بناء الاسرة الفاضلة 22

ان الاهتمام بالطعام المعنوي لا يقل اهمية عن الطعام المادي ، فتلك الجرعات من العواطف والألفاظ التي لها تأثيراَ كبيراً على نفسية الأفراد في الأسرة لابد من مراعاتها كمراعاة الطعام المأكول وفي ذلك يقول الامام الحسن (ع) :
« عجبت لمن يتفكر في مأكوله كيف لا يتفكر في معقوله ، فيجنب بطنه ما يؤذيه ويردع صدره ما يرديه » (1) .
وكذلك كان الاسلام يركز الاهتمام باليتيم في محاولة تعويض هذا الفرد شيئا ما من الحنان الأبوي الذي فقده لذا يقول الرسول الأعظم (ص) :
« خير بيوتكم بيت فيه يتيم تحسن اليه وشر بيوتكم بيت يساء اليه » (2) .
« ومن عال يتيماً حتى يستغني اوجب الله بذلك الجنة » (3) .
« وانه جيء بمقدار من العسل الى بيت المال فأمر الامام علي (ع) باحضار الأيتام ، ففي حين انه كان يقسم العسل على المستحقين كان بنفسه يطعم الأيتام من العسل . فقيل له يا امير المؤمنين مالهم يلعقونها ،فقال : ان الامام ابو اليتامى وانما العقتهم هذا برعاية الآباء » (4) .
فحرمان الفرد من الحنان والحب والعطف الأبوي له تأثير كبير في بناء ومسيرة الشخصية الانسانية ( ان حرمان الطفل من أبيه ـ وقتياً كان أم دائمياً ـ يثير فيه كآبة وقلقاً مقرونين بشعور الاثم والضغينة ومزاجاً عاتياً منفرداً وخواراً في

(1) سفينة البحار : ج 2 ص 84 . في مادة ( طعم ) .
(2) مستدرك الوسائل : ج1 ص 148 الباب 78 من ابواب ما يتعلق بأبواب الدفن .
(3) الكافي : ج 7 ص 51 باب صدقات البني .. ح 7 .
(4) بحار الأنوار : ج 9 ص 536 .
بناء الاسرة الفاضلة 23

النفس وفقداناً لحس العطف العائلي ) (1) .
ولذلك كان على الأسرة ان تهتم بجميع الميول الداخلية والمثل الانسانية للفرد وتعمل على ارضاء كل منها في مورده ، وبالمقدار المناسب له . وبذلك يكتسب الفرد شخصية متكاملة متزنه.


(1) أثر الأسرة والمجتمع في الأحداث الذين هم دون الثالثة عشر ص 37 .
بناء الاسرة الفاضلة 24




بناء الاسرة الفاضلة 25

(2) الأسرة وبناء التفكير

ان بناء الشخصية مرتبط ببناء التفكير ، وبناء التفكير مرتبط ببناء الفرد في الأسرة ، ان كثير من الأسر تنمي في افرادها روح التفكير الابتكاري فينشأ الفرد وقد أخذ دروسا عملية كثيرة في عملية التفكير ، ولذلك نجد ان كثير من العلماء والمفكرين قد كونوا بؤراً مفكرة في المجتمع ، فتجد ان الأسرة كلها قد تحولت الى عناصر تفجر الابداع في جوانب عديدة ، فهذا الابن الأكبر اصبح عالماً مفكراً وذلك الثاني اصبح كاتباً بارعاً ، والثالث تحول الى مخترع ومبتكر في احدى مجالات العطاء والابتكار .
ان عدداً كبيراً من اعلام الأدب والعلم والشعر عبر التاريخ قد تمت رعايتهم في اسرتهم ، ولولا تربية امهاتهم لهم لما احتل هؤلاء مكانتهم بين الاعلام المبدعين .
ثم ان للأسرة دوراً واضحاً في تفكير الطفل الابتكاري من خلال سلوكه في اللعب ، ومدى افساح الأسرة لهذا الطفل في تنمية تفكيره الابتكاري ، فالركض والجري واللعب بالعصي وغيرها والتي تبدو للناظر انها تافهة وعابثة هي اساس تكامل جسد الطفل وروحه ( ان اللعب يبعث القوة في عضلات الطفل

بناء الاسرة الفاضلة 26

والمتانة في عظامه كما انه ينمي فيه القدرة على الابتكار ويخرج قابلياته الكامنة الى حيز الفعل ) (1) .
ولذلك اشار الامام الصادق (ع) : « الغلام يلعب سبع سنين ويتعلم الكتاب سبع سنين يتعلم الحلال والحرام سبع سنين » (2) .
وعنه ايضا (ع) : « دع ابنك يلعب سبع سنين » (3) .


