|
|
رابعاً : الشكر :
ان الذي يطغى ويترف في الحياة كل اعتقاده بان هذا من كد يمينه ، وعرق جبينه ، وبالتالي هو حر في التصرف فيها كما يهوى ويرغب ، بينما لو تبصر قليلا في الوسائل التي أتت له بالمال من عقل وصحة وقوة .. كلها من نعم الله علينا ، فنحن لم نولد وبيدنا صكوك الملايين والظروف المادية المتوفرة كي نسرف ونترف في صرفها ، بل هي أمانات وعهود وابتلاء لنا كيف نستطيع التصرف فيها ، الله سبحانه وتعالى يقول :
«انما اموالكم وأولادكم فتنة »(1) .
هذا اختبار واستدراج في كيفية التعامل مع الثروة أو المنصب أو القوة .. اذا آمنا بحقيقة هذه النعم من الله وبالتالي نشكر الله على هذه الخيرات ونبذلها لكي نكسب رضوان الله والآخرة نجحنا والا سوف تكون نقمة علينا ، وتجرنا المعاصي الى حياة البذخ والترف .
الامام علي (ع) يقول : « اذا أتتكم أطراف النعم فلا تردوها بقله الشكر » (2) .
ويقول البارئ عز وجل :
«لئن شكرتم لازيدنكم ولئن كفرتم ان عذابي لشديد »(3) .
هناك علاقة طردية بين الشكر والنعم ، بمقدار ما يشكر الانسان تدوم وتزداد عليه النعم ، وبالشكر تدوم النعم .
|
(1) سورة الأنفال ، الآية : 28 .
(2) أنظر نهج البلاغة : قصار الحكم ، الحكمة : 13 .
(3) سورة إبراهيم ، الآية : 7 .
|
ما الشكر ؟ هو رد الجميل ، حالة نفسية اجتماعية في انسان عوض عن الخدمة المقدمة للانسان ، تشكر انساناً اذا قدم لك خدمة او أعانك أو ... الشكر تارة يكون الشكر قلبياً بأن يؤمن الانسان ان كل النعم والخيرات التي بيده من عند الله وبالتالي مرجعها لله .
يولد الانسان عرياناً ويموت هكذا فالله هو الرازق والمنعم والمحسن ... وما النعم التي بيدنا إلا أمانات ، سوف نحاسب عليها بكل دقة كما يحاسب التاجر محاسبيه حساباته ، بل حساب الله أدق وأصعب .
« واشكروا نعمة الله ان كنتم اياه تعبدون » (1) .
كما قال داود (ع) : « وشكري لك نعمة أخرى منك توجب علي الشكر لك » (2) .
وتارة يكون الشكر باللفظ كما يقول الحكماء : الشكر هو الاعتراف بنعمة المنعم ، بأن دائما نتذكر وننبه أنفسنا بشكر الله على عطائه ، وما مستحبات الأكل والشرب من الابتداء بالبسملة والانتهاء بالحمد الا تذكرة دائمة لنا بالشكر ، ثبتوا النعم بالشكر .
التذكرة والشكر اللفظي انما يعزز الشكر القلبي وينميه فكما يقول الامام علي (ع) : « اذا قصرت يدك عن المكافأة فأطل لسانك بالشكر » (3) .
فالذي دائم الشكر على نعم الله لا يفضل عن ذكر الله والاحساس بالنقص والعجز أمامه ، وبالتالي لا يفخر ويغتر بهذه الأموال التي بين يديه فلا
|
(1) سورة النحل ، الآية : 114 .
(2) المحجة البيضاء : ج 7 ص 151 .
(3) غرر الحكم : ص 223 ح 4153.
|
يترف ... « وتمام الشكر قول الرجل الحمد لله رب العالمين » (1) : الصادق (ع) . وتارة يكون الشكر شكراً عملياً ، كان الرسول (ص) فد أرهق نفسه في الصلاة والعبادة والقيام وفي ليلة كان عند عائشة ، فقالت : يا رسول الله لم تتعب نفسك وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر .
فقال : « يا عائشة ألا أكون عبداً شكوراً » (2) ؟
فأنزل الله سبحانه وتعالى
« طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى » (3) .
بالشكر العملي ليتصاعد الانسان الى نكران الذات بالعطاء وارجاع الامانة والانفاق في سبيله كما في الحديث الشريف : « افضل الشكر الانعام بها » (4) .
