المحسن السبط 227

وهذا الخبر رواه ابن كثير في تاريخه (1) ، وفيه : انّ خالد قدم وعليه جبّة ديباج ، فلما رآها عمر أمر مَن هناك من الناس بتخريقها عنه ، فغضب خالد وقال لعلي بن أبي طالب : يا أبا الحسن أغلبتم يابني عبد مناف عن الامرة؟ فقال له علي : أمغالبة تراها أو خلافة؟ فقال : لا يغالب على هذا الأمر أولى منكم ، فقال له عمر بن الخطاب : اسكت فضّ الله فاك ، والله لا تزال كاذباً تخوض فيما قلت ثم لا تضر إلاّ نفسك ، وأبلغها عمر أبا بكر فلم يتأثر لها أبو بكر.
والخبر كسابقيه اعلامي سياسي لتبرير أمر الخلافة ، وانّ علياً مقرّ بشرعيتها.
النص الثامن : وروى عبد الرزاق (2) ، ( خصومة علي والعباس ) عن معمر ، عن الزهري ، عن مالك بن أوس بن الحدثان النصري ، قال : أرسل إليّ عمر بن الخطاب ... فبينا أنا كذلك جاءه مولاه فقال : هذا عثمان ، وعبد الرحمن بن عوف ، وسعد بن أبي وقاص ، والزبير بن العوام ... يستأذنون عليك ، قال : إئذن لهم.
ثم مكث ساعة ... فقال : هذا العباس وعلي يستأذنان عليك ، فقال : إئذن لهما ... فلما دخل العباس قال : اقض بيني وبين هذا ، وهما يومئذٍ يختصمان فيما أفاء الله على رسوله ( صلى الله عليه وآله ) من أموال بني النضير ، فقال القوم : اقض بينهما يا أمير المؤمنين ، وأرح كل واحد منهما من صاحبه فقد طالت خصومتهما ، فقال عمر : أنشدكم الله ... فلما قبض رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قال أبو بكر : أنا ولي رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بعده ، أعمل فيه بما كان يعمل رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فيها ، ثم أقبل على عليّ والعباس فقال : وأنتما تزعمان أنّه فيها ظالم فاجر ، والله يعلم أنّه فيها صادق بار تابع للحق ، ثم وليتها بعد أبي بكر سنين من إمارتي ، فعملت فيها بما عمل رسول الله وأبو بكر ، وأنتما تزعمان إنّي فيها ظالم فاجر ....

(1) تاريخ ابن كثير 7 : 3.
(2) المصنف 5 : 469.
المحسن السبط 228

وأخرج هذا الخبر الشيخان في صحيحهما بتحريف متعمد عند البخاري ، حيث حذف جملة ( ظالم فاجر ) في المقامين مع أنّه أخرجه عن عبد الرزاق بسنده ، ولم يذكر في الخبر عند كل من رواه انّ علياً والعباس تنصلا من كلمتهما واعتذرا عنها ، مما يدل على إصرارهما بأنّ أبا بكر ظالم فاجر ، وعمر مثله ظالم فاجر ، وما أدري هل شهادة عمر عليهما بذلك مقبولة عند العمريين أم لا.
النص التاسع : وروى عبد الرزاق (1) ، عن معمر ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة : إنّ فاطمة والعباس أتيا أبا بكر يلتمسان ميراثهما من رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، وهما حينئذٍ يطلبان أرضه من فدك ، وسهمه من خيبر ، فقال لهما أبو بكر : سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يقول : لا نورّث ، ما تركنا صدقة إنّما يأكل آل محمد ( صلى الله عليه وآله ) من هذا المال ... ، قال : فهجرته فاطمة ، فلم تكلمه في ذلك حتى ماتت ، فدفنها عليّ ليلاً ولم يؤذن بها أبا بكر.
قالت عائشة : وكان لعلي من الناس حياة فاطمة حبوة ـ كذا ـ فلمّا توفيت فاطمة انصرفت وجوه الناس عنه ، فمكثت فاطمة ستة أشهر بعد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ثم توفيت.
قال معمر : فقال رجل للزهري : فلم يبايعه علي ستة أشهر؟ قال : لا ، ولا أحد من بني هاشم حتى بايعه علي ، فلما رأى عليّ انصراف وجوه الناس عنه أسرع إلى مصالحة أبي بكر ، فأرسل إلى أبي بكر أن ائتنا ولا تأتنا معك بأحد ، وكره أن يأتيه عمر لما يعلم من شدّته ، فقال عمر : لا تأتهم وحدك ، فقال أبو بكر : والله لآتينّهم وحدي وما عسى أن يصنعوا بي؟.
قال : فانطلق أبو بكر فدخل على عليّ وقد جمع بني هاشم عنده ، فقام عليٌ فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال : أما بعد ، يا أبا بكر فإنّه لم يمنعنا أن

