بناء الاسرة الفاضلة 120

قالت : ليس علي قناع .
فقال : يا فاطمة خذي فضل ملحفتك فقنعي به رأسك ففعلت .
ثم قال : السلام عليك .
فقالت : وعليك السلام يا رسول الله .
قال : أدخل ؟
قالت : نعم يا رسول الله ؟
قال : انا ومن معي ؟
قالت : ومن معك ؟
قال جابر : فدخل رسول الله ودخلت » (1) .
ومن أدب العائلة المسلمة أيضا أن يكون للزوجين أوقات خلوة لا يدخل عليهم من الخدم أو الاطفال أحد ، إلا بعد الاستئذان ، فكما ان الاستئذان مطلوب ممن هم خارج البيت كذلك هو مطلوب ممن هم في داخل البيت ، اذا اراد دخول غرفة العائلة ، وذلك في أوقات ثلاث ، هي قبل وقت صلاة الفجر ، وقبل وقت صلاة الظهر أو بعده ، وبعد وقت صلاة العشاء ، حيث أن في هذه الأوقات يستريح الإنسان ، وكثيرا ماتبدو العورات .
عن أبي بصير عن أبي عبد الله (ع) قال : « الاستئذان ثلاثة : أولهن يسمعون والثانية يحذرون والثالثة إن شاؤوا أذنوا وان شاؤوا لم يفعلوا فيرجع المستأذن » (2) .

(1) وسائل الشيعة : ج 14 ص 158 الباب 120 من أبواب مقدمات النكاح وآدابه ح 3 .
(2) وسائل الشيعة : ج 14 ص 161 الباب 122 من ابواب مقدمات النكاح وآدابه ح 1.
بناء الاسرة الفاضلة 121

وكذلك إذا بلغ الأطفال الحلم فإنه يجب عليهم الاستئذان اذا أرادوا الدخول في أي وقت كان .
(3) تنظيف المجتمع من مثيرات الشهوة :
لكل مقام عمل ووظيفة ، والبيت هو مقام استخدام الشهوة الحلال أما إثارتها فسوف يسبب إنحراف مسيرة المجتمع ، تماما كالمحطات التي تحتوي على الاشعاعات النووية ، إن هذه الاشعاعات تستخدم في اغراض سلمية كالزراعة وما شابه ، ولكن اذا تسربت من المحطات فانها تدمر المجتمع ، ولذلك ترى الآف من المظاهرات تخرج في الغرب بسبب إحساسهم بالخطر ، ونحن يجب أن نعلم أن الشهوة هي اخطر من الاشعاعات النووية متى لو تسربت من الاسرة إلى المجتمع ، لذلك يجب ان يظل البيت هو مقام حفظ الشهوة لكي لا تتسرب للخارج ، وبذلك يقع الدمار وقد وضع الاسلام ضوابط والتزامات على الأسرة المسلمة يجب مراعاتها حتى يحافظ على دورها .
* الحجاب :
وضع الإسلام الحجاب بهدف تحديد الإثارة الجنسية بالقنوات النافعة لها ، وأمر بالحجاب الظاهري والباطني فليس الحجاب هدفاً بحد ذاته وانما هو وسيلة لابعاد المثيرات الجنسية في الحياة العامة .
* عدم التبرج وإبداء الزينة :
إذا كانت الزينة تكسب المرأة مزيداًً من الجمال فإن ذلك يجب ان يظل في إطار العلاقة الزوجية وفي حدود مقام البيت ، أما ان تنتقل الى الخارج فإن ذلك شيء محرم حيث يمنع الإسلام المرأة من إبداء الزينة للأجنبي .
« وقل للمؤمنات يغضضن من ابصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين »

