بناء الاسرة الفاضلة 1




بناء الأسرة الفاضلة


بناء الاسرة الفاضلة 2


بسم الله الرحمن الرحيم


بناء الاسرة الفاضلة 3


بناء الاسرة الفاضلة

عبد الله أحمد

مكتبة العرفان دار البيان العربي

للطباعة والنشر والتوزيع
بيروت ـ لبنان


بناء الاسرة الفاضلة 4


حقوق الطبع محفوظة
1410 هـ ـ 1990 مـ


بناء الاسرة الفاضلة 5

معالم الأسرة الفاضلة

« ألم تركيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء ، تؤتى أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون ، ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة أجتثت من فوق الارض مالها من قرار » (1) .
تلعب الأسرة دوراً خطيراً في واقع الأمة الاسلامية فهي قد تكون كالشجرة الطيبة التي تجسد رسالة السماء وتزرع في افرادها بذور المسؤولية وتدفعهم في مسيرة الاصلاح وبهذا تؤتي اكلها ففي تفسير قوله : « شجرة طيبة » ففي الكافي باسناده عن عمرو بن حريث قال : سألت اباعبد الله (ع) عن قول الله « كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء » . قال : فقال: « رسول الله (ص) اصلها ، وامير المؤمنين فرعها ، والائمة من ذريته اغصانها، وعلم الائمة ثمرتها ، وشيعتهم المؤمنون ورقها .هل في هذا فضل ؟ » .
قال : قلت :لا والله .
قال : « والله ان المؤمن ليولد فتورق ورقة فيها ، وان المؤمن ليموت

(1) سورة إبراهيم ، الآيات : 24 ـ 25 ـ 26 .
بناء الاسرة الفاضلة 6

فتسقط ورقة منها » (1) .
وقد تكون الأسرة كالشجرة الخبيثة التي تكون مرتعا للفساد والرذيلة ويتخرج منها مختلف أنواع الطغاة والمفسدين في الارض .
ولاعجب في ان تصبح الكثير من الأسر مؤسسات للفساد السياسي في المجتمعات الاسلامية بعد ذلك .
فكما ينقل لنا التاريخ الأمثلة المتعددة من الطغاة فإنه ينقل لنا أيضاً الطغيان والاستكبار على مستوى الأسر والعشائر ، حيث اصبحت العجلة التي تسير الفساد في الأمة .
ان الشجرة الخبيثة والشجرة الملعونة التي جاء ذكرها في القرآن انما هي تشير الى احدى العشائر او السلالة التي تحولت الى معول هدم في حياة الأمة الاسلامية وهم بنو امية .
ففي تفسير الآية « وما جعلنا الرؤيا التي أريناك الا فتنة للناس والشجرة الملعونة في القرآن » (2) رأى رسول الله ( ص ) بني فلان ينزون على منبره نزو القردة فساءه ذلك فما استجمع ضاحكا حتى مات (3) .
ولم يكن بنو العباس احسن حالا من بني امية في الفساد والطغيان .
فهذا هارون العباسي يهدد ابنه المأمون بقطع رأسه ان نازعه في الملك ، وذاك المأمون يقطع رأس اخيه الأمين ويعلقه على القصر وتأتي الناس لتبايعه .
وهكذا تتحول هذه الأسر الى أدوات للارهاب والقمع في الأمة .

(1) الكافي : ج 1 ص 428 باب فيه نكت ... من التنزيل ... ح 8 .
(2) سورة الإسراء ،الآية : 60 .
(3) مجمع البيان : المجلد 4ج 15 ص 66.
بناء الاسرة الفاضلة 7

