذ السنة الخامسة أو السادسة حتى عامه الثلاثين وذلك لتوجيهه في المسار السليم بعد سنوات من الاهمال شب فيها الطفل على مالا يرغبه الدين والعقل .
عن أبي عبد الله (ع) قال : قال رسول الله (ص) : « رحم الله من أعان ولده على بره » .
قال : قلت : كيف يعينه على بره ؟
قال : « يقبل ميسوره ، ويتجاوز عن معسوره ، ولا يرهقه ، ولا يخرق به » (1) ، وسيرد تفصيله .
وقسم يرى أن التربية اضافة إلى ما تقدم من توفير الحاجات المادية هو حب مفرط للطفل دون أي اعتراض لارادة الطفل وتصرفاته ، إنه يحب ابنه لذا يحب أن يعطيه ما يريد ، ويفعل ما يريد ، وتجاوز كما يريد ، حتى وان اعتدى على الآخرين فلا يجب الاعتراض عليه ، وإذا سألت أباه لماذا لا توجه طفلك ؟ أو تعاقبه ؟ يقول لك بكل ثقة المربي الواعي .. وهل تريد للطفل أن يتعقد ! لكن طفلك يعتدي على الآخرين وسوف يكرهه الآخرين ، وتربى فيه حب الاعتداء وصفات أخرى ذميمة وخلال سنوات سوف يرى نفسه منبوذاً في مجتمعه ، مما يزرع فيه عقدة نقصة واحساس بالدونية ، فيجيبك : سوف يكبر ويفهم ! وهو يجهل أنه ليس من السهولة استئصال ما شب عليه الطفل من صفات

(1) الكافي : ج 6 ص 50 باب ابر الأولاد ح 6 .
بناء الاسرة الفاضلة 180

قد ترسخت في نفسه وصارت جزءاً منه ، وكثيرا ما نشاهد مثل هذه التصرفات في واقعنا كإعانة الطفل على الخطأ وتشجيعه أحياناً ظناً منهم بأنهم يفهمون أصول التربية الحديثة دون غيرهم ، وإذا سألتهم من أين لكم بهذه المبادئ ؟ لا تجد جواباً ، إن هي إلا الإرتجالية في التربية وفق الأهواء والعواطف التافهة .
يقول الإمام الباقر (ع) : « شر الآباء من دعاه البر إلى الإفراط » (1) .
ومظاهر أخرى وأخرى كثيرة يمكن أن نشاهدها في واقع حياتنا اليومية تشير إلى أن الصبي إذا أهمل في أول نشوئه خرج على الأكثر رديء الخلقوالأفعال فيكون كذاباً ، حسوداً ، لجوجاً عنوداً ، سارقاً ، خائناً ذا ضحك ، وفضول ، وربما صار مائلا إلى الفسق والفجور (2) .
ماذا تتوقع من الطفل الذي لا يوجه ولا يعتنى به وفق أساسيات علمية ؟ ماذا تتوقع من الطفل الذي لا يطرق سمعه حديث عن الفضيلة ، والإيمان ، وحب الله ، ومكارم الأخلاق والمسؤولية وغيرها ؟
ليس هذا مهما عند كثير من الآباء ، المهم أن يغدق عليه في المعيشة ويجمع له رصيداً من المال ويظن أنه قد أدى ما عليه من المسؤولية بينما يبقى الابن فاقد لأهم شيء وهو الأدب .
يقول الامام علي (ع) : « خير ما ورث الآباء الأبناء الأدب » (3) .

(1) تاريخ اليعقوبي : ج 3 ص 53 . كما في الطفل بين الوراثة والتربية في موضوع الافراط في المحبة .
(2) جامع السعادات النراقي عن ( النظام التربوي في الإسلام للقرشي : 97 ) .
(3) غرر الحكم : ص 269 ج 5123.
بناء الاسرة الفاضلة 181


