المحسن السبط 75

وجاء في حديث الحجاج مع الحسن البصري ، وقد سكت عن الخوض في سب الإمام : ترابي عراقي .(1)
ويكفي في شيوع ذلك اللقب على الشيعة ما جاء في مختصر فتح رب الأرباب بما أهمل في لب الألباب من واجب الأنساب (2) : ( الترابي ) إلى أبي تراب كنية أمير المؤمنين ـ كرّم الله وجهه ـ وهو في أيام بني أمية من يميل إلى أبي تراب المذكور ، وعلى ذلك جاء قول الكميت بن زيد الأسدي (3) :
وقالوا ترابيّ هواه ورأيه بذلك أدعى فيهم وألقّب
على ذلك أجري فيكم ضريبتي ولو أجمعوا طُراً عليّ وأجلبوا

نعود فنقول : إذا عرفنا جميع ذلك فهل يبقى مجال لمجرد التوهم ـ فضلاً عن الظن واليقين ـ أن علياً أحبّ أن يكتني بأبي حرب ، وهو الذي كانت كنيته أبا تراب ، وكنّاه بها رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، وكانت أحبّ كناه إليه؟ يا ترى ما الذي حدث لأن يحب ثانياً غير حبه الأول؟ وهل أبقى الحب الأول مكاناً ليحب ثانياً أن يكتني بأبي حرب؟
نعم ، اللهمّ إلاّ أن يطرأ طارئ فيزيل الحب الأول عن مكانه ، وهذا لم يحدث أبداً ، إذن ما الذي حدث حتى ذكروا أنّه أحب حرباً وأحب أن يكتني بأبي حرب؟ إنّ كل ما حدث هو أنّ الحكام الأمويين اتخذوا بطانة سوء ، تضع لهم ما يشاؤون من أحاديث بحسب أهوائهم ، فكان حديث حبّ الاكتناء بأبي حرب من بعض تلك المفتريات.

(1) شواهد التنزيل للحسكاني 1 : 94 ـ 95.
(2) مختصر فتح رب الأرباب : 10.
(3) الهاشميات : 36 ـ 37.
المحسن السبط 76

أولاً : فهم بهذا الحديث قد رفعوا بضبع جدهم حرب إلى أن جعلوا مثل الإمام يحب أن يكتني به .
ثانيا: بهذا الحديث قد ضيّعوا فضيلة للإمام علي ، وهي كنيته بأبي تراب التي كنّاه بها رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، وكانت أحبّ كناه إليه.
ثالثاً : وهم بهذا الحديث قد تزيدوا وتزايدوا في انتقاص الإمام ، إذ اختلقوا له سبباً هو مغاضبة الزهراء ( عليها السلام ) ، وبذلك يكون علي ممّن أغضب فاطمة ، ومن أغضبها فقد أغضب رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، كما مرّت الإشارة إلى ذلك.
كل ذلك رواه لهم رواة السوء ، وأثبته من جاء بعدهم في كتبهم أمثال البخاري ممّن لا يخفى نصبه وعناده.
رابعاً : جعلوا من حديث الاكتناء بأبي حرب دليل اثبات على ولادة المحسن السبط ( عليه السلام ) على عهد جده النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، وهذا هو بيت القصيد في معزوفة الأمويين ، وزادوا في الطين بلّة أن تقوّلوا على الإمام أمير المؤمنين ( عليه السلام ) بأنه قال : أما حسن وحسين ومحسن فإنّما سمّاهم رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، وعقّ عنهم ، وحلق رؤوسهم ، وتصدّق بوزنها ، وأمر بهم فسرّوا وختنوا.
وهذا ما أخرجه الطبراني وابن عساكر فيما نقله عنهما المتقي الهندي في كنز العمّال (1) ، وبذلك يكون الستار قد أسدل على جريمة قتله سقطاً ، وهو حمل لم تكتمل شهور حمله.
وهذا هو المطلوب للأمويين وأشياعهم ، ولسوف نقرأ في النقطة السادسة أنّ هذا ما وراء الأكمة.
وقبل أن أودّع القارئ في حديثي عن كنية الإمام بأبي تراب أحب له أن يقرأ ما قاله أمير الشعراء أحمد شوقي حين يخاطب الإمام بكنيته تلك ، ويستعرض