وفي تاريخنا القريب وبعد سقوط الدولة العثمانية جاءت أسرة اتاتورك لكي تعلن طلاقها للاسلام، وتحول مجرى الحياة في تركيا بعيداً عن الممارسة الاسلامية فيغدو الحجاب مخالفة للقانون ويمنع تدريس اللغة العربية ويفرض السفور على النساء المؤمنات .
وفي مصر تحت الحكم الملكي كانت اسرة الخديوي تنخر في جسد الشعب المسلم بالفساد السياسي والاجتماعي .
وفي ايران جاءت اسرة بهلوي لتكرس واقع الفساد والرذيلة ضمن دور البغاء وشرب الخمور ومحاربة العلماء .
وهكذا اصبحت الأسر مؤسسات للطغيان وبملخص القول ( شجرة خبيثة ملعونة ) واذا كانت بعض الأسر قد خرجت الطغاة وتحولت الى مؤسسات طغيان فان معظم الأسر المسلمة أصبحت تخرج الجيل المنهزم المستسلم لواقع الطغيان وتخرج الجيل المائع الذي يكون فريسة شبكات الفساد من فجور وخمور ومخدرات وجنس .
ان هذا المنعطف الخطير في حياة الأسرة المسلمة وابتعادها على القيام بدورها يرتب على الفرد منا مسؤولية كبرى نحو اصلاح تلك الأسر .
ففي سورة الشعراء يخاطب الله رسوله فيقول :« وما اهلكنا من قرية الا لها منذرون ، ذكرى وما كنا ظالمين، وما تنزلت به الشياطين ، وما ينبغي لهم وما يستطيعون ، انهم عن السمع لمعزولون ، فلا تدع مع الله إلهاً آخر فتكون من المعذبين ، وانذر عشيرتك الأقربين » (1) .
فكانت اول مسؤولية للرسول(ص) تجاه الرسالة ان يقوم بانذار عشيرته .

(1) سورة الشعراء ، الآية : من 208 إلى 214 .
بناء الاسرة الفاضلة 8

ففي التفسير ان عشيرة الرجل هم قرابته وسموا بذلك لأنه يعاشرهم وهم يعاشرونه .
وبعد ان نزلت هذه الآية بمكة جمع الرسول (ص) بني هاشم وهم اربعون رجلا وعمل على انذارهم (1) في قصة مفصلة .


(1) تفسير القمي : ج 2 ص 124.
بناء الاسرة الفاضلة 9

الأسرة .. مشكاة

« الله نور السموات والارض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح ، المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضىء ولو لم تمسسه نار ، نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم » (1)
المشكاة هي الحفرة في الجدار التي تساعد على تركيز الضوء حيث يوضع المصباح فيها ولو تصورنا ان هذا المصباح الموضوع في المشكاة ، في وسط الزجاجة تعمل على عدم تشتت الضوء والزجاجة كأنها كوكب دري الذي يشبه الدر في اندفاع ونقاء ضوئه ، والزيت الذي يشعل نور المصباح هو زيت الزيتون لاشك ان النور الذي سوف يخرج سيكون على درجة كبيرة من الاضاءة هكذا يشبه الله نوره في السموات .
ان نور الله هذا ينزل على قلب كل انسان ولكن كيف يمكن ان نستفيد من هذا النور ونجعله مضاعفا.
لابد ان يوضع في مشكاة ومصباح عبر زجاجة اي نحافظ عليه بشتى