أهمية التربية

لم يعد اعتبار التربية موضوعا يشغل الاهتمام وجدير بالبحث ، بل وحتى في حياتنا العلمية نجد أن هذا الموضوع لا يشغل محافلنا العلمية بالقدر الذي يناسب أهميته .
وهذه أحدى افرازات واقعنا المتخلف الذي نعيشه بصوره المتعددة .
إن الطفل عالم من المجاهيل المعقدة كعالم البحار الواسع الذي كلما خاضه الباحثون ، كلما وجدوا فيه كنوزا وحقائق علمية جديدة ، لازالت مخفية عنهم ، وذلك لضعف وضيق ادراكهم المحدود من جهة ، واتساع نطاق هذا العالم من جهة أخرى . إننا عندما نتكلم عن الطفل فإننا نتكلم عن الشاب بعد 15 عاماً ، وعن الرجل المسؤول بعد 30 عاماً وعن العالم أو المفكر أو المرجع بعد 50 عاماً وعندما نتكلم عن هؤلاء إنما نتكلم عن الرجل الذي سيتحمل المسؤولية الإلهية الملقاة على كاهل الإنسان كما يشير إلى ذلك القرآن .
« إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الانسان .. » (1) .

(1) سورة الأحزاب ، الآية : 72 .
بناء الاسرة الفاضلة 182

إننا نتكلم عن الشخص الذي يجب أن يتحمل عبء الرسالة ، ويحمل مسؤولية المشاركة في بناء الحضارة الإسلامية ، ولن يبقى طفلاً مدى الحياة كما يتصور جهلا كثير من الآباء والأمهات .
ألم يكن كل عظماء التاريخ أطفالاً ؟ ألم يكن كل زعماء الحضارات أطفالاً ؟ ألم يكن كل مفكري وعلماء العالم أطفالاً ؟ ألم يكن كل من على الارض في يوم من الأيام أطفالاً ؟ ألم تكن أنت طفلاً ؟!
بلى كلهم كانوا أطفالاً ولكنهم وجدوا من يستغل كنوزهم الفطرية ويرعى مواهبهم المودعة بداخلهم من خلال تربية واعية حكيمة .
ورد عن الامام الحسن (ع) : أنه دعا بنيه وبني أخيه فقال :« إنكم صغار قوم ويوشك أن تكونوا كبار قوم آخرين فتعلموا العلم فمن لم يستطع منكم أن يحفظه فليكتبه وليضعه في بيته » (1) .
وعن الامام علي (ع) : « من لم يتعلم في الصغر لم يتقدم في الكبر » (2) .
ويشير إلى هذا المعنى طفلاً ذكياً كما في القصة التالية :
لقد كان ابن سينا جالساً عند أحد الحدادين فجاء طفل وسلم على الحداد وقال له : إن أمي تقرؤك السلام وتسألك جمرة توقد بها القدر .
فقال الحداد للطفل : اذهب واحضر اناء أضع لك فيه الجمرة .
لكن منزل الطفل ليس قريباً فتلفت الطفل حواليه ولم يجد شيئا ً يضع فيه الجمرة فتناول حفنة من التراب في يده وقال للحداد : ضع الجمرة على التراب

(1) بحار الأنوار : ج 2 ص 152 ح 37 .
(2) غرر الحكم : ص 445 ح 9037 .
بناء الاسرة الفاضلة 183

ولن تحرق يدي .
فوضع الحداد الجمرة على التراب وذهب ، فناداه ابن سينا وسأله قائلاً كيف عرفت أن التراب يعزل حرارة الجمرة عن يدك .
فقال الطفل : لا تستغرب فلست أنا وحدي بهذا الذكاء بل إن في بلادنا آلاف الأطفال على درجة من الذكاء ، لكنه قدر لنا أن نصبح من الكادحين ذوي الحرب البسيطة ليبرز مثلك عالماً ليس له منازع ، ثم أدار وجهه وذهب .
إن هذا الطفل أراد أن يقول لابن سينا أنك لست الوحيد بذكائك هذا ، وإنما نحن الكادحين والطبقة المحرومة المظلومة لدينا عناصر بهذا الذكاء ، لكن الظلم بأنواعه ، والفقر ، والجوع ، وسوء توزيع الدخل ، والتي تؤدي بالنهاية إلى سوء التربية وبشكل عام والظروف الاجتماعية والتي هي وليدة الظرف السياسي آنذاك هي التي تحول دون استغلال هذه الطاقات والمواهب ، والتي لو اتيحت لها الفرصة واحيطت بالرعاية لتفتقت أرضها عن شجر طيب الثمار .
إن موضوع التربية من الأهمية بمكان بحيث أن « سر كل حضارة من الحضارات نظام تربوي يعد الأجيال لصنع تاريخ أمة » (1) .
وإذا تصفحنا التاريخ وجدناه يثبت هذه الحقيقة .
يقول كونفيشيوس فيلسوف الصين الكبير ( 551 ـ 478 ) ق. م « الطبيعة هي ما منحنا إياه الإله والسير بمقتضى شروط الطبيعة هو السير في صراط الواجب وادارة هذا الصراط وتنظيمه هو القصد من التربية والتعليم » .
ويرى أرسطو ( 384 ـ 322 ) ق.م . أن اعتماد الحضارة اليونانية إنما

