المحسن السبط 558

فقال : بلى.
فقلت له : قد ضاع الهوى إمّا منّي وإمّا منك ، والمصلحة أن ننصف من أنفسنا ، وننظر ممن ضاع الهدى فنرده عليه.
فقال : نعم.
فقلت له : لا أحتج بما ينقله أصحابي لأنّهم متهمون عندك ، ولا تحتج بما ينقله أصحابك لأنّهم متهمون عندي أو على عقيدتي ، ولكن نحتج بالقرآن ، أو بالمجمع عليه من أصحابي وأصحابك ، أو بما رواه أصحابي لك ، وبما رواه أصحابك لي.
فقال لي : هذا انصاف. فقلت له : ما تقول فيما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما؟ فقال : حق بغير شك.
فقلت : فهل تعرف أنّ مسلماً روى في صحيحه عن زيد بن أرقم انّه قال ما معناه : انّ النبي ( صلى الله عليه وآله ) خطبنا في ( خم ) فقال : أيّها الناس إنّي بشر يوشك أن أدعى فاُجيب ، وإنّي مخلف فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ، اذكركم الله في أهل بيتي ، اذكركم الله في أهل بيتي ، اذكركم الله في أهل بيتي (1).
فقال : هذا صحيح.
فقلت : وتعرف انّ مسلماً روى في صحيحه في مسند عائشة أنّها روت عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) انّه لما نزلت آية : «إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً » (2)فجمع علياً وفاطمة والحسن والحسين ( عليهم السلام ) ، فقال : هؤلاء أهل بيتي (3).

(1) صحيح مسلم 7 : 122 ـ 123, وتفسير ابن كثير 4 : 114 في سورة الشورى ، وراجع كتاب ( علي إمام البررة ) 1 : 292.
(2) الأحزاب : 33.
(3) صحيح مسلم 7 : 130.
المحسن السبط 559

فقال : نعم هذا صحيح.
فقلت له : تعرف انّ البخاري ومسلماً رويا في صحيحيهما انّ الأنصار اجتمعت في سقيفة بني ساعدة ليبايعوا سعد بن عبادة ، وانّهم ما نفذوا إلى أبي بكر ولا عمر ، ولا إلى أحد من المهاجرين ، حتى جاء أبو بكر وعمر وأبو عبيدة لما بلغهم في اجتماعهم ، فقال لهم أبو بكر : قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين ـ يعني عمر وأبا عبيدة ـ فقال عمر : ما اتقدم عليك ، فبايعه عمر وبايعه من بايعه من الأنصار ، وانّ علياً ( عليه السلام ) وبني هاشم امتنعوا من المبايعة ستة أشهر (1).
وأنّ البخاري ومسلماً قال ـ فيما جمعه الحميدي من صحيحيهما _ : وكان لعليّ ( عليه السلام ) وجه بين الناس في حياة فاطمة ( عليها السلام ) فلما ماتت فاطمة ( عليها السلام ) بعد ستة أشهر من وفاة النبي ( صلى الله عليه وآله ) انصرفت وجوه الناس عن علي ( عليه السلام ) ، فلما رأى علي انصراف وجوه الناس عنه خرج إلى مصالحة أبي بكر (2) !
فقال : هذا صحيح.
فقلت له : ما تقول في بيعة تخلف عنها أهل بيت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) الذين قال عنهم انّهم الخلف من بعده وكتاب الله جل جلاله ، وقال ( صلى الله عليه وآله ) فيهم : اُذكركم الله في أهل بيتي ، وقال عنهم انّهم الذين نزلت فيهم آية الطهارة ، وانّهم ما تأخروا مدة يسيرة حتى يقال انّهم تأخروا لبعض الاشتغال ، وإنّما كان التأخر للطعن في خلافة أبي بكر بغير إشكال في مدة ستة أشهر ، ولو كان الإنسان تأخر عن غضب برد غضبه ، أو عن شبهة زالت شبهته بدون هذه المدة ، وانّه ما صالح أبا بكر على مقتضى حديث البخاري ومسلم إلاّ لما ماتت فاطمة ( عليهما السلام ) ورأي انصراف وجوه الناس عنه خرج عند ذلك إلى المصالحة ، وهذه صورة حال تدل على انّه ما بايع