(1) كنز العمال 16 : 268.
المحسن السبط 77

بأسى ومرارة ما لاقاه من أولئك الذئاب على حد تعبيره ، فاقرأ ما يقوله في كتابه دول العرب وعظماء الإسلام (1) :
مالك والناس أبا تراب ليس الذئاب لك بالأتراب
هم طـرّدوا الكليم كل مطردِ وأتبعوا عصاه بالتمرّدِ
وزيّن العجل لهم لما ذهب وافتتنوا بالسامريّ والذهب
وبابن مريم وشوا ونمّوا واحتشدوا لصلبه وهمّوا
وأخرجوا محمداً من أرضه وسرحت ألسنهم في عرضه

إلى أن قال :
وهب من لحقّك اختلس وفجعوك بالصلاة في الغلس
واشرقوا الحسين بالدماء ملوّحاً بين عيون الماء
فاسم سمّو الزاهد الحواري في درجات القرب والجوار
إن زال مُلك الأرض عنك من مَلَك يا طول مُلكٍ في السماء تم لك


(1) دول العرب وعظماء الإسلام : 58.
المحسن السبط 78




المحسن السبط 79

النقطة السادسة

ماذا وراء الأكمة؟


النقطة السادسة : وأخيراً _ لا آخراً _ ماذا وراء الأكمة من تعتيم وظلمة لتضليل الأمة؟
لقد سبق منّا في استعراض البيانات السابقة ما انتهينا إليه من النتائج التالية ، ففي البيان الأول قرأنا :
كشفاً بمصادر الحديث المزعوم في حب علي أن يكتني بأبي حرب ، واستعرضنا اختلاف صوره والتفاوت تزيّداً ونقصاناً في حديث الراوي الواحد في المصادر.
وقرأنا في البيان الثاني حال رجال الاسناد ، وما قاله أئمة الجرح والتعديل منهم ، وانتهينا إلى زيف حالهم ، وقرأنا في البيان الثالث عن متن الحديث النقاط الخمس الآتية ، فكانت النتائج كما يلي :
في النقطة الأولى حول تحقيق اسم ( حرب ) وهل هواسم معنى أم أسم علم؟ وأنّ المطلوب لصنّاعي الحديث هو الثاني.
وفي النقطة الثانية كان التحقيق في اسم ( حرب ) هل كان محبوباً أو مبغوضاً ، وانتهينا إلى أنّ اسم حرب من الأسماء المبغوضة.
وفي النقطة الثالثة بحثنا عن السرّ وراء إصرار الإمام على التكنية بأبي حرب مع أنّه اسم مبغوض شرعاً ، وما يعني منه ذلك الإصرار المزعوم ـ إن صدق رواة

المحسن السبط 80

الأخبار _ وانتهينا إلى أنّ سماسرة الوضاعين أرادوا تشويه تاريخ الإمام باثبات مخالفاته ـ كما يزعمون ـ لما جاء عن النبي ( صلى الله عليه وآله ).
وفي النقطة الرابعة استعرضنا تاريخ حرب وآل حرب ، ومواقفهم من علي وآباء علي مما لا يمكن تصديق أن يكون علي يحب أن يكتنى باسم عدو لدود هو وآله لعلي وآله.
وفي النقطة الخامسة بحثنا موضوع كنى الإمام ، وهل كانت له كنية قبل أن يولد له ولد فيكنّى به؟ وأثبتنا أنّه كان يكنّى بأبي تراب ، وهي كنيته لم يعرف بها أحد سواه ، وهي كانت من أحبّ كناه إليه ، لأنّ النبي ( صلى الله عليه وآله ) هو الذي كنّاه بها ، كما أنّها كانت من أبغض كناه إلى أعدائه ، فكان بنو أمية يستهزئون بها ، ويعيّرون شيعته بها ، ويأمرون بسبّه بها.
وما حديث سهل بن سعد الساعدي إلا في ذلك ، قال أبو الفرج في مقاتل الطالبيين (1) : وذكر سهل بن سعد الساعدي أنّ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) كنّاه بأبي تراب ، وكانت من أحبّ ما يكنّى به إليه ، وكانت بنو أمية دعت سهل إلى أن يسبّه على المنبر ، ثم ساق أبو الفرج حديث سهل في سبب الكنية ، وفي آخره قال : وكنّا نمدح علياً إذا قلنا له أبو تراب.
وذكر أيضاً قول سهل : إن كان لأحب أسماء علي إليه أبو تراب ، وان كان يفرح أن يدعى بها ، وما سمّاه بذلك إلاّ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ).
وهذا كله ، وجميع ما مر من نقاط بالغة الأهمية ، ليس بذي بال ، إذا ما رجعنا إلى الحديث المزعوم ، ورأينا ما في غيابته وغياهبه ، من مزاعم مكذوبة تثبت