(1) منهج التربية ( على الأديب ) ص 8 .
بناء الاسرة الفاضلة 184

كان على التربية فيقول : « توجد هناك نقطة واحدة يستحق الاسبراطيون من أجلها الثناء ، وهي أنهم كانوا يعتنون كل الاعتناء بتربية أطفالهم بصورة عملية تناسب محيطهم ، ويقصد أرسطو بذلك التربية على السمو ، والقوة ، والصبر . والفداء في سبيل الوطن وبناء الحضارة .
وأما في الحضارة الأوروبية فنجدهم أيضا يؤكدون على دور التربية ، بولس فير ( 1349 ـ 1420 ) م استاذ في جامعة ( بادوا ) : « بالدراسات يمكننا أن ندرك الفضيلة والحكمة ونمارسها ، تلك هي التربية التي تعمل على أن تستدعي وتدرب وتنمي أعظم المواهب العقلية والجسمية التي تشرف الإنسان ويضعها العقلاء في المرتبة الثانية من الكرامة بعد الفضيلة مباشرة » .
إذن فهذا الموضوع هو موضوع بحث الحضارات منذ أن وجدت وحتى الآن ، مما يكشف عن أهمية هذا الموضوع المفقود في واقعنا .
يقول الإمام الصادق (ع) : « قال لقمان : يا بني إن تأدبت صغيراً انتفعت به كبيراً . ومن عني بالأدب اهتم به ومن اهتم به تكلف علمه ، ومن تكلف علمه اشتد له طلبه ، ومن اشتد له طلبه أدرك به منفعته » (1) .
إننا نستطيع القول إن الحياة التي يعيشها كل إنسان ونقصد نوعيتها من حيث الفشل أو النجاح والسعادة أو الشقاء ، قد تعتمد بشكل كبير على الإدراكات والمواقف الحاصلة له أيام طفولته ، وإن شطراً كبيراً من المشاكل والمآسي والانحرافات الخلقية الذي يعيشه شبابنا ، إنما يعود إلى سقمالأساليب التربوية المتبعة بحقهم .
بل نستطيع القول إلى حد ما أن المشاكل التي يعيشها العالم بأسره إنما

(1) بحار الأنوار : ج 13 ص 411 .
بناء الاسرة الفاضلة 185

تعود إلى نوعية التربية التي تلقاها قادة هذا العالم في أيام طفولتهم ، وبنظرة فاحصة إلى التربية التي تلقاها هتلر أيام طفلولته تترجم هذه الحقائق إذن فجزء كبير من عوامل سعادة الإنسان والمجتمع أو شقاء يعود إلى نوعية التربية المتبعة معهم في دور الطفولة .
إن الباحثين في الدول الكبرى اليوم يخضعون الطفل لدراسات ورقابة دقيقة بغية الوصول إلى أفضل الطرق للتعامل مع هذا المخلوق المهم والغريب للوصول إلى أفضل النتائج الممكنة واستغلال أقصى طاقاته ومواهبه ، وبشكل مختصر فإن هذا الموضوع يحتل مكانة كبيرة ومرموقة ومهمة في سلم أولويات الفكر البشري في الماضي والحاضر والمستقبل .


بناء الاسرة الفاضلة 186




بناء الاسرة الفاضلة 187


التربية في الاسلام

أما في ديننا فإن التربية ليست أمراً هاماً فحسب بل « إنها فريضة روحية مقدسة وواجب شرعي لا يمكن الإفلات منه » (1) .
يقول الإمام زين العابدين (ع) :
« وأما حق ولدك فأن تعلم أنه منك ومضاف إليك في عاجل الدنيا بخيره وشره وإنك مسؤول عما وليته به من حسن الأدب والدلالة على ربه عز وجل ، والمعونة له على طاعته فاعمل في أمره عمل من يعلم أنه مثاب على الاحسان إليه ، معاقب على الإساءة إليه » (2) .
ويقول الإمام الصادق (ع) : « وتجب للولد على والده ثلاث خصال :
1ـ اختياره لوالدته .
2ـ وتحسين اسمه .