(1) راجع ما ذكره البخاري ومسلم في النصوص التي مر ذكرها عنهما.
(2) تقدم ذلك عن البخاري وغيره, راجع النصوص التي مرت آنفاً.
المحسن السبط 560

مختاراً ، وانّ البخاري ومسلماً رويا في هذا الحديث ، انّه ما بايع أحد من بني هاشم حتى بايع علي ( عليه السلام ) !
فقال : ما اقدم على الطعن في شيء قد عمله السلف والصحابة.
فقلت له : فهذا القرآن يشهد بأنّهم عملوا في حياة النبي ( صلى الله عليه وآله ) وهو يرجى ويخاف ، والوحي ينزل عليه بأسرارهم في حال الخوف وفي حال الأمن وحال الصحة والإيثار عليه ما لا يقدروا أن يجحدوا الطعن عليهم به ، وإذا جاز منهم في حياته وهو يرجى ويخاف ، فقد صاروا أقرب إلى مخالفته بعد وفاته ، وقد انقطع الرجاء والخوف منه وزال الوحي عنه.
فقال : في أيّ موضع من القرآن؟
فقلت : قال الله جل جلاله في مخالفتهم في الخوف : «وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ» (1) فروى أصحاب التواريخ انّه لم يبق معه إلاّ ثمانية أنفس ، علي ، والعباس ، والفضل ، وربيعة ، وأبو سفيان ابنا الحارث بن عبدالمطلب ، واُسامة بن زيد ، وعبيدة بن اُم أيمن ، وروي أيمن بن اُم أيمن (2).
وقال الله جل جلاله في مخالفتهم له في الأمن : «وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ»(3) .
فذكر جماعة من المؤرخين انّه كان يخطب يوم الجمعة ، فبلغهم أنّ جمالاً جاءت لبعض الصحابة من مزينة ، فسارعوا إلى مشاهدتها وتركوه قائماً ، وما كان

(1) التوبة : 25.
(2) راجع كتاب علي إمام البررة 3 : 190.
(3) الجمعة : 11.
المحسن السبط 561

عند الجمال شيء يرجون الانتفاع به ، فما ظنّك بهم إذا حصلت خلافة يرجون نفعها ورياستها؟
وقال الله تعالى في سوء صحبتهم ما قال الله جل جلاله : «وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ »(1).
ولو كانوا معذورين في سوء صحبتهم ما قال الله جل جلاله : «فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ» وقد عرفت في صحيحي مسلم والبخاري معارضتهم للنبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في غنيمة هوازن لما اُعطي المؤلّفة قلوبهم أكثر منهم (2).
ومعارضتهم له لما عفا عن أهل مكة ، وتركه تغيير الكعبة واعادتها إلى ما كانت في زمن إبراهيم ( عليه السلام ) خوفاً من معارضتهم له (3) ، ومعارضتهم له لما خطب في تنزيه صفوان بن المعطل لما قذف عائشة ، وانّه ما قدر أن يتم الخطبة (4) ، أتعرف هذا جميعه في صحيحي مسلم والبخاري؟
فقال : هذا صحيح.
فقلت : وقال الله جل جلاله في ايثارهم عليه القليل من الدنيا : «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً» (5) وقد عرفت انّهم امتنعوا من مناجاته ومحادثته لأجل التصدق برغيف وما دونه ، حتى تصدّق علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) بعشرة دراهم عن عشر دفعات ناجاه

(1) آل عمران : 159.
(2) راجع سيرة ابن هشام 2 : 499.
(3) المصدر نفسه 2 : 300 _ 301.
(4) المصدر نفسه.
(5) المجادلة : 12.
المحسن السبط 562

