|
|
الصمود النفسي :
« فخرج على قومه في زينته قال الذين يريدون الحياة الدنيا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم ، وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحاً ولا يلقاها الا الصابرون » (1) .
البعض من المؤمنين يعلمون أنهم ضمن الكيان الإيماني وانهم على الحق ولكن عندما ينظرون إلى الجهة الأخرى ... المترفون وإلى العامة من الناس التي تلهث وراء المادة وتتظاهر بها ... ينهزمون نفسياً وهذه الهزيمة النفسية سرعان ما تتحول الى هزيمة في شخصية الفرد فينهار أمام زينة الحياة .
يرى الآخرون يلبسون أفضل الثياب ، ويركبون أجمل السيارات ، ويأكلون اشهى الطعام ويسكنون أفخم المنازل ، وسيل آخر من الكماليات التي تخيم على الأسر اليوم فيتساءل عبر وساوس الشيطان وتسويل النفس ما حصدت من العمل في سبيل الله غير التعب والمصاعب والاهانات ؟ ! ولم أجد الفرصة الكافية للحصول على تلك المظاهر ، كما قال بعض أصحاب موسى « ليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم» .
إن من أكبر الضغوط التي يواجهها الفرد الرسالي اليوم هي الضغوط النفسية التي يسببها التوجه العام المترف في المجتمع والذي يجر الفرد للتوافق معه ، قد لا ينهار الفرد في البداية ولكن الانحراف دائماً يبداً بخطوة ، وعندما ينساق الفرد الى هذه الخطوة فان الخطوات الأخرى سوف تتلاحق ، لذلك لابد أن يتحلى بالصمود النفسي ويفكر عبر المنطق الايماني« وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحاً ولا يلقاها الا »
|
|
(1) سورة القصص ، الآية : 79 ـ 80 .
|
« مثل الدنيا كمثل الحية : لين مسها ، قاتل سمها » (1) .
أساس الانحراف وطغيان الانسان من تعلق قلب الانسان بالدنيا كما يقول الرسول (ص) :
« حب الدنيا رأس كل خطيئة » (2) .
لذا كي نقف سداً امام مغريات الدنيا وايقاف نزيف الترف من حياتنا لابد أن تكون البنية الأساسية للأسرة قائمة على الايمان والتقوى ، والإعراض عن التعلق بالدنيا . .gif>
ثالثاً : الانفاق والاحسان :
ان الترف كظاهرة اجتماعية عندما تطغى على شخصية الانسان تفقده الإحساس باخوانه في الدين والخلق ، وتنمي في الانسان الأنانية والفردية في العيش الرغيد .. فلكي نتغلب على هذه الحالة الشاذة السلبية لابد لنا من مقاومة الرؤية الانانية فينا عن طريق الانفاق والاحساس ، فيقول الله تعالى :
«ان الله يأمر بالعدل والاحسان وايتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي »(3) .
والانفاق والاحسان ليس بمعنى عطاء ما يزيد عن حاجتنا بل اعطاء ما نحب ونرغب ، لان الانسان متعلق بالدنيا ، فاذا أراد التجرد منها يجب ان تكون لديه ارادة التخلص من التعلق فيها عبر الانفاق ، والله تعالى يقول :
|
(1) نهج البلاغة : الكتاب 68 وقصار الحكم ، الحكمة : 119 . وغرر الحكم : ص 196 ح 3747 .
(2) تنبيه الخواطر : ج 1 ص 128 .
(3) سورة النحل ، الآية : 90 .
|
« لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون »(1) .
فذلك يبني في الانسان روح تحسس آلام الآخرين والعطف عليهم ومساواتهم فيعيش آلامهم ومصائبهم .. سليمان النبي (ع) كان ملكاً على الخلائق كلها يعرف سرهم ولغتهم .. وكان مع كل هذه الثروات والجاه كان يفترش الطعام لآلاف الناس ليأكلوا على مائدته ، بينما كان هو يأكل خبز الشعير مع التمر وذلك من كد يمينه وليس من خزائن الدولة ، هناك حقيقة وسنة من سنن الحياة اذا استوعبها الانسان فلا يقتر ولا يسرف ولا يترف ، انما اذا لم يعها فان مصيره الحياة المترفة ، وهي ان الانسان بذاته لا يملك ملكاً ذاتياً فهو يولد عرياناً ويذهب من هذه الدنيا عرياناً ، والامانة التي بيده اما هو مفارقها أو هي مفارقته، فلا تبقى وتخلد معه كما لم تخلد وتبقى مع غيرهم من السلاطين الملوك :
«أو لم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أشد منهم قوة وآثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمروها » (2) .
