بناء الاسرة الفاضلة 65

وقوة المبادئ والقيم ، وقد تقوده إحدى القوتين بصورة مطلقة أو تشتركان في قيادته عبر مواقف وظروف مختلفة في الحياة ، والقوة الغالبة منبتها الأفكار التي يتبناها الانسان فإذا كانت أفكاراً أرضية مادية كانت القوة الغالبة دنيوية ، وأما إذا كانت معنوية سماوية كانت القوة الغالبة مبدئية وسماوية .
ومن أكبر القوى التي تدفع بالانسان وتسخره للانغماس في الأهواء والشهوات والملذات الزائفة وبالتالي الحياة المترفة هي :
أ ـ المال :
« إنما أموالكم وأولادكم فتنة والله عنده أجر عظيم » (1) .
المال والثروة قوة اعتبارية خطورتها تكمن في أن الانسان قد يعطيها أهمية كبرى مما تؤدي إلى أسره واحباطه .
إن وظيفة المال أساساً هو لخدمة الانسان وحاجاته .. بيد أنه إذا تعلق به إلى درجة العبودية مما يصيره صنماً له وتصبح بالتالي قوة أرضية تفسد وتحرف الانسان عن الصراط المستقيم . عندما تطغى قوة المال والثروة على الانسان وتسلبه ارادته وقدرته على تمييز الحق من الباطل ، تؤدي به إلى تجاهل القيم المعنوية والمبادئ الانسانية ، وكلما ارتبط بالمادة وتعلق بها بعد عن طريق الحق .. فتهوي به إلى الرذيلة حتى تختفي فيه الخصال الحميدة ... ويستسلم وينقاد للشهوات والملذات .. كما يقول الرسول ( ص ) :
« حب الدنيا رأس كل خطيئة » (2) .
إن أكبر قوة تدفع الانسان إلى الطغيان والترف هي قوة المال بدليل أن أكثر

(1) سورة الأنفال ، الآية : 28 .
(2) العوالي : ج 1 ص 37 ح 9 .
بناء الاسرة الفاضلة 66

من واجه الأنبياء إذا لم يكن كلهم هم ذوو الجاه والثروة والمال .. لأنهم يرون قوتهم وقدرتهم في هذه القوة المزيفة ، فيفرح ويطغى كما جاء في قصة قارون ...
« إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولى القوة إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين ... ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين .قال إنما اوتيته على علم عندي ... فخسفنا به وبداره الأرض فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله .. »(1) .
إن قارون من المؤمنين برسالة موسى ، وكان ابن عم موسى (ع) ، وكان أعلم بني اسرائيل بعد هارون وموسى ، وعندما أغدق الله عليه بالنعم أخذ قومه يغبطونه على ثروته .. وعندما طلب منه موسى (ع) الزكاة امتنع وأخذ يكيد المكائد ضد موسى :
« يا موسى لا تفرح بكثرة المال ولا تدع ذكري على كل حال فإن كثرة المال تنسي الذنوب وإن ترك ذكري يقسي القلوب » (2) .
ان الحكومات الاسلامية لم تنهار وتتفكك وبالتالي انطمست حضارتها إلا عندما طغى المال على القيم والرسالة ولنا في تاريخ الأمويين والعباسيين عبر كثيرة ، فقد وصل الطغيان والترف في حياة العباسيين درجة جعلت الحضارة الاسلامية تتآكل نتيجة الاهتمام الزائد والمفرط في الترف والبذخ وهدر أموال المسلمين .
ان الانسان مهما جمع المال وأسرف وأترف لا يستطيع تحقيق السعادة

(1) سورة القصص ، الآية : 76 .
(2) أنظر الكافي : ج 8 ص 45 ح 8 .
بناء الاسرة الفاضلة 67