فيها ، ثم نسخت الآية بعد أن صارت عاراً عليهم ، وفضيحة إلى يوم القيامة بقوله جل جلاله : «ءَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ »(1).
فإذا حضرت يوم القيامة بين يدي الله جل جلاله وبين يدي رسوله ( صلى الله عليه وآله ) ، وقال لك : كيف جاز لك أن تقلد قوماً في عملهم وفعلهم وقد عرفت منهم مثل هذه الاُمور الهائلة ، فأيّ عذر وأيّ حجة تبقى لك عند الله وعند رسوله في تقليدهم ، فبهت وحار حيرة عظيمة.
فقلت له : أما تعرف في صحيحي البخاري ومسلم في مسند جابر بن سمرة وغيره انّ النبي ( صلى الله عليه وآله ) قال في عدة أحاديث : لا يزال هذا الدين عزيزاً ما وليهم اثنا عشر خليفة كلّهم من قريش (2).
وفي بعض أحاديثه عليه وآله السلام من الصحيحين : لا يزال أمر الناس ماضياً ما وليهم اثنى عشر خليفة كلهم من قريش (3).
وأمثال هذه الألفاظ كلها تتضمن هذا العدد الاثني عشر ، فهل تعرف في الإسلام فرقة تعتقد هذا العدد غير الإمامية الاثني عشرية ، فإن كانت هذه أحاديث صحيحة كما شرطت على نفسك في تصحيح ما نقله البخاري ومسلم ، فهذه مصححة لعقيدة الإمامية ، وشاهد بصدق ما رواه سلفهم ، وإن كانت كذباً فلأيّ حال رويتموها في صحاحكم؟
فقال : ما أصنع بما رواه البخاري ومسلم من تزكيته أبي بكر وعمر وعثمان ، وتزكية تابعهم؟

(1) المجادلة : 13.
(2) صحيح مسلم, باب الناس تبع لقريش, ومسند أحمد 5 : 98 ، وفتح الباري 13 : 211.
(3) صحيح مسلم كتاب الامارة, وفتح الباري 13 : 211.
المحسن السبط 563

فقلت له : أنت تعرف انّني شرطت عليك أن لا تحتج عليَّ بما ينفرد به أصحابك ، وأنت أعرف انّ الإنسان ولو كان من أعظم أهل العدالة بمهما شهد من الاُمور مما يقبل فيه شهادة أمثاله قبلت شهادته ، والبخاري ومسلم يعتقدان إمامة هؤلاء القوم ، فشهادتهم شهادة بعقيدة نفوسهم ، ونصرة لرياستهم ومنزلتهم.
فقال : والله ما بيني وبين الحق عداوة ، ما هذا إلاّ واضح لا شبهة فيه ، وأنا أتوب إلى الله تعالى بما كنت عليه من الاعتقاد ....
قال السيد النقيب : فلما فرغ من شرط التوبة إذا رجل من ورائي قد أكبّ على يدي يقبّلها ويبكي ، فقلت من أنت؟ فقال : ما عليك اسمي ، فاجتهدت به حتى قلت : فأنت الآن صديق أو صاحب حق ، فكيف يحسن لي أن لا أعرف صديقي وصاحب حق عليَّ لاُكافيه ، فامتنع من تعريف اسمه ، فسألت الفقيه الذي في المستنصرية فقال : هذا فلان ابن فلان من فقهاء النظامية ، سهوت عن اسمه الآن.
وبهذا أنهى السيد ابن طاووس كلامه ، فرحمة الله عليه وأعلا مقامه.

المحسن السبط 564


دمعة ولاء حمراء
على المحسن حبيب الزهراء ( عليها السلام )

( للمحسن السقط ) حقٌ لو توفّيه (فالمحسن السبط ) مظلوم لتبكيه
ميلاده كان رزءاً حين نذكره للمصطفى جدّهِ حقاً نعزّيه
فابن البتولة لا ذكرى تقامُ له ورزؤه رزؤها مذ أُثكلت فيه
مولى هو الفذ في الدنيا بأجمعها فلا شبيه له فيها يوازيه
في أشهر الحمل ستاً نيّفت فعلت على السنين جهاداً حيث ترويه
من يومه بان وجه الزيف في صُحفٍ تُملى وتُتلى كما يرويه راويه
لولا رزيّته في يوم هجمتهم لم يعرف الناس مولى من أعاديه
إيهاً بني لُحمة التاريخ نوّلها نيل الولاة وأيديكم تسدّيه
ماذا جرى رحلة المختار مبدؤها أين انتهت؟ آخر الأنباء تحكيه
فقلتمُ غاب صحبٌ عن جنازته فأين راحوا؟ ولم غابوا؟ لنرويه
تصاهلت زمرُ الأطماع في زجل لخدمة الحكم تشويهاً بتمويه
وكان للأصفر الرنّان رنّته عجينة الفكر مطبوعاً بتشويه
فربّما حَدَثٌ قد جاء مبتراً لموقف الحق عن عمدٍ ليطويه
قالوا بنو قيلة ضمّت سقيفتهم عناصر الشر إذ سعداً تناحيه
فأسرع النفر الثالوث مقتنصا طيرَ الشواهين ما اصطادت لتلقيه