(1) مصنف عبد الرزاق 5 : 472 ـ 473.
المحسن السبط 229

نبايعك إنكار لفضيلتك ، ولا نفاسة عليك بخير ساقه الله إليك ، ولكنّا نرى أنّ لنا في هذا الأمر حقاً فاستبدتم به علينا ، قال : ثم ذكر قرابته من رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وحقهم ، فلم يزل يذكر ذلك حتى بكى أبو بكر.
فلمّا صمت عليّ ، تشهد أبو بكر فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ، ثم قال : أما بعد ، فوالله لقرابة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أحرى إلي أن أصل من قرابتي ، والله ما ألوت في هذه الأموال التي كانت بيني وبينكم عن الخير ، ولكنّي سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يقول : لا نورّث ، ما تركنا صدقةٌ ، وإنّما يأكل آل محمد في هذا المال ، وإنّي والله لا أذكر أمراً صنعه رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فيه إلا صنعته إن شاء الله.
ثم قال عليّ : موعدك العشية للبيعة ، فلمّا صلّى أبو بكر الظهر ، أقبل على الناس ثم عذر علياً ببعض ما اعتذر به ، ثم قام عليّ فعظّم من حق أبي بكر ، وفضيلته وسابقيته ، ثم مضى إلى أبي بكر فبايعه ، فأقبل الناس إلى علي ، فقالوا : أصبت وأحسنت ، قالت _ يعني عائشة ـ : فكانوا قريباً إلى علي حين قارب الأمر والمعروف.وهذا الخبر بطوله اختصره أحمد في المسند (1) ، والبخاري في صحيحه (2) اختصاراً مشيناً ومهيناً مع روايتهما له عن عبد الرزاق ، فلم يذكرا جملة : فهجرته فاطمة فلم تكلّمه في ذلك حتى ماتت ، إلى قوله : فمكثت فاطمة ستة أشهر بعد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ثم توفيت ، كما لم يذكرا سؤال رجل من الزهري عن عدم مبايعة الإمام لأبي بكر ستة أشهر ، ولا جوا ب الزهري.
ولم يذكرا انصراف وجوه الناس عن الإمام علي بعد موت فاطمة ( عليها السلام ) مما اضطره لأن أسرع إلى مصالحة أبي بكر ... ولم يذكرا أشياء أخرى فيها إدانة ، فتحمل وزر الخيانة ولم يؤد الأمانة ، والخبر كلّه من رواية الزهري الذي أوضح

(1) مسند أحمد 1 : 26 برقم 9.
(2) صحيح البخاري 5 : 20.
المحسن السبط 230

سبب المصالحة كما سمّاها فقال : لما رأى علي إنصراف وجوه الناس عنه أسرع إلى مصالحة أبي بكر ....
وهذا يعني مبلغ الجهد الذي كان يعانيه من ذلك الحصار الإجتماعي المضروب حوله ، وبالتالي حول بني هاشم ، وكأن قريشاً أعادت ذكرى الحصار الذي قاسوه منهم في أوائل البعثة بمكة أيام زعيمهم أبي طالب ، وهاهم اليوم يعيشون الحصار بشكل آخر مع ابن أبي طالب.
النص العاشر : وروى عبد الرزاق (1) عن معمر ، عن قتادة أنّ علياً قضى عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) أشياء بعد وفاته كان عامتها عدة ، قال : حسبت أنه قال : خمس مائة ألف.
قال عبد الرزاق : يعني دراهم ، قلنا لعبد الرزاق : وكيف قبض النبي ( صلى الله عليه وآله ) وأوصى إليه النبي ( صلى الله عليه وآله ) بذلك؟ قال : نعم ، لا أشك أنّ النبي ( صلى الله عليه وآله ) أوصى إلى علي ، فلولا ذلك ما تركوه أن يقضي.
وهذا الخبر علّق عليه محقق المصنف على قوله : ( وأوصى إليه النبي .... ) فقال : النص هكذا في ( ص ) والصواب عندي : ( وكيف قضى علي أو أوصى ... ).وقلت : مهما كان هو الصحيح فإنّ قوله ( صلى الله عليه وآله ) : عليّ منجز عدتي ، ورد في عدة أحاديث عن جماعة من الصحابة ، ولم يقل ذلك مرّة واحدة ، بل بدءاً من يوم حديث الانذار ثم ما بعده من الأيام (2).