فلكي يتغلب الانسان على الترف يجب ان يواجه ويتحدى ضغط الترف بالعطاء والانفاق على المساكين والمحتاجين والعاملين ، وان يبحث عنهم لكي يطهر نفسه من التعلق بالدنيا وزينتها ، وهذا لا يعني البذل والسخاء في الدنيا انما الله وفي الله ، فكلما كان عطاء الانسان في سبيل الله كان تقربه الى الله وتباعده عن الدنيا وزينتها أكثر الناس قربا من الله ، أكثر الناس بذلاً وسخاء ، فكما يقول الرسول (ص) :
« ما جبل الله أولياءه الاعلى السخاء وحسن الخلق » (3) .
|
(1) سورة آل عمران ، الآية : 92 .
(2) سورة الروم ، الآية : 9 .
(3) تنبيه الخواطر : ج 1 ص 170 .
|
يروى عن الإمام الحسن (ع) . بانه لم يقل لسائل لا قط ، فقيل له : لأي شيء لا نراك ترد سائلاً قط ؟
فأجاب : « اني لله سائل وفيه راغب ، وانا استحي ان أكون سائلا ً أو أرد سائلاً ، وان الله عودني عادة ان يفيض نعمه علي ، وعودته ان أفيض نعمه على الناس ، فأخشى أن قطعت العادة ان يمنعني العادة » .
وانشد يقول :
| اذا ما أتاني سائل مرحبا |
|
بمن فضله فرض على معجل |
| ومن فضله على كل فاضل |
|
وافضل ايام الفتى حين يسأل |
صحيح ان الاحسان والانفاق يدفع الانسان الى نكران الذات ، ونبذ الحياة المترفة ، انما في الوقت نفسه يجب ان لا يكون ذلك منة على الله والمؤمنين ، فلا يدعوه ذلك الى التفاخر والعجب بنفسه فيتعالى على بني خلقه حتى يدعوه ذلك الى الكبرياء والتفضل على الناس ، فعن الرسول (ص) قال : « ان العجب ليأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب » .
فلا يقول كما قال صاحب الجنتين في سورة الكهف :
«انا أكثر منك اموالاً وأعز نفراً » (1) .
فهذا ليس فقط يفسد العمل انما ينمي روح التعالي والأنفة وبالتالي الترف في الحياة .
|
|
(1) سورة الكهف ، الآية : 34 .
|
الصابرون »(1) .
ان الفرد يجب عليه ألا يجلس وينتظر ويكون فريسة للترف ، بل عليه ان يتخذ موقعاً هجومياً تجاه الترف ، فكما أن ظاهر الترف هو الراحة واللذة فان واقع الترف مؤلم ، لأنه ( الشقاء / عدم الاطمئنان / ضعف الارادة / الجحود ) .
وعلى الفرد ان يذكر نفسه دائماً بالواقع الحقيقي للترف ، ويكشف ذلك الواقع المزيف ، لأن ذلك يعطي للفرد مناعة نفسية ، وليستقرأ واقع المجتمع حيث التفكك الأسري ، الميوعة ، الفساد والشذوذ الجنسي ، الجريمة والمخدرات ، الانهيار النفسي ، ان كل ذلك هو افراز الترف .
الفاعلية والعمل المضاعف :
الإنسان مفطور على النشاط والعمل ، لذلك نرى الطفل في حركة دائبة من اللعب والحيوية والنشاط ..