المحسن السبط 565

وقد جرى ما جرى والكلّ يعلمه علم اليقين بلا زيف وترويه
إنّ الأولى أسرعوا عافوا نبيّهم لم يحضروا الغسل لا دفناً يواريه
من ذا تولّى؟ لذا قالت روايتكم ما كان غير أبي السبطين يكفيه
قلتم عليٌ وأهلوه به اضطلعوا نفسي فداء عليٍ ثم أهليه
ما بارحوا حجرة طابت معالمُها وطاب تربٌ أجنّ المصطفى فيه
وخيّم الحزنُ في الأجواء جلّله خوف الغزاة لبيت مَن يحاميه؟
إذ أضمروا الحقد في غلواء أنفسهم أنّى عليٌّ له المختار يعليه
منذ الغدير فقد جاشت مراجلهم واستضعفوا حيدراً مذ غاب حاميه
شاهت وجوههم رغماً معاطسهم لولا الوصية مَن يقوى يدانيه
يا ( محسن السقط ) في الدنيا ونرثيه أنت ( المحسَّن ) في الأخرى نرجّيه
حدّث فديتك مظلوماً أفدّيه سِفر الشهادة بدءاً أنت ترويه
ياثالثاً شرف الأسباط سابقها سبق الشهادة جلّى في معاليه
ياأولاً لضحايا العُنف أسّسه حكمُ الأولى لم تزل تترى تواليه
يامنية العمر عند الأم ترقبه كيما تهدهده مهداً تناغيه
فصرت أول مظلوم قضيت وقد نلت الشهادة حملاً شُلّ جانيه
حدث فديتك بعض النثّ تبديه ليكشف الزيف ما التاريخ يطويه
ماذا لقيت من الأصحاب حين أتوا صحابةٌ ظلمت جَداً ذراريه
جاءت لبيتكمُ تغلي مراجلُها وألقت الجزلَ عند الباب توريه
خابت ظنون بني الأحقاد إذ حسبت بجمرة الحقدِ نور الله تطفيه
وجاوزوا الحدّ ضرب الطهر سوط جفا وعصرَها لَمصابٌ أنت تدريه
فأسقطتك على الترباء من وَجَلٍ بزحم قنفذ ياويلي مَواليه
يابن البتولة والجلى تؤرّقها قد هدّ حملُك من صبرٍ رواسيه


المحسن السبط 566

عمرٌ من الحمل ماتمت كواملُه فأسقطته لدى الأعتاب تلقيه
كانت تؤمّل أن يبقى ليؤنسها في وحشة الليل إذ يبكي تناغيه
كانت ترجّى بك الزهراء مؤنسها فخاب ظنٌ وكان الحزنُ تاليه

* * *

ياثاوياً جَدَثاً ضاعت معالمه في تربة البيت ربّ البيت يدريه
إن ضاع قبرك في الأجداث إنّ له من قلب كل وليّ مشهداً فيه
واسيت أمَك فيما قد ألمّ بها حتى بقبرك إذ تخفى مغانيه
روحي فداك فأين القبر ضمكما بيتٌ فقدّس ربّ العرش ثاويه
نفتّ أكبادنا حزناً ليومكمُ ماقيمة الدمع طوفاناً ونذريه
تلكم قلوبٌ تلظّت في محبتكم تُجنّ حبّكمُ طوراً وتبديه