(1) سورة النور ، الآية : 35.
بناء الاسرة الفاضلة 10

الوسائل الممكنة .
وما المصباح الذي يحوي النور الا عقل الانسان .
وما الزجاجة التي تمنع تسرب النور الا الأحاسيس الانسانية كالعين والأذن التي تكشف نور المصباح .
ولكن اين تلك المشكاة التي تعمل على تركيز ذلك النور وتوجيهه .
هنا يطلق القرآن أدق تسمية ويسطر افضل مفهوم للأسرة حين يقرر أن الأسرة هي مشكاة لنور الهداية والرسالة ، لتربية النفس البشرية بأفضل ما يمكن وتنميتها ، وذلك لتتضاعف ثمارها .
اما اذا وضع النور في رياح الشهوة فسوف يقل اشعاعه ، لذلك لابد من وضعه في مشكاة الأسرة الفاضلة .
لأن الإيمان فيها ينمو نمواً طبيعياً معتدلاً ومن دون اسرة فاضلة ومع تراكم العقد والاحباطات النفسية فإنه من الصعب ان تنمو روح الايمان في الانسان واليكم هذه الحادثة :
صادق شاب مؤمن ، ذو اخلاق حسنة ، تربى في جو أسري منعم بالحب والحنان ، ولأبوين مؤمنين ، وعلى درجة كبيرة من الثقافة والايمان ، أنهى دراسته الثانوية وقرر السفر لاكمال دراسته في احدى الدول العربية ، ان اول ما واجهه صادق هو قلة الاصدقاء ولكنه عوض ذلك بتوجهه للتحصيل الدراسي ، لقد طرح استاذ مادة الفلسفة الكثير من الآراء والأفكار التي لم يتعود صادق على سماعها .
تأثر صادق في بادئ الأمر بأستاذه ولكن روحه ووجدانه الداخلي كانا يرفضان تلك الأفكار مع ادلتها ، وهكذا ظل صامداً امام تلك التيارات الالحادية

بناء الاسرة الفاضلة 11

مع قلة وجود الأصدقاء المؤمنين ولكنه كيف استطاع ذلك ..
انه كان يتذكر في خضم الجو الكثير من اجابات والديه وهو في صغره عندما كان يسأل عن الله والحياة والكون .. لقد كانت تلك الاجابات البسيطة الصادرة بدقة من الوالدين متراساً يحمي صادق من التيارات الفكرية العاصفة لقد هدمت تلك القاعدة كل تلك الأفكار التي كانت صادرة من استاذ الفلسفة وفي ذلك يقول ( ريموندبيج ) : « ان اول صورة يرسمها الطفل في ذهنه عن الله تنبع من علاقته مع والديه ، وكذلك اول فكرة ترتسم في مخيلته عن الطاعة والسماح والاستقامة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بسلوك الأسرة .. ولا يملك الوالدين الفرصة المناسبة لتربية نفس الطفل وتنقية افكاره بل عليهما ان يعرفا الله لأطفالهما باحسن صورة وقوة ، وبكل ارادة ومتابعة ، وهما في هذا يستطيعان ان يستعينا بمصدرين فياضين ، اولهما الدين والثاني الطبيعة » .
كما ان ( صادق ) كثيراً ما كان يتذكر تلك القصص التي كانت ترويها لها امه وهو على فراشه قبل النوم عن الأنبياء والرسل ومحمد النبي ( ص ) والأئمة الأطهار والعلماء الصالحين فكانت تلك القصص هي السور الثاني المنيع الذي حصل عليه صادق من أسرته وكانت له نعم العون .

بناء الاسرة الفاضلة 12




بناء الاسرة الفاضلة 13

مفهوم الأسرة .

الأسرة سور

كما ان لكل حديقة سور يحميها من أيدي العابثين ويزينها ، وكما ان لكل تجمع عسكري حصن يحميه ويصد الهجمات عنه ويضفي عليه المزيد من الهيبة ، كذلك فان كل مجموعة من الناس تحتاج الى سور واطار يحتويهم ويدرأ عنهم الأخطار ، وذلك السور انما هو الأسرة ، هذا هو الوصف الآخر الذي يمكن ان نطلقه على الأسرة .
هل يمكن ان نتصور المجتمع من دون هذا السور ؟ وما الذي سيحدث آنذاك ؟ تأملوا هذه الصورة لأن فيها تكمن الاجابة ..
تحت عنوان ( نادي تبادل الزوجات يفجع اميركا ) كتبت مجلة News of the world أن نادي (دع الزوجات يتبادلن) الذي إكتشفته الشرطة في ماكرا عاصمة كالفورنيا أفجع امريكا ولكن لم يزل ذلك في طور النمو المتزايد ، وعضويته في الوقت الحاضر تضم ثماني واربعين زيجة يقيم لك واحد في صحبة الآخر ورفقته ، وتضيف المجلة نقلا عن مندوبها الخاص فتقول :

