|
|
حتى الهواء ، ولأنه عصر انفجار الجنس والخلاعة فقد صنع الفساد ايضا وعبء بالجنس .
فتجار المبادئ والقيم لم يروا سلعة أكثر رواجا من هذه السلعة إذ أنها لا تختص بسوق دون آخر .
وهكذا بدأت سلع الفساد تغزو أسواقنا ومن ثم إلى داخل الاسرة الفن .. الخلاعة المعلبة ، لعل هذا افضل تعبير يطلق على ما يسمونه اليوم بالفن في حين أنه الهبوط الى الحضيض ، فقد انتشرت الأفلام الرخيصة في مجتمعاتنا عبر السينما والتلفاز والفيديو تلك التي تلهب مشاعر الشباب والفتيات ولتصنع جواً مكهرباً من الشهوات .
واليكم ما قيل في الفن على لسان اهل الفن ، فهذا احد النقاد السينمائيين ألف كتاباً وصدر تحت عنوان ( سينما المرأة وجزء خاص عن السينما العارية ) :
وبين فيه ملامح السينما العارية الفاضحة ، والتي لا يمكن ان تدخل دائرة الفن مهما حاولوا صانعوها ان يستخدموا أحدث الأساليب في التصوير والصوت والاخراج ، لأنها في النهاية أفلام وان كانت تقدم نماذج من أجمل النساء واكثرهن إثارة وشهوة فهي دعوة للظلام والتخلف والانحطاط بقيمة الانسان . هذا ما جاء على لسان الناقد في كتابه .
ويقول احد المخرجين في إحدى الندوات التي عقدت ضمن مهرجان سينمائي : لا اريد ان تتحول السينما المصرية إلى موجات دعارة مقنعة (1) .
وضمن تحقيق قامت به احدى الصحف تحت عنوان افلام الجنس
|
|
(1) جريدة الوطن 12 نوفمبر 1983 .
|
الممنوعة قال احد المختصين التالي :
ان هذه الأفلام الخليعة ، لكفيلة بافساد عقول شبابنا ونفوسهم ، فليس المسكرات فقط وما يدخل في نطاقها يجب محاربته بل ايضا مثل هذه الأشرطة يجب ان تحارب وبشدة ، لأنها اكثر خطورة ، قد يكون وجود المسكرات أقل تأثيراً من هذه الافلام الساقطة لما تحمله من صور ومشاهد تضر بجيل الغد ، فتجعلهم لا يركزون على العمل أو الدارسة .
هذه الأفلام يجب أن تشن ضدها حملة لتنظيف مجتمعاتنا من اثارها ، هناك العديد من الأزواج ادمنوا على مشاهدتها كما ان هناك من الشباب الذين اصبحت هذه الافلام هوايتهم دون ان يدركوا ما تترك في نفوسهم من اثار سلبية ، بل بعض هذه الاشرطة اصبح الهدية القيمة بين الاصدقاء وهكذا يتم تداولها من يد الى يد ومن بيت الى بيت .
بعضهم يقول انها نوع من الأفلام التي تساعد على المعرفة ، ولا اعتقد ذلك لأنها ليست علمية ولا تمت للعلم بأي صلة ، بل هي مجرد مشاهد فاضحة تتناول البشاعة وقلة الحياء .
والدور في توجيه شبابنا ، يبدأ بالدرجة الأولى من الاسرة ، لان الولد السيء يعلم الجيد ، والفساد تكون سمومه سريعة الانشار ... وايضا للمدرسة دورها ولكن ليس بنسبة الأهل ، ويجب ان يكون هناك توجيه اعلامي فضلا عن دور الرقابة في هذا الخصوص .
ويقول احد الدكاترة في علم التربية في نفس الموضوع : ان الافلام الهابطة المنتشرة بين شبابنا وصغارنا لا تقدم النموذج الأمثل للسلوك ، وتعتمد فقط على تقديم جانب الترفيه السخيف الذي يعبث ويريح العقول الفارغة ، ولا تضيف بذلك اي تحسن في المستوى التعليمي والمعرفي عند الانسان ،
ومضمون هذه الافلام يعتدي على القيم الاخلاقية خاصة بالنسبة لصغار السن .
