|
|
يطيق الحياة ليس يفعل ذلك لأجل ان طريقة حياة الزوجة لا تلائمه ، وانما يفعل غالبا لأجل قضية الملح في الطعام ، او كلمة صدرت من الزوجة ، أو رأى في غير المكان الافضل لوضع السرير مخالفا لرأي الزوج ، او تأخير بسيط في اعطاء كوب حليب او ما شابه ذلك ، لأن التوافه تكون وراء كل شقاء يصيب الازواج قالها احد القضاة بعد الفصل في أربعين الف قضية طلاق .
إن التوجه المادي في مسيرة الاسرة هو احد أهداف القوى الاستكبارية لتحطيم الأسرة المسلمة ، وفي مقابل ذلك يسأل الامام الصادق (ع) مرة : ما حق المرأة على زوجها؟
فأجاب : « يشبعها ، ويكسوها ، واذا جهلت غفر لها » (1) .
قد يتأجل تكوين تلك الأسرة في كثير من المجتمعات لأسباب مادية بحتة كعدم وجود المال لشراء الاثاث وتجهيز البيت ، وان كثيراً من القوانين والعادات والتقاليد الاستعمارية التي تحكم بلادنا هي السبب في قلة الاسر وفي عدم نجاح تلك الاسر للقيام بأدوارها .
نشر الانحلال :
ان نشر الفساد في المجتمع من خلال الاباحية المطلقة للرجل والمرأة في العيش والتحرك حسب الهوى من الخطط الاستعمارية للنيل من الاسرة المسلمة ، ففي الوقت الذي تدعو وتساهم أجهزة الطاغوت في نشر الافكار الداعية للتحلل والسفور والاختلاط الرذيل بكل ما اوتيت من قوة نجد ان القرآن الحكيم يركز على الاحتشام المطلق للمرأة في المجتمع .
ان عزوف كثير من الشباب عن الزواج وتكوين الأسر يرجع الى انهم
|
|
(1) الكافي : ج 5 ص 510 باب حق المرأة على الزوج ح 1 .
|
يجدون ما يشبع غريزتهم الجنسية ، ومن هنا نفسر تركيز اجهزة الطاغوت في نشر الفساد وانشاء دور للبغاء ففي فترة ما قبل الثورة الاسلامية كانت طهران وحدها تحوي 40 الف دار للبغاء بصورة رسمية ، ومن هنا يأتي تفسير التساهل القانوني من الحكومات المفسدة في شأن المفسدين ، بل ولتجيير بعض القوانين التي تحمي وتشجع هذه الاباحية في الوقت الذي يجد هذا المفسد كل ردع وقوة في قانون الله .
تحريف مسار الاسرة :
لقد حدد الإسلام قيادة هذه المؤسسة للرجل « الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما انفقوا من اموالهم » (1) . ولكن قيادة الرجل لا تخرج اطلاقا عن دائرة المسؤولية الى دائرة التحكم من خلال القسوة في التعامل والتطلع بالغلظة في السلوك والمعاشرة ، وفي الواقع فان قيادة الرجل قضية مفروضة في لاشعور كل من الرجل والمرأة ، فاذا كان الرجل بحكم طبيعته الرجولية هو الذي يكون الحمل ويضع المولود ، وإذا كانت المرأة بحكم طبيعتها الانثوية هي التي تستقبل الحمل وتلد المولود فان الرجل تتكون في لا شعوره النفسي احساس بالايجابية والتفوق ، ومن ثم يولد عنده شعورا بالاستعداد لتحمل اعباء القيادة والعطاء ، بينما يتكون في لا شعور المرأة احساس بالاخذ والتقبل، وبحكم هذا الشعور يجب على الرجل السعي والعمل من اجل المعيشة لان عطاء الرجل بالقيادة ، بينما عطاء المرأة يكمن في تربية الجيل المؤمن والمساهمة في دفع الامة الاسلامية نحو الحضارة ، وان ما يطرح اليوم من خلال ابواق الاعلام الاستعماري تحت ستار تحرير المرأة وهم يقصدون بذلك خروجها عن اطار الفضيلة ، لهي ضريبة توجه الى الاسرة
|
|
(1) سورة النساء ، الآية : 34 .