رجل رأى في المنام انه سوف تمر عليه مرحلة في حياته تنزل عليه النعم والثروات .. وبعدها تمر عليه سنوات عجاف والفقر والحرمان ... وبعد مدة من الزمن تحقق جزء الأول من حلمه ، فاخذت النعم تنزل عليه من محل حبوب ، ومكان الخيرات تأتي اليه كالمطر من حيث لا يحتسب ، فقام هذا الرجل بالانعام والانفاق على المحتاجين الفقراء من غير ان يفكر الادخار والجمع كالقول السائد ( القرش الأبيض لليوم الأسود ) ومرت أيام طويلة دون أن تنقطع النعم الالهية ، فجاء أحد الأنبياء وقص عليه الحلم ، وقال بأن المرحلة الآخرى لم تأتني ، فسأله النبي :
« ماذا فعلت بالنعم » ؟
|
(1) الكافي : ج 2 ص 95 باب الشكر ح 10 .
(2) الكافي : ج 2 ص 95 باب الشكر ح 6 .
(3) سورة طه ، الآية : 1.
(4) كما في الكافي : ج 2 ص 94 باب الشكر ح 3 .
|
قال : صرفتها في سبيل الله .
فقال : « ضمنت استمرارها » .
فالنعم ليست بيد الانسان لكي يحافظ عليها انما بيد الله يعطيها لمن يشاء وينزعها من يشاء ، عندما يكون الانسان موقن بأن كل ما لديه من الله فلا يتردد لحظة في الشكر والعطاء والانفاق ... فعندما يعمر الانسان حياته بالشكر القلبي واللفظي والعملي فيعيش في ظل النعم الإلهية ويكون شاكراً في كل حال ، مما ينزع حب المال والتعلق بالدنيا من قلبه وسلوكه فلا يقدس الثروة ، ولا يعبد المنصب ، ويشفق على الفقراء ، كما يجب ان تعرف بأن التوفيق للشكر كذلك من نعم الله تستحق ان يشكر الله عليه ، لذا ورد :
« ان الله اوحى الى موسى (ع) يا موسى اشكرني حق شكري ، فقال يا رب كيف اشكرك حق شكرك ، وليس من شكر اشكرك به الا وانت أنصحت به علي
؟ فقال يا موسى الآن شكرتني حيث علمت ان ذلك مني » (1) .
|
|
(1) الكافي : ج 2 ص 98 باب الشكر ح 27.
|
الفرد الرسالي ومقاومة الترف
« رجال لاتلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلوة وإيتاء الزكوة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله والله يرزق من يشاء بغير حساب »(1) .
إذا ابتلي المجتمع بداء الترف فهذا الشيء لا يحرف اهتمامات الأمة إلى أمور جانبية تافهة ، ويعطي الأمور الجانبية أهمية قصوى فقط إنما كذلك يقوم بإذابة حدود الشخصية الرصينة ، وتمييع الشخصية الاسلامية ، لأن الشخصية الاسلامية متكاملة ذات أبعاد عديدة لا تتكامل إلا في أجواء نقية توفر لها عناصر القوة والمتانة ، وتزيل عنها عناصر التآكل والتصدع .
والفرد الرسالي ليس انعزالياً أو نخبوياً ، بل هو يمتد في عمق الجماهير يقول الامام علي : « كن في الناس لا تكن مع الناس » (2) .
لذلك هو معرض للتأثر بواقع المجتمع السلبي كالترف مثلاً ، قد يبقى
|
(1) سورة النور ، الآية : 37 ـ 38 .
(2) أنظر ميزان الحكمة . ج 6 ص 317 باب 2730.
|
الفرد محاصراً بالترف في اسرته ويقع تحت الضغوط الأسرية التي تدفع بأبنائها لكي يكونوا فريسة الدينار والمظاهر ، وما لم يتمتع هذا الفرد ببعض المميزات ، وما لم يكن له برنامجاً لمقاومة الترف في حياته وإلا فإنه سوف يقع فريسة سهلة للترف ، وبالتالي يكون في عداد الموتى .