(1) مقاتل الطالبيين : 25 ، وانظر تاريخ بغداد 1 : 133 ، مرآة الجنان 1 : 108؛ ومسند أحمد 4 : 263؛ وإرشاد الساري للقسطلاني 6 : 138؛ وعمدة القاري 22 : 214؛ وصفة الصفوة 4 : 145.
المحسن السبط 81

ولادة ( المحسن ) الوليد الثالث من أولاد علي الذكور على عهد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، وبهذا بدت غياهب الظُلمة من الظَلَمة ، وبدأت نسائج الأفاكين تلفّ حقائق الواقع المرير عن أنظار الأمة ، لتختفي معالم الجريمة ، ويلفّها الغموض ولا أقل من الشك في مأساة ولادة المحسن السبط ، هل هو مولود أم سقط؟
وهذه هي الغاية في تلبيس إبليس من أصحاب التدليس ، لغرض التشويه والتمويه ، فوضعوا حديث الإكتناء بأبي حرب ، ولو لم يحصل لهم إلا الطعن في شخصية الإمام أمير المؤمنين ( عليه السلام ) طعناً لا هوادة فيه ، إذ طعنوه في دينه ، وطعنوه في سلوكه ، وطعنوه في فهمه وعلمه ، كل ذلك ما يوحي به حديثهم المزعوم ، والذي رواه الخصوم ، وتسرب إلى غيرهم ممّن أحسن ظناً بهم ، دون الالتفات إلى ما يقتضيه لو التفت إليه.
ولا أود أن أستبق النتائج السيّئة لهذا التعتيم المتعمد ، بل علينا أن نقرأ عن ( المحسن ) شيئاً نستجلي به حقائق الأمور ، وأقولها بكل صراحة ومرارة ، إنّ هذا الوليد لئن ظلم عن عمد من أعداء أبيه وأمه ، فقد ظلم عن غير عمد من شيعة أبيه وأمه أيضاً ، حيث نجد مصادرهم المعنية بذكره تمر على ذكره مروراً عابراً ، ولم يخص ـ ولو بشيء يسير _ كما خص أخواه الحسن والحسين ( عليهما السلام ).
ولا أعني بتآليف خاصة ، لأنّه لم ير نور الحياة الدنيا حتى يكون له دور فيها ، بل أسقط جنيناً ولما تكتمل مدة حمله.
ولهذا فإنّي ليس عندي من جديد عنه سوى ما أسجله مما وصلت إليه يدي من مختلف المصادر السنيّة حول موته ، عسى أن أكون قد أديت بعض حقه في نصرته مظلوماً ضاع حقه في الحياة كما ضاع قبره بعد الممات ، وإنّا لله وإنّا إليه راجعون.