كما ان الافلام الاجنبية التي يعشقها شبابنا ويتهافتون على شرائها تعتمد على عنصر الاثارة من عنف وجريمة وإثارة نوازع غضبية وشهوانية ايضا ، وبذلك فهي تشكل عدوانا على ثقافتنا ، ويجب ألا ننسى بأن الدول الأوروبية تحذر من مشاهدة الأطفال لمثل هذه الافلام ونحن هنا في بلادنا العربية يجب ان نسعى لعدم تلقي ابناءنا نوعين من القيم ، بل يجب علينا أن نغذي فيهم قيمنا واخلاقنا الاسلامية .
لعل هذا أقل ما قيل في شأن الخلاعة المصورة والفن اللابريء ، فقد ابتعد الفن عن اداء رسالته ولم يبق منه إلا إبراز السيقان والرقص .
ومع ذلك نجد ان الفنانين الذين هم على هذه الشاكلة يبرزون كرموز ، أو كما يسمونهم نجوم في واقع الشاب أو الشابة او الاسرة ، في حين نجد الطلاق بين الفرد وبين قدواته عبر التاريخ الاسلامي ، ان عجر الاسرة المسلمة في ان تجعل من تلك الشخصيات قدوات لابنائها قمة في المأساة ، أن المتتبع لسيرة هذه الشخصيات في التاريخ يرى فيهم مثال الايمان والتقوى والاخلاص ، في حين ان المتتبع لأخبار اهل الفن يرى فيها المخازي .
يعرض الفيلم ويكتب في الصحف انه يعالج قضية اجتماعية كالخيانة الزوجية مثلا ، ويعرض الفيلم وهو مليء بالخلاعة والمشاهد الغرامية الفاضحة ، فيؤجج الشهوة ، ويكون أكبر عامل مساعد للخيانة الزوجية والرذيلة .
فقد نقلت إحدى الصحف في احدى الجرائم تحت عنوان ( يختطف امرأة فتهرب من منزله الى الشارع شبه عارية ) التالي :
إلا ان المتهم خضع لغريزة السوء ، وتحول بالمجنى عليها الى مسكنه ،
وطلب منها تشغيل جهاز التلفزيون ، وعندما فعلت ذلك ابصرت فيلماً خليعاً فرفضت النظر اليه لكونها مسلمة وتصلي ، ثم تناول المتهم شراب الخمر وطلب منها الرضوخ لأمره وارتكاب الفحشاء فرفضت .
ونقلت الصحف ايضا خبر محاكمة الفنانين الذين اشتركوا في الأفلام الهابطة وجاء نص الخبر :
جاء في قرار نقابة المهن أنها ترحب بقرار لجنة التظلمات برفضها طلب اصحاب الفيلمين وطالبت بتقديمهم للمحاكمة بمن فيهم الممثلون بتهمة إشاعة الرذيلة.
ليس تجاء الهوى هم فقط الذين يعلبون الخلاعة المصورة ، بل ايضا بعضهم يصوغون تحريض المرأة والشباب على عدم الالتزام عبر شعارات براقة وتعليقات حديثة ، إنهم ايضا يصنعون الفساد ولكن عبر سلعة اخرى وهي سلعة شعارات تحرير المرأة .
وكمثال على ذلك هذه الكلمات التي طرحها أحدهم في إحدى الصحف :
ترى لم هذه النزاع بين « المتدينين » وغير« المتدينين » ؟ لم هذا النزاع اذا كان باستطاعة الانسان ان يشهد ان لا اله الا الله وألا يشهد ، وان يصلي وألا يصلي ، أو ان يخرج الزكاة أو يمتنع عنها ، وما من احد من المتدينين يكرهه على ذلك أو يحاربه على ذلك ؟ لماذا هذه النزاع اذا كان باستطاعة الانسان ان يطبق اركان الدين أو ان يتجاهلها وما من رقيب عليه أو حسيب سوى ربه !