والسؤال كيف يمكن ان نقاوم الترف ؟
بناء الكيان الإيماني وسط الكيان المترف
إن ورقة الشجر لوحدها على الأرض الجرداء لا يمكنها ان تقاوم الرياح والعواصف العاتية وعوامل الطبيعة ، لأنها وحيدة لا تمتلك عناصر المقاومة لتلك التحديات فتعصف بها الرياح ، وتذيبها عوامل الطبيعة ، اما اذا تجمعت الأوراق على غصن بفرع الشجر ثم الساق ثم الجذر وتوفرت التربة الصالحة وأشعة الشمس والماء فإن أي ورقة في هذا الكيان لا تتأثر بتلك العوامل بل تتحداها ، لماذا ؟
لأنها تصبح كيان يملك عنصر التحدي من تماسك وقوة ، ويحمل بذور النمو والتكاثر ، كذلك الفرد في الوسط المترف من الصعب عليه ، إن لم يكن من المستحيل ان يستمر ويبقى ثابتاً أمام مغريات الحياة المادية ، والأجواء المترفة ، والوسط الفاسد المنحل ، فلكي نحافظ على الفرد وهو ينمو في الوسط المترف لابد من ضرب حصار حديدي سميك لكيان ايماني لا تستطيع اغراءات المادة والأجواء المترفة النفوذ اليه ، ان الفرد المؤمن في الأجواء المترفة وخاصة اذا كانت الأسرة هي التي تمثل هذه الاجواء أمام خيارين : إما الانصياع والذوبان في هذا الوسط والأجواء المترفة ، أو تحدي هذا الواقع ومقاومته ، وبناء كيان ايمانه والله يأمرنا أن نتخذ الموقف الثاني حتى لو كان الأمر
يتطلب اتخاذ موقف من أقرب الناس لديك ، صحيح ان طاعة الوالدين واجبة لكنها في حدود الشرع والقوانين الالهية .
ففي الحديث الشريف : « لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق » (1) .
فكما ان القوانين الوضعية لا تسمح لك ان تطيع والديك في بعض المواقع ، فإذا قال أبوك اذهب وتجاوز على كل اشارة حمراء في الشارع ، هل تعمل هذا العمل ؟ لا ، لماذا ؟ لأن هناك قانون وضعي يأمرك بغير ذلك .
كذلك الأمر بالنسبة للقوانين الألهية :
«وان جاهداك على ان تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما »(2) .
الرضوخ الكامل بالخير والشر والحسن والقبيح للأسرة شرك ، لأنك اشركت في طاعة الله طاعة الأسرة بما يخالف طاعة الله ، وبالتالي الاستسلام للواقع المترف شرك .
تقديس الأسرة والانصياع لها لا تكون لذات الأسرة انما لمقدار توافقها مع مبادئ السماء ، والطاعة تكون في حدود التزام الأسرة بالمنهج الرسالي .
اسرة قائمة على العلاقات المصلحية والروابط المزيفة قبلتها اللذة والموبقات وقتها الضائع بالسهر والسمر والأفلام الخليعة .. همها علفها ومأكلها ... وتهدر اوقاتها بالترفيه واللهو ... كيف يمكن للفرد ان يخضع ويستسلم لها .
إنما العمل الصحيح هو التصدي ببناء كيان ايماني يحمل في طياته القدرة على المقاومة ، وتوسيع رقعة هذا التجمع الرسالي فيها .
|
(1) العوالي : ج 1 ص 444 ح 164.
(2) سورة لقمان ، الآية : 15.
|
ان تغيير مجرى واقع مترف ليس بالأمر البسيط والسهل ، لأن العملية تتطلب مقارعة الأهواء ، ومقاومة اللذة ، والكف عن كل أنواع الرذائل والمغريات ... ونبهنا الرسول (ص) قبل 1400 سنة الى هذه الحياة المترفة وكيفية التعامل معها فقال :
« سيأتي قوم بعدي يأكلون أطايب الطعام و انواعها ، وينكحون أجمل النساء وألوانها ، ويلبسون ألين الثياب وألوانها ، ويركبون أقوى الخيل وألوانها لهم بطون من القليل لا تشبع ، وأنفس من الكثير لا تقنع ، عاكفين على الدنيا يغدون ويروحون فيها ، اتخذوها آلهة دون الهتهم ، ورباً دون ربهم ، إلى أمرهم ينتهون ، وهواهم يلعبون ، فعزيمة من محمد بن عبد الله لمن أدرك ذلك الزمان ، من عقب عقبكم وخلف خلفكم ، ابدا لا يسلم عليهم ، ولا يعود مرضاهم ، ولا يتبع جنائزهم ، ولا يوقر كبيرهم ، ومن يفعل ذلك فقد أعان على هدم الاسلام » (1) .