|
المسلمة لتحريف مسارها الطبيعي والفطري الذي رسمه الله لها ، وبالتالي فان كثيرا من الزيجات تفشل ، وتنطفئ شعلة الاسرة نتيجة لذلك التنازع الحادث في قيادة الاسرة ، هذا بالاضافة الى كثرة الاثار النفسية والتربوية والاجتماعية الناشئ عن هذا الانحراف في مسيرة الاسرة ، فبحوث علم النفس تذكر لنا الاخطار الكبيرة التي تترتب عليها قيادة الام للأسرة دون الرجل .. منها الميل الى الميوعة ، وعدم القدرة على مواجهة صعوبات الحياة ، والتخوف من تكوين الأسر الجديدة .
ان المناداة بتحرر المرأة على حساب بناء الاسرة المسلمة ، وانشغال المرأة عن دورها الرئيسي في تربية الاجيال الرسالية ، لهي مؤامرة تستهدف النيل من قوة توجيه الاسرة المسلمة .
دور الاسرة تجاه المجتمع :
« يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة ، وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء ، واتقوا الله الذي تساءلون به والارحام ان الله كان عليكم رقيبا » (1) .
يوجه القرآن الكريم انظارنا الى اصل خلق الانسان من اسرة واحدة ( آدم وحواء ) ثم نشأ عن ذلك الاصل الاسرة ، فلا بد لنا ان نتراحم ونتواصل من اجل بناء المجتمع الفاضل وليكون دافعنا لذلك هو التقوى .
ان مجتمع الرسول (ص) كان قوياً صامداً في وجه كل الاخطار المحدقة وكل أوجه الصراع التي عاشتها الامة الاسلامية انذاك ، واذا رجعنا قليلا الى الاسرة المسلمة في عهد الرسول الأكرم (ص) نجد انها كانت من اقوى الاسر
|
|
(1) سورة النساء ، الآية : 1.
|
في صمودها وقيامها بدورها الرسالي تجاه ابنائها فها هي اسرة آل ياسر تواجه الموت وليستشهد الابوان ولتكون أولى الشهادات في الإسلام شهادة أسرة آل ياسر .. ولكنها افرزت ( عمارا ) ، ذلك الذي كان في يوم من الايام معيار الحق والباطل كما حدده الرسول (ص) ...
وتلك الاسرة التي يقتل فيها كل ابنائها في احد المعارك فتعود الام بجثث ابنائها لتدفنها وهي مستبشرة لا جزعة .. وتلك الاسرة النموذجية اسرة الامام علي (ع) تعيش في اشد الضروف صعوبة حتى تصل إلى الموت ولكنها تبقى الاسرة المعطاءة .. تعطي .. وتؤثر ذلك العطاء على نفسها « ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً واسيراً انما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكوراً » (1) .
وكان نتاج هذه الاسرة .. الحسن .. الحسين .. ( عليهم افضل الصلاة والسلام ) .
ان أمثال تلك الاسر هي التي كونت ذلك المجتمع القوي الصامد امام كافة متغيرات الحياة .
فالمجتمع الفاضل لا يكون الا بوجود الاسرة المسلمة التي تستقي منهلها ومنطلق عملها من الاوامر الربانية بعيدا عن المادة ، ولتكون المعهد الذي يربى فيه الفرد الرسالي ، ولتكون منبت الايمان ، ومزرعة التقوى ، وحقل الاخلاق الفاضلة ، ان الاسرة بالنسبة للمجتمع كمثال المعهد الذي يخرج الافراد المتدربين ، فمثلا معهد اللغة يخرج فئة تجيد فنون اللغة ، وتقوم بتطوير الجانب الثقافي في المجتمع ، ومعهد التربية مثلاً هو الذي يخرج الفئة من الشباب الذين يتحملون مسؤولية تربية وتعليم قطاع كبير من المجتمع .
|
|
(1) سورة الإنسان ، الآية : 8 .
|
ان الأسرة انما هي معهد يخرج الجيل الذي يشحذ ارادته ويقاوم هواه فيقتحم ساحة المعركة دفاعاً عن الوطن ، وهو الجيل الذي يبذل ماله ونفسه وجهده في سبيل خدمة افراد المجتمع وتنمية اقتصادهم .