(1) الطفل بين الوراثة والتربية عن مجلة العربي العدد 95 / ص 59 .
(2) الوسائل : ج 15 ص 194 الباب 83 من ابواب احكام الأولاد ح 1
(3) الوسائل : ج 15 ص 193 الباب 82 من ابواب أحكام الأولاد ح 1
بناء الاسرة الفاضلة 27

(3) الأسرة وبناء الفكر

ان وجود مكتبة .. وصحف .. ومجلات ونشرات مختلفة في البيت تساهم بشكل واضح في بناء المادة الفكرية للأبناء .. ولذلك فكثير من الأسر التي لا توفر اجواء المطالعة والمكتبة يعاني ابناؤها من الفقر الفكري ، ولذلك فان بيوت العلماء والمفكرين تخرج علماء ومفكرين ، في حين بيوت الصناع تخرج الصناع ، فالجو العام في البيت له تأثيره الكبير في بناء الفكر المطلوب للأبناء بشكل متكامل .
فبيوت اليابانيين يتكون بالاضافة الى لوازم المطبخ وغرف النوم والأكل من مكتبة ثابتة وعدة رفوف من الكتب في ارجاء مختلفة من البيت يصل في كثير من الأحيان الى مكتبة ثابتة في كل ( حمام) .
ثم لا يكفي ان تكون الأجواء في البيت تدعو الى استلهام الفكر وبنائه ، بل لابد أن يسود هذه الاسرة ذلك النوع من الحوار الهادئ الهادف في مناقشة كثير من الأمور الفكرية الحساسة والتي تدعم وترسخ عن طريق الحوار الهادف بين الأبناء من جهة والآباء من جهة اخرى ، وهذا ما نلاحظه في كثير من الأسر التي تدعم بالحوار لتجد ان الأبناء يتمتعون بنضوج فكري في كثير من الأحيان ،

بناء الاسرة الفاضلة 28

ولا يخفى أهمية الحوار في بناء الفكر وترسيخ وتثبيت الكثير من العطاءات الفكرية الهامة في الأبناء ..
وهكذا فان الأسرة لها تأثير كبير في بناء الفكر في ابنائها بل ان للوالدين اثراً فكرياً على الفرد قد يستمر حتى بعد استقلاله التام ، ويعود ذلك الى عدة اسباب :
(1) صعوبة اقتلاع الأفكار بعد رسوخها ايام الصبا ، ويبدو ان رسوخ الأفكار يتطاول في بعض الأحيان على التغيير ، الا ان ذلك تطاول ناشىء من غفلة الشخص ، واستهانة بإعادة النظر في سابقياته التي اكتسبها ايام الطفولة ، مما يدل على ان استمرار الوالدين ليس حتميا ، بالاضافة الى انه يذهب فريق من علماء النفس الى ان الانسان لا يمر عليه وقت الا وكان يرتاب من سابقياته ، كالأيام الأولى من الشباب حيث تعصف به مشاعر استقلالية عنيفة تدعوه الى التجرد من افكاره السابقة.
(2) ان احترام الانسان لوالديه يستمر بعد أيام الطفولة ، ويكون هو السبب في نشوء حسن التقليد لديه ، ويكون هو ايضا السبب في استمراره بالرغم من ان احترام احد لا يفرض عليه اتباعه فرضاً حتمياً.
ان التخلص من افكار احد يستتبع ـ بالطبع ـ تخطئة هذا الشخص ، وحب الآباء لايدع الفرد يخطئ والديه ، فالحب هذا مصدر استمرار اتباع الوالدين والملاحظة ، ان السبب لا يوجب حتمية الاتباع إذ انها جميعاً ناشئات العواطف والغفلة والاحترام مما لا يذهب بقدرة الانسان على التفكير الحر .
« واذا قيل لهم تعالوا الى ما انزل الله والى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا اولو كان آباؤهم لايعلمون شيئاً ولا يهتدون »(1) .