لعل المرأة هي السبب ؟ لعل الغيرة عليها والمحبة لها والمبالغة في حفظها وصيانتها اهم من الحفاظ على الدين وأركان الدين ؟ لعل الدين قد تحول من نظام يعمر قلب الانسان بالحق والعدل والتسامح والسلام الى نظام همه الأول
والاخير منع التبرج والمتبرجات والزنى والزانيات ؟ وما نفع أن يمنع الزنى بالجسد ويبقى معششاً في القلوب ؟ انكم ان خدعتم انفسكم فيكف بكم تخدعون اجسادكم وهي بحاجاتكم اعلم ؟
لم تخلق المرأة كي تكون سببا للتطاحن والتنابز والكراهية بينكم ، ولا هي ارادت لنفسها ان تكون طرفا ومسببا للنزاع بينكم ، لا تبالغوا في الخوف عليها والدفاع عنها « متدينين » كنتم أم غير متدينين فهي اعلم بحاجاتها منكم ، أعطوها الفرصة حتى تعرف نفسها ، وأمدوها بثقتكم اجمعين عندها سوف ترون ان نزاعكم حولها ليس الا تجسيداً لجهلكم اجمعين .
(3) ارادة الانسان والهوى :
إن كل ما تقوم به الدوائر الاستعمارية والطاغوت وتجار الهوى لا يعدو ان يكون ايجاد أجواء من الفساد وتشجيع الناس على الرذيلة ، ولكن تبقى ارادة الانسان قادرة على تحدي جميع هذه المؤثرات ، والشباب المسلم لو انه بارادته قاطع كافة اشكال الفساد والانحلال لما تمكن تجار الهوى من ان يروجون بضاعتهم ، لو اننا رفضنا ان نجري وراء ما تفعله الاسرة الغربية لما وصلنا الى ما وصلنا ، اذن فعندما تحطمت ارادتنا تحطمت الأسرة .
« فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسيلقون غيا » (1) .
فليس بداية الفساد ، والذي ينخر اليوم في جسد الامة وليدة اللحظة أو الأيام أو الشهور أو السنوات .
ولو أردنا أن نحدد متى انطلق الفساد ، في الأمة لما أمكننا تحديد ذلك الا
|
|
(1) سورة مريم ، الآية : 59 .
|
عبر الإرادة البشرية .
فعندما انهارت ارادة الفرد المسلم ووقع اسير الهوى بدأت عجلة الفساد بالدوران .
صحيح ان الفساد يميع إرادة الشباب ولكن الفساد لم يدب في الامة الا عبر ضعف ارادة الانسان ، وهذا يعني ان الفساد لا يشكل حتمية على ارادة الانسان .
وهذا المنطق الخطير الذي يتفوه به الشباب حين تسألهم عن سبب سلوكهم سبيل الفساد يقولون بآراء مختلفة .
إن الله هو الذي أعطانا الجمال ولا نستطيع تحمل جمال الفتيات ، أو اننا لم نفعل شيئا لا يرضي المجتمع ، في حين أصبح المجتمع يقبل بالكثير من الأوضاع الشاذة .
ان كل هذه الأعذار انما هي وليدة الهوى ، والهوى لا يصلح ان يكون مرتكزا للحق ، بل ان احد معايير الحق هو مخالفة الهوى ، والحساب والجزاء في يوم القيامة لا يرتكز على تصورات الانسان بل ينطلق من القيم والمبادئ .
فماذا سيكون مصير الشباب وماذا سيكون مصير الفتاة .
(4) الخلل في رقابة الأسرة ورقابة المجتمع :
ان كل جزء في المجتمع يخضع لرقابة الحدود .. المؤسسات .. والاسرة تحتاج الى اكبر رقابة ، ومع ان الاسلام أوكل بالأب والأم مهمة الرقابة بالأسرة بحيث يلاحظان الظواهر المختلفة في حياة الطفل والشاب والفتاة مما يؤشر على بداية الانحراف ، وهنا يكون العلاج اسهل ، مع ذلك لم تلعب الاسرة دورها الرقابي تجاه أبنائها بل ركنت الى الغفلة ، فيشب الانحراف وفجأة
تصطدم الأسرة بالواقع المنحرف للشاب أو الفتاة ، قد تكتشف الاسرة ان الابن مدمن على المخدرات أو لديه علاقات غرامية ، أو أنه يشاهد الافلام الخليعة ويأتي بها من الأصدقاء ، أو أنه يمارس العادة السرية .