القلبية الحقيقية لأنه يبحث عن سعادة مزيفة فلم تغنهم أموالهم شيئاً ، وكلما غاص في أوحال المال وانغمس في عبوديتها يقس قلبه ويبتعد عن القيم والمبادئ .
ويشير الامام علي (ع) لذلك بقوله : « لينبغي للعاقل أن يحترس من سكر المال وسكر القدرة وسكر العلم ... فإن لكل ذلك رياحاً خبيثة تسلب العقل وتستخف الوقار » (1) .
ان الفرصة المواتية لأصحاب المال والثروة في الاختبار أكثر منها عند الانسان المتواضع في المعيشة أو الفقير ، فهو معرض لأن يكون عبداً لهذا المال فيطغى ويترف ويفسد ، وبإرادته يستطيع أن يكون سيداً لهذا المال .. وهذا راجع إلى رؤية الانسان إلى هذا المال بأنها وسيلة للاستعلاء والتفاضل على الآخرين وإلى الحياة الدنيا نظرة خلود وتملك . . فهو اسير هذه المادة الزائلة ، وبالتالي يسير الانسان نحو الطغيان والفساد والترف ... أما إذا كانت نظرة الانسان إلى المال نظرة قناعة وتعفف واستصغار ، والى الدنيا نظرة اصلاح وخدمة ، فإنه ينتصر على ضغط المال ويملك زمام نفسه من الوقوع في مرض الترف..
إن كثيراً من علمائنا في التاريخ كانوا أثرياء وأغنياء ولكن نظرتهم إلى المال كانت نظرة كبير إلى لعب أطفال ، العلامة المجلسي كان ثرياً وغنياً إنما لم يحجبه غناه عن خدمة الناس لكسب الآخرة بمال الدنيا ... إنما الأهم من ذلك هو ألا يتعلق قلب الانسان بالمال ، ويبني بالتالي آماله على هذه بدل التوكل على الله :
« حب المال والترف ينبت النفاق كما ينبت الماء البقل » (2) .

(1) غرر الحكم : ص 545 ح 11059 .
(2) تنبيه الخواطر : ج 1 ص 155 .
بناء الاسرة الفاضلة 68

عندما يتعلق قلب الانسان بالمال ينسى نفسه وأهله وضميره .. فيحجبه عن كل خير ... فيحسن له القبيح ويقبح له الحسن من الأعمال فكما يقول الامام علي )ع) : « المال مادة الشهوات » (1) .
وروي بأن رجل موسر جاء إلى الرسول (ص) نقي الثوب فجلس إلى رسول الله (ص) ، فجاء رجل معسر درن الثوب فجلس إلى الموسر فقبض الموسر ثيابه من تحت فخذيه ، فقال له رسول الله (ص) : « أخفت أن يمسك من فقره شيء » .
قال : لا .
قال « فخفت أن يوسخ ثيابك » .
قال : لا .
قال (ص) : « فما حملك على ما صنعت » .
فقال : يا رسول الله إن لي قريناً يزين لي كل قبيح ويقبح لي كل حسن وقد جعلت له نصف مالي .
فقال رسول الله (ص) للمعسر : « أتقبل » .
قال : لا .
فقال له الرجل : لم ؟
قال : أخاف أن يدخلني ما دخلك (2) .

(1) نهج البلاغة : قصار الحكم ، الحكمة : 58 .
(2) الكافي : ج 2 ص 262 باب فضل فقراء المسلمين ح 11.
بناء الاسرة الفاضلة 69

الهوى ـ والشهوات :
لدى كل انسان احساس فطري يميز من خلاله القبيح من الحسن ، كل انسان يعلم أن الظلم قبيح والخيانة سيئة ، والكل يحب بفطرته الصدق والأمانة والوفاء ... وهذا استجابة طبيعية لفطرة الانسان ، فالانسان بطبيعته يدرك حسن وقبح الأمور ، ولكنه يتعرض إلى انحرافات سلوكية تنطبع على حياته وتصبح ملكة من وحي الفكر المنحرف . أحد عوامل انحراف الإنسان في واقع الرذيلة هو الفكر الأرضي الذي يقدس له الدنيا ويؤله له الشهوة بأنها أساس السعادة كما يدعي بعض علماء الغرب ، فمقاييس الفضيلة والرذيلة تسقط عندهم ، ويكون محور حياتهم الاستمتاع بملذات الدنيا بأكبر قدر ، فيقع أسير وعبد اللذات الحيوانية والشهوات الجنسية .
ان مأساة الانسان الغربي اليوم هو انفلات زمام الجنس والشهوات في حياته ، الشواهد والأحداث التي يمر فيها المجتمع الغربي اليوم يندى لها جبين التاريخ ، فقد نشرت جريدة الوطن الكويتية خبر عن أصغر أم في أمريكا والبالغة من العمر 10 سنوات ـ وهي طالبة في المدرسة المتوسطة ـ لا تعلم من هو الأب للمولود الجديد ، وانها تشك بأربعة أشخاص اعتدوا عليها ، واحد منهم عمها أخو أبوها !! وما الصيحات الخليعة والصرخات الماجنة التي تتعرض لها أوروبا وأمريكا اليوم من قبل أندية تبادل الزوجات أو جمعية نكاح الأحباب ... والثورة العارمة على الزواج ، والدعوة إلى إباحة الجنس بصورة مطلقة ماهي إلا نتيجة الفكر الأرضي المنحرف ، وانفلات الروابط الانسانية بين الذكر والانثى ، حتى علماء الاجتماع وعلماء النفس في أوروبا وأمريكا أصبحوا يخافون إنهيار صرح المجتمع نتيجة إنحلال وتفكك الأسرة ، ويعلل كثير من علماء الاجتماع بأن السبب الرئيسي وراء هذا التهور الجنسي في الغرب هو الفكر المادي والاباحية الجنسية ... فأصبحت الأسرة مفككة ، والأجواء التي يتربى فيها الفرد ملوثة