واذا فشلت الاسرة في تربية أبنائها فانها ستخرج جيلاً يشكل عالة على المجتمع فيأخذ ولا يعطي ، وينسحب منهزماً امام اول اعتداء يقع على وطنه او حقوقه ، اننا يجب ان نتلمس تأثير الاسرة تجاه المجتمع بوضوح عندما ننظر عبر التاريخ الى ما يحدث في المجتمع عندما تنحرف الاسرة .
عندما تفقد الاسرة عنصر التقوى فإنها تهتز وتصاب بالخلل وبالتالي فان المجتمع بكامله سوف ينتقل اليه ذلك الخلل . وهذا ما حدث لمجتمع لوط ، لم يكن
للاسرة اي معنى في مجتمع نبي الله لوط (ع) فلا الرجل يقوم بدوره ولا المرأة تقوم بدورها ، فما الذي حدث لهم
« ولما جاءت رسلنا لوطاً سيء بهم وضاق بهم ذرعاً وقال هذا يوم عصيب ، وجاءه قومه يهرعون اليه ومن قبل كانوا يعملون السيئات قال يا قوم هؤلاء بناتي هن اطهر لكم فاتقوا الله ولا تخزون في ضيفي اليس منكم رجل رشيد » (1) .
لقد انحرفت الاسرة عن مفهومها فاكتفى الرجال بالرجال والنساء بالنساء حتى ان دعوة لوط (ع) بتزويج بناته لم تلق الا صدودا.
لقد كان الانحراف الأسري في أسوأ احواله وأقواها حتى ان امرأة نبي الله لوط (ع) قد اصابها الانحراف فكانت من المنافقين وكان لابد من فصلها من أسرة الايمان ليصيبها ما اصاب القوم ، وكانت نهاية المجتمع الذي تحطمت فيه الاسرة .
|
|
(1) سورة هود ، لآية : 77 ـ 78 .
|
« فلما جاء امرنا جعلنا عاليها سافلها وامطرنا عليها حجارة من سجيل منضود ، مسومة عند ربك وما هي من الظالمين ببعيد » (1) .
وكمثال آخر على تأثير انحراف الاسرة على المجتمع انه لما ضربت روسيا العائلة ومزقتها ووضعت محلها دور الحضانة والروضات نشأت عندها أزمة نفسية حادة تجلت في سلوك الآباء والامهات والاطفال فقد خرجوا وهم عاجزون عن الابداع والاخلاق ، فضلاً عن المفاسد الاجتماعية التي اجتاحت روسيا جميعاً بسبب هذه الاجراءات .. وعندما ضاقت المرارة عادت الى صوابها فالغت الشيوعية الجنسية واعترفت بالاسرة وتنظيمها (2) .
ابراهيم ، هاجر ، اسماعيل .. رمز الاسرة الفاضلة :
الطاعة :
لقد امتثل ابراهيم لأوامر الله ونقل اسرته ( اسماعيل وامه هاجر ) الى مكان ليس فيه زرع او نخل او ماء او ناس بعد ان كانوا قرب فلسطين حيث مخيمه ومضيفه وماشيته ، انه امتثالاً لأمر الله عز وجل ومن اجل ان يرشد الناس ويدعوهم للصلاة .
« ربنا اني اسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل افئدة من الناس تهوى اليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون »(3) .