بناء الاسرة الفاضلة 14

« لقد تكلمت مع احد اعضاء النادي هذا ، وقد رغب في ان يظل اسمه سراً ، ومع انه اقر نشاط النادي ليس بأمر غير قانوني فقد قال : لا تفهمنا خط نحن لا نتعاطى السكر والعربدة ، ولا نمضي ليال حمراء وحشية ، ولا نأخذ الحبوب المخدرة كما هو الطريق المتبع في روما ، وانما فقط نتبادل الزوجات بين فترة واخرى .
فانا وزوجتي بعد عامين من زواجنا كان يمل احدنا الاخر ، وكنا كذلك مع الذين لم تكن لهم متعة وراء اللعب بالورق والحديث عن اولادهم ، وعندما اطلعنا على الاعلان الخاص جلب اهتمامي ماجاء في الاعلان من ( المتزوجين من الشباب العصريين ) واتصلنا بالنادي صاحب الاعلان فتلقينا دعوة منه لحضور حفلة ، توفرت فيها وسائل الترفيه ، وقيل لنا انه من الضروري بالنسبة لاعضاء النادي الجدد ان يضعوا على وجوههم اقنعة سوداء ، وذلك فقط للمزح والضحك وضمنا اصحاب النادي الى 20 مجموعة من الأزواج والجميع يرتدون الاقنعة السوداء ، وابتدانا نلعب ، وفي لمحة خاطفة كنا جميعا قد ترعينا بحيث اصبحنا عراة ، ولم ننزعج من هذا العرى الكامل اطلاقاً ، ولذلك فقد طرحنا الأقنعة السوداء من وجوهنا بلا اي خجل او شعور بالعيب ، واضاف يقول :وانا اتذكر ليلة السبت المولي التي قضيتها في النادي حيث امضيت الليلة مع صاحبة شعر احمر ، وفي صباح اليوم التالي تيقظ الأزواج من نومهم وصنعوا القهوة ، وحملناها للزوجات ، وتناقشنا في مغامراتنا ، ولا اظن ان واحد منا تملكه الغيرة وهو يرى زوجته تقوم الى الفطور وهي تحتضن رجل آخر ..
هكذا يكون المجتمع حينما يفقد سور الأسرة الفاضلة ، يصبح كوكتيلاً من الجنس .
لذلك جعل الإسلام للأسرة قيمة اجتماعية مفروضة ، وشرع القوانين التي تضبط هذه الأسرة ، وانزل أشد العقوبات على من يعتدي عليها .

بناء الاسرة الفاضلة 15

فحذر من الاعتداء الجنسي على الأسرة وهو الزنى :
« الزاني والزانية فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله ان كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين » (1) .
وقد أبتدأ القرآن في سورة النور بذكر الزنى اي الاعتداء عل الأسرة قبل ان يتكلم على الزواج في الأسرة .
وذلك لكي يقر حقيقة وهي ان الأسرة التي لا يتوافر لها الحماية وبدون قانون يحميها فان مصيرها هو الانهيار .
وحذر الإسلام كذلك من الاعتداء اللفظي على الأسرة الذي يتمثل في القاء التهم على العفيفات ، وجعل عقوبتهم الجلد والاسقاط الاجتماعي بعدم قبول شهادتهم ونبذهم من المجتمع .
« والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون » (2) .
وعندما تخرج التهمة من داخل السور ( الأسرة ) فان القرآن يفتح باب الملاعنة كآخر سبيل لحماية الأسرة .
وقد يكون خارجاً عن اطار الأسرة وهنا لابد من فضح الفئة التي وراء التهمة او ما يسميهم القرآن بالعصبة « ان الذين جاءوا بالافك عصبة » (3) فهنا يحذر القرآن بالابتعاد عن خطوات الشيطان في بث الاشاعات التي تستهدف وحدة المجتمع فالأسرة التي تلوكها الألسن لا تستطيع ان تقوم بدورها الرسالي