(1) المصنف 7 : 294.
(2) راجع عليّ إمام البررة 1 : 87 ـ 90 ، ستجد قوله ( صلى الله عليه وآله ) في حديث الانذار : ( يضمن عنّي ديني ومواعيدي ، ويكون معي في الجنة ، ويكون خليفتي ووصيي من بعدي ) ، أخرجه أحمد في مسنده 2 : 265 ، ح883 ، تحقيق أبو الأشبال وقال : اسناده حسن ، وهذا رواه ابن كثير في تفسيره 3 : 350 ، وابن عساكر في تاريخه ( ترجمة الإمام ) 1 : 85 ، والهيثمي في مجمع الزوائد 8 : 302 ، وقال : رواه أحمد ورجاله ثقات ، وورد في منتخب كنز العمّال ( بهامش مسند أحمد 5 : 42 ) إلى غير ذلك من الأحاديث؛التي أثبتت الوصاية للإمام ، وأنّه يقضي الدين وينجز العداة.
المحسن السبط 231

النص الحادي عشر : وروى عبد الرزاق (1) ، عن معمر ، عن موسى بن إبراهيم ـ رجل من آل ربيعة ـ أنّه بلغه أنّ أبا بكر حين استخلف قعد في بيته حزيناً فدخل عليه عمر ، فأقبل على عمر يلومه ، وقال : أنت كلفتني هذا ، وشكا إليه الحكم بين الناس فقال له : أما علمت أنّ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قال : إنّ الوالي إذا اجتهد فأصاب الحكم فله أجران ، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر واحد ، قال : فكأنّه سهل على أبي بكر حديث عمر.
وقد روى عبد الرزاق عقب ما سبق بلا فصل خبراً رواه عن معمر عن قتادة أنّ علياً قال : القضاة ثلاثة : قاض ٍاجتهد فأخطأ في النار ، وقاض ٍرأى الحق فقضى بغيره في النار ، وقاض ٍ اجتهد فأصاب في الجنة. وفي هذا التعقيب نحو من التكذيب لما رواه عمر ، فلاحظ.
النص الثاني عشر : وروى عبد الرزاق (2) عن معمر ، عن رجل ، عن الحسن أنّ أبا بكر الصديق خطب فقال : أما والله ما أنا بخيركم ، ولقد كنت لمقامي هذا كارهاً ، ولوددت لو أنّ فيكم من يكفيني ، فتظنون أنّي أعمل فيكم سنة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) إذاً لا أقوم لها ، إنّ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) كان يُعصم بالوحي ، وكان معه ملك ، وإنّ لي شيطاناً يعتريني ، فإذا غضبت فاجتنبوني ، لا أوثر في أشعاركم ولا أبشاركم ، ألا فراعوني ، فإن استقمت فأعينوني ، وإن زغت فقوموني.
قال الحسن : خطبة والله ما خطب بها بعده (3).

(1) المصنف 11 : 328.
(2) المصنف 11 : 336.
(3) أخرجه ابن سعد في الطبقات عن وهب بن جرير عن أبيه عن الحسن 3 : 213 ، وأخرجه أحمد في مسنده من حديث قيس بن أبي حازم ، ولفظه مختصر 1 : 188 ( طبعة أحمد شاكر عن هامش المصنف ).
المحسن السبط 232

النص الثالث عشر : وروى عبد الر زاق (1) عن معمر قال : وحدّثني بعض أهل المدينة قال : خطبنا أبو بكر فقال : يا أيّها الناس إنّي قد ولّيت عليكم ولست بخيركم ، فإن ضعفت فقوموني ، وإن أحسنت فأعينوني ... أطيعوني ما أطعت الله ورسوله ، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم ، قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله. قال معمر : وأخبر فيه بعض أصحابي (2).
فهذان الخبران فيهما اعتراف أبي بكر بأنّه ليس بخير الصحابة ، وهذا ينسف ما يعدّه ابن عمر من قاعدة في التفضيل ، كما في الخبر الأول اعتراف ليس دون ما تقدم في الخطورة ، وهو أنّ له شيطاناً يعترية ، فحذّرهم من نفسه إذا غضب ، فهل كان أمره لعمر بجلب علي والزبير حين تخلفا عن بيعته : إئتني بهما بأعنف العنف ، من حضور الشيطان وساعة الغضب؟ ربما كان كذلك ، وربما كانت الخطبة من الدجل السياسي الذي عند الحاكمين يستعملونه في أول ولاياتهم يخادعون به الناس ، والله يخادعهم.