* * *

ياسيدي وعزائي اليوم منصرفٌ للخمسة الصيد إذ كلاً نعزّيه
للمصطفى جدكم نزجي العزاء أسىً والمرتضى أبداً في الفضل تاليه
نفس النبي بآيٍ أنزلت فيه من ذا يقاس به فضلاً يوازيه
وأنزل الوحيُ هاروناً له شبها سماكمُ باسم ابناه لما فيه
فشابه الغدر وصفاً في صحابته قوم ابن عمران إذ خانوه في التيه
ثمّ العزاء لطهر كنت تؤنسها حملاً خفيفاً وجلّ الخطبُ ما فيه
بعدُ العزاء لسبطي أحمد فهما كانا الشقيقين في اسم وتشبيه

* * *

ياسادتي وحديث السقط ترويه مصادرٌ لجلجت عمداً بتمويه
كم حاول القومُ إنكاراً لمحسننا تخال غاشية الأضواء تخفيه
تسهّموه بأقوال لهم نُجمت عن سرّ فعل لأشياخ الجفا فيه
فأنكروا ذكره طوراً برمّته ودمدموا مثل مخبولٍ ومعتوه
وقال قومٌ فذا قدمات في صِغرٍ أنّى؟ وكيف؟ بذا ضاعت معانيه


المحسن السبط 567

وقارب الحقَ من أبدى حقيقته فذاك سقط له الزهراء تلقيه
وأمطروا ساحة التاريخ كذبهمُ غطّى النجودَ فغطّى الكذبُ واديه
وباع للحاكم النوكى ضمائرهم فقدّسوا ذكره الجاني بتنزيه
فأهملوا ما جرى ستراً لشُنعته إذ أنكروا ما إله الخلق مبديه
وضيّعت محسناً بغضاً لوالده وجاوزت حقدها حتى تعاديه
وهكذا جاء تاريخ صحائفُه تتلى وتكتب في أقلام ممليه
فاستنطقوا ( المحسن ) المظلوم كيف قضى؟ من ذا الذي باء وزراً من أعاديه؟
سلوا ( المحسّن ) عما دار في فلك بعد السقوط فمن قد كان جانيه؟
لا تأمنوا حَدَث التاريخ تكتبه زعانفُ الحكم توحيه وتمليه
واستنبطوا النص كشفاً عن دلالته وأعملوا الفكر في شتى نواحيه
لا تخدعوا بحديث شاده سندٌ فربّ آفة إسنادٍ لراويه
يا ( محسن السبط ) ما زالت ظلامتكم في ( محسن السقط ) عنواناً وتبديه
كم محسن من بني الزهراء أسقطه حقدُ العداة له التاريخ يخفيه
فابن البتولة قدماً مرّ مسقطهُ وقد أصات نعاء الاُم تبكيه
تقول ياوالدي ضاق الخناق بنا لما مضيت ) وباقي البيت ترويه
وابن الحسين سميٌّ كان مسقطه مثل السميّ شبيهٌ في مآسيه
فأمه سُبيت في أسر طاغيةٍ إلى الشئام لدى الشهباء تلقيه
لكنّ هذا وإن عزّت مصيبته ما زال مشهده الإملاك تحميه
يزوره الناس إيماناً ببقعته بالغرب من حَلَبٍ بالشوق تأتيه
لكنما عمّه ضاعت معالمه فضوّع المسكَ في أخبار راويه
فاستنشق العطر من ريّا معطّره وأمطرت لؤلواً حرّى مآقيه

المحسن السبط 568

يا ( محسنَين ) فعذراً إنّني كلف مستنطق زبر التاريخ ما فيه
هل كان حقاً لنا التاريخ يرويه كلاكما كان سقطاً من أعاديه؟
فربما انبثقت عفواً روايته عن وجه حق فذاك الحق يحميه
وتلك فلتة إنسان يسجلها في صحوة من ضمير فيه ما فيه
قالوا بأنّ البتول الطهر لطمتها أصابت القُرط فانداحت لئاليه
قالوا لنا حيدرٌ قد قيد مضطهداً قسراً بحبل وتاج الرأس يلويه
وقد رووا صرخة السبطين يشفعها رنين فاطمة الزهراء تبكيه
فكل هذا جرى والخصم يرويه ويبتغي سفهاً منّا نواليه
ونحن حجتنا قول النبي لهم والوا علياً وعادوا من يعاديه
ياسيدي وختام الشعر معتذرا أتيت أنفث وجدي في قوافيه
من طيب شهد علاك استاف عنبره فاقبل فديتك مشتاراً فتوفيه
فأنت أول من يشكو لخالقه من زحم قنفذ في الأخرى يشكّيه
لن يذهبن دمكم طلاّ ً بلا ترةٍ فسوف يأتي الذي دوماً نرجّيه
فاشفع فديتك في عبد يحبكمُ ويرتجي زلفةً ترقى مراقيه
ويحسن الله في الأخرى مثوبته ويبدل الله بالحسنى مساويه