(1) الطفل بين الوراثة والتربية .
(2) مكارم الأخلاق : ص 421 .
بناء الاسرة الفاضلة 188

3ـ والمبالغة في تأديبه » (1) .
والمطلع على الأحاديث الواردة بخصوص التربية والأطفال يدرك مدى اهتمام الإسلام البالغ في هذا الموضوع الحساس واهتمامه البالغ بالأطفال والأحداث ،فإذا كانت تربيتهم كما أرادها الله ورسوله سيكونون حملة الرسالة ، ومن خلالهم سيتحدد مستقبل الأمة والقائمين على إعلاء كلمة الله في الأرض ، وضخ روح جديدة في جسد الأمة لتقاوم كل عوامل الهدم التي تتعرض لها ، لذلك اعتبر الخالق حبهم من أفضل الأعمال إلى الله عزوجل كما جاء في الحديث القدسي :
قال موسى (ع) : « يا رب .. أي الأعمال أفضل عندك ؟
قال عز وجل : حب الأطفال ، فإني فطرتهم على توحيدي ، فإن أمتهم أدخلتهم برحمتي جنتي » (2) .
وهل تجد في أي حضارة أرضية ، أو في أي مدرسة فكرية ، أو في أي مركز للعناية بالأطفال في كل العالم منزلة كهذه للطفل ؟ لا أظن ذلك ، ولكن رغم ذلك ورغم كل الأحاديث الواردة بهذا الشأن ، لا نجد في مجتمعنا الإسلامي اهتماماً بالطفل وتربيته بقدر يناسب ما ورد بحقه من أحاديث .

(1) تحف العقول : ص 238 .
(2) بحار الانوار : ج 101 ص 97 ح 57 .
بناء الاسرة الفاضلة 189

ماذا يعني حبك للأطفال

قد يجيب بعض الآباء بأنه يحب أبناءه بشكل لا يوصف وهو بذلك يقوم بخير الأعمال وأحبها لله ، ولكنه غافلاً عن أن الحب ليس فقط عواطف تافهة تطفح من قلبه تجاه الطفل ، بل الحب الحقيقي يعني :
أ ـ ( علاقته مع نفسه ) أن تفكر فيما يشعر به الطفل من أحاسيس ، هل يشعر بسعادة أم يتجرع الكآبة ؟ لا يغرك أنه يضحك ويلهو فكم من طفل يخفي وراء ضحكته ولهوه كثير من الشقاء والألم النفسي ! ثم ماهي الصفات النفسية والملكات التي سيكتسبها لتصبح جزءاً من كيانه تلازمه مدى الحياة والتي قد لا يستطيع هو أن يغير منها حتى لو أراد ذلك ؟
ب ـ ( علاقته مع مجتمعه ) هل ان المجتمع يستطيع أن يحب ابنك كما تحبه أنت ؟ أم إنه سيواجه كره وبغض المجتمع له لسوء تعامله معه ، وكيف سيستطيع أن يعيش سعيداً ناجحاً سوياً في مجتمع يكرهه ؟ إن الإنسان الذي يشعر أنه مكروه يعيش جحيماً مهما توفرت له من وسائل الراحة المادية .
جـ ـ ( علاقته مع الحياة ) أن تفكر بمقدار نجاحه في الحياة ، ماذا يستطيع أن يعمل وأي نوع من الحياة سيعيش ؟ ماذا سيكون دوره في المجتمع ؟ وكيف