والذي لا يمتلك هذه الحيوية لابد أنه مصاب بخلل ، ذلك جسم الانسان ، الخلايا ، وكريات الدم الحمراء والبيضاء ، وعضلات القلب ، والجهاز الهضمي في حركة دائمة ، كذلك الانسان فهو مجبول على الحيوية والنشاط ، والمحرك الرئيسي لهذا النشاط هو الطموح ، والاسلام يوجه هذا الطموح الى جهة الخلد ومرضاة الخالق عزوجل .
« فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحدا » (2) .
فعندما يكون الهدف جنة الخلد وملكا لا يبلى يدعوه الى الاستمرار في
|
(1) سورة القصص ، الآية : 180 .
(2) سورة الكهف ، الآية :110 .
|
العمل دون كلل او ملل تجاه كسب الآخرة ومرضاة الله ، فاستمرار العمل والنشاط في سبيل الله يكسب الآخرة من جانب ويحول دون ايجاد الفراغ ، وبالتالي عدم فتح المجال لحياة الترف والانحلال من جانب آخر والله سبحانه وتعالى يقول :
« واذا فرغت فانصب والى ربك فارغب »(1) .
فمن صفات المؤمن في الكيان الايماني استمرار العمل بشكل مضاعف والفاعلية فعن الامام الصادق (ع) :
« الابقاء على العمل أشد من العمل » (2) .
فلا يكفي الايمان والعمل اذا ما استمر حتى يتحول الى تقوى أي استمرار دائم للعمل فكما يقول الامام علي (ع) :
« وليس في البرق الخاطف مستمتع لمن يخوض في الظلمة » (3) .
وكما جاء القرآن الكريم :« وان لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماءاً غدقا» (4) .
المناظر المحيطة بالانسان في الأجواء المترفة تتطلب أن يكون الانسان دائم الحذر ، دائم النشاط والعمل في سبيل الله ، وهذا هو مكمن الخطر في حياة المؤمن الرسالي في التجمع الايماني ضمن الوسط المترف ، فعلى المؤمن ألا يغتر بأنه كان مؤمناً تقياً في مدة معينة من حياته فكما جاء في الحديث :
|
(1) سورة الشرح ، الآية : 7 .
(2) الكافي : ج 2 ص 296 ح 16 .
(3) تحف العقول : ص 70 .
(4) سورة الجن ،الآية : 16.
|
« العجب ممن يعجب بعمله وهو لا يدري بما يختم له » (1) .
ومن أكثر العوامل التي تستدرج المؤمن في الكيان الايماني هوالعجب ، فعن الرسول (ص) : « ثلاث مهلكات ، شح مطاع ، وهوى متبع ، واعجاب المرء بنفسه » (2) .
إنما على المؤمن أن يرى أنه دائماً مقصر ودون مرتبة الكمال ويرى ما حوله من أجواء الترف وانخراط الأمة في الترف والتخلف الذي تعيشه البلاد الاسلامية فلا يقف عند حد في العطاء ويرى نفسه ذليلاً أمام الله .
في الحديث ان الله تعالى أوصى موسى (ع) : « ان يا موسى أتدري لم اصطفيتك بكلامي دون خلقي قال يا رب ولم ذاك ، قال : فأوحى الله تبارك وتعالى اليه ، اني قلبت عبادي ظهرا لبطن فلم أجد فيهم أحدا أذل نفساً لي منك يا موسى ، انك اذا صليت وضعت خدك على التراب » (3) .
فكثير من المؤمنين كانوا شعلة من النشاط ، وقمة في العطاء ، وقاوموا الواقع المترف والمنحل لسنوات عديدة في لحظة وزلة بسيطة ، انحرفوا وذابوا في الوسط المترف ، فلكي نقف ونستمر في مقاومة الأجواء المترفة وتحديات المادة والنفس لابد لنا من كيان إيماني قائم على الورع والتقوى والعطاء المستمر .
البرمجة الروحية :
لكي يتجرد الانسان من حب الدنيا والتعلق بها ، ولكي يكون قلبه مهيأ
|
(1) بحار الأنوار : ج 69 ص 320 .
(2) بحار الأنوار : ج 69 ص 314.