وهنا غالبا ما يكون موقف الاسرة عفوياً أو فوضوياً في العلاج فاما تستسلم للامر الواقع وتقتصر على العقاب واما ان تمارس القمع مع الشاب أو الفتاة فيتم اللجوء للخارج لممارسة ذلك بعيدا عن اعين الاسرة .
صحيح ان الاسلام ايضا لم يعطي الاسرة مجرد الرقابة بل اعطاها ايضا سلطة العقوبة والتأديب ولكن التأديب الذي يتدرجج من اللوم الى التوبيخ الى الضرب المعتدل .. يجب ان يكون ضمن خطة كاملة لمعالجة المشكلة فليس اللوم وحده يكفي وليس الضرب وحده كذلك هو بكاف .
ومن احد اسباب انهيار الاسرة هو الغاء دور الرقابة والتأديب ، فقد تنهار ارادة الشاب أو الفتاة امام اجواء الفساد ولكن يبقى هناك الأمل في الاسرة ولكن اسرة اليوم تبدد الأمل عندما تهمل أبناءها .
والمجتمع ذلك الكيان المسؤول ايضا فقد رقابته على افراده بل اصبح يوفر الاجواء التي تدفع الشباب الى الانحراف واسقط عقوبة القانون في كثير من الأحيان حيث ان جريمة الزنا تمر دون عقوبة إذا رضي الزاني والزانية بالزواج من بعضهما .
مسؤوليتنا تجاه إنهيار الأسرة :
عندما تتوغل الثقافة التبريرية في الأمة وتستورد ثقافة الشرق والغرب فلكي ترجع الأمة الى منبعها الأصيل تحتاج الى الثورة الثقافية ، وعندما يتوغل الطاغوت ويتسلط على رقاب البشر فلا ينفع المجتمع العمليات الاصلاحية الجزئية بل يحتاج إلى التغيير الجذري ، وكذلك في مجال انحراف الاسرة ، ان
كافة الحلول الاصلاحية الجزئية في الأسرة لا تفيد ولا تسعف جرح الاسرة .
ان المسؤولية الحقيقية التي يجب ان تتحملها الأسرة اليوم هي الثورة الشاملة في كافة انحاء نهجا وسلوكياتها اليومية ، فعلى كل ا سرة ان تقف وقفة مسؤولة مع افرادها ، وتقيم ممارساتها ، مأكلها ، علاقاتها ، عباداتها .
ان مشكلة الاسرة ليست تكمن في عدم معرفة الحلول والأساليب الكفيلة لصون الأسرة ، فالاسلام يطرح لنا منهجاً متكاملاً ، وكنا كمسلمين نسير عليه في يوم من الأيام يجب ان لا نخدع انفسنا بالبحث يميناً وشمالاً .
ان الصراع في الاسرة هوصراع القيم ، صراع الارادة ، فالاسرة المسلمة ما انهزمت امام تعاليم الاسلام الا بعد اتباع الهوى ومن ثم وقعت فريسة للغرب والشرق ، والحقيقة الأخرى التي يجب ألا نخدع انفسنا بها هي ان كل محاولة لاصلاح الاسرة تنطلق من واقع الفصل عن الاصلاح السياسي لهي محاولة فاشلة ، لذلك يبرز الرساليون في انقاذ الأسرة المسلمة من هذه الرؤية رؤية الاصلاح الجذري والشامل للأسرة .
* الرساليون أمل إنقاذ الأسرة :
« فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا إنه بما تعملون بصير * ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار ومالكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون * وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل ان الحسنات يذهبت السيئات ذلك ذكرى للذاكرين * واصبر فان الله لا يضيع أجر المحسنين * فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية ينهون عن الفساد في الأرض الا قليلا ممن أنجينا منهم واتبع الذين ظلموا ما اترفوا فيه وكانوا مجرمين * وما كان ربك ليهلك القرى بظلم واهلها مصلحون *»(1) .
|
|
(1) سورة هود، الآيات : من 112 إلى 117 .
|
الاستقامة هي المحور الذي تدور حوله سورة هود ، ولا تشير الى هذه الكلمة [ الاستقامة ] الا في نهاية السورة ، بعد ان تتحدث عن استقامة نوح ، وابراهيم ، وهود ، وصالح ، وموسى ، وانبياء آخرين (ع) ، ومواجهتهم للطغاة والفساد ، بعد هذا يقول ربنا سبحانه وتعالى في نهاية السورة مخاطباً رسوله (ص) ، وبالتالي مخاطباً المؤمنين :
« فاستقم كما أمرت ومن تاب معك » .