بناء الاسرة الفاضلة 122

زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن »(1) .
وكما جاء في التفسير ان ما ظهر منهن بغير اختيارهن ليس عليه بأس كما إذا هبت الريح فرفع العباءة وأبدت الزينة ، والجيب هو شق الثوب طرف الصدر ووضع الخمار لئلا يبدو الصدرمن الشق ، أو المراد به ستر الوجه والصدر ، فان سدل طرف الخمار إلى الصدر مستلزم لستر الوجه ويؤيد ذلك ما روي عن الامام الباقر (ع) :
« استقبل شاب من الأنصار إمرأة بالمدينة وكانت النساء يتقنعن خلف اذانهن فنظر اليها وهي مقبلة فلما جاوزت نظر اليها ودخل في زقاق قد سماه لبني فلان فجعل ينظر خلفها واعترض ، فشق وجهه عظم في الحائط أو زجاجة فشق وجهه فلما مضت المرأة نظر ، فإذا الدماء تسيل على ثوبه وصدره فقال : والله لآتين رسول الله (ص) ولأخبرنه ، قال : فأتاه فلما رآه رسول الله (ص) قال له ما هذا ، فأخبره ، فهبط جبرائيل بهذه الآية «ولا يبدين زينتهن»(2) .
* عدم الخلوة بالأجنبي :
في ليلة من ليال الشتاء حيث ينهمر المطر غزيراً واذا بفتاة تطرق بيت احد العلماء طالبة المكوث ليلة واحدة فقط في منزله إلى حين الصباح ، دخلت الفتاة ليعيش هذا العالم من الصراع مع هواه ليلاً طويلاً ، فكلما حدثته نفسه تجاه تلك الفتاة وضع اصبعه على الشمعة فيحترق ، وهكذا وما أطل الصباح حتى كانت أصابعه العشرة قد إحترقت ، إن هذه الحادثة تبين لنا كيف أن الخلوة بالمرأة لا تخلو من وساوس الشيطان وتحريك الشهوات في النفس ، لذلك شدد

(1) سورة النور ، الآية : 31 .
(2) وسائل الشيعة : ح 14 ص 139 الباب 104 من ابواب مقدمات النكاح وآدابه ج 4.
بناء الاسرة الفاضلة 123

الإسلام في مسألة الخلوة بالأجنبي أو الخلوة بالاجنبية .
عن الرسول (ص) قال : « من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يبيت في موضع يسمع نفس إمرأة ليست له بمحرم » (1) .
عن أبي عبد الله (ع) قال : « فيما أخذ رسول الله (ص) البيعة على النساء ألا يحتبين ولا يقعدن مع الرجال في الخلاء » (2) .
* عدم المفاكهة مع الأجنبي :
المرأة المسلمة على درجة من العفة والحياء والإتزان ويجب ألا تهدم صرح ذلك عندما تكون في مجلس يضم الأجانب فلا تمازح ولا تفاكه .
يقول الرسول الاعظم (ص) : « من فاكه إمرأة لا يملكها حبس بكل كلمة كلمها في الدنيا ألف عام ( في النار ) والمرأة اذا طاوعت الرجل فالتزمها أو قبلها أو باشرها حراماً أو فاكهها وأصاب منها فاحشة فعليها من الوزر ماعلى الرجل فإن غلبها على نفسها كان على الرجل وزره ووزرها » (3) .
عن أبي بصير قال : كنت أقرئ امرأة كنت أعلمها القرآن فمازحتها بشيء ، فقدحت على أبي جعفر (ع) فقال لي :
« أي شيء قلت للمرأة ؟ » .
فغطيت وجهي فقال :
« لا تعودن اليها » (4) .

(1) وسائل الشيعة : ح 14 ص 133 الباب 99 من ابواب مقدمات النكاح وآدابه ح 2.
(2) وسائل الشيعة : ح14 ص 133 الباب 99 ابواب مقدمات النكاح وآدابه ح 1.
(3) ثواب الأعمال وعقاب الأعمال : ص 332 باب يجمع عقوبات الأعمال .
(4) وسائل الشيعة : ج 14 ص 144 الباب 106 من ابواب مقدمات النكاح وآدابه ح 5.
بناء الاسرة الفاضلة 124

* عدم المصافحة أو الملامسة :
لقد أراد الإسلام أن يسد كافة الأبواب التي من الممكن ان تجعل من المرأة مثاراً للشهوة في المجتمع ، وقد تكون الملامسة والمصافحة أشد تأثيراً من المفاكهة أو ابداء الزينة ، لذلك حرم الاسلام مصافحة المرأة الأجنبية .
عن ابي بصير عن أبي عبد الله (ع) قلت له : هل يصافح الرجل المرأة ليست بذات محرم ؟
فقال : « لا إلا من وراء الثوب » (1) .
(4) الزواج :
شجع الاسلام على الزواج المبكر ، أوجد كافة المنطلقات التي تدفع الفرد المسلم ، فقد نهى الاسلام عن حالة الفردية ، وحذر منها ، قال الرسول (ص) :
« أكثر أهل النار العزاب » (2) .
« رذال موتاكم العزاب » (3) .
وجعل تزويج الشباب والفتيات مسؤولية اجتماعية تقع على عاتق المجتمع حيث يجب أن يوفر الأجواء المناسبة .