بناء الاسرة الفاضلة 190

سيواجه مشاكل الحياة ويصاحبها بعد أن تتركه وتذهب حيث يختارك الله .
د ـ ( علاقته مع الله ) أن تفكر كيف سيعيش مع الدين ؟ وكيف سيتعامل مع القوانين الإلهية ؟ هل سيلتزم بما أمر الله ويحصل على رضاه ؟ أم سيعارضارادته وبالتالي فمآله إلى الشقاء الأبدي مهما سعد في حياته ؟
إن الكثير من الأمور يجب أن يفكر فيها الأب أو الأم أو المربي ، والتي لها التأثير المباشر على سعادة الطفل أو شقائه .
وليعلم الوالدان أن كل كلمة يقولانها وكل موقف يتخذانه أمام الطفل فإن له أثراً كبيراً عليه .
حدثت قصة في باريس مفادها :
أن أحد الأطفال اتفق مع رفاقه على تنظيم عملية يجري عليها اختطافه ليكره أبوه بعد ذلك على دفع مبالغ طائلة ازاء الإفراج عنه ، وهكذا احتجزه رفاقه ، واتصلوا بوالده عن طريق الهاتف وأعلنوا أنهم لن يفرجوا عنه ما لم يدفع لهم مائة ألف فرنك .
واضطر الأب إلى دفع المبلغ ، فذهب الطفل بعد الإفراج عنه مع بقية رفاقه يبددون الأموال في الملاهي والبارات ، وعندما اكتشف رجال الشرطة ذلك ، صرح الطفل أمام لجنة التحقيق أنه لم يرتكب أي ذنب وإنما أراد الاقتداء بالرجال الذين طالما وصفهم أبوه بالصناديد (1) .
فعلى الوالدين المسلمين أن ينتبها إلى المسؤولية الدينية العظيمة الملقاة عليهما في تربية أطفالهما ، وليعلما أن الأطفال ودائع الله في أيديهما ، فالوالدان اللذان يؤديان واجبيهما الديني في تربية الأولاد وبصورة صحيحة

(1) كيف تسعد الحياة الزوجية للسيد محمد هادي .
بناء الاسرة الفاضلة 191

يكونان قد أدا الأمانة أداء كاملا ، ويستحقان الأجر والثواب عند الله في ذلك ، أما الوالدن اللذان يتخلفان في ذلك فهما خائنان لأنفسهما ، ولأطفالهما ، وللمجتمع الذي يعيشون فيه ، وهما يستحقان العقاب العسير من الله ، وسيواجهون في الدنيا نتيجة سوء عملهما من أولادهما الذين سيجلبون لهم الشقاء والعار ، وسيتجرعون الحسرة وهم ينظرون إلى نظرائهم الذين قد نجحوا في مهمتهم وهم يتمتعون بنتيجة ما قاموا به من واجبهم التربوي ، وأنتجوا .. ويشرفونهم في الدنيا والآخرة . أي سيواجهون العذاب في الدنيا والآخرة ، والمجتمع مليء بأمثلة كثيرة تثبت صحة هذه الحقيقة ، تستطيع أن تتلمسها عن قرب في حياتك اليومية .
إن على الآباء والأمهات والذين سيصبحون عما قريب .. أن يعوا أن التربية هي مهمة مقدسة من قبل الله الذي جعل مرحلة الطفولة عند الإنسان أطول من جميع مراحل الطفولة عند الكائنات الأخرى ، والمقصود من مرحلة الطفولة هي الفترة التي لا يستغني فيها الطفل تماماً عن أبويه ، مما يكسب موضوع التربية أهمية قصوى تحتاج إلى جل اهتمام الأب في الجد لأدائها بكل أمانة .
فهناك بعض الحيوانات التي لا تملك دوراً طفولياً أصلاً كأغلب الأسماك والحشرات ، إن السمكة تضع البيض في أحضان الطبيعة فيتكامل البيض على أثر العوامل الطبيعية ـ وبقلم القضاء الإلهي ـ وفي اليوم الذي تخرج فيه صغار الأسماك من البيض تذهب بنفسها وراء الحياة والطعام ، ولا تحتاج إلى رعاية الأبوين .
وهناك بعض الحيوانات التي تملك دوراً طفولياً كالسباع والطيور والدواب ، لأنها بعد الولادة حتى فترة من الزمن تحتاج في التغذية والرعاية من الأبوين ، والبعض منها تحتاج إلى الأم فقط ، ولكنها بصورة عامة لا يتجاوز دور