ما ذكره نصر بن مزاحم :

ثالثاً : ماذا عند نصر بن مزاحم ( ت 212 هـ ) ؟
فقد روى في كتابه وقعة صفّين (3) ، عن محمد بن عبيد الله ، عن الجرجاني ، قال : فبقي أصحاب علي يوماً وليلة ـ يوم الفرات ـ بلا ماء ، وقال رجل من السكون من أهل الشام يُعرف بالسليل بن عمرو : يا معاوية
اسمع اليوم ما يقول السليل إن قولي قول له تأويل
امنع الماء من صحاب علي أن يذوقــوه والذليل ذليل
واقتل القوم مثل ما قُتل الشـ ـيخ ظمــاً والقصاص أمر جميل


(1) المصنف 11 : 336.
(2) أخرج ابن سعد بعضه من حديث هشام بن عروة عن أبيه 3 : 182 ، ( عن هامش المصنف ).
(3) وقعة صفّين181 ـ 182.
المحسن السبط 233

إلى آخر أبيات سبعة.
فقال معاوية : الرأي ما تقول ، ولكن عمرو لا يدعني.
قال عمرو : خل بينهم وبين الماء ، فإنّ علياً لم يكن ليظمأ وأنت ريّان ، وفي يده أعنّة الخيل ، وهو ينظر إلى الفرات حتى يشرب أو يموت ، وأنت تعلم أنّه الشجاع المطرق ، ومعه أهل العراق وأهل الحجاز ، وقد سمعته أنا وأنت وهو يقول : لو استمكنت من أربعين رجلاً فذكر أمراً ، يعني لو أنّ معي أربعين رجلاً يوم فُتش البيت يعني بيت فاطمة.
وهذا النص بالرغم من تكتم الراوي على ما كان يفعله الإمام لو تمكن من أربعين رجلاً يوم فُتش البيت يعني بيت فاطمة ، فهو يكشف عن شيوع أمر الهجوم على بيت فاطمة ( عليها السلام ) بعد موت أبيها ، ولم يطرأ نسيان على ذكره بالرغم من مرور ربع قرن عليه ، فهو لا يزال في خزين الذاكرة عند أعداء علي فضلاً عن شيعته ، يتحدثون به عند مسيس الحاجة إليه للاستشهاد به.

ما ذكره ابن هشام :

رابعاً : ماذا عند ابن هشام ( ت 218 هـ ) ؟
وليس عنده من جديد ، بعد أن كان هو مصدرنا الوحيد ، فيما نقلناه عن ابن إسحاق ، وقد مرّ برقم/ 1 ، فراجع فليس ثمة من مزيد.

ما ذكره ابن سعد :

خامساً : ماذا عند محمد بن سعد كاتب الواقدي ( ت 231 هـ ) ؟
النص الأول : فقد روى (1) فقال : أخبرنا محمد بن عمر ، حدّثني معمر ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة قالت : إنّ فاطمة بنت رسول الله أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فيما أفاء الله على رسوله ، وفاطمة حينئذٍ تطلب