ان طاعة الأسرة لله تؤهلها لأن تكون اسرة فاضلة .. انها الاسرة التي تصطبغ بصبغة الله ، وتمتثل بأوامره دائماً في كل صغيرة وكبيرة حتى اذا وصل
|
(1) سورة هود ، الآية : 82 ـ 83 .
(2) ديناميكية المجتمع الاسلامي ـ قاسم الاسدي ص : 63 .
(3) سورة ابراهيم ، الآية : 37 .
|
هذا الامر الى التضحية بالابن بتلك الصورة التي حصلت لاسرة ابراهيم (ع) .
« فلما بلغ معه السعي قال يا بني اني ارى في المنام أني اذبحك فانظر ماذا ترى قال يا ابت افعل ما تؤمر ستجدني ان شاء الله من الصابرين ، فلما اسلما وتله للجبين وناديناه أن ياابراهيم ، قد صدقت الرؤيا انا كذلك نجزي المحسنين ، ان هذا لهو البلاء المبين ، وفديناه بذبح عظيم » (1) .
انها الطاعة المطلقة لامر الله «افعل ما تؤمر .. »وما يترتب على ذلك فهو في حساب التعامل مع الله عز وجل .
العطاء :
ان الاسرة لابد ان تخرج من ربوعها الفرد الصالح وليمارس دوره الرسالي في المجتمع لذلك دعا ابراهيم ربه لأن يرزقه ولداً .. وليكن هذا الولد صالحاً والا لما قامت اسرة نبي الله ابراهيم (ع) بدورها في بناء حضارة بابل« رب هب لي من الصالحين فبشرناه بغلام حليم » (2) .
وحتى يكون هذا الفرد صالحاً لابد له ان يكون مطيعاً لرب الاسرة مادام هذا الاب يمثل المبادئ والقيم السماوية ولذلك عندما حاوره أبوه في شأن رؤياه لم يعترض بل اجاب بثقة تامة « افعل ما تؤمر ستجدني ان شاء الله من الصابرين » ما دام الامر الذي تعهده والده امر الهي فلا اشكال في التضحية بالنفس من اجل الله ولبقاء سلطة الاب كما هي دون اي خلل فيها .
انه العطاء الكامل من الاب والابن .. من الاسرة الفاضلة .. في سبيل الله .
|
(1) سورة الصافات ، الآية : 102 ـ 107 .
(2) سورة الصافات ، الآية : 100 ـ 101 .
|
الصمود :
قد تبتلى الاسرة باختيار ويعرف منها مدى مقاومتها وقدرتها على الصمود والبقاء امام التيارات الجارفة وكلما كان البلاء كبيراً ويمس كيان الاسرة كلما كانت الحاجة الى قدرة على الصمود اكبر واقوى وهذا ما امتحنت به اسرة ابراهيم (ع) انه كان بلاء عظيماً ولكن الاسرة الفاضلة لا تزحزحها الرياح ولا تؤثر فيها الفتن بل تزيدها اصالة ومقاومة ورسالية .. « ان هذا لهو البلاء المبين » ولكن النهاية تكون بمستوى المقاومة وكان ذلك لابراهيم (ع) واسرته« وفديناه بذبح عظيم ، وتركنا عليه في الاخرين ، سلام على ابراهيم كذلك نجزى المحسنين ، انه من عبادنا المؤمنين، وبشرناه باسحق نبياً من الصالحين » (1) .
التحصن :
قد تسير الاسرة في ركاب الايمان ، وتصمد امام الكثير من الابتلاءات ، ولكنها لا تستطيع الاستمرار في ذلك فتقع فريسة لبعض الانحرافات التي قد تتسع شيئاً فشيئاً حتى تصل الى أعلى مراتبها وهو الشرك بالله عز وجل ، ولذلك حصن ابراهيم (ع) نفسه واسرته من الوقوع في تلك المزالق ونراه في ذلك يتوجه في كثير من الأوقات الى الدعاء الى الله ليأمن هو واسراته من الوقوع في تلك المزالق ونراه في ذلك يتوجه في كثير من الأوقات الى الدعاء الى الله ليأمن هو واسرته ذلك الانحراف . « واذ قال ابراهيم رب اجعل هذا البلد آمناً واجنبني وبني ان نعبد الاصنام » (2) . لقد استجاب الله دعاء عبده ابراهيم (ع) لانه كان كثير الدعاء ولانه كان صادقاً في دعائه وليس مرائياً فيه « ربنا انك تعلم ما نخفي وما نعلن وما يخفى على الله من شيء في الارض ولا في السماء ، الحمد لله الذي وهب »
|
(1) سورة الصافات ، الآية : 107 ـ 112 .