بناء الاسرة الفاضلة 192

الطفولة عندها عن بضعة أسابيع أو أشهر فسرعان ما تنفصل عن الأبوين مستمرة في حياتها بصورة مستقلة أما مرحلة الطفولة عند أطفال الإنسان ( أي أيام احتياجهم إلى الأبوين ) فهي تطول على مثيلاتها عند الحيوانات بكثير وتمتد إلى فترة طويلة .
إن البنيان الجسدي لصغار الحيوانات ينمو بسرعة ، وبعد فترة قصيرة تكون جاهزة للانتفاع منها في طريق الحياة ، أما النمو الجسمي للأطفال عند الانسان فهو يحتاج إلى وقت طويل .. فيجب أن تنقضي أشهر عديدة حتى يستطيع الطفل أن يفتح أصابعه ويمسك بها شيئاً ، ويستغرق سنة واحدة حتى يكون قادراً على المشي بعد الانكباب والنهوض ، وتحتاج إلى عامين أو أكثر لكي يتفتح لسانه تدريجياً للتكلم ، وتمر بعد ذلك أعوام كثيرة حتى يستطيع أن يدرك شيئاً عن العالم الخارجي بالنسبة إلى نفسه وأهله ، وأعوام أطول ضرورية له تكسبه نوعاً من الإستقلال والشخصية لكي يستطيع بهما من العيش لوحده في المجتمع .
اللبائن ترضع صغارها لعدة أسابيع أو أشهر وتلتزم برعايتها ، ثم تتركها ، لأن الصغير قد جهز في هذه الفترة القصيرة بكل متطلبات الحياة ، ويقدر على إدارة نفسه بنفسه .
لكن المرأة ترضع طفلها عامين كاملين ، تلتزم برعايته طوال هذه المدة ، وتعتني بصحته ونظافته وحمايته عن الحوادث ، فتحافظ عليه من البرد ، والحر ، والحريق ، والغرق ، والسقوط ، وما شاكل ذلك .. وعندما تفطمه ، فليس طفلها إنساناً كاملاً بل هو طفل عاجز ، يجب أن يخضع لرعاية الأبوين ، وتمر عليه السنين حتى يصبح إنساناً سوياً قادراً على الحياة فأطفال الانسان يجب أن يتلقوا من أمهاتهم بالإضافة إلى التغذية والصحة ، مناهج مفصلة عن الحياة

بناء الاسرة الفاضلة 193

وفي الواقع إن الأطفال يتلقون من أمهاتهم غذاءين : الغذاء المادي والغذاء الروحي .
إن حجر الأم مضافاً إلى قيامه بالتغذية الجسدية ، يعتبر مدرسة لتربية الطفل ، وإن فترة هذه المدرسة طويلة ، فما لم يتخرج الطفل من هذه المدرسة لا يزال طفلاً ، وهو يحتاج إلى الأم ، ولا يليق للانطلاق في الحياة (1) .
هذه الفترة الطويلة تحتاج إلى معلومات وخبرات كثيرة في مجال التربية تقترن من كثير من التفكير والتأمل والتروي في الأسلوب الذي ستنتهجه لتربية أطفالك تربية سليمة مثمرة .


(1) الطفل بين الوراثة والتربية .
بناء الاسرة الفاضلة 194




بناء الاسرة الفاضلة 195

عوامل نجاح التربية

(1) المعرفة :
قد يرغب الإنسان بإنجاز عمل ما مقتنعاً بأهميته وضرورته ، ثم يعمل جاهداً على أدائه ويقضي في ذلك وقتاً ، ويصرف طاقات كثيرة في سبيل ذلك ، كأن يصنع جهازاً كهربائياً جديداً لتطوير الإتصالات ، لكنه إذا لم يمتلك المعرفة في هذا المجال فإنه سيجد نفسه يسعى ويسعى ليصل إلى نتيجة تافهة قد يكون توصل إليها العلماء قبل قرن ، وبالتالي فهو لا يبدأ من حيث انتهى الآخرون ، وقد يحتاج إلى وقت يساوي عمر 30 مرة حتى يتوصل إلى ما أراده ، اما إذا علم وتعلم آخر ما توصل إليه في هذا المجال ، وتعلم كل الأساسيات العلمية لهذا الغرض ، فإنه لا يلبث بقدر من النشاط والعمل أن يتوصل إلى ما أراد ، وهكذا المربي فأنه يرغب أن يربي فلذة كبده بالشكل الصحيح لينتج أفراداً تفتخر بهم الأمة ويفخر بهم أمام الله ورسوله ، ويحلم بهذا الأمل ولكنه في كل تصرفاته وسلوكياته مع أطفاله كأنما يعمل عكس هذه الأمنية ، ليس تعمداً وإنما جهلاً منه بالمبادئ الأساسية للتربية الواردة في ديننا ، وبالحقائق العلمية التي يتوصل