(1) وسائل الشيعة : ج 14 ص 151 الباب 115 من ابواب مقدمات النكاح وآدابه ح 1.
(2) وسائل الشيعة : ج 14 ص 8 الباب 2 من ابواب مقدمات النكاح وآدابه ح 7 .
(3) الكافي : ج 5 ص 329 باب كراهة العزبة ح 3 . والوسائل : ج 14 ص 7 الباب 2 من ابواب مقدمات النكاح وآدابه ج 3 .
بناء الاسرة الفاضلة 125

(5) التعفف أو تنزيه الجوارح :
اللسان ... السمع ... البصر .
هذه الجوارح قد تكون ادوات استقبال وبث للفساد والرذيلة وقد تكون أدوات استقبال وبث للفضيلة ، فكما جاء في الحديث أن اللسان يزني والاذن والعين كذلك .
عن أبي جعفر عن أبي عبد الله (ع) : « ما من احد إلا وهو يصيب حظاً من الزنا فزنا العينين النظر وزنا الفم القبلة وزنا اليد اللمس » (1) .
فلا يكفي أن نضع سورا حول الأسرة ، لأن اللص يهجم على المنزل وان كان مغلقاً وينهب ذلك المنزل عبر سائر الأساليب الاجرامية ، كذلك الانسان يكون أحيانا كاللص حين يقفز على سور الأسرة لينال مبتغاه الشهواني عبر نظرة حرام أو استراق السمع أو يبث الكلام البذيء الفاحش .. وهكذا .
بمعنى أن الاسلام حرص ايضا على توجيه جوارح الانسان المسلم بحيث تكون عامل لقلع جذور الفساد لا من اجل بذره ونشره وأكد على أهمية تنزيه الجوارح .
* غض البصر :
عن أبي عبد الله : « النظرة بعد النظرة تزرع في القلب الشهوة وكفى بها لصاحبها فتنة » (2) .
وقال الرسول الأعظم (ص) : « يا علي أول نظرة لك والثانية عليك لا

(1) الوسائل : ج 14 ص 138 الباب 104 من أبواب مقدمات النكاح وآدابه ح 2.
(2) الوسائل : ج 14 ص 139 الباب 104 من ابواب مقدمات النكاح وآدابه ج 6.
بناء الاسرة الفاضلة 126

لك » (1) .
هذا هو القدر الجائز من النظر أما أن تتحول العين إلى اداة ملاحقة ، وكشف لعورات المسلمين ، فهذا ما يحذر منه ربنا ورسولنا الاكرم حين يقول : « من اطلع في بيت جاره فنظر إلى عورة رجل أو شعر امرأة أو شيء من جسدها كان حقا على الله تعالى أن يدخله النار مع المنافقين الذين كانوا يتبعون عورات الناس في الدنيا ولا يخرج من الدنيا حتى يفضحه الله ويبدي للناس عورته في الآخرة » (2) .
* اللسان :
ان الكلمة الطيبة هي التي يجب أن تخرج من الإنسان لا الكلمة الخبيثة ، فاللسان بإمكانه أن يكون مصدراً للفحش مما يعرض كرامة الآخرين وعلى الانسان ان يصون لسانه ، لذلك نقول في دعاء كميل : واجعل لساني بذكرك لهجا .
عن أبي عبد الله (ع) قال : « من علامات شرك الشيطان الذي لا يشك فيه ان يكون فحاشاً لا يبالي ما قال ولا ما قيل » (3) .
* السمع :
( واسدد أسماعنا عن اللغو والغيبة ) إن الذين كفروا بدعوة نبي الله نوح كانوا يضعون اصابعهم في آذانهم لكي لا يسمعوا إلى كلام الحق .
ونحن المؤمنون برسالات الأنبياء يجب أن نسدد اسماعنا عن الباطل سواء

(1) الوسائل : ج 14 ص 140 الباب 104 من أبواب مقدمات النكاح وآدابه ح 13 .
(2) وسائل الشيعة : ج 14 ص 141 الباب 104 من ابواب مقدمات النكاح وآدابه ح 16 .
(3) الكافي : ج 2 ص 323 باب البذاء ح 1 .
بناء الاسرة الفاضلة 127