(1) الطبقات ( لمحمد بن سعد ) 2 : 273.
المحسن السبط 234

صدقة النبي التي بالمدينة وفدك وما بقي من خمس خيبر ، فقال أبو بكر : إنّ رسول الله قال : لا نورّث ما تركنا صدقة إنّما يأكل آل محمد في هذا المال ، وإنّي والله لا أغيّر شيئاً من صدقات رسول الله عن حالها التي كانت عليها في عهد رسول الله ، ولأعملنّ فيها بما عمل فيها رسول الله ، فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة منها شيئاً ، فوجدت فاطمة على أبي بكر فهجرته فلم تكلّمه حتى توفيّت ، وعاشت بعد رسول الله ستة أشهر (1).
النص الثاني : وروى (2) بسنده قال : لما ولي أبو بكر خطب الناس ... أيها الناس قد وليت أمركم ولست بخيركم ....
النص الثالث : وقال ابن سعد (3) : أخبرنا الفضل بن دكين وشعيب بن حرب قالا : حدّثنا مالك بن مغول عن مُصرِّف ، قال : سألت عبد الله بن أبي أوفى : أوصى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ؟ قال : لا ، قلت : فكيف كتب على الناس الوصية وأُمروا بها؟! قال : أوصى بكتاب الله ، قال : وقال هُذيل (4) : أكان أبو بكر يتأمّر على وصي رسول الله ، لودّ أبو بكر أنّه وجد من رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) عقداً فخزم أنفه بخزامة.
وهذا الخبر يكشف عن عمق الصدمة التي عاشها المجتمع الواعي في المدينة إثر بيعة أبي بكر ، فطلحة بن مصرف يعجب كيف لم يوص رسول الله ( صلى الله عليه وآله )

(1) أورده النويري بنصّه 18 : 1396.
(2) المصدر نفسه 3 ، ق 1 : 129.
(3) المصدر نفسه 3 ، ق 1 : 129.
(4) هكذا ورد اسمه في طبعة ليدن ، غير أنّ الصواب هو هزيل بن شرحبيل كما في 2 : 228 ، طبعة مكتبة الخانجي بمصر بتحقيق الدكتور علي محمد عمر, حيث ورد الخبر مرّة ثانية في الطبقات وفيه : قال هزيل بن شرحبيل : أأبو بكر كان يتأمر على وصي رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ؟ وقد أورد الخبر جماعة من المحدثين في كتبهم, راجع مسند أبي عوانة 3 : 475 ، وسنن الدارمي 2 : 496 ، ومسند البزار 8 : 298 ، وفتح الباري 5 : 361 ، والرياض النضرة 2 : 97.
المحسن السبط 235

إلى أحد ، وهو الذي كان يأمر الناس بالوصية ، فسأل عبد الله بن أبي أوفى ، وهذا الآخر يقول له : أوصى بكتاب الله ، وهذا جواب غير شافٍ ووافٍ بالمقصود ، ويبدو أنّ الرجل كان يخشى من رقيب حاضر ، دلّ على ذلك قول هذيل ، ولعلّ هذا هو الرقيب الذي نمّ على نفسه حين قال : أكان أبو بكر يتأمر على وصي رسول الله ، لود أبو بكر أنه وجد من رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) عقداً فخزم أنفه بخزامة؟
ولتنوير القارئ بمعرفة هؤلاء الأشخاص الثلاثة ، وأنّهم ليسوا بمتهمين عند الحاكمين وأتباعهم ، فليسوا هم من الشيعة.
فأولهم : طلحة بن مصرف ، وصفه ابن سعد في طبقاته (1) ، فقال : وكان قارئ أهل الكوفة يقرأون عليه القرآن ، فلما رأى كثرتهم عليه كأنّه كره ذلك لنفسه ، فمشى إلى الأعمش فقرأ عليه ، فمال الناس إلى الأعمش وتركوا طلحة.
ثم روى من أخباره ما دلّ على تواضعه وحسن خلقه ، إلى أن روى عن الحسن بن عمرو قال : قال طلحة بن مصرف : لولا انّي على وضوء أخبرتك بما تقول الشيعة؟ إذن فهو يرى إنّ حكاية ما تقول الشيعة من نواقض الوضوء ، أتريد فوق هذا دليل على مخالفته للشيعة وتعصبه ضدهم. وقد وثقه ابن سعد فقال : وكان ثقة له أحاديث صالحة.
وثانيهم : عبد الله بن أبي أوفى صحابي ترجمه ابن سعد في الطبقات (2) وذكره مرّة اُخرى (3) ، وقال فيهما : لم يزل بالمدينة حتى قبض النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، فتحوّل إلى الكوفة فنزلها حيث نزلها المسلمون ، وابتنى بها دارا في أسلم وكان قد ذهب بصره ، وتوفي بالكوفة سنة ست وثمانين ، وحكى عن الحسن أنّه آخر من مات من أصحاب النبي ( صلى الله عليه وآله ) بالكوفة.