(1) سورة المائدة ، الآية : 104.
بناء الاسرة الفاضلة 29

ان كلمة حسبنا في هذه الآية ذات دلالة بليغة على ان سبب اعتماد الناس على آبائهم هو الاتباع الثقافي ، اذ ان افكار الآباء تجعلهم مكتفين ـ في زعمهم ـ عن اتعاب البحث (1) .
فاذا كان الفكر والثقافة التي تغذي الأسرة ابنائها ثقافة رسالية ، فان رسوخها بالاضافة الى رساليتها يكون اثر الوالدين واضحا في تثبيتها .
كان الامام على (ع) يلقي خطبة الجمعة في المسجد في المسلمين ، وعند عودته الى المنزل يجد ان الحسن والحسين (ع) يحفظان الخطبة ، ويقومان بنقل الخطبة الى والدتهما فاطمة (ع) ، فأراد الامام معرفة الطريقة التي استطاع بها الحسنان ( ع) التوصل لذلك ، فكانت النتيجة أن الحسن والحسين (ع) كانا يذهبا الى المسجد ، ويعودان قبل مجيء الامام علي (ع) ويرويان الخطبة لأمهما فاطمة الزهراء (ع) .

(1)المنطق الاسلامي للعلامة السيد تقي المدرسي ص 215 ـ 216 .
بناء الاسرة الفاضلة 30




بناء الاسرة الفاضلة 31

(4) الأسرة وبناء القدرات

نشرت الصحف الكويتية خبر مفاده ان طفلاً لم يبلغ العاشرة من عمره يحفظ كمية هائلة من الشعر يمثل عدة دواوين ، لابد انه ابن لأديب او شاعر يميل وراثياً إلى الحفظ .. ولكن الخبر يقول ان قصة هذا الطفل بدأت عندما بدأ بحفظ بعض القصائد للمتنبي ، فكان ان لفت اهتمام ابيه ، فاتفق معه بأن يحفظ كل يوم قصيدة من قصائد المتنبي على ان يأخذ تشجيعاً له خمسة دنانير عن كل قصيدة ، فما كان من الطفل الا ان بدأ بالحفظ حتى انهى حفظ ديوان المتنبي في فترة قصيرة ، واتم حفظه لديوان آخر ، وهكذا وبتشجيع الأب للولد استطاع ان ينمي قدرته على الحفظ ، ولكن بعد ان توقفت الخمسة دنانير بعد فترة قصيرة لخلخلة الميزانية ضعف اندفاع الطفل .
ان اهتمام الأب بتنمية قدرة هذا الابن ووضع الحوافز المادية والمعنوية ادت الى تفجير طاقة الفرد وتوجيهها .
فإذا كانت الثقة بالقدرات التي يملكها الفرد أول الطريق في بقاء وتفجير قدرات الفرد فإن وضع الفرد في الأسرة وتعامل الأسرة مع الفرد بصورة طبيعية تدفعه لأن يثق بنفسه في البداية ثم بقدراته ، فكثير من الأسر تنمي في الفرد

بناء الاسرة الفاضلة 32

الثقة من خلال التعامل معه كإنسان مسؤول ، في حين ان كثير من الأسر الأخرى تقتل الثقة في نفس الفرد ، فكيف له ان يثق بقدراته .
ثم ان الشعور بالحاجة يفجر القدرة ، والأسرة تقوم بهذا الدور ، وهو ان تشعر الفرد بالمسؤولية ولابد ان يتحول هذا الشعور بالمسؤولية الى حاجة نفسية وهدف اجتماعي ، وحينما تكون الحاجة النفسية عميقة ، والهدف الاجتماعي واضحاً ، تتحرك الامكانات والقدرات من القدرة الى الفعل (1) .
ان الانضباط ينمي القدرة ، والأسرة مدرسة الانضباط حيث فيها يتعلم الفرد طاعة القيادة ( الأب ) ، وفيه يقول الله عزوجل « فلا تقل لهما اف ولا تنهرهما وقل لهما قولاً كريما » (2) ويتعلم الفرد في الأسرة الكثير من ضوابط السلوك ، والتنظيم في الوقت والجهد ، واذا كانت القدرة تنمو كلما ارتفع مستوى الانضباط فان الأسرة المسلمة هي مركز الانضباط الأول .
واذا كانت القدرة تكتمل بفضل التعاون ، فان الفرد في الأسرة المسلمة يمارس التعاون بشكل عملي وقبل خروجه الى الحياة العملية ، فتعاونه مع والديه واخوته وجيرانه كلها تساهم في تعميق هذا المفهوم في ذهنه ، ولذلك فان الفرد يكون انطوائيا وأنانياً بفضل ماكان يمارس بحقه في أسرته .
كما ان القدرة تنمو وتصقل مع التواضع ، فان الفرد يعرف التواضع بشكل واضح في أسرته المسلمة التي تعوده على عدم الترفع على الآخرين ، فاذا كان التواضع يعني احترام اراء الآخرين فأنا مجبول على ذلك من خلال احترامي لوالدي ، واذا كان التواضع يتمثل في استشارة الآخرين فالفرد في الأسرة المسلمة يستشير والده واخوته في كثير من أمور حياته كذهابة في رحلة مع