تمثل في لغو أو غيبة أو غناء أو عبارات بذيئة أو أحاديث العشق والهوى ...
(6) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ( رقابة المجتمع ) :
بالإضافة إلى رقابة الاسرة جعل الاسلام لكل فرد في المجتمع رقابة على المجتمع وعلى الافراد الاخرين ، وهذه الرقابة تتمثل في القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعبر ذلك يطهر المجتمع بعضه بعضا ، بمعنى أن الفرد إذا تحلل من رقابة ضميره ومبادئه وهرب من رقابة الأسرة فإنه هناك رقابة المجتمع التي ما اصعب الهروب منها وجعل الاسلام منطلقات كثيرة تدفع الفرد المسلم للقيام بهذا الدور ، الحمية والغيرة على الاسلام وعلى المسلمين ، وجعل ثواب الاخرة منطلقا آخر، وحذر الذين يتخلون عن الامر بالمعروف والنهي عن المنكر خوفا على مالهم أو أنفسهم .
» كنتم خير امة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر » (1) .
هذا هو برنامج حماية الأسرة الذي يطرحه الاسلام لكي يجعل من الاسرة قلعة ومدرسة لبناء الانسان الفاضل ، وان هدم أي جزء من ذلك البناء إنما سوف يؤدي إلى تحطيم الأسرة المسلمة وإنهيارها ، فإلى أي مدى صمد هذا الحصن ؟ وإلى أي مدى وصلت الأسرة المسلمة ؟ إن معالم الإنهيار لتبدو واضحة في عالمنا الاسلامي وليس انهيار جزء من الحصن بقدر ماهو انهيار الحصن بأكمله ، وأصبح الطلاق بين احكام الله وبين حياة الغرب التي تنتهجا معظم الاسر اليوم .
فتعالوا معاً بين الانقاض نفتش عما تبقى من هذه الأسرة ، ونتلمس

(1) سورة آل عمران ، الآية : 110 .
بناء الاسرة الفاضلة 128

بوضوح معالم الانهيار لاسيما بعد ان حدث الانفجار ، ويجب ان نوضح منذ البدء أن هناك من الأسر التي ظل حصنها منيعاً صامداً امام كافة عوامل الهدم حيث حافظت على التزامها وعلى تقاليدها الاسلامية ، وأمثال هذه الأسر هي التي يعقد عليها العزم لكي تربي الجيل الصالح الذي يصلح هذه الأوضاع ، وقد اقتدت بذلك بالأسرة المسلمة على عهد رسول الله (ص) وعهد امير المؤمنين الامام علي (ع) .


بناء الاسرة الفاضلة 129

ثانيا : معالم انهيار حصن الأسرة المسلمة

(1) إطلاق العنان لمثيرات الشهوة :
بدأ التحلل من الضوابط الإسلامية شيئا فشيئا ، فتحت دعوة التحرر والتقدمية خلعت المرأة حجابها لتكون لهيبا وإثارة في المجتمع ولربما أن بعض الأسر أجبرت فتياتها على ذلك أو منعتهم من لبس الحجاب ، هذه المرأة التي أرادها الإسلام أن تكون على درجة من الحياء والسكون .
يقول أمير المؤمنين (ع) : « لا تعلموا نساءكم سورة يوسف ولا تقرؤوهن إياها فإن فيها الفتن وعلموهن سورة النور فإن فيها المواعظ » (1) .
لأن سورة يوسف تتحدث على قصة زليخا وكيف همت بيوسف وراودته عن نفسه ، وهذا مما من شأنه أن يهيج الشهوة عند المرأة ، هذه الروح قد قتلت عند كثير ممن نزعن الحجاب ، بل وحتى بعض المحجبات اللاتي لبسن الحجاب الظاهري دون الباطني منه ، فتراها مع أنها محجبة ولكنها لا تتوانى في ابداء جمالها وزينتها عبرهذا الحجاب ، عبر الألوان والأشكال المنمقة والزاهية

(1) وسائل الشيعة : ج 14 ص 127 الباب 92 من ابواب مقدمات النكاح وآدابه ح 2 .
بناء الاسرة الفاضلة 130