أي عليك أنت والجماعة الخيرة الفاضلة الذين يحومون حولك ، كما تحرم الفراشة حول الشمعة ، عليكم جميعاً ان تستقيموا .
« ولا تطغوا انه بما تعملون بصير » .
وهنا يأمر الباري عز وعلا بالاستقامة في ظروف الانتصار « بعدم الطغيان » وفي حال الهزيمة « بعدم اليأس » فتكونوا أبطالاً ، تتعالون على الهزيمة كما تتواضعون في حال الانتصار .
« ولا تركنوا الى الذين ظلموا فتمسكم النار »
فعلى الفئة المؤمنة ـ حال الانتصار أو الهزيمة ـ أي تستقل ، بعدم الركون لأي جهة كانت ، لا للشرق خشية الغرب ، ولا للغرب خشية الشرق .
ولا تستمد الدعم من قوة طاغوتية متجبرة ، لاخضاع قوة طاغوتية متجبرة أخرى .
« وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون »
تأكيد بالاستمرار على الاستقامة وطلب النصر من الله ـ ومن الله فقط ـ لا من الشرق حيناً والغرب اخر ، فان الله سوف يكلكم الى انفسكم والى أوليائكم في الشرق أو الغرب « ثم لا تنصرون » وكيما تبقى جذوة الاستقامة متوهجة في
نفوسكم لابد من الاكثار من الصلاة .
« وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفاً من الليل ان الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين » .
« فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية ينهون عن الفساد في الأرض » .
اذن إن الحكمة الالهية تقتضي وجود« أولوا بقية ينهون عن الفساد في الأرض » مهمتها الاصلاح والنهي عن الفساد في الأرض ، مجموعة خيرة رسالية متوارثة « ذرية طيبة بعضها عن بعض » يحملون مشعل الرسالة ، ومشعل الاصلاح ، الامر بالمعروف والنهي عن المنكر ، واصلاح المجتمع .
« ينهون عن الفساد في الأرض الا قليلا ممن انجينا منهم » .
و«لولا » كلمة تحريض ، بمعنى « لماذا لم تكن » و« أولوا بقية »
في لغتنا اليوم تسمى ثواراً أو « المجموعة المؤمنة التي تبقى » وتستمر مع كل الضروف المعادية والتحديات الصعبة .
« واتبع الذين ظلموا ما اترفوا فيه وكانوا مجرمين * وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون » .
اذا وجدت هذه الفئة المخلصة فانها تنقذ القرى الكبيرة من الهلاك التام عن طريق نهيها عن الفساد في الأرض .
* الفئة الرسالية :
وهذه الأيات صريحة تقريباً في ضرورة وجود فئة مستقيمة صابرة مصلية تأبى الركون إلى الغرب أو الشرق ، باقية على استقامتها وثوريتها في طريق الحق ، مهما تطاولت القرون ، وتكالبت المحن .
ان على الفرد الرسالي ان يتحسس الفساد ، ومعالم انهيار الاسرة بعمق ، وان يجعل نفسه في دائرة المسؤولية فلا يكون طموحه فقط في ان يحفظ نفسه على طريق الاستقامة ، بل عليه ان يحافظ على المجتمع بأكمله على طريق الاستقامة .
وكما تبين الآيات لكي يحافظ الفرد المؤمن على انطلاقته في مواجهة الفساد فلا بد ان ينمي استقامته ، ان تلك المجاميع الهائلة من الشباب التي تتوجه إلى الفساد يجب ان نشعر بمسؤوليتنا تجاههم ، لماذا لا نجعلهم يتوجهون في رحاب الله ، لماذا لا نجعلهم يعملون في سبيل الله بدل العمل في سبيل الشيطان ، ان محاربة الفساد ليس عبر الفكر وحده ، أو عبر الاعلام وحده ، بل ان اهم سلاح لمحاربة الفساد هو اقامة العلاقات الايمانية مع الشباب ، وكذلك الفتيات ، البعض عندما يرى هؤلاء الشباب المنحرفين الموزعين في مجالس البطالين ودورالخلاعة يمتلئ قلبه بالغضب والحقد عليهم ، ويتمنى لو انه يبطش بواحد منهم ، ولو بما دعا عليه بالويل والثبور .