(1) طبقات ابن سعد 6 : 215.
(2) المصدر نفسه 4 ، ق 2 : 36.
(3) المصدر نفسه 6 : 13.
المحسن السبط 236

وثالثهم : هو هذيل ، ولم ينسب في الخبر ، وفي طبقات ابن سعد (1) الهذيل بن بلال الفزاري ، وقال عنه : وكان ضعيفاً في الحديث ، فإن يك هو ذاك فيكفي ضعفه ، وإن يكن هو غيره فمن ذا هو ذلك المجهول؟
واحتمال التصحيف في اسمه وإنّه هزيل ، فقد ذكره ابن سعد في الطبقات (2) باسم الهزيل بن شرحبيل ووثقه ، ومهما يكن فالرجل على أحسن تقدير مأخوذ بالإعلام السياسي الذي أذاعه رواة الخالفين بأنّ النبي مات من دون أن يوصي إلى أحد.
وعلى أسوء تقدير انه زاد على ذلك أن جعل نفسه محامي دفاع حين قال : أكان أبو بكر يتأمّر على وصي رسول الله ، لودّ أبو بكر أنّه وجد من رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) عقداً فخزم أنفه بخزامة.
وإلا فمن ينكر وصاية الإمام علي عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) ينكر ضوء الشمس ، فبدءاً من حديث بدء الدعوة ، وانتهاء بحديث الغدير ، وما بينهما من أحاديث في سائر الأيام ، وكلها تتثبت انّ النبي ( صلى الله عليه وآله ) قال فيها لعلي : وصيي وخليفتي من بعدي ولكن للإعلام الكاذب أثره على عواطف الناس ، وفي المقام يردّ على هذيل المجهول في زعمه المرذول : أكان أبو بكر يتأمّر؟
نعم ، بل وتآمر حتى تأمّر ، وبين يدي القارئ النصوص الثابتة فليقرأ ويتدبّر ، كيف كانت بيعة أبي بكر.
النص الرابع : وروى في الطبقات (3) بسنده عن عائشة قالت : توفي رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بين سحري ونحري وفي دولتي لم أظلم فيه أحداً ، فعجبت من حداثة سني أنّ

(1) المصدر نفسه 7 ، ق 2 : 66.
(2) المصدر نفسه 6 : 122.
(3) المصدر نفسه 2 ، ق 2 : 50.
المحسن السبط 237

رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قبض في حجري ، فلم أتركه على حاله حتى يغسّل ، ولكن تناولت وسادة فوضعتها تحت رأسه ، ثم قمت مع النساء أصيح وألتدم ، وقد وضعت رأسه على الوسادة وأخّرته عن حجري.
وهذا الخبر يستبطن كذبه ، لعدة أمور :
منها : قولها : بين سحري ونحري وفي دولتي ، فماذا تعني بدولتها؟ وأيّ دولة كانت لها؟
ومنها : لم أظلم فيه أحداً ، وهذا يكشف عن ظلم اتهمت بارتكابه في زعمها الأول ، وهو دفع دخل كما يقولون.
ومنها : أنّها عجبت من حداثة سنّها كيف لم تترك النبي ( صلى الله عليه وآله ) على حاله في حجرها حتى يغسّل؟
ومنها : أنّها تناولت وسادة فوضعتها تحت رأسه ، وكأن الوسادة كانت بالقرب منها وتحت متناول يدها؟
ومنها : أنّها قامت تصيح وتلتدم مع النساء ، وقد وضعت رأسه على الوسادة ، وأخّرته عن حجرها بكل يسر وسهولة؟
وأخيراً : كلّ ذلك كان وحدث ، وكأنّ البيت خال لوحدها ليس ثمة أحد من أهل البيت لا رجالاً ولا نساء؟ وما أدري كيف يروي ابن سعد وغيره أمثال هذه الترهات التي لا يمكن تصديقها بأيّ وجه من الوجوه؟
وروى بسنده (1) عن عائشة : توفي رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) في بيتي وبين سحري ونحري ، وكان جبريل يدعو له بدعاء إذا مرض ، فذهبت أدعو له فرفع بصره إلى السماء وقال : في الرفيق الأعلى.