(3) الكافي : ج 2 ص 123 باب التواضع ح 7 .
|
لبناء روابط وعلاقة مع الله ، لابد من برنامج روحي عبره يقوم بالتزود بالقوى الايمانية للمقاومة ، فالارتباط بالقرآن يجعل الفرد يستلهم القوة والثبات فإنه شفاء للقلوب ، ان ألائمه والاوصياءعندما تعرضون لمصائب وفتن فإنهم يرجعوا الى القرآن :
« هذا بصائر من ربكم وهدى ورحمة لقوم يؤمنون »(1) .
كما أن الاهتمام بالفرائض والايتاء بالمستحبات والتدقيق فيها والتجنب للمكروهات تعطي الانسان زخماً روحياً وشفافية نفسية يقف فيها امام مغريات الحياة ، فكما أن الانسان يعطي من وقته عدة ساعات للأكل واللبس والراحة ، كذلك لبناء روحية عالية يجب الاهتمام بالعبادات اهتماماً بالغاً ووضع فترة معينة لذلك ، لا ان ياتي بها كواجب فقط ،انمااللقاء مع الله سبحانه تعالى :
« ان الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً »(2) .
حتى تؤدي دروها في ايقاف زحف الدنيا على الانسان .
فعندما يكرر يومياً 13 مرة على الأقل « اهدنا الصراط المستقيم » (3) بقلب ملؤه اليقين والأمل بالهداية سوف يهديه الله ، كما ان الصلاة بلا روح يمكن ان تكون غلاف مبطن بالترف فلم يصل الفاسد مفسداً ولا أهل النار الى سقر إلا حين استخفوا أو تركوا الصلاة :
« ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين »(4) .
|
(1) سورة الأعراف ، الآية : 203 .
(2) سورة النساء ، الآية : 103 .
(3) سورة الفاتحة ، الآية : 6.
(4) سورة المدثر ، الآية : 42 .
|
« وخلف من بعدهم خلفا أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا » (1)
فبالاضافه الى هذه اليومية على المؤمن في الكيان الايماني ان يستغل ويستفيد من المناسبات والفرص ويعطيها بعداً روحياً حتى تكرس فيه القيم الروحية ، وتخلق أجواء بديلة عن اجواء الترف .. فبدل استغلال ليلة الجمعة في السهر والسمر على أشرطة الفيديو أو الرحلات الترفيهية ... يقوم بعمل برامج روحية كختمة القرآن على أرواح الموتى أودعاء كميل .. واستغلال واستثمار المواسم الاسلامية كشهر رمضان ومحرم .. لكي ينمي أجواء ايمانية في الوسط المترف ، فأينما يصل الانسان في وحول الرذيلة ، وغفلة الترف ، لابد له من ساعات الرجوع والتذكرة ، واعادة التفكير في نفسه ، ولعل تكون هي الفرصة المؤاتية لنجاة مسلم ، وانقاذ انسان من الأجواء المترفة والمحيط المفسد ، ولكن من المسؤول في ذلك ؟
المسؤول الأول والأخير هو الانسان نفسه :
« وهديناه النجدين » (2) . أنت مسؤول عن انهيارها ووقوعها في غياهب الترف والتفسخ ، وأنت المسؤول الأول والأخير في بناء نفسك وروحك ، فلا يمكن ان يستطيع أحد أن يزكيك ويخرجك من حب الدنيا ورغبتك فيها الا نفسك التي بين جنبيك ، والله عبرالقرآن والأنبياء وضع برامج عمل لنا وعلينا ان نلتزم بها أولا ودور الأنبياء لا يتجاوز التذكرة والتنبيه ، فكما يقول الباري عز وجل :
|
(1) سورة مريم ، الآية : 59 .
(2) سورة البلد ، الآية : 10 .
|
« فذكر انما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر »(1) .
ولا يتم نقاء النفس وبناء الروح في مواجهة الترف الا في ظل محاسبة يومية ودقيقة ، لأن الانسان يومياً معرض لاغواء الشيطان وغفلة الترف .. فلابد من رقابة شديدة على تصرفاته واعماله كلها فكما في الحديث :
« حاسبوا انفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوها قبل أن توزنوا » (2) .
وعن امير المؤمنين (ع) : « من حاسب نفسه ربح ومن غفل عنها خسر » (3) .