بناء الاسرة الفاضلة 70

بالرذائل والموبقات ، فينشأ الانسان في جو من الانحراف والفساد ، وبالتالي يعكس هذا الواقع في تعامله مع المجتمع ويكون أسيراً لهذه الشهوة واللذة الزائفة .
أوصى الله سبحانه وتعالى لعيسى بن مريم (ع) : « لا تتخذن الدنيا رباً فتتخذك عبداً » (1) .
فالانسان الذي يتخذ الدنيا رباً ويقدس شهواته لابد أن يكون عبداً مطاعاً لها وبالتالي يطغى ويترف ، ومن الطبيعي أن المجتمع الذي ينقاد لضغوط الشهوة والملذات تتمزق فيه العلاقات الأسرية المبنية على الود والاحترام ، وتحل محلها علاقات الجنس واللهو واللعب ، وتضيع فيه كل مقاييس العفة والكرامة :
« أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم ... » (2) .
وطبيعياً أن هذا الانسان الذي لا يعير الشرف والعفة أي قيمة كما يقول أحد علماء الاجتماع :« ان الفرد الصالح عندنا هو الفرد الذي ينقاد للقانون حتى لو كان شعوره منحرف وسلوكه سيء ويحمل في جوفه ضغائن وأحقاد وسموم ... » .
هكذا يكون القانون في الفكر أساساً لا عطاء الشرعية للانحراف واتباع الشهوات ومقياس الحياة هو مصلحته وشهوته ... ويغفل نداء العقل وكرامة الانسان .
يقول الامام علي (ع) : « الدنيا تغر ، وتضر وتمر ... » (3) .

(1) تنبيه الخواطر : ج 1 ص 129 .
(2) سورة الجاثية ، الآية : 23 .
(3) نهج البلاغة : قصار الحكم ، الحكمة : 415 .
بناء الاسرة الفاضلة 71

« واعلموا انما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد »(1) .
ثالثاً : الطاغوت :
ان الصراع الدائر بين الاسلام والجاهلية ـ الكفر ـ صراع ذو أبعاد مختلفة ، ثقافية ، اجتماعية ، سياسية ، اقتصادية ... أي أنه صراع حضاري شامل لا يختص بجانب من الحياة دون الآخر ، ومنذ سيطرة الغرب على البلاد الإسلامية ، وهو يخطط للاستمرار للابقاء على بلادنا الاسلامية ، وبعد فشل أغلب السبل العسكرية ، والاقتصادية ، والسياسية ، .... في بقاء سيطرته علينا ، ليقوم اليوم باخضاع نفسية الانسان المسلم للغرب ، وسلب ارادته وقوته عبر امكانياته وثرواته الذاتيه وهذا لا يحتاج لجنود واهدار الأموال ... عرف الاستعمار من بعد الحروب الصليبية بأنه لا يمكن أن يبقى ويستمر في سطوته على البلاد الاسلامية إلا عبر إذابة الشخصية الاسلامية وتمييعها في الأفكار والمدنية الغربية ، كما صرح بذلك وزير خارجية فرنسا عام 1952 من حين قال : « ليست الشيوعية خطراً على أوروبا فيما يبدو لي ، ان الخطر الحقيقي الذي يهددنا تهديداً مباشراً وعنيفاً هوالخطر الاسلامي ، فالمسلمون عالم مستقل يملكون تراثهم ، فلا بد من إذابة شخصياتهم الروحية في الحضارة الغربية ، وهنا مكمن الخطر » .
ويقول أحد المستشرقين : « أن علينا ان نخرج المسلم من الإسلام ليصبح مخلوق لا صلة له بالله ... وبالتالي يأتي النشأ القادم مطابقاً لما نريد ، لا يهتم بعظائم الأمور .. يحب الراحة .. همه جمع المال والحصول على الشهوات وهدفه المنصب ... » .