جميل ان تأخذنا الحمية على الدين ، جميل ان تكون فينا روح الغيرة على المبادئ والقيم ، ولكن ليس من الجميل ان تحمل حقدا على هؤلاء ، اننا يجب ان نتعامل معهم كالمرضى وكالغافلين ، يجب ان نفجرالغضب والحمية في اعماقنا ، ولكن بدل ان نصبها في اللعن والسباب علينا ان نصبها في هداية هؤلاء الشباب وهذا الجيل الضائع .
والشيء الأخير ان على الفرد الرسالي ان يحرص على متانة حصن اسرته ويحاول ان يسد ثلمته اذا ما انهار جزءا منه ، فلا ينشغل باصلاح المجتمع على حساب اسرته .
يجب ان يقوم بدور الأب والأم والأخ ، ويلعب كل دور في الأسرة من نقد وتوجيه ونصيحة ولوم .
خاتمة :
رسالة إلى الفتاة :
للمرأة في تاريخنا العظيم دور بطولي رائع ، تشهد لها سوح القتال حيناً وساحات المواجهة مع الباطل احياناً أخرى .
فابتداءاً من مريم العذراء ، ومروراً بخديجة ، وفاطمة ، وزينب ، ونسيبة ، وام عمار وغيرهن ، وانتهاءاً بنسائنا الرساليات اليوم .
ايتها الفتاة المؤمنة ..
ان المرأة والرجل كلاهما في خندق واحد يعملان من اجل ازالة الفساد من هذا المجتمع فلا تكوني سلبية ازاء دورك العظيم .
كوني نصيرة الله .. ولا تتخذي دون الله حبيباً ، فانه تعالى حبيب من تحبب اليه ، واغلقي الأبواب على الأرض لتنفتح عليك ابواب السماء . ارتفعي عن الإسفاف ، ارتفعي عن الشهوات واعلمي انه ليس دون الله من منجي..
اعتزي بالحجاب واجعليه تحدياً للفساد ومع الحجاب تحولي الى كتلة من النشاط ، فليس الحجاب سجناً للمرأة ، ومقبرة لكفاءتها ، بل هو وسيلة للتحرر والانطلاق والعمل .
فلا تقبلي ان تكوني شيئاً ثميناً ، ولا شخصاً ثميناً ، بل كوني صاحبة الدور الثمين ، تفهمي طريقة العدو في سحق المرأة ، فان طريقته خبيثة وماكرة فهو يستخدم الأساليب المحببة اليك اكثر ما يستخدم الأساليب المبغضة .
فهو يتوسل بالمكر والخداع ، فيقوم بدغدغة الشهوات لكي يسحق الكرامات ، ويستخدم الترف لقتل الشرف ، والرقص والموسيقى لسرقة الايمان والتقوى .
ولكي تستردي كرامتك قاومي وسيلة العدو وهي النفس الأمارة بالسوء ، وكوني من شهواتك في حذر .
انهم يريدونك سلعة تجارية للعرض ، بل عقب سيجارة يرمونها في القمامة بعد ان يقضون حاجتهم منها . يريدونك تلك المرأة التي تفتح عينها في الصباح بحثاً عن ادوات الزينة ، الفساتين وحينما تخرج للشارع تبحث عن العيون الجائعة الى مفاتنها ، وحين تذهب الى المكتبة تطلب مجلات العري والفضائح ولا تقرأ غير قصص الغرام الكاذبة ، وفي الحفلات تحاول ان تكون مثل الطاووس ، تختال بألوان ثيابها وتسريحة شعرها وحدود اهتمامها لا تتعدى جغرافية جسدها .
لا تعيدي ادوات المكياج ووسائل الزينة فانت اكبر من قارورة عطر ، او ميلة كحل ، أو قطعة قماش ، واعلمي ان ( جمال الروح ) وليس جمال الجسد هو الذي يسير الانسان الى الانسان .