وأكثر الذين يخفقون في متاهات الترف هم الغافلين عن محاسبة النفس ، فعندما يعيش الانسان حالة الرقابة على النفس وأهوائها ، واعماله وسلوكه يبني
ملكة التغلب على الاهواء والشهوات فيحاسب نفسه عند ارتكاب أي زلة ، ويعاقبها عند الوقوع في معصية ، وكما يقول الباري عزوجل :
« واتقوا الله حق تقاته »(4) .
فلا يكفي ان يكون في فترة من حياته تقياً ورعاً ، انما يجب ان تدوم هذه الرقابة ، ويستمر الاتصال بالله حتى يدوم تعهده تجاه الأمانة الالهية التي حملها الله إياه .
« إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها واشفقن منها وحملها الانسان انه كان ظلوماً جهولاً » (5) .
|
(1) سورة الغاشية ، الآية : 21 .
(2) غرر الحكم : ص 264 ح 5020 . وتنبيه الخواطر : ج 1 ص 298 .
(3) نهج البلاغة : قصار الحكم ، الحكمة : 208 .
(4) سورة آل عمران ، الآية : 102 .
(5) سورة الأحزاب ، الآية : 72 .
|
الفساد .... دمار الأسرة
« فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا انه بما تعملون بصير ، ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار ومالكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون ، وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفاً من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين ، واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين ، فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلا ممن انجينا منهم واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه وكانوا مجرمين ، وما كان ربك ليهلك القرى بظلم واهلها مصلحون » (1) .
مجتمع لوط :
ذلك المجتمع الذي إنفجرت فيه قنبلة الحس (2) الموقوته فحطمت كل أركان الفضيلة والتقوى ، وتناثرت شظايا الفساد لتحرق اليابس والأخضر ، لم يكن مجتمع لوط منذ ولادته مجتمع الرذيلة ، لكنه وقع في أحضانها في النهاية ، فقد جاء في أخبار مجتمع لوط (ع) الآتي .
|
(1) سورة هود ، الآيات : من 112 إلى 117 .
(2) كذا في الأصل والظاهر انها « الجنس » .
|
عن أبي جعفر (ع) قال : « كان قوم لوط أفضل قوم خلقهم الله تعالى ، فطلبهم إبليس لعنه الله الطلب الشديد ، حتى اكتفى الرجال بعضهم ببعض ثم جعلوا يرصدون مارة الطريق فيفعلون بهم حتى ترك مدينتهم الناس ، ثم تركوا نساءهم فأقبلوا على الغلمان ، فلما رأى إبليس لعنه الله أنه قد أحكم أمره في الرجال دار إلى النساء فصير نفسه امرأة ، ثم قال : إن رجالكم يفعلون بعضهم ببعض ؟ قلن : نعم ، قد رأينا ذلك وعلى ذلك يعظهم لوط ، ويوصيهم حتى استكفت النساء بالنساء فلما كملت عليهم الحجة بعث الله عز وجل جبرئيل وميكائيل وإسرافيل في زي غلمان عليهم أقبية فمروا بلوط (ع) وهو يحرث ، فقال : أين تريدون ؟ فما رأيت أجمل منكم قط ، قالوا : أرسلنا سيدنا إلى رب هذه المدينة . فقال : أولم يبلغ سيدكم ما يفعل أهل هذه المدينة يا بني إنهم والله يأخذون الرجال فيفعلون بهم حتى يخرج الدم ، . فقالوا أمرنا سيدنا أن نمر وسطها ، قال : فلي اليكم حاجة قالوا : وما هي ؟ قال : تصبرون ههناإلى اختلاط الظلام ، قال : فجلسوا ، قال : فبعث ابنته فقال : جيئي لهم بخبز وجيئي لهم بماء في القرعة ، وجيئي لهم عباء يغطون بها من البرد . فلما أن ذهبت إلى البيت أقبل المطر وامتلأ الوادي ، فقال لوط : الساعة يذهب بالصبيان الوادي ، قال لهم : قوموا حتى نمضي ، فجعل لوط (ع) يمضي في أصل الحائط ، وجعل جبرئيل وميكائيل وإسرافيل يمشون في وسط الطريق فقال : يا بني ههنا ، فقالوا : أمرنا سيدنا أن مر في وسطها ، وكان لوط (ع) يستغنم الظلام ، ومر إبليس لعنه الله فأخذ من حجر إمرأته صبيا فطرحه في البئر فتصايح أهل المدينة كلهم على باب لوط (ع) فلما نظروا إلى الغلمان في منزل لوط (ع) قالوا : يا لوط قد دخلت في عملنا ، قال :« هؤلاء ضيفي فلا تفضحون » (1) قالوا : هم ثلاثة خذ واحداً وأعطنا اثنين ، قال وأدخلهم الحجرة
|
|
(1) سورة الحجر ، الآية : 68 .