فأصبح اقرب ما يكون إلى موديل جديد وصرخة اخرى في عالم الأزياء ، وهكذا بدأت أول ثغرة ، ولربما أن بداية الأمر كانت من خلال رؤية ساذجة تلك التي تقول أن المرأة لا تلبس الحجاب امام أبناء عمومتها أو شقيق زوجها ، وهكذا بدأ التسيب في حال ان العبرة بكون الرجل أجنبي ، ودخلت بعد ذلك المرأة عالم الأزياء ، فبدل ان تأتي المرأة وتتعلم ما يكفل كرامتها ويوعيها ويؤهلها لادارة مملكة البيت وطفلها تجدها تتوجه للاهتمام بالتوافه .
تقول إحدى خبيرات الأزياء تحت عنوان عالم الأزياء هو العالم الأكثر إغراء للمرأة :
عالم الأزياء هو الأكثر إغراء للمرأة في أي مكان من العالم ، وفي أي عمر ، وقد لا أكون مبالغة حين أقول أن عناية المرأة بمظهرها تحتل جانباً كبيرا من اهتماماتها ، تتساوى في ذلك المرأة العالمة ، وربة البيت المتعلمة والأمية ، الكل سواء يبحثن عن الجمال في مظهر أكثر أناقة ورونقا ، ولعل السعي بحثا عن الجمال هو الذي يجعل من حواء فريسة سهلة لأي موضة تظهر فتركض وراءها مقلدة على أمل أن يحقق لها الجمال المنشود ، دون مراعاة لتناسب هذه الموضة مع طبيعة جسمها ، وطبيعة المجتمع الذي تعيش فيه وتحكمه تقاليد معينة .
وضمن تحقيق في إحدى الصحف تحت عنوان السكرتيرة موظفة أم عارضة أزياء تقول احدى السيدات :
ان الابتسامة التي ترسمها السكرتيرة في معظم الأحيان على وجهها ضرورية بحكم عملها كسكرتيرة ، وعليها أن تقبل الأمور في بساطة وصدر رحب ، ويختتم التحقيق بهذه المقولة ، إلى هنا يمكننا أن نقول أن المرأة وحدها هي القادرة على أن تكون أو لا تكون ، خاصة في عملها بتركيبتها

بناء الاسرة الفاضلة 131

الانثوية ، وموقعها الغريزي ، برقتها الطبيعية ، ان تنثر حولها الحب ، وتتمتع باحترام المحيطين ، تتنافس والحب حافزها والعلم رائدها .
هكذا أصبحت المرأة تنثر الابتسامات والحب هنا وهناك ، وتتجمل بزينتها وأزيائها بين ربوع المجتمع ، واصبح ذلك جزء من متطلبات عمل المرأة ..
إن التسيب ليس له حدود ، لذلك ليس غريبا بعد ان أسقطت المرأة حجابها أن تقع في المحظور ... في المفاكهة ، ولكنه غريب علينا كمسلمين أن نرى المرأة في مجتمعاتنا تقف بين الرجال وتنثر الابتسامات وتمازح وتلقي بالنكات ... ولعل نفس تلك النظرة الساذجة لا زالت تسودنا ، فلا اشكال في ان يمازج الشاب ابنة العم ، أو أن يكلمها في التلفون ، ولا بأس للفتاة ان تجلس بين العائلة بوجود الاجنبي ، ويتبادلون الحديث الودي والعاطفي ، تتخلله مشاهد التلفاز التي تسكب الحياء .
يقول أمير المؤمنين (ع) : « يا اهل العراق نبئت ان نساؤكم يدافعن الرجال في الطريق اما تستحون ، لعن الله من لا يغار» (1) .
وفي رواية اخرى : « أما تستحون ولا تغارون نساءكم يخرجن إلى الأسواق ويزاحمن العلوج » (2) .
ان كل المظاهر السابقة تعكس كيف أن محاولات الاسلام في تنظيف المجتمع من مثيرات الشهوة قد بترت عبر نزع الحجاب وابداء الزينة للاجنبي والمفاكهة ، والقضية تتعقد عندما يصل الأمر إلى المصافحة والملامسة وهي نقطة التوتر الخطيرة في مجال الاثارة ، لأن الخلوة والملامسة ديناميت يفجر