(1) سورة النور ، الآية : 2.
(2) سورة النور ، الآية : 4.
(3) سورة النور ، الآية : 11.
بناء الاسرة الفاضلة 16

في المجتمع .
ولحماية الأسرة المسلمة لا يكفي ان تتحصن من الاعتداء الجنسي او اللفظي بل لابد من حماية البيت من الدخول اليه بأي شكل من الاشكال لأنه حرم الانسان « بيتك حرمك فمن اعتدى عليك في حرمك يجوز لك قتله » (1) .
ولا تتحقق الحماية الحقيقية للأسرة الا بتطهير المجتمع من مثيرات الشهوة ، ولأن لكل مقام عمل ووظيفة فان البيت هو مقام استخدام الشهوة الحلال ، اما اثارتها في المجتمع فإن ذلك سوف يسبب انحرافاً كبيراً في مسيرة المجتمع ولذلك كان الأمر بغض البصر للمؤمنين والمؤمنات وكان تشريع الحجاب ليكون واقياً فالحجاب ليس هدفاً بذاته بل وسيلة لابعاد المثيرات الجنسية في الحياة العامة .
« قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم ان الله خبير بما يصنعون ، قل للمؤمنات يغضضن من ابصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن الا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن الا لبعولتهن او آبائهن او اباء بعولتهن او ابنائهن »(2) .
ان كل هذه الحرمات والسدود التي يضعها الله عز وجل لحماية الأسرة تبين كيف ان الأسرة انما هي سور وحصن الانسان المنيع ضد أي اعتداء .
ان الفهم الأصيل للأسرة هو الذي يجعلها تقوم بدورها في بناء الشخصية الاسلامية وذلك من خلال بناء ركائز تلك الشخصية وهي ( النفس ، التفكير ، الفكر ، العلاقات ، القدرات ، الحكمة ) .

(1) كنز العمال : ج 9 ص 112 ح 236 25 وفيه « دارك حرمك فمن دخل عليك دارك فاقتله » .
(2) سورة النور ، الآية : 31 .
بناء الاسرة الفاضلة 17

الأسرة وبناء الشخصية
(1) الأسرة وبناء النفس والعاطفة

« ونحن لو عدنا الى مجتمعنا الذي نعيش فيه وزرنا السجون ودور البغاء ومستشفيات الأمراض العقلية ، ثم دخلنا المدارس واحصينا الراسبين من الطلاب والمشاكسين منهم والمتطرفين في السياسة والذاهبين بها الى أبعد الحدود ، ثم درسنا من نعرفهم من هؤلاء جميعاً لوجدنا ان معظمهم حرموا من الاستقرار العائلي ، ولم يجد معظمهم بيتاً هادئاً فيه أب يحنو عليهم ، وام تدرك معنى الشفقة فلا تفرط في الدلال ولا تفرط في القسوة ، وفساد البيت أوجد هذه الحالة من الفوضى الاجتماعية وأوجد هذا الجيل الحائر الذي لا يعرف هدفاً ولا يعرف له مستقراً » (1) .
ان انحراف الأفراد وجنوحهم ، واهتزاز وعدم استقرار شخصياتهم ، انما يعود الى تلك التربية النفسية في البيت ، فان احترام الفرد في الأسرة والتعامل معه كوحدة انسانية لها مشاعرها الخاصة ينشئ تلك الشخصية القوية ، والتي