وعلى ذلك لايمكن ان نقف أمام الأجواء المترفة الا عبر كيان إيماني يحمل بذور القوة وعناصر المقاومة لكي تستطيع ان تصمد أمام زحف التملك والميوعة والترف .
1ـ الروابط الإيمانية :
لكي نبني منزلاً جميلاً قوياً لابد من توفر المواد الأولية الجيدة ، ولا بد من وجود الروابط المتينة بين أجزاء المبنى من حيث القوة والشكل ، كي يظهر بمظهر
الجمال مع المحافظة على قوته ومتانته .
كذلك الحال بالنسبة للتجمع الايماني لكي يحفظ قوته ، ويقاوم عوامل
|
|
(1) تنبيه الخواطر ج 1ص 155.
|
الضعف ، لابد من توافر روابط وعلاقات ايمانية قائمة على أسس المبدأ والقيم الرسالية فقط ، لكي تكون نموذجا ورمزاً في مقابل الروابط والعلاقات الزائفة ، والمبنية على أسس مادية كالمال والمصلحة واللهو .. عندما يصعد الانسان في علاقاته الى مستويات القيم الالهية كالوفاء والايثار ، والصدق ، والأمانة .. يسمو في مقاومته مع الناس إلى قمم القيم والمعنويات بدل التزلف والنفاق والمصلحة التي تولدها الروابط الدنيوية كما يقول الامام علي (ع) :
« اجسادهم في الدنيا وقلوبهم معلقة بالرفيق الأعلى » (1) .
فالقواعد والأسس التي رسمها الله لنا عبر منابع الثقافة الاسلامية هي مرتكزات بناء العلاقات الايمانية بيننا فعن الامام الصادق (ع) :
« عليكم بتقوى الله والورع وصدق الحديث وأداء الأمانة وحسن الخلق وحسن الجوار ... » (2) .
ولكن حقيقة الوضع والحياة التي نعيشها اليوم وصلت بنا الدوائر في المعيشة المترفة والحياة الغير إسلامية الى درجة ان الكثير يعتبر هذا النمط من الروابط والعلاقات انما هو ضربا بالخيال والمثالية ، ولكن عندما نضع التجمع الايماني ونبني العلاقات الأولية على أسس القيم والمبادئ ، نتحسس نقاءها ، ونتلمس صفاءها وبالتالي تكون أمور طبيعية لأن الانسان أساساً جبل على الخير والفضيلة ، وهي من السمات الفطرية في الإنسان .
صحيح ان المؤمن في التجمع الإيماني يمكن او يواجهه بعض المشاكل والمصاعب في طريقه انما الهدف السامي والمسؤولية الالهية التي يرمي إليها
تستحق تحمل التعب والمعاناة والله سبحانه وتعالى يقول في محكم كتابه :
|
(1) كما في نهج البلاغة قصار الحكم ، الحكمة 147.
(2) الكافي : ج 2 ص 77 باب الورع ح 9 .
|
« ولمن صبر وغفر ان ذلك لمن عزم الأمور» (1)
وجاء في دعاء الامام زين العابدين (ع) : « وامنن علينا بحسن الاستعداد لنزول البلايا » .
كما ان المؤمن يجب ان يكون على يقين من قدرته على التأثير وتوسيع نطاق التجمع لأنه يستمد قوته وقدرته من الله وليس من المال أو المنصب أو الناس ... وما كان لله ينمو .
فهو مثال وقدوة وتجسيد للرسالة ، وبالتالي العلاقات المبدئية للأسرة فكما يقول الامام الصادق (ع) :
« كونوا للناس دعاة من غير ألسنتكم » (2) .
أي بالسلوك والروابط والخلق الحميد .