(1) الكافي : ج 5 ص 536 باب الغيرة ح 6.
(2) الكافي : ج 5 ص 537 باب الغيرة ح 6 .
بناء الاسرة الفاضلة 132

القوى الشهوانية عند الانسان .
قالت أم سلمة : استأذن ابن مكتوم الأعمى على رسول الله (ص) وانا وميمونة جالستان قال النبي (ص) : « احتجبا منه » .
فقلنا : أوليس أعمى لا يبصرنا .
فقال : « وأنتما لا تبصرانه » (1) .
أنه في حين أن الاسلام يتشدد في هذه القضية نجد أن معظم الاسر اليوم لا تعير هذه المسألة اي اهتمام ، فتعمل على توفير الاجواء كالحفلات واللقاءات غير المحتشمة ، إن معظم الانحرافات التي تصيب الشباب انما بسبب تلك الاجواء الموبوءة في الأسرة ، والمتأمل لسجلات القضايا في المخافر والمحاكم يرى ذلك بوضوح وهذه احدى القضايا :
التقى المتهم بالمتهمة المطلقة من زوجها الذي يقيم في بلدها الاصلي ، وكان اللقاء في الطريق العام ، فأركبها معه السيارة وانطلق بها الى المنطقة التي رغبت فيها ، وفي الطريق دار حوار بينهما راودها المتهم خلاله عن نفسها فقبلت ، وهناك تسللا الى سكنه ، واثناء خلوتهما تم ضبطهما واعترفا بالحادث لكنهما اصلحا خطأهما هذا بالزواج .
وفي قضية اخرى الشاهد فيها ما يلي :
وفي مرة استغل المتهم خلو المنزل من أهله ووجودها في المطبخ ، وأمسكها محاولا الاسترسال فيما على عليه شيطانه إلا أنها دفعته وقاومته وهربت الى ردهة المنزل ، ولحق بها ولم تمكنه من نفسها ، وأبلغت زوجها بما حدث

(1) الوسائل : ج 14 ص 172 الباب 129 من ابواب مقدمات النكاح وآدابه ح 4 ومكارم الأخلاق : ص 233.
بناء الاسرة الفاضلة 133

واعترف المتهم بما اسند اليه .
وقد تزداد غرابة هذه الحادثة عندما تعلم ان المتهم كان يحاول الاعتداء على زوجة شقيقه .
وهذه الحوادث ما هي الا القليل الذي يطفو على السطح من كثير لا تصل اليه الأجهزة الرسمية ولا يعلن في الصحف ، هكذا انهار الجزء الاول من البناء الذي كان يكفل ويحصن الاسرة ، حيث اصبحت المرأة مركزاًَ للاثارة في المجتمع ، وأصبح الرجل يرتع في هذا المجال .
يقول احد المسؤولين :
انني استنكر تردد بعض الفتيات المراهقات على الأسواق والبحر من غير هدف سوى اثارة مشاعر الشباب ، وارتداء الملابس الضيقة بشكل ملفت للنظر ، مما يدفع بعض الشباب الى ملاحقتهن .
(2) إنتهاك حرمة المسكن :
( الابن يزني بأمه ) تحت هذا العنوان نشرت احدى المجلات العربية هذه الحادثة ، وكان السبب وراء تلك الحادثة الشنيعة هو نشوء الشاب منذ طفولته على الرذائل حيث كانت الأم تتجرد من ملابسها وتداعب طفلها وهي عارية الجسد ، واستمرت على هذه الحالة في التربية حتى شب الطفل ، وترعرع في جو مليء بالمغريات والشهوات ، وبلغ من العمر ما يقارب 18 سنة ومارس فعلته الخبيثة .
« وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم كذلك يبين الله لكم آياته والله عليم حكيم » (1) .