|
وقال لوط (ع) : لو أن لي أهل بيت يمنعونني منكم !؟ قال : وقد تدافعوا على الباب فكسروا باب لوط (ع) وطرحوا لوطاً ، فقال له جبرئيل (ع) : « إنا رسل ربك لن يصلوا إليك »(1) فأخذ كفاً من بطحاء فضرب به وجوههم وقال : شاهت الوجوه ، فعمي أهل المدينة كلهم فقال لهم لوط : يا رسل ربي بما أمركم ربي فيهم ؟ قالوا : أمرنا أن نأخذهم بالسحر ، قال : فلي اليكم حاجة ، قالوا : وما حاجتك ؟ قال : تأخذونهم الساعة ، يا لوط « إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب » (2) لكن ترحل فخذ بناتك وامض ، ودع امرأتك .
قال عزوجل لمحمد (ص) :
« وما هي من الظالمين ببعيد » (3) .
أي من ظالمي أمتك إن عملوا عمل قوم لوط » (4) .
اذن إن أي مجتمع قابل لأن يتحول إلى فوضى الجنس والشذوذ اذا لم يحصن نفسه ، ولما كانت الشهوات كالديناميت فإن الترف هو الفتيل الذي منه يتفجر الفساد .
وعندما غزا الترف الأسرة المسلمة قال الفساد : خذني معك فقد كان المجتمع الإسلامي ممثلاً بالأسرة المسلمة على درجة كبيرة من التقوى والتقدم ، لكنهم زرعوا ألغام الفساد في طريق هذه الأسرة الشامخة فأصبحت معظم الأسر تتلكأ في مسيرتها وهي تترقب الإنفجار في أية لحظة ، ويوما بعد
|
(1) سورة هود ، الآية : 81 .
(2) سورة هود ، الآية : 81 .
(3) سورة هود ، الآية : 83.
(4) ثواب الأعمال وعقاب الأعمال : ص 312 عقاب اللواطي والذي يمكن نفسه واللواتي مع اللواتي .
|
يوم تتحطم الأسرة تلو الأخرى .
واذا لم نتدارك الأمر فسيؤدي الأمر لانهيار المجتمع باكمله ، لم يحدث ذلك بالصدفة والفجأة ، ولم يكن الاسلام غافلاً عن ذلك فقد وضع الحصن المنيع للأسرة ولكن القائمين على الأسرة المسلمة ضربوا بذلك عرض الحائط ، فحدث الانهيار ولا زال الانفجار يدوي عالياً .
اولا : إستراتيجية الاسلام في حماية الأسرة
(1) تحصين البيت معنوياً من الاعتداء الجنسي واللفظي :
المسكن هوالذي يمثل السكن في حياة الانسان ، أي الإستقرار والأمن ، ولا يمكن أن يكون البيت مصدرا للأمن والاستقرار إلا إذا إنعكس هذا الشيء على الأسرة ، لذلك تعتبر الأسرة حصن الانسان ، وقد فرضت فرضا في المجتمع الاسلامي ، وفرض الله حرمة الاسرة بقوة العقوبات التي اوجبها على من يعتدي على نظام الأسرة ، وقد إختار القرآن أصعب العقوبات على من يتجاوز حصن الأسرة حيث الزاني والزانية يجلدا من دون رافة اذا كانا غير محصنين ، والقران عبر سورة النور يتطرق لعقوبة الزنا قبل أن يبدأ بالتطرق للزواج ، وذلك لكي يؤكد على أنه من دون قانون يمنع الاعتداء على الاسرة ويحفظها فإن كل القوانين الأخرى لا تنفع شيئا ، ما هي فائدة الزواج في الغرب في الوقت الذي يجد الزوج سبيله إلى كل بيت ؟
ان انتشار الزنى في المجتمع يعني انهدامه ، والاطفال سوف يتحولون إلى بؤر وجرائم شنيعة نتيجة للعقد المتراكمة ، لذلك تؤكد الروايات على هذا الجانب ألا وهو حرمة الزنى .