المحسن السبط 82

جاء في معجم الطبراني الكبير (1) ما رواه عبد الله بن عمر قال : بينما أنا مع النبي ( صلى الله عليه وآله ) في ظل بالمدينة وهو يطلب علياً ( رضي الله عنه ) ، إذ انتهينا إلى حائط ، فنظرنا فيه ، فنظر إلى علي وهو نائم في الأرض وقد اغبرّ فقال : ( لا ألوم الناس يكنونك أبا تراب ) فلقد رأيت علياً تغيّر وجهه واشتد ذلك عليه فقال : ( ألا أرضيك يا علي؟ ) قال : بلى يا رسول الله قال : ( أنت أخي ووزيري تقضي ديني وتنجز موعدي وتبرئ ذمتي ، فمن أحبّك في حياة مني فقد قضى نحبه ، ومن أحبك في حياة منك بعدي ختم الله له بالأمن والإيمان ، ومن أحبك بعدي ولم يرك ختم الله له بالأمن والإيمان وآمنه يوم الفزع الأكبر ، ومن مات وهو يبغضك يا علي مات ميتتة جاهلية يحاسبه الله بما عمل في الإسلام ).
أقول : لقد علّق السلفي محقق الكتاب فقال : قال في المجمع ( 9/ 121 ) وفيه من لم أعرفه ، قلت : ـ والقائل هو السلفي ـ يقصد عبد الله بن محمد الطهوي ، ومع هذا فيه ليث بن أبي سليم وعرفت حاله ، ومحمد بن يزيد أبو هشام الرفاعي وهو ضعيف.
أقول : إنّ الخدش في اسناد هذا الحديث بضعف وجهالة بعض رجاله تهرباً مما جاء في آخر متنه مما ينطبق على السلفي وأضرابه ، مع أنّهم يقولون كما قال إمامهم وشيخ حديثهم الإمام أحمد بن حنبل : فهذه الرواية ذكرت ما يجري قبل وقوعه ، وقائلها النبي ( صلى الله عليه وآله ) : «وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الهَوَى إنْ هُوَ إلا وَحْيٌ يُوحَى عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوَى »(2)
وقد صدّق الخبرُ الخَبر ، وجاءت الأخبار بحدوث ما جرى يوم الاسقاط ، وليس هو عند من رواه كان كشهاب برز فجأة من المجهول ، وتوهج ساعته في

(1) المعجم الكبير للطبراني 12 : 321.
(2) النجم : 3 ـ 5.
المحسن السبط 83

الظلام على غير انتظار وانتظام ، ثم ذاب وانتهى الأمر وضاع في غياهب الكون الفسيح ، لا ليس كذلك ، ولا ينبغي أن يتخيل بأنّه حدث بافتعال ، نتيجة تشنّج وانفعال ، لا وليس كذلك.
( فلا شيء في التاريخ يحدث على هذا النحو ، لأنّ التاريخ سياق متصل ، وإذا ظهرت أمامنا في سياقه فجوات ، فهذه الفجوات في الحقيقة حلقات ناقصة في علمنا بما جرى ويجري ) (1)
والآن إلى الباب الثاني فيما يخص المحسن السبط ( عليه السلام ).

(1) محمد حسنين هيكل / حديث المبادرة : 45.
المحسن السبط 84




المحسن السبط 85


الباب الثاني

المحسن السبط مولود أم سقط؟


وفيه ثلاثة فصول :
الفصل الأول :فيمن ذكر المحسن ولم يذكر شيئاً عن ولادته ولا عن سقوطه
الفصل الثاني :فيمن ذكر المحسن السبط وانّه مات صغيراً.
الفصل الثالث :فيمن ذكر المحسن السبط وانّه سقط.

المحسن السبط 86




المحسن السبط 87

تمهيد :

والبحث فيه عن المحسن السبط هل مولود أم سقط؟ وذلك من خلال ثلاثة فصول نستعرض فيها ما قاله المؤرخون والنسابون من أهل السنة خاصة.
الفصل الأول : فيمن ذكر المحسن السبط ولم يذكر شيئاً عن ولادته ولا عن سقوطه.
الفصل الثاني : فيمن ذكر المحسن السبط وانّه مات صغيراً.
الفصل الثالث : فيمن ذكر المحسن السبط وأنّه سقطٌ.
وفي خلال هذا الفصل قد نمرّ ببعض المصادر الشيعية ، لأنّها تسلّط الضوء على ما أبهم ذكره ، واستبهم ـ عن عمد ـ أمره.
ولابد لنا من المرور بالمصادر التاريخية التي ذكرت المحسن كحقيقة ثابتة ، لها وجود خارجي وليس وجوداً ذهنياً أو خيالاً وهمياً.
وليكن البحث في المصادر السنية المعتبرة لدى الباحثين ، لنرى من هم من أصحابها الذين ذكروا المحسن ، سواء ذكروه مولوداً ، أم قالوا عنه مات صغيراً ، أم قالوا عنه مات سقطاً (1).