بناء الاسرة الفاضلة 196

إليها الباحثون في كل يوم « فالناس أعداء ما جهلوا » (1) و« فاقد الشيء لا يعطيه » .
لذلك نجد تأكيداً بالغ الأهمية على أهمية العلم والتعلم في السنة الشريفة ، تشير إلى أن الأمة لا يمكن أن تتقدم في أي مجال من المجالات بدون العلم والمعرفة في هذا المجال ، فعلى المربي ألا يدخر جهداً في الاطلاع على الكتب الواردة بهذا الموضوع ، الإسلامية منها وغير الإسلامية ويقارنها ويبحث في صحتها وسلامة نتائجها ، وباختصار على المربي أن يكون عالماً بأصول التربية .
(2) القدوة الصالحة :
إن الطفل بطبيعته يرى أن ما يقوم به الأب إنما هو العلم النموذجي الذي يجب أن يحتذى به لذلك ، فهو يرى أن تصرفات أبيه كلها صحيحة ولا بأس في تقليدها ، ويشعر أن سوف يلاقي استحساناً لذلك من أبويه ومجتمعه .
إن التقليد إحدى وسائل التعلم لدى الطفل فمن خلالها يستطيع أن يتكلم ويمشي ، فلو ترك طفل ـ دون أن يرى كيف يمشي الإنسان ـ يكبر حتى العمر الطبيعي الذي يستطيع فيه الطفل العادي أن يمشي دون أن يستطيع المشي ، فقد عثر على طفل تربى في الغابة ، ولديه من العمر الثانية عشر ، فوجد يمشي على أربع ، وإذا مشى على رجليه فإنه يمشي خطوتين ويقع في الثالثة ، وحتى تعابير وجهه الضحك والغضب وغيرها لم تكن تعابير الإنسان العادي ،
يذكر أن أم وهي تداعب طفلها وتمازحه رفعت سماعة الهاتف وطلبت زوجها في العمل وأرادت من طفلها أن يكلم أباه ، وعندما انتهى الطفل من

(1) بحار الأنوار : ج 75 ص 14 .
بناء الاسرة الفاضلة 197

الحديث مع أبيه وأغلق السماعة فوجئت الأم بتصرف غريب من الطفل ، أن الطفل بصق على التلفون وشتم أبيه ، وعندما سألته الأم عن السبب قال : « إني أشاهد أبي أحياناً عندما يتكلم في التلفون ويغلق السماعة يفعل الشيء ذاته » .
وغالباً ما يقع الطفل الضحية في حالة اضطراب وتردد وعدم الثقة بالنفس وعدم معرفة الصواب من الخطأ نتيجة التناقض الذي يشاهده بين ما يقال له وبين ما يراه في الواقع .
لذلك فإن تعمد القيام بالأعمال الصالحة أمام الطفل كسائر العبادات والإحسان إلى الغير واحترام المبادئ ورفض الخطأ من الأعمال البالغة الأهمية لتوجيه الطفل ، وكذلك حجب كل الأعمال السيئة عنه أو التي قد يفهمها خطأ لقصور إدراكه الذهني فيقول بتقليدها دون وعي أو إدراك وهي أمور مصيرية في حياته .
( أهمية القصة ) :
وهنا تبرز أهمية القصة في مجال ( اتخاذ القدوة ) فيجب أن تكون القصص التي تروى للأطفال قصصاً ذات مغزى ، تمجد الأبطال الذين كان لهم دور في التاريخ وقاموا بأعمال تركت آثاراً مفيدة في مجتمعهم وعبر أجيال من خلال مواقفهم وأعمالهم . يجب أن نروي لهم تاريخ أمتهم الصحيح ، ونذكر لهم الأبطال الصغار الذين فاقوا كبار عصرهم ، كعلي الأكبر والقاسم وغيرهم ، فالقصة موضوع قائم بذاته في الدول المتقدمة ، من خلالها يزرعون التوجه الفكري الذي يرغبون به في عقول أطفالهم ، فإذا أردت أن تقول لطفلك ذو السلوك العدواني أن الاعتداء على الغير عمل مذموم ، حاول أن تصوغ هذه الفكرة في قصة جميلة مشوقة ، تبين فيها عوامل وأسباب الخطأ وتبين فيها النتائج الوخيمة لهذا العمل والتي ستعود على صاحبها بالضرر .

السابق السابق الفهرس التالي التالي