(2) سورة ابراهيم ، الآية : 35 .
|
« لي على الكبر اسماعيل واسحق ان ربي لسميع الدعاء » (1) .
انها الاسرة الفاضلة .. تطيع .. تعطي .. تصمد .. تتحصن الله وفي سبيل الله .
|
|
(1) سورة ابراهيم ، الآية : 38 ـ 39.
|
الخاتمة :
ان معظم الاسر اليوم تحمل في طياتها الكثير من معوقات بناء الشخصية الاسلامية لذلك كان على الفرد تخطي تلك المعوقات لكي يتكامل بناء شخصيته . وسوف تكون معوقات بناء الشخصية في الاسرة هي محور الاعداد القادمة من معالم الثقافة الاسلامية التي تدور حول الاسرة الفاضلة .
الترف (1)
« وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا » (2) .
« لا تركضوا وارجعوا إلى ما أترفتم فيه ومساكنكم لعلكم تسئلون » (3) .
« وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها انا وجدنا آباءنا على أمة وانا على آثارهم مقتدون » (4) .
« فلولا كان من القرون من قبلكم اولو بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلا ممن أنجينا منهم واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه وكانوا مجرمين وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون » (5) .
|
(1) ترف يترف ترفاً ، أترفه المال أي أفسده وأبطره .
(2) سورة الإسراء ، الآية : 16 .
(3) الأنبياء ،الآية : 13 .
(4) سورة سبأ ، الآية : 34 .
(5) سورة هود ، الآية : 116 .
|
لعل خير ما يقال عن الترف انه ناقوس الخطر في حياة الأمم ، والمسمار الأخير في نعش الحضارة ، والتاريخ يشهد على ذلك .
فالمترفون هم الطابور الأول الذي يعارض مسيرة الاصلاح ، وهم المنبع الرئيسي للفساد والرذيلة في الأمة .
والمترفون هم العامل المباشر في تحطيم القرى واهلاك المجتمعات ، وذلك لأنهم فقدوا الايمان بالله فأحرقوا الموازين الاقتصادية ونشروا الفوضى والتحلل الخلقي .
قال الرسول الأعظم (ص) ذات مرة لاصحابه : « لا تجالسوا الموتى » .
قيل : يارسول الله وكيف ؟
قال : « كل غني مترف » (1) .
لقد شقت الأمة الاسلامية طريقها نحو بناء صرح الحضارة يوم كانت على درجة كبيرة من البساطة في العيش والمتطلبات ، ابتداءاً من القائد ، ومزورا بالأسرة ، وانتهاءاً بالفرد ، فالرسول (ص) لم يكن سوى ابن إمرأة كانت تأكل القديد بمكة ، يفترش التراب ، ويمشي في الأسواق ، ويجالس الفقراء ، ويعاني من الجوع ، ويأوي إلى غار حراء قلعة البناء الذاتي . والأسرة كانت تطحن الشعير وتقنع باليسير .
والفرد كمصعب يرفض اللباس الوثير والمال ليلبس الصوف ويلتحق بركب الثورة فاصله هكذا شقت الأمة طريقها .