فهذا يجعل الفرد المؤمن مكان اجلال واحترام في الأسرة حتى لو لم يوافقوه رأيه . فكما كان الرسول (ص) مثال الاخلاق والتعامل المبدئي ، حتى أن أخلاقه كانت شعار رسالته حين قال تعالى :
«وإنك لعلى خلق عظيم » (3)
2ـ الزهد والاقتصاد :
الانسان طبيعته طبيعة طينية ومتعلقة بالمادة ، فحينما يجوع البطن ، ويعطش الكبد ، وتثور الشهوة وبالمقابل تتوفر الامكانيات المادية ، والاجواء المترفة ، والميول الحيوانية ، ترى نفسية الانسان تخضع ، وإرادته تتميع أمام
|
(1) سورة الشورى ، الآية : 43 .
(2) الكافي : ج 2 ص 78 باب الورع ح 14 .
(3) سورة القلم ، الآية : 4 .
|
هذه المؤثرات ، فتنطلق الشهوات والأهواء دون قيد حتى تطغى على الروح والقلب طلاء الترف ، فلن يعد يتقبل ولا يستجيب لنداء العقل .
ولكن في الكيان الايماني يحمل المؤمن ارادة قوية يستطيع بها حفظ نفسه أمام مغريات المادة ، وحتى التأثير على المحيط المترف ، وقوة ومتانة هذه الارادة تنبع من علاقة الانسان بالله .. عندما يتعلق قلب المؤمن بالله ، ويبني علاقة عبد بمعبود ، وعاجز بقادر ، تسمو روحه إلى آفاق القيم السامية ،والايمان ، والتقوى .
قال الامام علي (ع) : « كبر الخالق في أنفسهم وصغر ما دون ذلك في أعينهم » (1) .
إنما كيف نبني هذه العلاقة لكسب ارادة المقاومة ؟
ان عدكم التعلق بالدنيا ومفاتنها هي المرحلة الأولى والبداية السليمة لخلق مناخ روحي ، ونفسية عالية لمقاومة الأجواء المترفة ، لا أن نترك ونطلق الدنيا ، لأن الدنيا مزرعة الآخرة ، إنما عدم التهافت على شرها ، والانصراف عن ملاذها المحظورة .
قال الرسول (ص) : « من أصبح وهمه الدنيا شتت الله عليه أمره ... ومن أصبح وهمه الآخرة جمع الله همه وحفظ عليه صنيعه وجعل غناه في قلبه » (2) .
ان لا نجعل كل همنا في الدنيا زخارفها وحطامها ، ونتلف كل حياتنا في كسب وتكديس المال ، وارضاء الميول الجنسية ... قال الرسول (ص) : « ان
|
(1) نهج البلاغة : الخطبة : 194
. (2) بحار الأنوار : ج 70 ص 104.
|
. (2) بحار الأنوار : ج 70 ص 104.
حب الدنيا رأس كل خطيئة » (1) .
وليس الزهد بمعنى الانزواء والرهبنة انما بمعنى عدم التعلق القلبي في الشيء ولمعرفة معنى الزهد رويت قصة عن زاهد جاء أحد السلاطين المترفين وهو في مترفه وجاهه ، والتفت إليه السلطان قائلاً : أنت زاهد ؟
فقال الزاهد : أنت أزهد مني .
فقال السلطان : كيف ؟
فقال الزاهد : لأني زهدت في الدنيا الفانية وأنت زهدت في الدنيا الباقية .
فمعنى الزهد هو الاعراض القلبي عن الشيء .
أخذ عيسى بن مريم الحواريون معه كعادته ، وذهب الى مدينة من المدن ، وقبل أن يصل إلى المدينة رأوا كنزاً متناثراً على الأرض ، فبدأ أصحابه والحوار يون يجمعون في هذا الكنز واشتغلوا به وطلبوا من عيسى أن يأتي معهم ويجمع من ذلك الكنز ، فقال :
« أنا عندي كنزاً في داخل المدينة » .
وذهب الى المدينة وطرق الباب على إمرأة عجوز لها ولد حطاب ، فأكرمته ، وبقي عندها ، فجاء في الليل الولد من الصحراء وجلس عند عيسى ، فشعر عيسى أن هذا الولد عنده حاجة ، فسأله حاجته ، فقال عيسى (ع) :
« هل لك حاجة » .
قال الولد : عندي مشكلة ولكن لا يمكن حلها .
|
|
(1) تنبيه الخواطر : ج 1 ص 128 .
|
قال عيسى : « أنا أحلها لك » .
فقال الولد : لا يمكن .
قال عيسى : أنا أحلها لك .