قال أمير المؤمنين (ع) : « ألا اخبركم بأكبر الزنا ؟ قال : هي إمرأة توطئ فراش زوجها فتأتي بولد من غيره فيلزمه زوجها فتلك التي لا يكلمها الله ولا ين ظر إليها يوم القيامة ولا يزكيها ولها عذاب أليم » (1) .
وقد جعل الله عقوبة الزنا تنصب على جلد الانسان لأنه عبر ذلك حصل على اللذ ة الحرام ، وهذه الجلدات التي تنزل على جسم الانسان إنما هي ضربات موجعة لكي يتألم الانسان من نفس الموضع الذي تلذذ منه ، ومن باب كم من أكلة منعت أكلات ، وبالفعل كم من لذة جرت ويلات .
وإذا كان الزنى كاعتداء جنسي على الأسرة ، فإن الإعتداء اللفظي المتمثل بزنى اللسان لا يقل خطورة عن ذلك ، لذلك فرض الله عقوبة شديدة على من يزني بلسانه حيث يشيع الفاحشة ، فالبيت الذي تلوكه الألسن بالتهم الفاسدة فإنه ليس محلاً آمناً فالإتهام يكون وسيلة رخيصة لإشاعة الفاحشة والمجتمع الذي سقطت فيه قيمة الأسرة ، إن هذا المجتمع يسهل عليه الهبوط إلى حضيض الفواحش .
عن محمد بن الفضيل عن أبي الحسن موسى بن جعفر (ع) قال :
قلت له : جعلت فداك الرجل من إخواني يبلغني عنه الشيء الذي أكرهه فأسأله عنه فينكر ذلك وقد أخبرني عنه قوم ثقات .
فقال لي : « يا محمد كذب سمعك وبصرك عن أخيك ، وان شهد عندك خمسون قسامة وقال لك قولا فصدقه وكذبهم ، ولا تذيعن عليه شيئا تشينه به وتهدم به مروءته فتكون من الذين قال الله عز وجل .
« ان الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في »
|
|
(1) ثواب الأعمال وعقاب الأعمال : ص 310 عقاب الزاني والزانية .
|
الدنيا والآخرة »(1) (2) .
(2) تحصين البيت من دخوله :
« يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأذنوا وتسلموا على أهلها ذلكم خير لكم لعلكم تذكرون »(3) .
كان الرجل في الجاهلية يدخل البيت بلا إستئذان حتى إذا توسطه قال : دخلت ، وذلك خلاف العقل والأدب إذ لعل الرجل مع أهله ، أو لعل المرأة عارية تغتسل ، أو لعلهم يكرهون ان تقع العين على شيء من أمورهم ، ولهذا نهى الله سبحانه عن ذلك ، فمن آداب دخول البيت أن يستأذن الإنسان ثم يسلم ، واذا لم يجد فيها أحداً فلا يدخل البيت إلى إذا كان مأذونا في دخولها متى شاء من أهلها .
عن جابر عن عبد الله الأنصاري قال : « خرج رسول الله (ص) يريد ، فاطمة وأنا معه فلما إنتهينا إلى الباب وضع يده عليه فدفعه ثم قال : السلام عليكم .
فقالت فاطمة : وعليك السلام يا رسول الله .
قال : أدخل ؟ .
قالت : أدخل يا رسول الله .
قال : أدخل ومن معي ؟
|
(1) سورة النور ، الآية : 19 .
(2) الكافي : ج 8 ص 147 ح 125 .
(3) سورة النور ، الآية : 27 .
|
| |