(1) سورة النور ، الآية : 59 .
بناء الاسرة الفاضلة 134

إنه ليفطر القلب تلك المشاهد التي تنقل من واقع الاسرة المسلمة اليوم حيث لم يعد هناك حرمة للسكن ولم يعد السكن المقام النزيه للشهوة ، بل اصبح مثاراً للشهوة ايضا في المجتمع .
روي أن رجلاً قال للنبي (ص) أستأذن على أمي ؟
فقال (ص) : « نعم » .
قال : إنها ليس لها خدام غيري ، أفأستأذن عليها كلما دخلت ؟
قال : « أتحب أن تراها عارية » .
قال الرجل : لا .
قال (ص) : « فاستأذن عليها » .
إن ما يحذر منه الرسول الأعظم (ص) يقع في واقع الاسرة اليوم ولكنها اضافة الى صور اخرى فقانون الاستئذان معطل في الاسرة ، فلم يعد المسكن ذلك الحرم الامن حيث يدخله القريب والأجنبي دون استئذان .
عوضا عن تحول بعض البيوت الى بيوت دعارة تمارس فيها الرذيلة ، أي ان المنزل اصبح مخبأ ومستودع الرذيلة في المجتمع في بعض الاحيان ، ويتجلى ذلك في هذه الصورة الحية من واقع المجتمع :
استغل صاحب البقالة فرصة تردد الزبونة على بقالته ، فاعجب بها ، فقدم لها عرضا راودها من خلاله عن نفسها حال كونه متزوجاً وأباً لأطفال ، فرحبت هي بذلك وحضرت له بمسكنه حيث ارتكبا الفحشاء ، وتكرر الأمر ، واكتشف البقال بأن عشيقته هذه خادمة فعرض عليها ان يتسلل إلى مسكن مخدومها وينفرد بها هناك ، فوافقته على طلبه ، وتردد عليها عدة مرات إلى ان جاء اليوم الذي تم ضبطهما فيه ، المحكمة رأت ان المتهمين قارفا ما اسند

بناء الاسرة الفاضلة 135

اليهما من تهم الزنا ودخول منزل من دون رضاء صاحبه بالنسبة للمتهم الا أنه وحرصا عليهما من المحكمة لنشوء علاقة زواج ولإعطاء فرصة لتكوين اسرة جديدة قررت المحكمة الامتناع عن النطق بالعقاب بحقهما على ان يتعهدا بغير كفالة بالتزام بحسن السلوك لمدة سنة .
أي زواج يقوم بعد هذه الحادثة ؟ وأي أسرة من الممكن ان تقوم على هذه الجريمة وعلى الخيانة ؟ واي سلوك حسن بقي بعد ان سقطت كل قيم الشرف والحياء ؟ وما قيمة البيت الذي يمارس فيه الحرام ؟ إنه الزنى المقنن .
ان هذه الاحداث ، أيها القارئ لربما تمر عليك كل يوم وتقرأها بالصحف ولكننا نقرأها للتسلية وملء الفراغ ، لقد فرض الفساد نفسه علينا بحيث صرنا تتقبله وذلك عبر اللامبالاة .
ان هذه الحوادث لو وقعت في الغرب الذي لا قيم ولا أخلاقيات له لبطل العجب ، ولكنها للأسف تقع في ربوع الأمة الاسلامية .
واقعة ليست من نسج الخيال .. بل هي حقيقة حدثت في احدى المجتمعات الاسلامية ، اتسمت بالغرابة والقسوة الى حد ما ، اطرافها اربعة وخامستهم امراة ... فشاء قدر هذه الاخيرة ان ترتبط باحد هؤلاء الاربعة وتتزوج منه .. الا ان الظروف المادية للزوج حالت دون تشييد عش الزوجية ، وقد أوهم فتاة أحلامه بأنه قيد الانشاء ، فهو عامل يتقاضى 120 دينار ، وهي موظفة على الدرجة السابعة ، وليست أفضل حظأ منه .. الامر الذي حدا بهما ومن أجل توفير اجرة المسكن . الى العيش بعيدين عن بعضهما ، حيث التحق هو بمسكن شلة من العزاب .. وبقيت هي في السكن المعد لموظفات عملها .. وحتى يتمكنا من الالتقاء ببعضهما لقاء الازواج فقد اقترح هو على شركائه بأن يهيؤا له الفرصة للالتقاء بزوجته وان يخلوا الغرفة كل يوم خميس لينفرد بها .. ومن منطلق انساني رحب العزاب الثلاثة بالفكرة .. وحيا الزوج