ولكن عندما تطفل على قيادتها الخلف الذين اتبعوا الشهوات ، بدأت مسيرة الترف في الأمة ابتداء بالقادة ، ثم عم الأسرة المسلمة وأصبح الفرد أسير
|
|
(1) الوسائل : ج 14 ص 143 الباب 106 من أبواب مقدمات النكاح وآدابه ح 3 .
|
التحرك المادي ، وأصبح الترف أحد الموانع التي تقف أمام بناء الأسرة المستقبلية المسؤولة وتهدد كيانها ومن يطالع التاريخ لا يخفى عليه ذلك .
فمن الأخبار التي تنقل لنا بداية الترف والبذخ في الأمة التالي !
انظر في كتاب تاريخ التمدن الاسلامي .
1ـ البذخ في الألبسة :
كان المسلمون في صدر الإسلام يتوخون الخشونة في العيش ، والتعفف بالمطعم والملبس ، وأول من اتخذ من الملوك هو معاوية منذ كان أميراً في الشام ، وأحب الأمويون الوشي وأكثرهم رغبة في لبسه هشام بن عبد الملك فاجتمع عنده 2000 قميص وشي ، و 10000 تكة حرير ، وكانت كسوته إذا حج تحمل على 700 جمل ، ولما أترف بنو أمية لبسوا الحرير على أنواعه ، وتفننوا بأنواع الأنسجة ، وأحبوا الوشي ، وأكثروا من لبسه فقلدهم الناس في ذلك ، على أن رجال الدولة ومن جرى مجراهم من الخاصة في العهد العباسي كانت لهم ألبسة لمجالس الأنس والشراب يسمونها ثياب ( المنادمة ) .
وقد خلف المعتصم بالله الآتي :
400000 من الثياب المقصورة سوى الخامات .
63000 من الأثواب الخراسانية المروية .
8000 من الملاءات .
13000 من العمائم المروية .
1800 من الحلل الموشاة اليمانية وغيرها منسوجة بالذهب .
18000 من البطائن التي من كرمان من أنابيب القصب .
18000 من الألبسة الأرمنية .
2 ـ المسكن :
بنى المعز في بغداد بقيمة 13000000 درهم .
كان للمعتمد بالله العباسي دار فسيحة وواسعة ذات بساتين عرفت بدار الشجر ، كان فيها أشجار مصنوعة من الذهب في وسط بركة كبيرة لها 18 غصن من الذهب والفضة ، لكل غصن فروع كثيرة مكللة بأنواع الجواهر على شكل ثمار وعلى أغصانها أنواع من تماثيل الطيور من الذهب والجواهر ، وكان خدم المقتدر 11 ألف .
3ـ التسري :
وهو اقتناء الجواري للتمتع بهن أو استيلادهن .
كان للمتوكل العباسي 4000 جارية .
وكان عند الرشيد 2000 جارية منهن 300 للغناء والضرب على آلات الطرب ، وقد ابتاع الرشيد جارية بثمن 100000 دينار وأخرى بـ 36000 دينار .
هكذا بدأت مسيرة الترف في المجتمع الإسلامي من القمة إلى القاعدة لا سيما بعد أن جزئت الأمة إلى دويلات ، وحدوث الطفرة بعد ظهور النفط والانفتاح على الغرب ، وأصبحنا سوقاً لكل ما أفرزته المدنية الغربية ، وأصبح التوجه المادي هو الذي يحرك الأسرة المسلمة ، وبرز إلى السطح من الظواهر ما أعاد إلى أذهاننا الترف الأموي والعباسي وأيام العرب في الأندلس .
إن هذا التوجه المادي المتنامي لهو ناقوس خطر ومعول هدم في بناء الأسرة .
يقول ربنا في سورة النور التي تدور حول الأسرة الفاضلة :
« في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والأصال ، رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله واقام الصلوة وايتاء الزكوة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والابصر ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله والله يرزق من يشاء بغير حساب » (1) .