8/ جمادى الثاني / 1425 هـ 94 بيتاً

المحسن السبط 569

تاريخ وضع ( اللمسات الأخيرة ) على كتاب ( المحسن )


تفضل به السيد الجليل العلاّمة السيد عبد الستار الحسني أحسن الله جزاه ، وله منّي جزيل الشكر ووافر الدعاء :
مَهْدِيُّ آلِ مُحَمَّدٍ آثارُه لِذَوَي الهُدى وَالْعِلْم ِ قُرَّةُ أَعْيُن
صُحُفٌ مُطَهَّرَةٌ ) حَوَتْ فِي طَيِّها آياً لِمُلْتَمِسِ الصِّراطِ الْبَيِّن
رَشَحاتُ مِرْقَمِهِ نَطَقْنَ شَواهِدا بَـ ( الأَوْحَدِيَّةِ ) فِيَ رقِيْم ِ الأَزْمُن
عَلَمُ الشَّرِيْعَةِ مِقْوَلُ الْحَقِّ الّذي بِيَمِيْنِهِ صَرْحُ الْمَعارِفِ قَدْ بُنِيْ
إِنْ كُنْتُ أَدَّخِرُ الْولاءِ لِمِثْلهِ وَأَرى مَوَدَّتَهُ شِعارَ تَدَيُّني
فَمَوَدَّةُ ( الأَشرافِ ) غايَةُ مَأْرَبي أَبَداً ، وَحُبُّ بَني النُّبُوَّةِ دَيْدَني
وولائيَ ( الْمَهْدِيَّ ) ضَرْبَةُ لازَبٍ كَولاءِ عِترَةِ أَحْمَدَ الْمُتَعَيّن
فَإلَيْهِمُ ضَرَبَتْ بِهِ أَعْراقُه فَهُوَ الْهِجانُ المَحْضُ غَيْرُ مُهَجَّنِ
لِلّهِ مِنْ خَوّاضِ عِلْم ٍ ليس يَسْـ أَمُ في تَتَبُّعِهِ الْحَثِيْثِ وَلا يَنيْ
وَالْيَوْمَ وافانا بأَكْرَم ِ تُحْفَة مِنْ رَوْضِهِ الْمُزْدانِ بالثَّمَر الْجَنيْ
عَنْ ( مُحْسِنٍ ) نَجْلِ الْبَتُولِ أَفاضَ فِي أَبْحاثِهِ بِعَزِيْمَةٍ لا تَنْثَنِيْ
وَأَقامَ فِي الْتَحقِيقِ غُرَّ شَواهِدٍ تَشْدُو بِتَقْرِيْظٍ لِمَنْهَجِهِ السَّنِيْ
هُوَ إِنْ نَطَقْتَ ( مُحَسِّنٌ ) أَوْ ( مُحْسِنٌ فَكِلاهُمَا نُقِلا بِضَبْطٍ مُتْقَن
لكنّما ( التخفيفُ ) شاعَ وَلَمْ يَكُنْ يَوْمَاً لِيُنْكِرَهُ فِصاحُ الأَلْسٌنِ
سَُِقطٌ ) (1) بِهِ زادَتْ ظُلامَةُ أُمِّه عُظْماً ، وَكُدِّرَ بَعْدَهُ الْعَيْشُ الْهَنِيْ
وَبِمُقْتَضى ( الإلْزام ِ ) جاءَ حَدِيْثُه ( مُتَشَيِّعٌ ) يَرْوِيْهِ عَنْ ( مُتَسَنِّنِ )


(1) وَضَعْتُ الحركاتَ الثَّلاثَ على كلمة ( سَُِقط ) لأنَّهُ مُثَلَّثُ الْسِّيْنِ.
المحسن السبط 570