(1) سورة الحديد ، الآية : 20.
بناء الاسرة الفاضلة 72

فقام الاستكبار بعدة أشياء من شأنها إذابة الشخصية وتحويل المجتمع إلى مجتمع مترف لا يهتم ولا يبالي بالأمور المصيرية .
1ـ تشويه وسلب مصدر الثقافة :
« وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون » (1) .
قال غلاديستون أحد أعضاء البرلمان البريطاني : « ما دام هذا القرآن موجود بيد المسلمين فلن تستطيع أوروبا السيطرة على الشرق ولا أن تكون في مأمن بالمستقبل » .
الاستكبار الدولي لا يهاب البلاد الاسلامية لموقعها الجغرافي أو ثرواتها الاقتصادية ... بقدر ما يخاف من القوة الذاتية الكامنة في كيانهم الاسلامي ، ومصدر هذه القوة هو القرآن ، لأن القرآن منبع بناء الشخصية الرسالية واعطاءه البعد الإلهي . القادر على تجاوز التحديات الداخلية والخارجية في الانسان فإرتباط الأمة بالقرآن يعني ارتباطها بالله ... وبالتاريخ ... وبالقيادة الرسالية .
يقول المبشر تاكلي : « يجب أن نستخدم القرآن ، وهو أمضى سلاح ضد الاسلام نفسه » فقامت الدوائر الاستعمارية بزرع الاهتمامات القشرية بالقرآن كأنواع القراءات والاحصاءات ... وحقن المبادئ العلمانية فيه ، وربطه بمبادئهم الوضعية كالاشتراكية في القرآن ، الرأسمالية في القرآن ... ولا يخفى على أحد ما قامت به المؤسسات الاستعمارية في الاستشهاد بالقرآن في الأمور التي تتفق ومصلحتهم كاستعمال الآية الكريمة « وان جنحوا للسلم فاجنح لها .. » (2) لتبرير مواقفهم الاستسلامية تجاه اسرائيل واستثناء آيات

(1) سورة فصلت ، الآية : 26 .
(2) سورة الأنفال ، الآية : 61 .
بناء الاسرة الفاضلة 73

القتال وتجاهل الكفار كما قامت بدور رئيسي في ابعاد الجانب الغيبي من حياة الرسول وتشبيهه بالعبقري ، وأكثر من غير مجرى التاريخ ومقارنته مع شخصيات تاريخية كالرؤساء الأمريكان وغيرهم ، ولم تكتفي بذلك بل أخذت تزرع كيانات اسلامية عميلة لها في الجسد الإسلامي ، عملها تشويه المبادئ السامية للاسلام ، ووضع الغطاء الشرعي على اعمالهم ، واصدار الفتاوى لتبرير انحرافهم وسيطرتهم علينا ، و جاء هذا التوجه لتدمير وفناء كافة القيم الأصلية التي تحيي أمتنا الاسلامية ، وتخدير الأمة عبر تشويه الرسالة حتى لا تحس بخطر الاستكبار ، واقصاء الاسلام عن حياتنا ، فكما يقول وليم جيفورد بالكراد : « متى ما توارى القرآن عن بلاد الاسلام يمكننا أن نراه فيدرج في سبيل حضارتنا التي لم يبعده عنها إلا محمد وكتابه » .
عندما تنسلخ الأمة من قيمها الرسالية ومن مصادر ثقافتها تكون مهيأة لتقبل أي شكل أو فكر يملى عليها ، فجاءت الرحلة الثانية من لعبة الغرب على الإسلام بإيجاد الوسائل الكفيلة بتشكيك الأمة بثقافتها .
2 ـ توفير الفراغ :
عندما تتخلى الأمة وتتجرد عن مبادئها ، وتتميع قيمها الحضارية ، وتوجه إلى المصالح واستيراد المدنية الغربية ، يولد فيها الفراغ في ( العقيدة ـ الثقافة ... الشخصية ) .
ان من أكبر المشاكل الحضارية التي تعيشها أمتنا اليوم هو الفراغ ، فبعد تفريغ الأمة الاسلامية من مصادر ثقافتها أخذت تتخبط دون وعي ودراية في مدارس من خلق الشرق والغرب .. بحثاً عن كيان وشخصية لها .. فتلجأ تارة إلى المذاهب المادية كالرأسمالية أو الشيوعية وأخرى إلى الروحية السلبية ثم الصوفية .. فعندما لا تجد ما يشبع غرائزها النظرية تعيش حالة الفراغ في