فقال الولد : المشكلة أنني حطاب وأرغب في الزواج من ابنة الملك .
فقال عيسى : « أنا أحلها لك » .
فذهب الرجل إلى أمه وقال لها : هذا الرجل الغريب الذي أتى إلينا ويبحث عن مأوى قال لي « أنا أحل مشكلتك » .
فقالت الأم : إن فيه سمات الصالحين لعله صادق .
فأصبح الصباح وأتى الشاب الى عيسى وقال له : حل مشكلتي .
فقال عيسى (ع) : « اذهب الى الملك واطلب يد ابنته » .
فذهب الشاب إلى الملك وطلب منه التزويج من ابنته .
فقال الملك : إن ابنتي ابنة ملك وهي معتادة أن تنام على فراش وثير حرير وأنت ماذا تشتغل ؟
الشاب : حطاب .
فرأى الملك ان حطاب فقير لا يليق به أن يتزوج ابنة الملك فطلب منه بعض المال والذهب .
فذهب الشاب الى عيسى (ع) وشرح له ، فأخذ عيسى (ع) مقدرا من تراب الأرض واعطاه الشاب فتحول إلى ذهب ، فذهب بها إلى الملك ، فاعتقد الملك ان الشاب قد اكتشف كنزاً ، فطلب المزيد من الأحجار الكريمة ، فأعطى عيسى (ع) الشاب حصى تحولت الى أحجار كريمة ، وتزوج الشاب ابنة
الملك ، وفي الليلة الثانية عين وليا للعهد ، وفي الليلة الثالثة مات الملك فأصبح الحطاب هو الملك ، وأخذت الوفود تأتي لتهنئه ومن جملتهم النبي عيسى (ع) ، ولما اراد عيسى (ع) الخروج قال له الحطاب الملك : أنت الغريب الفقير مع الثياب الرثة التي عليك اذا كان باستطاعتك ان تحول حطاب الى ملك خلال ثلاث ليالي لماذا لم تفعل ذلك لنفسك .
قال عيسى (ع) : « أنا أطلب ملكاً ولكن لا أطلب ملكا يبلى » .
قال الملك : ماهو ذلك الملك
فأخذ عيسى (ع) يشرح له حول القيامة والجنة التي عرضها السموات والأرض .
فقال الملك : اذا كان هنالك ملكا لا يبلى واعظم من هذا فلماذا أبتلي اذا بهذا الملك .
فقال النبي عيسى (ع) : « باستطاعتك ألا تبتلي ، أترك ما أنت فيه وتعالى معي » .
فخلع ثياب الملك ولبس ثياب الحطاب وخرج مع عيسى ، وكان الحواريون قد جمعوا الكنز ، فلما عاد عيسى (ع) نادوه وقالوا : تعالى هذا هو الكنز .
فقال عيسى (ع) : « كنزي هذا الرجل ، انتم عند بعض الأحجار نسيتموني وأنا نبيكم ولكن الرجل هذا أصبح ملكاً وترك الملك » .
ان الزهد يجب ان يتحول في حياة الفرد الرسالي إلى برنامج يومي يوجه السلوك الاقتصادي لدى الفرد في المأكل والملبس ..
فمن صفات المتقين كما يذكر الإمام علي (ع) في نهج البلاغة :
« ملبسهم الاقتصاد ومشيهم التواضع » (1) .
وفي حديث للمسيح عيسى بن مريم (ع) يقول :
« أكلي ما تنبته الأرض وشربي ماء الفرات ، فراشي التراب ، وسادتي الحجر ، لباسي الشعر ليس لي ولد يموت ولا إمرأة تحزن ولا بيت يخرب ولا مال يتلف فأنا أغنى ولد آدم »(2) .
ويقول الامام علي (ع) :
« طوبى للزاهدين في الدنيا الراغبين في الآخرة أولئك قوم اتخذوا الأرض بساطاً ، وترابها فراشاً وماءها طيبا والقرآن شعاراً والدعاء دثاراً » (3) .
ما أن المترفين لا يبالون بالله وبالآخرة والقيم والمبادئ ، فان الانسان الزاهد لا يبالي بأمور الدنيا ، لا يبالي بماذا بأكل ، لأن الأكل لسد الجوع ، ولا يحرص ويجعل جل اهتمامه في نوع الملبس ، وموديل الأثاث في المنزل ولون السيارة .. فعندما يخلع الانسان تعلقه بالدنيا ، لا ينهار أمام المشاكل والمصاعب :
« من زهد في الدنيا هانت عليه المصيبات » (4) .