أَعْظِمْ بِهِ سِفْراً سَما بِحَقائِق مِنْ قَبْلِهِ لِذَوِي النُّهى لَمْ تُعْلَنِ
رَقَمَتْ صَحائِفَهُ يَراعَةُ عَيْلَمٍ فَأَتى كَعِقْدٍ بالنُّضارِ مُزَيَّنِ
( فَنُّ الحِجاج ) بِما حَوى اقْتَعَدَ الذّرى بِحَصِيْفِ فِكْرِ الْنَّيْقَدِ ( الْمُتَفَنِّنِ )
أَوْفى على ( الأَسْفارِ ) في إسْفارِهِ إِذْ لاحَ شَمْسَ هِدايَةٍ لِلْمُوقِنِ
وَبِـ ( باءِ ) ( بِسْم ِ اللّهِ ... ) أَرَّخْناهُ : قَدْ أَحْيى (1) لَنا الْمَهْدِيُ ذِكْرى الْمُحْسِنِ

29 ـ 81 ـ 90 ـ 930 ـ 189


وكنت قد قلتُ بعد قولي : ( أوفي أعلى الأسفار ... ) سنة 1425 هـ :
ومُذِ ازْدَهَتْ للناظرين فصولُهُ وَتَدَفَّقَتْ بعطائها الثّرِّ الْغني
بأئمة الثَقَلَين أرّخْناهُ : قد أَحْيى لنا المهديُّ ذِكْرَ المُحْسِنِ
12 ـ 104 29 ـ 81 ـ 90 ـ 930 ـ 189


وأنتم تختارون ما يقع عليه الإختيار.

(1) أحيى يحيي مثل ألقى يُلقي ألِفُهُ منقلبة عن ( ياء ) فتكتب ألِفُهُ الأخيرةُ على صورةِ الياء وإن شاع على اسلات الأقلام كتابته بالألف ( أحيا ).
المحسن السبط 570


الملاحق


الملحق الأول :حول نسبة كتابة الإمامة والسياسة إلى ابن قتيبة
الملحق الثاني :كتاب المعارف لابن قتيبة وما لحقه من تحريف وتخريف
الملحق الثالث :المحسن بن الحسين ( عليه السلام )



المحسن السبط 572





المحسن السبط 573

الملحق الأول :حول نسبة كتابة ( الإمامة والسياسة ) إلى ابن قتيبة :
إنّ نسبة أيّ كتاب كان إلى مؤلف مخصوص لا تأتي اعتباطاً ، وشهرة النسبة تستبعد كثيراً من الاحتمالات المشككة ، وإذا كانت هناك مؤشرات ثبوتية يقوي بعضها بعضاً ، تحصل القناعة لدى من يرى صحة النسبة.
أمّا الذين تستحكم في نفوسهم شبهة عدم النسبة فلهم رأيهم ، والناس أحرار في آرائهم ، ولما كان كتاب ( الإمامة والسياسة ) لابن قتيبة من تلك الكتب التي حامت حوله الشبهة في صحة النسبة إلى ابن قتيبة ، وشكك غير واحد في صحة ذلك ، وأبدوا ملاحظات تمسكوا بها ، وبعضها لا يخلو من مناقشة كما سيأتي بيان ذلك.
وأول من أعلن تشكيكه ، بل نفى النسبة هو ( غاينفوس المجريطي ) ذكر ذلك في صدر كتابه عن الأندلس في سنة ( 1881م ) ثم تبعه دوزي وآخرون (1).
وساقوا أدلّة على ما يقولون ، نلخصها في النقاط العشر التالية :
1 ـ لم يذكره أحد ممن ترجم لابن قتيبة انّه له.
2 ـ ذكر في الكتاب فتح الأندلس نقلاً عمن شاهد ذلك ، وكان الفتح في سنة/ 92 قبل مولد ابن قتيبة بنحو مائة وعشرين سنة.
3 ـ ورد في الكتاب خبر يوهم بأن أبا العباس والسفاح شخصيتان متغايرتان ، كما ورد فيه : ان للمهدي ولد اسمه عبد الله ، وانّه هو الذي سمّه.

(1) شاكر مصطفى في كتابه التاريخ العربي والمؤرخون 1 : 241.

السابق السابق الفهرس التالي التالي