بناء الاسرة الفاضلة 74

النفس والعقيدة وبالتالي في السلوك والممارسة ، فتصبح الأمور كلها دون هدف والحياة خالية من روح ... فيتربى الفرد بنفسية هشة ، تتقبل كل ما يملى عليها من زخارف الدنيا وملذاتها دون أن يكون لديه موانع لردع هذه الموجات ، وتتكون شخصية فارغة لديها القابلية للتشكيل والتحريف ، وتصبح كل الأمور بلا هدف فتفقد الحياة الكريمة ضرورتها وقدسيتها ، فتتفجر هذه الفجوة في صورة ممارسات طائشة بصور البذخ والاستهتار والترف لملء هذا الفراغ الذي يعيشه ، فيكون جل أهتمامه سيارته الفارهة ، أو الاهتمام بمسكنه المستورد ، أو الاستيلاء بالمناصب والمقاعد المرفهة والتفاخر بالأسماء الرنانة .. لسد حيز الفراغ الذي يعيشه ، أو تتفجر قنبلة الفراغ بأشكال الجريمة والشذوذ والترف واللهو واللعب ، والبعد عن الأمور المصيرية وضياع الأمة الاسلامية اليوم ماهو إلا تجسيد لظاهرة الفراغ الذي تعيشه في العقيدة والهدف والسلوك ، فعندما تفقد العقيدة محتواها الأصيل بزرع الاهتمامات الهامشية في الانسان تفقد الحياة هدفها وبالتالي يفرز السلوك اللامبالي والمترف .
3ـ نشر الفساد :
ان الصراع الدائر بين الإسلام والجاهلية ليس عداء بين الشعوب ولا خلافات سياسية في مناصب الحكم إنما صراع مبدأ ايدلوجيات ـ الجاهلية والرسالة السماوية ـ الصراع الحالي ليس لطرد الاستعمار ، فالاستعمار الظاهري خرج من بلادنا مع أنه خرج من الباب ليدخل من الشباك إنما صراع بين ارادتين ، ارادة البقاء على مفاهيم الغرب والحضارة المادية والعلمانية ، وبين إرادة العودة إلى الإسلام الحقيقي ومفاهيم السماء .. بعد أن حاول الاستكبار سلب روح الثقافة ومصدر اشعاع المسلمين ، خلق أجواء من الفراغ الشامل في حياة الإنسان المسلم ، قام بتعبئة هذا الفراغ بأنواع الرذائل والفساد والانحراف ، ومع توفر عناصر إشعال فتيل الترف كالمال والجهل والفراغ قام

بناء الاسرة الفاضلة 75

بخلق أجواء قائمة على الطغيان والترف ، كما يقول أحد المستشرقين : « بأن من أهم الأساليب لتحطيم كيان الشخصية الاسلامية هو تدمير أخلاق المسلم .. وتمييعه .. » .
عندما نزحت خارج لبنان واحتلتها عسكرياً بعد الحرب العالمية الاولى .. أتت إلى لبنان بسفينتين ، سفينة مدججة بالسلاح وأنواع الأسلحة ، وأخرى مملوءة بالمشروبات الروحية والراقصات ، وسئل قائد الاحتلال عن سبب احضار السفينة الثانية ، قال : لحفظ استمرار بقائنا في لبنان ، وهذا ما حصل فعلاً حتى تمزقت لبنان شر ممزق ، لأن الروح السائدة أصبحت روح مترفة .
قام الاستعمار بنشر أنواع واشكال من المحرمات والموبقات ابتداء من الأندية الليلية والملاهي إلى فتح مراكز الدعارة وأندية القمار حتى أصبح لبنان مصدر لتوزيع الفساد والمواد المخدرة في العالم ووكر من أوكار الانحلال « فمن سل سيف البغي قتل به » .
واليوم مع توفر الامكانيات المادية في بعض البلاد الاسلامية تقوم الدوائر الاستعمارية بنفس الألاعيب والتخطيط لإذابة الشخصية الاسلامية في بحر الفجور والترف المادي .
انتقلت اليوم منابع الفساد والانحلال بصور وأشكال أخرى .. الفيديو أخذ يجتاح كل المنازل ، ويساهم في تصدير الخلاعة والميوعة المتفشية في الأوساط الغربية ، حتى أن إحدى الصحف الكويتية نقلت عن أسرة تتكون من أم وأب وأخوين وأربع أخوات تقوم بتبادل الأفلام الممنوعة ، والحفلات الراقصة ، والسهرات الخليعة ، يقمن الأخوات بعيداً عن الأنظار ورقابة الأم والأب بمشاهدة حتى الأفلام الرذيلة والمخلة بالآداب ، فلا حاجة اليوم للبحث