اياك ان تنهزمي ، فان اقوى اسلحة الاستعمار لهزيمة الشعوب هو « هزيمة المرأة » فاذا كانت المرأة مهزومة فأي جيل ستربيه غير جيل المهزومين ؟
اخرجي من الدوائر الضيقة التي ارادها لك عملاء الاستعمار مثل دائرة الخوف أو دائرة الانتحار على السرير أو الطواف حول المطبخ .
مارسي دورك الذي اراده الله لك في خلافة الارض وعمارة الحياة .
فكوني مؤمنة ، عاملة ، مجاهدة في سبيل الله .
كوني اي شيء ، ولكن اياك ان تكوني ديكوراً في مطبخ ، أو فراشاً على سرير ، أو لوحة على جدار ، أو صوتاً في اغنية ، أو جسداً في رقص ، أو صورة
على غلاف مجلة ، واعلمي ان المرأة عظيمة حينما تتأكد أنها عظيمة (1) .
رسالة الى الشاب :
رسالات السماء قامت على اكتاف الشباب ، فهم مثل غيرهم تحملوا الصعاب في سبيل الله وهم اكثر من غيرهم قدموا الضحايا والشهداء .
وهكذا فان دور الشباب في التاريخ هو الدور الأخطر على الاطلاق ، ولكن بمقدار ما هو خطير دور الشباب ، بمقدار ما تنهال عليهم المؤامرات من كل حدب وصوب لتحريف دورهم ، وتغيير مسارهم ، وافساد شخصياتهم .
ذلك لأن الطغاة لا يخافون شيخاً طاعناً في السن ، بمقدار ما يخافون شاباً مؤمناً يفهم الاسلام ويعمل به أو يعيش آلام أمته .
من هنا يأتي دوركم الخطير ومسؤوليتكم الثقيلة ، فانتم عماد الامة واملها المنشود في صنع غد مشرق ، تعرفوا على أساليب الطاغوت ، وتجنبوا حيله وألاعيبه السياسية ، والاقتصادية ، والاجتماعية ، فالطاغوت يحاول ابعاد الشباب عن قضاياهم المصيرية عن طريق اللهو واللعب ودغدغة الشهوات ، ولذلك فانه كل يوم يفتتح مركزاً للهو واللعب بدل ان يفتتح الجامعات والمكتبات ، لا تكونوا في صراع الحق والباطل احجاراً على قارعة الطريق لا مع هذا ولا مع ذاك فلا حياد بين النور والظلام .. اما حق واما باطل وما بينهما باطل .
لا تساوموا على الكرامة فان المؤمن اعز على الله من الكعبة ... ولا ترضوا بالذل والهوان فان الله . أوكل الى عبده المؤمن كل شيء ولم يوكل اليه ان يذل
نفسه .
|
|
(1) رسالة المرأة المؤمنة .
|
تحولوا الى ضمائر في اهليكم ، وأنيروهم بالوعي ، واثيروا فيهم الكرامة والعزة ، ومطالبة الحق ، والعدل ، والحرية .
انظروا الى اي شيء تحول الى صنم في حياتكم فحطموه ، واقتدوا في ذلك بالفتى ابراهيم (ع) الذي عمد الى الاصنام فأغار عليها فجعلها جذاذاً .
ان الصبر والصمود واستمرار المقاومة هي سلم المجد لدى الرجال .
ابتعدوا عن عادات الغرب وثقافته ، فان الغرب مسموم مسموم ، ظاهره الجمال ، وباطنه السم القاتل ، فأي شيء قدمه الغرب لكم خلال مئة عام استعمر
خلالها بلادكم غير الدمار والخراب ، ونهب الثروات والنساء وتسليط ارذل خلق الله على خير خلقه ؟ !
أي هدية غير الجماجم والمآسي قدمها القادمون من وراء البحار لكم ؟
ان الاجنبي كالميكروب ما ان يدخل بلداً الا ويبدأ ينخر فيه من حيث لا نشعر ولا نرى .
ان الاسلام أمانة في أعناقكم فلا تضيعوه ، الاسلام عزتكم ، وعزتكم الاسلام « ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين » (1) .