(1) المصدر نفسه2 ، ق 2 : 50.
المحسن السبط 238

قالت : فدخل عبد الرحمن بن أبي بكر وبيده جريدة رطبة فنظر إليها ، فظننت أنّ له بها حاجة ، قالت : فنضفت رأسها ونفضتها وطيبتها فدفعتها إليه فاستن بها كأحسن ما رأيت مستناً ، ثم ذهب يتناولها فسقطت من يده أو سقطت يده ، فجمع الله ريقي وريقه في آخر ساعة من الدنيا وأول يوم من الآخرة.
فأين ما في هذا الخبر مما سبق ذكره عنها؟ وإن بيت القصيد فيه ، هو الجمع بين ريقه ( صلى الله عليه وآله ) وريقها ولا تعجب كما عجب ابن أخيها القاسم بن محمد بن أبي بكر ، وذلك فيما رواه ابن سعد أيضاً من ذكر السواك الذي روى فيه ثلاثة أخبار عن عائشة (1) ، في كل خبر لديها كشف جديد ، وفي ثالثها رواه بسنده عن القاسم بن محمد بقول : سمعت عائشة تقول : كان من نعمة الله عليّ وحسن بلائة عندي ، انّ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) مات في بيتي وفي يومي وبين سحري ونحري ، وجمع بين ريقي وريقه عند الموت.
قال القاسم : قد عرفنا كل الذي تقولين فكيف جمع بين ريقك وريقه؟ قالت : دخل عبد الرحمن بن أمّ رومان أخي على النبي ( صلى الله عليه وآله ) يعوده وفي يده سواك رطب ، وكان رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) مولعاً بالسواك ، فرأيت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يُشخص بصره إليه ، فقلت : يا عبد الرحمن أقضم السواك ، فناولنيه فمضغته ثم أدخلته في فم رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، فتسوك به فجمع بين ريقي وريقه.
وهكذا تبقى عائشة تروي لنفسها اختصاصاً برسول الله ( صلى الله عليه وآله ) لم يحض به باقي أهل بيته ، وحتى ابنته فاطمة ( عليها السلام ) فضلاً عن باقي أزواجه ، فهو حكر لعائشة ، وهو من مروياتها فحسب ، فإن شئت أن تصدّق وإلاّ فلا.
النص الخامس : وروى ابن سعد في الطبقات (2) عن عبد الله بن نمير ، حدّثنا إسماعيل ، عن عامر ، قال : جاء أبو بكر إلى فاطمة حين مرضت فاستأذن ، فقال

(1) المصدر نفسه 2 ، ق 2 : 30.
(2) المصدر نفسه 8 : 17.
المحسن السبط 239

علي : هذا أبو بكر على الباب فإن شئت أن تأذني له ، فقالت : وذلك أحبّ إليك؟ قال : نعم ، فدخل عليها واعتذر إليها وكلّمها فرضيت عنه.
وهذا الخبر على ما فيه من آفة في الإسناد لوجود عامر ، فهو غير عامر في دينه ، وعامر هذا هو الشعبي المعروف بولائه للأمويين ، وهو قاضي الكوفة أيام عبد الملك بن مروان ، وفي تاريخه أيام القضاء مخازي أخلاقية ، يراجع عن بعضها كتاب ( علي إمام البررة ) (1) ، ومع غض النظر عن السند فإنّ في المتن ما يلزم البكريين بالإدانة لما يلي :
1 ـ مجيئ أبي بكر إلى فاطمة حين مرضت ربّما يستساغ خبره ، فابنة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) مريضة ، وأبو بكر جاء لعيادتها فلا شيء ، لكن قول علي لفاطمة ( عليها السلام ) : فإن شئت أن تأذني له ، يوحي بأنّ شيئاً مّا يمنع من الإذن له دون أخذ موافقة فاطمة ( عليها السلام ) ؟ فما هو ذلك الأمر؟ أهو الهجوم على بيتها بعد موت أبيها؟ وما جرى عليها من كسر ضلع وإسقاط جنين ، وغير ذلك ما سبب لها المرض ، ربما هو ذلك؟
أو هو مضافاً إليه منعها من حقها من الأرث والفيء والخمس والنحلة ، لذلك هجرته ووجدت عليه ، ولم تزل مغاضبة له حتى مرضت ، فجاءها يترضاها؟ وهذا هو الذي دلّ عليه الخبر في خبر ( فدخل عليها واعتذر إليها وكلّمها فرضيت عنه ) فثمة اعتذار ولا يكون إلا من جناية ، ثم ( وكلّمها فرضيت عنه ) ، وهذا لا يكون إلا عن غضب منها عليه.
وزعم الشعبي ( فرضيت عنه ) يكذبه ما جاء في صحيح البخاري ـ كما سيأتي ـ من حديث عائشة ، بأنّها ماتت وهي غضبى فانتظر رجباً ترى عجباً ، وأعجب من ذلك أن نقرأ الحديث عند ابن سعد بالصورة التالية :