لأن ليس في قلبه من الدنيا ما يخاف عليه من الفقدان او الحرمان ، وبالتالي نظرته الى حطام الدنيا تكون نظرة كبير الى لعبة اطفال لا يبالي ولا يهتم ، وليس الزهد ايضا هو كثرة الصلاة والصيام ، فلو صلى الدهر كله ،
|
(1) نهج البلاغة : الخطبة : 193 .
(2) أنظر بحار الأنوار : ج 14 ص 239 والبحار : ج 70 ص 110 . وتنبيه الخواطر : ج 1 ص 143 .
(3) نهج البلاغة : قصار الحكم ، الحكمة : 104.
(4) الكافي : ج 2 ص 50 صفة الإيمان ح 1 .
|
وصام الليل كله وقلبه متعلق بالدنيا لا يمتلك ارادة قوية وروحية عالية .
قال الرسول (ص) « ليجيئن أقوام يوم القيامة وأعمالهم كجبال تهامة فيؤمر بهم إلى النار » .
فقيل : يارسول الله أمصلين ؟
قال : « نعم كانوا يصومون ويصلون ، يأخذون وهناً من الليل ، فاذا عرض لهم من الدنيا شيء وثبوا عليه » (1) .
القضية ليست بكثرة الصلاة والصيام وانما بمدى تعلق الانسان بالله وتجرده عن حب الدنيا .
مر موسى (ع) برجل يبكي ، وذهب ، ثم ذهب ومر عليه ورآه يبكي . فقال موسى (ع) : « يا رب عبدك يبكي من مخافتك !! »
فقال الله تعالى : « يا ابن عمران لو نزل دماغه مع دموع عينيه ورفع يديه حتى تسقطا ، لم اغفر له وهو يحب الدنيا » (2) .
في زمن الوزير أبي محمد المهلبي ، دخل عليه الشريف الرضي ( وهو جامع كلمات الأمام علي (ع) في نهج البلاغة ) فاحترمه كثيرا وحينما خرج الشريف الرضي التفت الوزير فقال أبي محمد : ان هذا الرجل يستحق التكريم .
قال الرجل : ولم
قال : حاولت معه ثلاث مرات أن أعطيه شيء من المال فرفض .
|
(1) تنبيه الخواطر : ج 1 ص 131.
(2) تنبيه الخواطر : ج 1 ص 134 .
|
في المرة الأولى قالوا له : المال لك .
قال : لا أحتاجه .
وفي المرة الثانية أرسلت المال باسم القابلة فقال : نحن لا نحتاج لأن القابلة منا وهي إمرأة من العائلة لا تأخذ أجراً .
وفي المرة الثالثة أرسلت له مبلغاً من المال في المدرسة للشريف الرضي تسمى بدار العلوم ، وعندما ذهب به رسولي وضع المال في صحن وأخذ المال إلى الشريف الرضي فامتنع عن أخذه وقال : لا أحتاجه ، والتفت إلى الطلاب وقال : هل منكم أحدا يحتاج هذا المال ؟
كلهم رفضوا إلا واحداً منهم قال : نعم أنا أحتاج .
وقدمت الصحن له وبه 1000 الف دينار فأخذ ديناراً واحد ، وصرف الدينار وأخذ منه مبلغ يسير وأرجع الباقي ، وقال : أنا أحتاج هذا المبلغ فقط .
فالتفت الشريف الرضي اليه وقال : لم أخذت .
قال : أنا في الشهر الماضي احتجت الى زيت للسراج لكي أطالع ولم يكن عندي شيء من المال ، فذهبت الى البقال ، واستقرضت منه شيئا من الزيت ولم أكن املك ما أرد الدين لهذا أخذت هذا المبلغ للبقال .
فنادى الشريف الرضي خادم المدرسة ، وأعطى له مفتاحاً وقال له : إصنع لكل طالب من هذا المفتاح واحداً ( وهو مفتاح المخزن ) .
وقال لهم : كلما احتجتم إلى شيء فخذوه من المخزن ولا حاجة أن تأخذوا من هؤلاء .
| |