والعلم لاستقلال امتكم ، وحريتها وكرامتها هي رسالتكم في الحياة (2) .
رسالة الى الاسرة :
ايها الاباء ...
ان ابناءكم ارحامكم والله سائلكم غداً عنهم .. ولكم عليهم حقوق
|
(1) سورة المنافقون ، الآية : 8 .
(2) رسالة الى الشباب .
|
وواجبات فماذا فعلتم لهم ؟
وهل اديتم الرسالة التي حملها الله عليكم تجاههم ؟
ايتها الام :
يا من تتجلى فيك عظمة الله عبر خلق الانسان ، يا رمز المحبة والعطف والحنان ، كوني بمستوى المكانة الرفيعة التي وضعك الله فيها .
ربوا اولادكم على الأخلاق والايمان وهم صغار ، ذلك لان قلب الحدث كالارض الخالية كلما ألقي فيها قبلته .
كونوا بالنسبة اليهم لقمان الذي قال لابنه وهو يعظه : « يا بني لا تشرك بالله ان الشرك لظلم عظيم » (1) ، « يا بني اقم الصلاة وامر بالمعروف وانه عن المنكر »(2) . واعلموا ان مسؤوليتكم تجاه ابنائكم ليست مسؤولية الجسم والصحة والمرض فحسب بل هي قبل كل شيء مسؤولية التربية الصحيحة ، والصفات النبيلة ، والفكر الصائب ، والاداب ، والاخلاق ، ولقد بين الله المسؤولية حينما قال « يا ايها الذين آمنوا قوا انفسكم واهليكم نارا وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد » (3) .
استقيموا في العائلة على الايمان والاخلاق والتقوى والصلاح ، والتزموا بين الابناء بالحق والعدل ، واعلموا انكم كعمود الخيمة ، فكلما استقام العمود استقامت الخيمة ، بالغوا في تعليمهم الاداب فقد جاء في الحديث : « خير ما ورث الاباء الابناء الادب » (4) اجعلوا اجواء البيت نظيفة ولا تنقلوا اليها مشاكل
|
(1) سورة لقمان ، الآية : 13.
(2) سورة لقمان ، الآية : 17.
(3) سورة التحريم ، الآية : 6.
(4) الحكم : ص269 ح 5123 .
|
المجتمع مفاسد الطاغوت ، ابعدوا اولادكم عن ذئاب الشرق والغرب فانهم يتربصون الدوائر في كل وقت وكل مكان ، واهم احاييلهم في ذلك : الثقافة ، والفساد ، فبالثقافة يصنعون عملاء ! وبالفساد يصنعون عملاء بالتبضع ، احذروهم من أساليب الاستعمار الخفية واللذيذة فهي كاساليب ابليس مقدمة للقضاء عليهم .
حذروهم من اصدقاء السوء فان صديق السوء يسرق شرف الانسان وشخصيته .
علموهم كيف يتركون الشهوات حتى يكونوا احراراً في دنياهم فقد جاء في الحديث « من ترك الشهوات كان حراً » (1) .
ان الابناء لا يحتاجون الى الطعام والكساء والراحة فقط بل انهم يحتاجون الى من يزرع في نفوسهم الايمان .
فان لا قيمة للابن اذا كان له جسم جميل ، وقوام رشيق ، ولكنه كان احمقاً !
حولوا جهاز التلفزيون من جهاز الفساد والافساد كما يريد الطاغوت الى جهاز للنقد والتوجيه والفيديو ، الى جهاز للفكر والبرامج المفيدة ، وكذلك المجلات والصحف .
واخيرا حصنوا الاسرة بسور من التقوى والايمان والورع .
واتركوا وراءكم خلفاء صالحين ، وليس من الذين وصفهم الله تعالى « فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات »(2) فيحرقون ما
|
(1) تحف العقول : ص 65 .
(2) سورة مريم ، الآية : 59 .
|
زرعتم ويحصدون ما زرعتم (1) .
فان الله سائلكم عنهم يوم القيامة .
|
|
(1) رسالة الى الآباء ، رسالة إلى الامهات .
|
بناء الأسرة الفاضلة
« الطفل مرآة الاسرة »
| |