(1) وتمادى الغي ببعضهم فقالوا : إنّ محسناً ولدته فاطمة في زمن النبي ( صلى الله عليه وآله ) سقطاً ، وقد أشار اليهم الحافظ ابن شهرآشوب السروي في مقدمة كتابه مناقب آل أبي طالب 1 : 5. بقوله : وجماعة من السفساف_ الرديّ _ حملهم العناد على أن قالوا : كان أبو بكر أشجع من علي ، وأن مرحباً قتله محمد بن مسلمة ، وأن ذا الثدية قتل بمصر ، وأن في أداء سورة براءة كان أبو بكر أميراً على علي ، وربما؛ قالوا : قرأها أنس بن مالك ، وأنّ محسناً ولدته فاطمة في زمن النبي ( صلى الله عليه وآله ) سقطاً ، وأن النبي ( صلى الله عليه وآله ) قال : إنّ بني هشام بن المغيرة استأذنونني أن ينكحوا ابنتهم علي بن أبي طالب فلا آذن لهم إلا أن يريد ابن أبي طالب أن يطلق ابنتي وينكح ابنتهم, وان صدقة النبي كانت بيد علي والعباس فمنعها علي عبّاساً فغلبه عليها ، ومن ركب الباطل زلت قدمه وزيّن لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل وما كانوا مستبصرين ، انتهى.ولعل مراد الحافظ بما أراد جعل موت المحسن سقطاً في أيام النبي ( صلى الله عليه وآله ) ما سيأتي تعقيباً على الفصل الأول.
المحسن السبط 88

ومن المجازفات الخطيرة إنكار وجوده بعد أن نجد ما يناهز المائة مصدر من المصادر تذكره ، ولا يختص الشيعة بذكره ، والإنكار ليس يغني المنكر شيئاً ، ولئن قال عمر أبو النصر : ( واختلف المؤرّخون في وجوده كما قدمنا ، وإن كان اليعقوبي والمسعودي وغيرهما يؤكدون وجوده ) (1) ، وقال أيضاً نحو ذلك وذكر المسعودي ، وأبا الفداء (2)، فإنّا سنذكر المصادر التي نيّفت على المائة وليس بينها المسعودي واليعقوبي ، لئلاّ يقال أنّهما من الشيعة.
ثم من الطبيعي أن نقرأ أولاً كتب الأنساب؛ لأنّها تعد من المصادر التاريخية التي يرجع إليها في مثل المقام ، ولأنّها تعنى بذكر الأعقاب ، غير أنّا نرى بعضها أهملت ذكر المحسن ، فلا نقف عندها طويلاً في الحساب ، فلعلّ بعضها إنّما لم تذكره سداً لباب السؤال والجواب ، فمتى ولد وكم عاش؟ وكيف انتهى أمره؟ وفي الجواب على ذلك يعني كشف ما لا يريدون البوح به ، إما تقية ، أو ستراً على بعض الرموز.
ومهما كان السبب فلنا في المصادر التي ذكرته كفاية ، وأصحابها كلّهم من أعلام المؤرخين والنسابين ، وهم من أهل السنة ، وإنّما اخترناهم من بين سائر الفرق؛ لأنّهم أحرى بالقبول عند الخصم المنكر للمحسن ، وأبعد عن تطرق الريب فيما يروون مما فيه إدانة السلف ، وألزم للمعاند من الخلف ، على أنّ

(1) فاطمة بنت رسول الله محمد ( صلى الله عليه وآله ) : 44.
(2) المصدر نفسه : 93 ، في الهامش.
المحسن السبط 89