(1) البيت والمدرسة .
بناء الاسرة الفاضلة 18

تستطيع ان تواجه كافة ضغوط الحياة ، ومنها التغلب على تلك العقد النفسية كعقدة الحقارة والخوف والانهزامية والسلبية ، او بتعبير أدق عدم التأثر بمثل لك العقد بأي شكل من الأشكال ، ولذلك كان احياء شخصية الطفل واحترامه والامتناع عن تحقيره واهانته هو الطريق لبناء نفسية الفرد القوية والى ذلك يشير الرسول (ص )« اكرموا اولادكم واحسنوا آدابهم » (1) .
فعدم استقامة العائلة عبارة عن عدم سلامة وأمن البيت الذي يربى فيه الأولاد اما بالكبت ، او بالتنازع ، او بالمزيد من العطف ، فان كل ذلك يوجب عدم استقامة النفس مما ينتهي بالآخر الى الانحرافات الروحية ، قالوا : ولذا نجد كثرة الانحرافات النفسية عند الايرلنديين لقسوة الأمهات في تربية اولادهم ، وعند اليهود لتكثير الأمهات من العطف ، واللطف بأولادهم ، وعند الايطاليين لتشديد الآباء على الأولاد ، وعند جماعة من الأميركيين لكثرة المنازعات بين الأخوة والأخوات .
وفي كثير من البلاد الغربية يقع الأولاد أوائل بلوغهم بين تناقض متطلبات العائلة منهم ، مثلا : من ناحية يريد الأبوان من البالغين الاستقلال في ادارة امورهم الاقتصادية وغيرها ، بل وحتى الجنسية ومن ناحية اخرى يربطون الأولاد بالبيت وبالطاعة للأبوين ، ومن الطبيعي ان يقع التناقض بين الاستقلال واللاإستقلال .
وكذلك الحال يكون مع الأولاد الذين يريد الآباء منهم الطاعة ، ولا يقومون بكل حوائجهم ولو عدم تزويجهم ، وبذلك يحدث الانفصام والعقد النفسية ، فاللازم اما اعطاء الحاجة ـ ولو النواقص منها ـ في قبال الطاعة واما ترك الأولاد ليقوموا بحوائج انفسهم باستقلال من غير تطلب الطاعة منهم .

(1) الوسائل : ج 15 ص 195 الباب 83 من ابواب احكام الاولاد ح 9 .
بناء الاسرة الفاضلة 19

فالطاعة لا تكون الا في قبال الحاجة ، فاذا اختل الميزان اختلت الصحة النفسية بما اوجب الانحراف ، وهذه هي حالة الحكومات في قبال الشعوب ، فاللازم اما اعطاء حاجاتهم في قبال تطلب الطاعة منهم ، واما تركهم وشأنهم لتحصيل حاجاتهم بأنفسهم بدون تطلب الطاعة ، وانما يكون شأن الحكومة حينئذ المراقب لئلا يطغى بعضهم على بعض .
وفي بعض الأمم يتجلى التضاد في العائلة بمظاهر اخرى ، مثلاً : الأب يريد المجازات للمسيء من الأولاد ، لكن الأم تمنع ذلك ، فيقع الطفل بين هذين النقيضين ، او يرد ألاب انهاء الدارسة للأولاد ليساعدوه في عمله ومزرعته ، وتريد الأم عكس ذلك ، أو تريد الأم زواج البنت ، ويريد الأب عدم زواجها لأجل خدمة البيت ، اوغير ذلك ، لون آخر من ألوان التضاد ، تسيب الأولاد في الدار ، وارادة الانضباط منهم لدى الذهاب الى السفر ، او الى الضيافة او عند حلول الضيف لديهم .
والحاصل : انه كلما يوجب الازدواجية يوجب انفصام الشخصية مما ينجز بالآخرة الى الأمراض والعقد النفسية .. وحيث ان النفس والجسم يتبادلان المرض ، ولذاقيل : ( العقل السليم في الجسم السليم ) فاذا مرضت النفس وتعقدت اوجبت بالاضافة الى انحراف خط سير الحياة للمريض ولمن يرتبط به ، تأثير المرض النفسي الى جسمه .
ولذا اعتاد علماء الطب ( النفسي والجسمي ) فحص صور المرض الجسمي في النفس ، فان لم يوجد هناك مرض ، استوجده في الأعضاء ، والأجهزة البدنية sup>(1) .
وعلى الوالدين ان يسعيا للنفوذ الى اعماق قلب طفلهما حتى يرى المائل