(1) نشرة بناء الشخصية ( بناء القدرات ) « 17 » ص 14 ، 15 .
(2) سورة الإسراء ، الآية : 23.
بناء الاسرة الفاضلة 33

اصدقائه مثلا ، واذا كان من التواضع تقبل النقد البناء فكثير من تصرفات الفرد تنتقد في الأسرة المسلمة اذا خرجت عن الاطار المرسوم لها .
ان كثيرا من الأسر تساهم في اكتشاف وتفجير طاقات افرادها ،في حين ان هناك أسر اخرى تقتل تلك القدرات ، وتقبرها في مهدها .. وتنتمي الأسرة المسلمة الى النوع الأول وتنبذ النوع الثاني .


بناء الاسرة الفاضلة 34




بناء الاسرة الفاضلة 35

(5) الأسرة وبناء العلاقات

توجه احدهم الى الامام الصادق (ع) شاكياً قائلاً : ان اخوتي وبني عمي قد ضيقوا على الدار والجأوني منها الى بيت ، ولو تكلمت اخذت ما في ايديهم .
فاجابه الصادق (ع) : « اصبر فان الله سيجعل لك فرجاً » .
قال : فانصرفت ووقع الوباء سنة احدى وثلاثين ومائة فماتوا والله كلهم فما بقي منهم احد . فقال : فخرجت فلما دخلت عليه .
قال :« ما حال اهل بيتك » .
فقلت : قد ماتوا والله كلهم ما بقي منهم احد .
فقال (ع) : « هو بما صنعوا بك وبعقوقهم اياك وقطع رحمهم بتروا » (1) .
لقد شدد الإسلام على الأسرة المسلمة وعلاقاتها بالأفراد والأسر الآخرين ولذلك كانت العقوبات والمحن مرتبطة بقطع الروابط والصلات بين الأفراد

(1) الكافي : ج 2 ص 346 باب قطيعة الرحم ح 3 .
بناء الاسرة الفاضلة 36

والأسرة في المجتمع ويشير الى اهمية ذلك امير المؤمنين (ع) : « ان اهل البيت يجتمعون ويتواسون وهم فجرة فيرزقهم الله وان اهل البيت ليتفرقون ويقطع بعضهم بعضا فيحرمهم الله وهم اتقياء » (1) .
وكان لابد ان تكون العلاقات بين الأفراد في الأسرة الواحدة على تلك الصورة من القوة والمتانة والترابط .
ان الأسرة في علاقاتها تتجاوز افرادها لتصل الى الجار ، ولتكون العلاقة مع الجار كعلاقة الأسرة بافرادها ، فالرسول الأعظم (ص ) كتب بين المهاجرين والأنصار .. ومن لحق بهم من أهل يثرب « ان الجار كالنفس غير مضار ولا اثم وحرمة الجار على الجار كحرمة أمه » (2) .
هكذا يركز الإسلام في الأسرة كيفية بناء الفرد لعلاقاته مع اسرته ومع من جاوره من الأفراد والأسر ، ليصل الى اربعين دارا من كل جانب ، وكان هذا جواب الصادق (ع) عندما سئل عن حد الجار .
وما اوضحه الرسول الكريم (ص) : « كل اربعين دار جيران من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله » (3) .
وهكذا يتعلم الفرد في الأسرة كيف ينمي علاقته ، فاذا كان المستلزم الأول في بناء العلاقات مع الآخرين هو الشعور بالمسؤولية فإن الآسرة المسلمة هي التي تربي فيه عملياً ذلك الشعور . واذا كانت الأخلاق من الأمور الهامة في بناء العلاقات فان الأسرة المسلمة تقوم بتعويد الفرد وتعليمه معنى الالتزام ، واحترام الوقت ، وآراء الآخرين ، والعمل الجماعي المنضبط ، والجدية في