بناء الاسرة الفاضلة 76

عن الرذائل فإنها مجهزة لنافي منازلنا ، كما أن الاعلام يلعب دوراً رئيسياً في السماح لهذه الوسائل بنشر اعلاناتها وترويجها ، وعدم وجود تلك الرقابة الرادعة في مواجهة هذا التفسخ والانحلال هو كذلك جزء من التسيب والانحراف ، وليس من الصدفة أن تترك الرقابة مثل هذه الانحرافات أن تنتشر وتوجيه اهتمامات الأمة نحو التحلل والميوعة والترف ، يمكن أن لا يقوم الطاغوت مباشرة بنشر وسائل الإنحلال بين الناس إنما يهيء الوسائل الكفيلة لنشر وتفشي الفساد ، عبر تمييع القوانين الوضعية أو الفساد الاداري ، وتفشي ظواهر الرشاوي والواسطات والمحسوبيات ... وبالتالي السماح بانتشار مثل هذه الوسائل لاستعباد الناس وخلق أجواء مترفة وبالتالي الشخصية المصابة بعاهة الترف ، كما قام الاستكبار بدور آخر جوهري في مد جسور المدنية الغربية مع بلادنا الاسلامية . وعمد منذ البدء ببناء وزرع دمى عميلة من أبناء الأمة الاسلامية ليكونوا خلفاء لهم في البلاد ومن ثمة نقل مدنيتهم الزائفة إلينا ، فكما يقول اللورد ميكالي رئيس اللجنة التعليمية الانجليزي : « يجب علينا أن ننشئ جماعة تكون ترجماناً بيننا وبين مستعمراتنا ، وستكون هذه الجماعة وطنية في اللون والدم ، وانجليزية في العروق والرأي واللغة والتفكير » .
فقام الاستعمار بحجج التعليم والتثقيف ... بإرسال البعثات إلى الغرب .. فجاء الخريج ذو كفاءة عالية في كافة أنواع الرقص ، وعاد محملاً بكميات من المخدرات ، وبعض الأفكار الغربية التي تربط أبناء أمتنا عبر عالم الغرب المنحل بدل أن يأتي بالخبرة العلمية والابتكارات العصرية ... فكما جاء في بيان كبار رجال الاستعمار في شؤون التعليم : « إن علينا أن نعلم أولاد الشرق من غير أن ثقفهم علينا أن نعلمهم لكي يكونوا آلات صالحة في المعامل والمتاجر والحقول .. » .
فلم تسعفنا البعثات خلال السنوات الخمسين الماضية إلا بعداً عن القيم

بناء الاسرة الفاضلة 77

وتكريس واقع الانحلال والترف وبالتالي التبعية ، لأن الفرد عندما يتجرد من مصدر ثقافته وتاريخه يقع أسيراً للأفكار الهدامة ، ولا يمكن أن نبني مجتمعاً متحضراً على أنقاض ثقافة ذيلية وحياة مترفة ، وخاصة إذا كان من على قمة الهرم على رأس الأمة فالناس على دين ملوكهم ، وهكذا ما أدى بالحضارة الاسلامية في عهد العباسيين إلى الانحدار والتهاوي بفضل اهتمامات أولي الأمر ... بزخارف الدنيا ، وبالتالي خلق أجواء صاخبة من الترف .
اهتم العباسيين بزخارف الدنيا وزينتها دون القيم والمبادئ .. حتى جعلهم ينافسون الكعبة الشريفة وبيت المقدس من حيث الاهتمام والأبهة ، فشيد المنصور القصور الفاخرة جدا في بغداد لجلب انظار الناس إليه مما دعى الأمراء والمقربين بالإسراف على قشور الحياة كالمباني والمنازل والملابس ... وغدت هذه معيار التفاخر بين الناس من بعدهم ، حتى أن المتوكل بنى ثلاث قصور بقيمة 100 مليون درهم .
فبالتالي انحرف توجه الناس واهتمامهم بتوجه الحكام ، وطغى البذخ والانحلال والترف على الحياة العامة ، فكان لهارون الرشيد 2000 ـ الفين ـ جارية منهن 300 ـ ثلاثمائة ـ مغنية لآلات الطرب .. وأصبحت تجارة وتبادل الجاريات والمغنيات إلى درجة ان هارون الرشيد اللارشيد باع جارية بمئة ألف دينار « 100000 » . كما طلب محمد الأمين العباسي إلى ابن عمه جعفر الصادق أن يبيعه جارية له ، اسمها « بذل » ، فأبى ، فأمر بملأ قاربه ذهباً ، فبلغت قيمة ذلك 2 مليون درهم !!!
وتفشى في المسلمين الانحلال والترف حتى غفلت الأمة عن واجبها تجاه الدين والرسالة ، فانهارت أمام القوى الغازية التي لا تملك من عناصر القوة والنظام أي شيء ، انما لسوء الوضع وضعف حالة المسلمين نتيجة انغماسهم