المصادر الشيعية هي أوثق نقلاً في المقام ، وأقوى حجة عند الخصام ، ولكن لا تقطع ألسنة المعاندين من السلفيين ، لذلك لا نذكر منها إلا ما ألقى ضوءاً على ما رواه الغير وفيه تعتيم وإبهام ، والآن إلى معرفة تلك المصادر ، والبحث في ثلاثة فصول :
الفصل الأول : فيمن ذكرت المحسن فقط ، وطوت ذكر شيء عن موته.
الفصل الثاني : فيمن ذكرته ، وفيها أنّه مات صغيراً.
الفصل الثالث : فيمن ذكرته وقال أصحابها : مات سقطاً.
وهؤلاء أقوى جناناً وأفصح بياناً ، ومع ذلك فلا يخلو بعضهم من تأثير الرواسب الموروثة عليه ، كما سنقرأ ماذا قال أصحاب المصادر في الغابر والحاضر ، وحسبنا في المقام أن نسوق للقارئ شاهداً على ذلك ما قاله بعض الكتاب المصريين ممّن زعم له نسباً كما جاء لقبا ، وهو علي جلال الحسيني ، فقد قال في كتابه« الحسين عليه السلام (1) :
قال محمد بن طلحة الشافعي في مطالب السؤول في مناقب آل الرسول : إنّ أقوال الناس اختلفت في عدد أولاد علي ( عليه السلام ) ، فمنهم من أكثر فعدّ السقط ، ومنهم من أسقطه ولم ير أن يحتسب به ، فجاء قول كل واحد بمقتضى ما اعتمده في ذلك ....
( ثم ذكر الأولاد نقلاً عن صفوة الصفوة وغيره من تآليف الأئمة المعتبرين ... ).
ثم قال : وذكر قوم آخرون زيادة على ذلك ، وذكروا فيهم محسناً شقيقاً للحسن والحسين كان سقطاً ، وروى نور الدين علي بن محمد بن الصباغ في الفصول المهمة مثل ذلك وقال : وذكروا أنّ فيهم محسناً شقيقاً للحسن والحسين ، ذكرته الشيعة وأنّه كان سقطاً.

(1) مقتل الحسين وما يتعلق به ونساؤه وأولاده : 115 ـ 117 ، في كلامه في ( أخوة الحسين ).
المحسن السبط 90

ثم قال علي جلال في الكتاب الثاني ( محسّن ) : قال الزرقاني في شرح المواهب ، والصبان في إسعاف الراغبين : مُحَسِّنْ _ بضم الميم وفتح الحاء وكسر السين مشددة ـ وقد روينا في أوّل هذا الكتاب انّه لما وُلد سماه جدّه رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) محسّناً وهو الصحيح ، وقال بعضهم : إنّه كان سقطاً ، قال الصبان في اسعاف الراغبين (1) : محسن أدرج سقطاً.
وقال أحمد بن محمد القسطلاني في المواهب اللدنية (2) : مات محسّن صغيراً ، وكذلك قال ابن الأثير في اُسد الغابة (3) : توفى المحسّن صغيراً ، أخرجه أبو موسى.
وقال السيد محمود الآلوسي في شرح القصيدة العينية (4) عند ذكر أولاد فاطمة ( رضي الله عنها ) : ومن الناس من يذكر من أولادها الذكور محسّناً ، وقد مات صغير جداً ، وزعم الشيعة أنّه كان سقطاً لقصة يكذبونها مما لا أصل له.
وقال المفيد في الارشاد (5) : وفي الشيعة من ذكر أنّ فاطمة صلوات الله عليها أسقطت بعد النبي ( صلى الله عليه وآله ) ذكراً ، كان سماه رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وهو حمل محسناً.
وقال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة (6) : من الأمور الشنيعة المستهجنة التي ذكرها الشيعة أنّ عمر أضغط فاطمة ( عليها السلام ) بين الباب والجدار ، فصاحت يا أبتاه يا رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، وألقت جنينها ميتاً.
ثم قال علي جلال الحسيني المصري تعقيباً على جميع ما مرّ :

(1) اسعاف الراغبين : 63.
(2) المواهب اللدنية 1 : 258.
(3) اُسد الغابة 4 : 308.
(4) شرح القصيدة العينية : 71.
(5) الارشاد للمفيد 1 : 190.
(6) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 2 : 13 .
المحسن السبط 91