(1) الكافي : ج 2 ص 347 باب قطيعة الرحم ح 7 .
(2) الكافي : ج 2 ص 666 باب حق الجوار ح 2 .
(3) الكافي : ج 2 ص 666 باب حق الجوار ح 1 وص 669 باب حق الجارح 1 .
بناء الاسرة الفاضلة 37

ذلك ، وممارسته تلك الأمور الأخلاقية وغيرها ممارسة عملية ، فتنمي في الفرد تقبله للآخرين ، وتقبل الأفراد الآخرين له .
يحكي أحد الأخصائيين النفسانيين قصة من واقعه يقول : استرجعت بعض المعلومات في ذهني وتذكرت صديقاً قديماً كان أنجح مني في علاقاته مع الآخرين ، وكان الشيء الذي يميزه عني هو قوة بيانه وطلاقة لسانه ، ولم اكن ادرك حينها لماذا لم اكن طليقاً مثله ، ولكني ادركت الآن السبب ، لقد كان ذلك الصديق يحصل على تلك السمة من أسرته التي كانت تتعامل معه بطريقة تدعوه للانطلاق وحرية الكلام ، في حين أني لا انسى انني انتقدت يوماً احدى الماكولات على المائدة وكانت عبارة عن هدية فما كان من أسرتي الا ان انهالوا علي قذفاً وتوبيخاً ، الأمر الذي دعاني أتجرع الصمت في كثير من الأمور التي تحتاج الى حديث ومبادرة أو نقد او مجاملة .. ، انها الأسرة تبني في الفرد الشعور والقدرة ببناء العلاقات بدرجات متفاوتة بين فرد وآخر ..

بناء الاسرة الفاضلة 38




بناء الاسرة الفاضلة 39

(6) الأسرة وبناء الحكمة

تساهم الأسرة بشكل مباشر في بناء الاطار السلوكي لابنائها ، فمنذ اليوم الأول لولادة الطفل تبدأ الأسرة في تحديد سلوك هذا الفرد ، ومنذ ذلك اليوم تبدأ الشخصية في البناء ، فالطفل الذي تعود ان اراد شيئا كان عليه بالصراخ والبكاء ، لا شك انها حددت احدى سمات الشخصية وهي الاتكالية واستخدام السلوك الانفعالي في الوصول الى الرغبة والهدف المطلوب .
وهكذا يتعلم الفرد اذا سلك سلوكاً منافياً للأعراف التي حددتها له الأسرة كان العقاب او الزجر ، في حين الحصول على الراحة والموافقة من قبل الأسرة حين السلوك باتجاه امر مستحسن لدى الأسرة .
كان لقمان الحكيم يوصي ابنه على تعلم الحكمة : « يابني تعلم الحكمة فان الحكمة تدل على الدين وتشرف العبد وتقدم الصغير على الكبير وكيف يظن ابن دم ان يتهيأ له امر دينه ومعيشته بغير حكمة » (1) ولا عجب ان يتخرج الحكماء من بيوت العلم والحكمة لأنهم تربوا على الحكمة وعلى السلوك العلمي .