بناء الاسرة الفاضلة 78

في زخارف الدنيا والترف في الحياة لم تستطع المقاومة والصمود أمام زحف المغول .
« ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون »(1) .
«أو لم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ، كانوا أشد منهم قوة وآثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمروها » (2) .


(1) سورة الأنعام ، الآية : 146 .
(2) سورة الروم ، الآية : 9 .
بناء الاسرة الفاضلة 79

الوقاية من الترف

الترف كمشكلة اجتماعية حضارية غالبا ما توجد في مجتمع لا تسوده المبادئ والقيم فيرى المال صنماً ، والحياة هدفاً ، فيقف امام الدنيا ذليلاً خاضعاً ، لا يستطيع مواجهتها ولا تحديها ، فتنعكس على حياته بالهزائم النفسية والاجتماعية ، والحياة ليست دائما كما يريدها الانسان ، فتارة تكون لك ، وتارة تكون عليك كمافي الحديث :
« الدهر يومان يوم لك ويوم عليك . فان كان لك فلا تبطر ، واذا كان عليك فاصبر » (1) .
فاذا اعتاد الانسان الحياة المترفة أي حياة اللامبالاة بالمبادئ والقيم . . حياة الانغماس الكلي في الدنيا .. لا يمتلك السيطرة على نفسه .. ولا يستطيع مقاومة الأيام العصبية بالحياة كما الأرض القاحلة الواسعة المحرومة من الرياض فيكون مسلوب الارادة ، ضعيف الشخصية ، وهذا ما يريده الاستكبار منا أن يخلق فينا أسراً ضعيفة ، يملون المشاكل ، يرضخون للانحراف ، ويميلون للراحة والسكوت الزائف .

(1) بحار الأنوار : ج 74 ص 420 .
بناء الاسرة الفاضلة 80

ان رسالة السماء تدعونا لبناء الصرح الرسالي المؤمن والقادر على مواجهة التحديات وصدها بكل عزم ، والصمود أمام الموجات المادية والأهواء الدنيوية عبر بناء تلك الشخصية الرصينة في اوساط الاسرة المتدينة القادرة على تجاوز المشاكل وبناء الشخصية الرسالية في الوسط المترف ، كما يقول الإمام امير المؤمنين (ع) :
« ان من أحب عباد الله إليه عبداً اعان الله على نفسه ، استسعر الخوف ... وباشر روح اليقين ، واستلان ما استوعرة المترفون » (1) .
فلمواجهة الحياة المترفة ومقاومتها لابد ان نعمل على محورين :
أولاً : علاج وتحصين الأسرة ككل .
وثانياً : برنامج للفرد الرسالي في الوسط المترف .
أولاً : تحصين الأسرة :
ان الأسرة هي المنبع الطبيعي والفطري في تغذية وبناء الشخصية ، والتعامل مع الواقع الخارجي ، فإذا لم تستطع الأسرة بناء أسس التعامل مع الحياة القائمة على الاعتدال والاستقرار والأمن وتنير الطريق المظلم للفرد فلا بد أن تنتج أفراد يطغى جانب من حياتهم على الجوانب الأخرى .
عندما نرى الانسان قد طغى وأسرف وتمرد على الواقع يجب ان لا ننظر إليه كمشكلة آنية أفرزتها الظروف الحالية . اننا يجب ان نعالج جذور المشكلة والتي من أبرزها علاج بناء الأسرة .. لكي نوقف النزيف أولاً ثم نعالج الجرح ... كيفية تحصين الأسرة ؟
كثير من الأسر اليوم جل اهتمامهم الأكل والملبس ، واهمال الأبناء