بناء الاسرة الفاضلة 136

فيهم هذا الشعور ... وبدأ اللقاء واستمرت هذه الحال لعدة اسابيع كان يلتقي بزوجته لقاء العاشق ... وفي مرات كان يتصادف وجود العزاب في المسكن فتعد لهم الزوجة الشاي بعدها يغادرونه تاركين الزوج والزوجة على حالهما .. ولكن الى متى سيستمر الأمر على هذا الحال ..؟ فقد وسوس الشيطان ولعب لعبته .. اجتمع العزاب الثلاثة واتفقوا على اقتناص الزوجة من زوجها خاصة وان كل الظروف مواتية لهم فهم لا يحتاجون الى خطة لخطفها واحضارها الى غرفتهم ...
انتقلت الخطة من دور التخطيط الى دور التنفيذ ... فها هي الزوجة قد اتت الى الغرفة واعدت لهم الشاي استعدادا لخروجهم .. لكنهم وعلى غير عادتهم في هذه المرة تريثوا قليلا في الخروج بعد أن شلوا حركة جسد الزوج ببضع اقراص منومة ، بعد ذلك بدأت ايديهم العابثة تمتد الى جسد الزوجة لينتهي الامربهم الى الرذيلة ... وبعد الانتهاء من فعلتهم غادروا المسكن .. وكان الزوج لا يزال يغط في نوم عميق حتى استيقظ على وجه زوجته الشاحب ليسألها عما اصابها .. فتمنعت عن الاجابة .. ولم تخبره عن سر هذا الامتناع ، وبين الامتناع والحاح الزوج الذي ابلغها بانهم غير موجودين الآن في الغرفة وافقت على العودة .. ومع عودتها مرة ثانية اعتقد العزاب الثلاثة ان الزوج قد علم بالأمر ، وانه متجاهل على مابدر منهم ... وفي هذه المرة كان ثلاثي السوء قد صمما على ارتكاب الجريمة علنا وامام الزوج .. فما ان دخلت الى الغرفة .. وشربوا جميعا الشاي حتى هبوا الى الزوج وقيدوه بحبل كانوا قد اعدوه مسبقا .. واما ناظريه مارسوا الرذيلة مع زوجته .. وبعد ان نالوا مأربهم لاذوا بالفرار .. تاركين الزوج يفك قيده .. والزوجة تتلطخ بثمار علاقة زوجها مع ثلاثي السوء .. وابلغ الزوجة بالواقعة فتم ضبط المتهمين وقدموا الى محكمة الجنايات التي قضت بحبس المتهمين الثلاثة لمدة 3 سنوات مع الشغل

بناء الاسرة الفاضلة 137

والنفاذ ، وترك الزوج وزوجته البلاد حاملين معهما بقايا ذكرياتهما مع هذه الجريمة .
(3) العلاقات الغرامية ثمرة خبيثة :
إن الشجرة الطيبة هي التي تنبت الثمر الطيب والذي خبث لا يخرج الا نكدا ، إذا كانت العفة والطهارة والأمن هو الثمر الذي جنته الاسرة المسلمة يوم تمسكت بالتزامها وتقاليدها فإن العلاقات الغرامية ومن ثم الفوضى الجنسية هي الثمرة الخبيثة التي جنتها الاسرة اليوم .
( كانت كلمة الزنا سابقا تخيف الفتاة كحد السكين فاستبدلوا بها كلمة ممارسة حرية الحب ، لكيلا نخاف .
وكانت كلمة ولد الزنا توقيع العار على جبين المجتمع فاستبدلوها بالابن الطبيعي لئلا يخجل منه احد ، وكلما تغيرت الكلمات تغيرت ملامح المجتمع ) .
ان ما يحدث في ربوع المجتمعات الاسلامية من علاقات مشبوهة بين الشاب والفتاة لم يعد مشبوهاً في ظل الواقع الأسري اليوم ، لم يعد غريبا ان يفتخر الأب بأن ابنه يغازل الفتيات ، بل اصبح مثاراً للفخر وضرورة من ضروريات التقدم والحياة العصرية ، اصبح امراً عادياً ان يتصل الشاب والفتاة كل منهما بالآخر ويطلب كل منهما الاخر الحديث أو اللقاء ، واحيانا يتم ذلك بواسطة الاسرة نفسها ، ولكن العلاقات المشبوهة تراها في السوق ، الشارع ، الجامعة ، المنتزهات ، التلفزيون .. حتى اصبحت تعاليم الاسلام كأنها واقع مثالي غير قابلة للتطبيق .
فإلى كل من ساروا على درب الهوى ، ووقعوا في شرك العلاقات الغرامية ، وكانوا أسارى الجنس نقول : تأملوا هذه الحادثة لنرى هل الاسلام

السابق السابق الفهرس التالي التالي