(1) علي إمام البررة 2 : 323 ـ 334.
المحسن السبط 240

النص السادس : وروى ابن سعد (1) بسنده عن الزهري قال : أخبرني عروة بن الزبير أن عائشة أخبرته : أنّ فاطمة بنت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) سألت أبا بكر بعد وفاة رسول الله أن يقسم لها ميراثها مما ترك رسول الله مما أفاء الله عليه ، فقال لها أبو بكر : إن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قال : لا نورّث ما تركنا صدقة ، فغضبت فاطمة ، وعاشت بعد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ستة أشهر.
فهذا الخبر الذي قلنا أخرجه البخاري ـ كما سيأتي ـ وفيه ماتت وهي غضبى ، فهنا ذكر الغضب عليه ، ولم يرد ذكر للرضا عنه لكنه صرّح فيما ذكره بما هو أفظع من جميع ذلك أن يروي ابن سعد الخبر التالي :
النص السابع : روى (2) بسنده عن عائشة قالت : إنّ فاطمة بنت رسول الله أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فيما أفاء الله على رسوله ، وفاطمة حينئذٍ تطلب صدقة النبي التي بالمدينة وفدك ، وما بقي من خمس خيبر.
فقال أبو بكر : إنّ رسول الله قال : لا نورّث ما تركنا صدقة ، إنّما يأكل آل محمد في هذا المال ، وإنّي والله لا اُغيّر شيئاً من صدقات رسول الله عن حالها التي كانت عليها في عهد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، ولأعملنّ فيها بما عمل فيها رسول الله. فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة منها شيئاً ، فوجدت فاطمة ( عليها السلام ) على أبي بكر ، فهجرته فلم تكلمَه حتى توفيت ، وعاشت بعد رسول الله ستة أشهر.
النص الثامن : روى (3) بسنده عن إبراهيم ـ وهذا هو ابن سعد الزهري ـ قال : صلّى أبو بكر الصدّيق على فاطمة بنت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فكبّر عليها أربعاً.

(1) طبقات ابن سعد 8 : 18.
(2) المصدر نفسه 2 ، ق 2 : 86.
(3) المصدر نفسه 8 : 19.
المحسن السبط 241

ونحو هذا رواه الشعبي أيضاً من دون ذكر التكبيرات ، أتُريدون كذباً فوق هذا؟! ويبدو أنّ رواة السوء حاولوا فاشلين أن يشوشوا على المسلمين تاريخهم بذكر أكاذيب تعتيماً على الحقائق ومَن يصدقهم ، وأسفارهم تروي أيضاً ما يلي :
روى ابن سعد (1) بسنده عن عمرة بنت عبد الرحمن قالت : صلّى العباس بن عبد المطلب على فاطمة بنت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، ونزل في حفرتها هو وعلي والفضل بن عباس.
وروى ابن سعد (2) بسنده عن عروة : إن علياً صلّى على فاطمة.
وروى ابن سعد (3) بسنده عن الزهري قال : دُفنت فاطمة بنت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ليلاً ودفنها علي.
وروى ابن سعد (4) بسنده عن ابن شهاب ـ الزهري ـ قال : دفنت فاطمة ليلاً دفنها علي.
وكم من نظير نحو ما مرّ عن عروة ، وكسابقه عن عائشة ، وكسابقه عن يحيى بن سعيد ، وأخيراً :
روى ابن سعد (5) بسنده عن علي بن حسين ـ يعني زين العابدين ـ قال : سألت ابن عباس متى دفنتم فاطمة؟ فقال : دفنّاها بليل بعد هدأة ، قال : قلت : فمن صلّى عليها؟ قال : علي.
هذه جملة من النصوص التي رواها ابن سعد في طبقاته ، وفيها دلالة واضحة على ظلامة فاطمة الزهراء ( عليها السلام ).

ما ذكره ابن أبي شيبة :

سادساً : ماذا عند ابن أبي شيبة ( ت 235 هـ ) ؟
النص الأول : أخرج ابن أبي شيبة في كتابه المصنف (6) ، بسنده عن هشام ، عن

(1-5) المصدر نفسه 8 : 19.
(6) المصنف 12 : 139 ، برقم : 12355.

السابق السابق الفهرس التالي التالي