(1) بحار الأنوار : ج 13 ص 432 .
بناء الاسرة الفاضلة 40

كان ابن احد الحكماء يذهب الى الغابة متمشياً على أطرافها وينشد النشيد تلو الآخر ، وتحت قانون الصدى كان الصوت يرجع مرة اخرى ليسمع الطفل ما أنشده ، وبحكم سنه كان يعتقد ان هناك طفلاً آخر قد سرق نشيده واخذ ينشده ، فقام بشتم ذلك الطفل الموهوم ليسمع الشتيمة ترتد اليه ، فقال له انك طفل بذيء وسمع الرد ايضا انك طفل بذيء ، ولما عاد للمنزل سرد على والده ما حدث ، وان هناك طفلاً سرق نشيده ، وشتمه ، وقال له : انك طفل بذيء .
فماذا قال الأب لابنه ؟ تمعنوا في اجابة الأب لأنها تسطر لنا نهجاً في تربية الأبناء وصقل الحكمة في حياتهم .
قال له الأب : يابني قل خيراً تسمع خيراً .
وعاد الطفل للغابة ، وأخذ يردد المديح لذلك الطفل الموهوم قائلاً : انك طفل جميل ، فسمع الرد : انك طفل جميل .
وهكذا انغرست هذه الحكمة في قلب ذلك الطفل ليتعلم ان معاملة الآخرين له مرتبطة بمعاملته لهم .
هكذا يكون دور الأسرة في بناء الحكمة في الفرد ، فانها تزوده بالحكمة وتعمل على سلامة أجهزة الحكمة فتقوم بتنمية عقله ، وتوسيع آفاقه ، وتعمل على تطهير قلبه ، فلا تزرع العداوة والحق على الآخرين فتدنس قلب الفرد وتصون لسانه فتجعله ملتزماً بآداب الحديث وتردعه عن الألفاظ البذيئة .
ولأن معظم الأسر لا يسمع افرادها سوى السباب ، وزرع لبذور الأنانية والحقد على الآخرين ، فلا عجب ان يحجز الفرد على بناء الشخصية الحكيمة .

بناء الاسرة الفاضلة 41

الاستعمار ومحاولات تحطيم الأسرة :
لقد جاء الأمر الالهي الى نبي الله موسى (ع) للاهتمام ببناء الأسرة الفاضلة القوية من اجل بناء المجتمع الذي يعتمد على مبادئ وقيم السماء كمرتكز للحياة فيه .
وان تكون تلك الأسر في بيوت محصنة ، ومجموعة البيوت تكون مجتمعا رساليا مصغرا بعيدا عن مجتمع الفساد ، وان تكون متقابلة فالقيام بأوامر الله واقامة الصلاة ..
« وأوحينا الى موسى واخيه ان تبوء لقومكما بمصر بيوتا واجعلوا بيوتكم قبلة وأقيموا الصلاة وبشر المؤمنين » (1) .
لقد اهتمت التوارة بشؤون الاسرة ونظمت لبني اسرائيل قواعدها ورسمت لهم قوالب التفكير والعمل بصدد الزواج والعلاقات الزوجية والآثار المترتبة على عقد الزواج كما حددت لهم حالات الطلاق ، ورتبت لهم طبقات المحارم ، وما الى ذلك من المقدمات الاساسية في نظام الاسرة (2) .
ولذلك كان النظام الاسري في مصر القديمة . المجتمع الرسالي الذي بناه موسى (ع) . من اكثر النظم الاجتماعية استقراراً وتماسكا (3) .
وعندما احس فرعون بخطر تلك الاسر« البيوت » التي تشكل المجتمع الرسالي المصغر كان لا بد له ان يزعزع ذلك الكيان المتماسك القوي والذي بدأ يشكل خطراً مباشراً عليه وعلى اصحابه المستكبرين :

(1) سورة يونس ، الآية : 87 .
(2) دراسات في الاجتماع العائلي د. مصطفى الخشاب : ص 11 .
(3) دراسات في الاجتماع العائلي د . مصطفى الخشاب : ص 8 .
بناء الاسرة الفاضلة 42

« وقال الملأ من قوم فرعون أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الارض ويذرك و آلهتك قال سنقتل ابناءهم ونستحي نساءهم وانا فوقهم قاهرون » (1) .
لقد ادرك فرعون خطر الأسرة الرسالية وبالتالي توجه لتحطيم تلك الأسر بالقضاء على ركائزها الرئيسية ( الأبناء .. النساء ) فالابناء هم جيل الثورة الخطرين والنساء من اللاتي ساهمن في بناء تلك السواعد القائمة ، اما لماذا لم يذكر شيئا عن الرجال ( الآباء ) وذلك لان فرعون يعلم انه لن يستطيع ان يصل اليهم فهم من الحذرين في تحركهم فلن تصل يده اليهم ليمارس بحقهم الارهاب وكما فعل بالابناء والنساء ، لقد مارس فرعون ذلك ولكن الله ابى النصر الا للمتقين :
« وإذا انجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يقتلون ابناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم » (2) .
لقد كان البلاء والعذاب يشمل كل اسرة بما فيهم الرجال « يسومونكم سوء العذاب ».
ولكن بعد بناء الأسر المؤمنة والمجتمع المصغر فإن الطاغوت ركز في عذابه للابناء والنساء دون الرجال الذين ابتعدوا عن ايدي الطاغوت فلم ينلهم .
ولا زال الاستكبار العالمي واذياله من الطواغيت والشعراء يوجهون سهام حرابهم المسمومة الى الاسرة المسلمة لمعرفتهم بخطر تلك الاسرة في بناء المجتمع الرسالي ومواجهة المستكبرين ولذلك فانهم في سبيل تحطيم الاسرة المسلمة لجأوا الى اساليب عديدة نذكر منها :