(1) أنظر نهج البلاغة : قصار الحكم ، الحكمه 147 .
بناء الاسرة الفاضلة 81

دون رعاية ، وعدم الاهتمام الكافي في بناء شخصية الطفل والاقتراب منه وتغذيته بالفضائل والخصال الحميدة منذ صباه ، وهذا لا يتم الا عندما نعطي الأبناء الأهمية الأولى في حياتهم لكي يحس بأن له كيان ووجود يحترم نفسه ويقدر شخصيته فيجب اشعار الأبناء بدفئ الانتماء الأسري ، كما علمنا مربي الأئمة الإمام علي (ع) حين خاطب الامام الحسن (ع) : « بل وجدتك كلي حتى كأن شيئاً لو أصابك اصابني وكأن الموت لو أتاك أتاني فعناني من أمرك ما يعنيني في أمر نفسي »(1) .
عندما يحس الطفل بهذا القرب والانتماء يكون مهيأ لتقبل التوجيه والنصح ... ان عناية الأسرة بابنائها وخلق أجواء من الحنان والاهتمام المتبادل والاتزان في الحب والعطف لا يفسح المجال لثورة الأبناء على الواقع الذي يعيشه فيتمرد على الأسرة ثم المجتمع فيطغى ويسرف في الافساد والترف .
كان رسول الله (ص) يحمل سبطيه الحسن والحسين (ع) على كتفيه ويقول : « هذان ريحانتي في الدنيا ، من أحبني فليحبهما » (2) .
وروي ان الأقرع بن حابس لما رأى شدة إقبال النبي على صغيريه قال للرسول (ص) : يا رسول الله ان لي عشرة من الأولاد ، ما قبلت واحد قط .
فغضب الرسول (ص) وقال له : « ما علي ان نزع الله الرحمة منك .. » (3) .
كما ان البحوث التربوية الحديثة اثبتت ان رجال العلم والاخيار الصالحين إنما يأتون من أسر يسودها الود والمحبة ، كما أن الأشرار والمنبوذين والمفسدين

(1) نهج البلاغة : الكتاب 31 .
(2) بحار الأنوار : ج 43 ص 275 .
(3) مكارم الأخلاق : ص 220 .
بناء الاسرة الفاضلة 82

يأتون من الأسر المنحلة والمفككة ، ومن الذين لا يعيرون ابناءهم أي هتمام . فالاسرة القائمة على روح الاعتدال في المعيشة والاحترام المتبادل واشباع الغرائز الاجتماعية في الانسان لا تسودها الهيمان ، وبالتالي الطغيان والترف ، ولا يجب ان تقف الاسرة عن دورها الرئيسي عندما تهيء القواعد الاولى في التربية والبناء وتترك ابناءها في سن الرشد ليعتركوا الزمان والواقع دون مراقبة وتوجيه ، فكثير من الأسر تهمل ابناءها عندما يصلوا إلى السنين الأولى من الحياة الاجتماعية .. هذا ما يجعل الفرد ينخرط في وسط مترف او مفسد أو منحرف ، فعندما لا يستطيع الخروج مما يعانيه من مشاكل يطغى ويتمرد على المنزل ، كما تشير الاحصائيات الواردة من الغرب وخاصة امريكا عن تفاقم جرائم الابناء لآبائهم وحتى قتلهم .. ففي الآونة الأخيرة نتيجة اهمال الآباء لأبنائهم ينحرف عن حياة الاسرة ، ويحس بالنقص والفشل نتيجة الحياة المترفة ، وعدم وجود الموجه المرشد فينتقم من والديه ، اذن لابد من استمرار التوجيه والنصح والرقابة حتى لا ينفلت الابناء عن مؤسسة الأسرة ، فيتخبط لنيل السعادة ، وينحرف في وادي الرذيلة والترف ، فهو لا يستطيع ان يميز الخير من الشر ، فحينما يرتكب القبيح ويرى غض البصر أو التجاهل من الوالدين يتمادى في الطغيان حتى يقع فريسة الترف .. ومن المؤسف أن هذا الاهمال في رقابة الابناء أدى الى التسيب والانحلال ، حتى أصبح التهور والشذوذ طابعاً لهم في كثير من سلوكهم وطغت ظاهرة الترف على حياتهم .
ثانياً : التربية الايمانية
ان الهوى والغرائز الشهوانية في الانسان هي من أقوى وأخطر الغرائز الكامنة في الانسان ، وهي بداية طريق المآسي والمشاكل ... فالميول المكبوتة عندما لا ترى استجابة صحيحة ورشيدة لهدايتها تتفجر في الانسان عقداً عظيمة ، والخرافات هائلة تتجه بالانسان نحو الترف :
السابق السابق الفهرس التالي التالي