ورأيي أنّ هذه القصة لا أصل لها ، لأنّ عمر كما كان شديداً في دينه ، صلباً في حق الله ، كان رحيماً بالضعيف ، رؤوفاً بالمسلمين ، بريئاً من ارتكاب مثل هذه الجناية ، ولو كان لها أصل لصدقها جميع الشيعة.
هذا ما ساقه علي جلال وما قاله ، وما أظن أنّه خفي على القارئ تأثير الرواسب الموروثة فيما حكاه عن غيره وما قاله من نفسه ، ومهما يكن فلنقرأ الآن ما في الفصول الثلاثة ، ولننظر هل أنّ المحسن السبط مولود أم سقط؟

المحسن السبط 92




المحسن السبط 93


الفصل الأول

فيمن ذكر المحسن من أولاد أمير المؤمنين وفاطمة ( عليهما السلام )

وبدءاً فليعلم القارئ أنّ من هؤلاء من يأتي ذكره مكرراً في الفصل الثاني أيضاً ، وربما في الفصل الثالث أيضاً؛ لأنّه يدخل في عنواني الفصلين فتنبه.
1 ـ محمد بن إسحاق ( ت 151 هـ ) في كتاب السير والمغازي (1) ، وذكر حديث الاكتناء بأبي حرب وفيه ذكر المحسن ، وقد مرّ في الباب الأول.
2 ـ محمد بن سعد ( ت 231 هـ ) في الطبقات ، وقد مرّ ذكر حديثه في الباب الأول من هذه الرسالة ( صحة السلب عن حديث اكتناء الإمام بأبي حرب ) برقم ( 2 ) في سلّم المصادر فراجع.
3 ـ أحمد بن حنبل ( ت 241 هـ ) في المسند ، وقد مرّ حديثه في الباب الأوّل كسابقه ، فراجع رقم ( 3 ).
4 ـ محمد بن إسماعيل البخاري ( ت 256 هـ ) في الأدب المفرد ، ومرّ حديثه في الباب الأول برقم ( 5 ) فراجع.

(1) السير والمغازي : 247.
المحسن السبط 94

5 ـ ابن قتيبة ( ت 276 هـ ) في كتاب المعارف (1) فقال : فولد علي الحسن والحسين ومحسناً ، وسيأتي ذكره في الفصل الثاني وقوله : فهلك وهو صغير ، كما سيأتي في الفصل الثالث حكاية قوله في كتاب المعارف : انّ المحسن فسد من زحم قنفذ ، وسيأتي تحقيق وافٍ عن كتابيه ( الإمامة والسياسة ) و ( المعارف ) في الملاحق آخر الرسالة.
6 ـ البلاذري ( ت 279 هـ ) ذكره في أنساب الأشراف ، وقد مرّ حديثه في الباب الأول برقم ( 6 ) في سلّم المصادر ، ويأتي ذكره في الفصل الثاني أيضاً.
7 ـ ابن حبان البستي ( ت 354 هـ ) ذكره في كتابه الثقات (2) ، وفي السيرة النبوية ، وأخبار الخلفاء.(3)
8 ـ الطبراني ( ت360 هـ ) ذكره في المعجم الكبير ، ومرّ حديثه في الباب الأول برقم ( 7 ) في سلم المصادر.
9 ـ ابن خالويه اللغوي ( ت 370 هـ ) حكى عنه ابن منظور في لسان العرب تفسيره للأسماء الثلاثة شبر وشبير ومشبر ، كما سيأتي ذلك.
10 ـ الدار قطني ( ت 385 هـ ) ذكره في كتابه الافراد ، كما حكاه عنه السيوطي في الجامع الكبير ، وتبعه المتقي الهندي في كنز العمّال.(4)
11 ـ الحاكم النيسابوري ( ت 405 هـ ) ذكره في المستدرك على الصحيحين ، ومرّ حديثه في الباب الأول برقم ( 8 ) فراجع.
12 ـ محمد بن سلامة القضاعي ( ت 454 هـ ) الأنباء بأبناء الأنبياء (5).

(1) المعارف : 210.
(2) كتاب الثقات 2 : 144.
(3) أخبار الخلفاء : 409 و 553.
(4) كنز العمّال 13 : 103.
(5) الأنباء بأبناء الأنبياء : 137.

السابق السابق الفهرس التالي التالي