(1) الفقه الاجتماع .. الامام الشيرازي .
بناء الاسرة الفاضلة 20

بالشكل الذي يريانه ، قد يسمع الأطفال ان حديثا يدور حولهم وان الحديث يتناول ذكرهم ومعايبهم وتأويل سذاجتهم الى شيء من البلادة والحمق .. عند ذلك يدركون ان الكبار يحقرونهم ويوجهون اللوم والتقريع نحوهم دون ان يفهموا روحياتهم في حين ان هؤلاء الأطفال الأبرياء لا يعلمون السبب في توبيخهم وتأنيبهم ...
ولذلك يقول الامام الحسن العسكري (ع) : « جرأة الولد على والده في صغره تدعو الى العقوق في كبره » (1) .
ان عدم احترام الفرد وتحقيره في اسرته تولد ذلك النوع من الأفراد المليئين بالرواسب والعقد النفسية .
خرج المأمون العباسي للصيد يوما فمر اثناء الطريق برهط من الأطفال يلعبون ، ومحمد بن علي واقف معهم لم يتجاوز عمره آنذاك احدى عشر سنة ، فلما رآه الأطفال فروا بينما وقف الامام الجواد (ع) في مكانه ولم يفر ، هذا الامر أثار تعجب المأمون فسأله :
لماذا لم تلحق بالأطفال حين هربوا ؟
فقال له : « يا امير المؤمنين لم يكن الطريق ضيق لأوسعه عليك بذهابي ولم يكن لي جريمة فأخشاها ، وظني بك حسن ، انك لا تضر من لا ذنب له فوقفت ».
لقد تعجب المأمون من هذه الكلمات الحكيمة والمنطق الموزون والنبرات المتزنة للطفل . فسأله : ما اسمك ؟
قال : « محمد » .

(1) تحف العقول : ص 363 .
بناء الاسرة الفاضلة 21

قال : محمد ابن من ؟
قال : « ابن علي الرضا » .. عند ذلك ترحم المأمون على الامام الرضا (ع) ثم ذهب لشأنه (1) .
ان شخصية الامام الجواد (ع) تدل على تلك التربية التي تلقاها في حجر والده الامام الرضا (ع) ، وتلك النفسية العالية ، فلا الخوف من السلطان وجنوده او التحدث مع الكبار بتلك الصورة لتهز من كيانه وثقته بنفسه ، وليس غريبا الأثر الكبير للأسرة في الجانب النفسي والعاطفي والروحي على افرادها ، ومحاولة الدقة في التعامل مع افراد الأسرة في محاولة لتجنب الوقوع في اوحال الأمراض النفسية العديدة ، ولذلك فالاهتمام بكل امر له تأثير على هذا الجانب وحتى وان كان هذا التأثير في الطعام والمأكول فكثير من الأطعمة لها تأثير مباشراً او غير مباشر في نفسية وروحية افراد الأسرة ( وليس هناك شك في ان الشعور يتأثر بكمية الطعام وصنفه ) (2) .
وفي حديث عن الامام الرضا ( ع) : « ان الله تبارك وتعالى لم يبح اكلاً ولا شرباً الا لما فيه من المنفعة والصلاح ولم يحرم الا ما فيه الضرر والتلف والفساد » (3) .
وعندما سأل ابن عبد الله في قوله « فلينظر الانسان الى طعامه » (4).
قال : « علمه الذي يأخذه عمن يأخذه » (5) .

(1) بحار الأنوار : ج 50 ص 91 ح 6 .
(2) الإنسان ذلك المجهول : ص 232 .
(3) بحار الأنوار : ج 62 ص 166 .
(4) سورة عبس ، الآية : 24 .
(5) الكافي ج1 ص 50 باب في النوادر ح 8 .

الفهرس التالي التالي