ولو أردنا أن نفهم أبعاد الترف فإن التعريف اللغوي لا يكاد يسعفنا لفهم أبعاد الترف دون معرفة حالة التخلف الشاملة التي تعيشها أمتنا ، فالأمة الاسلامية تعيش ظاهرة التخلف بكل أبعادها ، والترف كجزء منها ليس حالة طارئة انفجرت بوجود عناصرها إنما هي بذور التخلف العام الذي نعيشه فعجز الأمة عن مواجهة التحديات الحضارية كالقضايا المصيرية سياسية كانت أو علمية أو اجتماعية ، والانشغال الجانبي في أمور الحياة كالاهتمام المفرط بالرياضة أو الألعاب أو الحفلات وعدم قدرة الأمة على تحمل مسؤولياتها التاريخية في الإصلاح والتغيير تجسد لنا حالة الترف على المستوى العام ، وكذلك بالنسبة للفرد اليوم حيث يعيش حالة الاستسلام والتهور واللامبالاة الكاملة تجاه نفسه ومجتمعه وينشئ الادمان والمخدرات والمسكرات بهذه الكميات الهائلة إنما يعبر عن حالة الميوعة ، ورضوخ الفرد أمام هذه المغريات الشيطانية ، كما أن روح اللامبالاة السائدة في الأمة والتشبث بالأرض وطمس الرؤوس في الرمال كي لا ترى حقيقة الواقع لصور مختلفة لواقع واحد يدعى الترف .
إن امتنا اليوم تعاني من غياب الشعور بالمسؤولية وهي مصابة بداء عدم تمييز الأمور المصيرية عن غيرها ، ويمكن أن يكون أحد الأسباب الرئيسية وراء
|
|
(1) سورة النور ، الآية : 36 ـ 38 .
|
ذلك هو سيادة حالة الترف على الأسرة ، وبالتالي على الفرد فتخرج لنا الجيل العاجز عن مواجهة الحياة ومتاعبها ، إنما كيف سادت هذه الحالة على واقعنا وشلت قدرات الأمة على التحدي والمواجهة ؟
هناك ثلاث عوامل رئيسية وراء تفشي حالة الترف في مجتمعاتنا ( الأسرة ـ الطاغوت ـ الفكر الأرضي ) .
أولاً : الأسرة :
تمثل الأسرة المدرسة الأولى لتشكيل وتوجيه سلوك الفرد وعاداته وطبائعه فيترعرع الطفل مقلداً أبويه في عاداتهم وسلوكهم ، كما يخضع لنمط التربية والبناء في سنينه الأولى ، فإذا منيت الأسرة بعدم الترابط والخلل فإن أفرادها يصابون بأمراض داخلية تنعكس بصورة أو أخرى على سلوكهم ، وبالتالي حياتهم الخاصة والعامة فتنشأ تلك الشخصية المهلهلة التي ليس لها هدف معين تصبو إليه ، ولا حياة ثابتة يبني بها نفسه فينغمر في وحول الرذيلة ، وتتلاطمه موجات الشذوذ والإنحراف ، وبالتالي الرضوخ لجبر المادة ، فتطغى عليه فيكون مترفاً .
ان الفرد الذي يصاب بعقدة الحقارة ، ويتجذر شعوره بالنقص عبر مؤثرات تربوية متعددة ، إن مثل هؤلاء الأفراد يجدون في الواقع المترف مجالاً واسعاً للتخلص من الشعور بالنقص ، لذلك نجد هؤلاء يسعون لاقتناء السيارة الفارهة ، أو المنصب الظاهر ، ويلهثون وراء الكماليات ويتباهون بها أمام المجتمع .
والأسرة إنما تصل إلى هذه الحالة من التفكك والانحلال بسبب العوامل التالية .
1ـ الافراط في التربية :
إن من أعظم الأخطار التربوية التي تنعكس على شخصية الإنسان مدى الحياة دون أن يحس بها هو الإفراط ـ في المحبة والدلال ـ أوفي الشدة ، الغلظة .
ان الإنسان منذ نعومة أظفاره مجبول على حب الحرية المطلقة فهو يرغب في أن يعمل ما يشاء ويخرب ما يريد ، ويتناول ما يرغب .. يريد كل ما تراه عيناه دون تمييز الحسن من القبيح .