(1) سورة الاعراف ، الآية : 127 .
(2) سورة الاعراف ، الآية : 141.
بناء الاسرة الفاضلة 43

1ـ التوجه المادي :
ان ما يسعى اليه المستكبرون هو تحويل تلك المؤسسة ( الاسرة المسلمة ) المنتجة والمربية للاجيال المؤمنة من اسرة قائمة على الاسس المعنوية الى اسرة يكون هدفها وتوجهها مادياً بحتاً .. ان الاسرة المسلمة هي الاسرة التي تصطبغ بصبغة الهية تركز على المعنويات لا الماديات .
« ومن آياته ان خلق لكم من انفسكم ازواجاً لتسكنوا اليها وجعل بينكم مودة ورحمة » (1) .
فأحد اهداف تكوين الاسرة المسلمة هو الوصول الى حالة الاطمئنان النفسي والسكينة والبعد عن القلق والاضطراب .
وان المودة والرحمة هما من ركائز بقاء تلك الاسر واستمرارها ، ولذلك كان التركيز منذ البدء بالتفكير في بناء الاسرة على ان يكون شريعة الله التي يحدد فيها مع من يتم الاقتران لتكوين الاسرة الفاضلة :
« ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم ، ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم أولئك يدعون الى النار والله يدعوا الى الجنة والمغفرة بإذنه ويبين آياته للناس لعلهم يتذكرون » (2).
ولا يتم بناء هذه الخلية توجها لشهوة عارمة ، فالحب الشهواني لن يكون عاملاً من عوامل الزوجية السعيدة ، ان الحب الروحي لن يتسنى الا بعد الزواج .

(1) سورة الروم ، الآية : 20 .
(2) سورة البقرة ، الآية : 221 .
بناء الاسرة الفاضلة 44

قال الرسول ( ص) : « ايها الناس .. اياكم وخضراء الدمن » .
قيل : يا رسول الله وما خضراء الدمن ؟
قال : « المرأة الحسناء في منبت السوء » (1) .
هكذا تبدأ مسيرة الاسرة الاهتمام بالقيم المعنوية لا المادية الظاهرة ، ولكن اجهزة الاعلام الاستكباري يصور لنا من خلال الافلام والمسلسلات والقصص المختلفة غير ذلك ، فالاهتمام ينصب بشكل مركز لخلق توجه عام لدى الافراد للحب الزائف ومسيرة الحياة حسب هذا النظرة ، وبالتالي خلق قدوات اسرية زائفة لها تأثير كبير على حياة كثير من الأسر المسلمة ، فكثيرا ما تجد ان موقفاً معيناً في فيلم استكباري يؤدي الى انعكاسه بشكل مباشر على الاسرة ، فتلك الاسرة التي تحطمت اركانها لا لشيء سوى لان الزوجة ارادت ان تكون نسخة طبق الاصل عن بطلة الفيلم الذي شاهدته قبل فترة .. وان لكثيرا من القصص الواقعية لتثبت لنا اثر ذلك الابواق الدعائية في مسيرة كثير من الاسر المسلمة .
ان نسبة الزواج بلغت في المجتمع الكويتي ( 2031 ) في حين بلغت نسبة الطلاق ( 966 ) في الفترة ما بين شهر مايو الى سبتمبر سنة 1983 ، ويتبين من الاحصائية ان نسبة الزواج تقل حيث كانت في شهر مايو ( 454 ) حالة ووصلت الى ( 334 ) حالة في شهر سبتمبر .
وان نسبة كبيرة من حالات الزواج لا تستمر فيتم الطلاق (2) .
وان اسباب الطلاق كلها تعود لأمور مادية تافهة ، فالزوج الذي اصبح لا

(1) الكافي : ج 5 ص 332 باب اختيار الزوجة ح 4 .
(2) القبس الكويتية 12 / 11 / 1983 .

السابق السابق الفهرس التالي التالي