فهل من مصلحة الطفل رضوخ الأب والأم لأوامره رضوخاً تاماً ؟ كلا .
إن المربي الناجح هو من يتعامل مع الأبناء من منطلق الحاجة له والمصلحة ، فيعمل على تحقيق مصلحة الطفل فيما ينمي قدراته ، ويبني شخصيته المستقلة ، ويمنع ما يضره او يؤثر في مستقبله ، بينما استجابة الوالدين المطلقة لاوامر الأبناء ـ بأي حاجة كانت ـ ينمي في الطفل حالة الطاعة الكاملة لأوامره ونواهيه ، ويتوقع الاستجابة الدائمة لكل ما يريد ، وعندما يشب ويعترك الحياة الاجتماعية يصطدم مع أول مواجهة ، ويستشهد عالم النفس الشهير « أدلر » على ذلك بحادثة وقعت لإمرأة انتحرت لسبب تافه جداً ، وهو أن جاراً لها كان يرفع صوت مذياعه دائماً ، الأمر الذي كان يزعجها ، وحاولت أن تستنكر أعماله عدة مرات فلم يهتم بها ، وأخيراً أقدمت على الانتحار .
فيقول « أدلر » : ان الأبحاث التي عملت على شخصية هذه المرأة وبنيتها التربوية وجدت أنها نشأت منذ الطفولة على الدلال والافراط في المحبة
والاستجابة المطلقة لمطالبها ، وبالتالي لم تطيق العيش في عالم تسمع جواب النفي لطلبها .
فالفرد الذي يحيطه جو من الدلال والمحبة المفرطة لا يستطيع مقاومة الحياة فينهزم أمام أول معضلة ، فالطبيعة الهشة مهيأة لتفشي حالة الترف ، ان
عجزه عن التصدي للمشاكل تجعله يلجأ لتعويض هذا العجز بالإسراف والطغيان على الواقع الذي يعيشه ، أو أن التربية المترفة الذي نشأ عليها تدعه يستجيب لكل رغبة في نفسه كالإستجابة لرغبة الجنس والهوى ، فلا يحض بنفسية قادرة على مواجهة الأهواء مما تسقطه في خبائل الإثم والرذائل حتى إذا تلوثت حياته بأنواع من الشذوذ والرذائل لا يستطيع الخروج منها .
وأخيراً قد يلجأ إلى الإنتحار كصورة من صور رفض الواقع والتمرد عليه وكما يقول الإمام الباقر (ع) : « شر الآباء من دعاه البر إلى الافراط »(1) .
ونتيجة لهذه التربية المترفة لابد أن يأتي اليوم الذي نجني ثمار ما بذرناه دون أن نضع قيوداً وموانعاً تحكم بناء شخصيته بناءاً قادراً على أن يتحمل صعاب الحياة ومشاكلها ، وحينها لا نقدر أن نغير سلوك الأبناء لأننا أساساً نسينا واجبنا تجاه البناء المتكامل وعدم الوقوع في مصيدة العاطفة المفرطة .
2ـ الأسرة المترفة :
إن كثيراً من الأسر تتحمل المسؤولية الأولى عن تفشي حالة الترف في الأمة حتى سادت هذه الحالة وأصبحت حاجزاً لبناء الشخصية الإسلامية .
كثير من الأسر الحديثة أسرفت في الابداع بارتكاب أنواع المحرمات والرذائل .. ومن يزرع شوكاً لا يجني إلا شوكاً . فمن الطبيعي أن أسرة كهذه لا تخرج إلا جيلاً يحمل في طياته جذور الانحلال والميوعة .
ثانياً : الفكر الأرضي ـ الهوى ـ الشهوات :
الانسان في حياته أمام قوتان تتصارعان لجذبه ، قوة الهوى والشهوات ،
|
|
(1) تاريخ اليعقوبي : ج 3 ص 53 كما في الطفل بين الوراثة والتربية في موضوع الافراط في المحبة .
|
| |