منهاج الصالحين ــ 1 446

مبلغ لا يزيد عن رصيده.
نعم، قد يسمح البنك له بسحب مبلغ معين من دون رصيد نظراً لثقته به ، و يسمى ذلك بـ: (السحب على المكشوف ) و يحتسب البنك فائدة على هذا المبلغ .
مسألة 27 : السحب على المكشوف مرده إلى الاقتراض من البنك بشرط دفع الفائدة ، فهو قرض ربوي محرم ، و ما يتقاضاه البنك من الفوائد على المبالغ المسحوبة تعد من الفوائد الربوية المحرمة .
نعم ، إذا كان البنك حكومياً أو مشتركاً فلا بأس بالسحب منه ، لا بقصد الاقتراض ، بل بقصد الحصول على المال المجهول مالكه ، على نحو ما تقدم في المسألة الثانية .
( 13 )
خصم الكمبيالات


تمهيدات :

الأول : يمتاز البيع عن القرض في أن البيع تمليك عين بعوض لا مجاناً ، و القرض تمليك للمال بالضمان في الذمة بالمثل إذا كان مثلياً و بالقيمة إذا كان قيمياً(1).

(1) قد يقال: إنّ البيع والقرض يفترقان من جهة اخرى ، وهي اعتبار وجود فارق بين العوض والمعوض في البيع ، وبدونه لايتحقق البيع وعدم اعتبار ذلك في القرض ، ويترتب على ذلك انه لو باع مائة دينار بمائة وعشرة دنانير في الذمة فلا بد من وجود مائز بين العوضين كأن يكون احدهما دينارا عراقيا والثاني دينارا اردنيا ، واما لو كانا جميعا من الدينار العراقي مثلا ، من فئة وطبعة واحدة ، فهو قرض بصورة البيع ، لانطباق العوض على المعوض مع زيادة فيكون محرما لتحقق الربا فيه.
ولكن هذا غير واضح ، لانه يكفي في تحقق مفهوم البيع وجود التغايير بين العوضين في وعاء الإنشاء من حيث كون المعوض عينا شخصية والعوض كليا في الذمة ، مضافا إلى ان لازم هذا الرأي القول بصحة بيع عشرين كيلو من الحنطة نقدا بمثلها نسيئة بدعوى أنه قرض غير ربوي حقيقة وإن كان بصورة البيع ، مع إنه - كما يعترف هذا القائل - من بيع أحد المثلين بالآخر مع زيادة حكمية فيكون من الربا المحرّم.
منهاج الصالحين ــ 1 447

كما يمتاز عنه في أن البيع الربوي باطل من أصله ، دون القرض الربوي، فإنه باطل بحسب الزيادة فقط ، و أما أصل القرض فهو صحيح .
ويمتاز عنه أيضاً في أن كل زيادة في القرض إذا اشترطت تكون رباً و محرمة دون البيع ، فإنه تحرم فيه الزيادة مطلقاً في المكيل و الموزون من العوضين المتحدين جنساً، و أما لو اختلفا في الجنس ، أو لم يكونا من المكيل و الموزون ، فإن كانت المعاملة نقدية ، فلا تكون الزيادة رباً ، و أما لو كانت المعاملة مؤجلة كما لو باع مائة بيضة بمائة و عشر إلى شهر ، أو باع عشرين كيلو من الأرز بأربعين كيلو من الحنطة إلى شهر ، ففي عدم كون ذلك من الربا إشكال ، فالأحوط لزوماً الاجتناب عنه .
الثاني : الأوراق النقدية بما أنها من المعدود يجوز بيع بعضها ببعض متفاضلاً مع اختلافهما جنساً نقداً و نسيئة ، و أما مع الاتحاد في الجنس فيجوز التفاضل في البيع بها نقداً ، و أما نسيئة فلا يخلو عن إشكال كما تقدم .
و على ذلك ، فيجوز للدائن عشرة دنانير عراقية مثلاً أن يبيع دينه بالأقل منها كتسعة دنانير نقداً ، كما يجوز له بيعه بالأقل منها من عملة أخرى كتسعة دنانير أردنية نقداً و نسيئة .
الثالث : الكمبيالات المتداولة بين التجار في الأسواق لم تعتبر لها مالية كالأوراق النقدية ، بل هي مجرد وثيقة لإثبات أن المبلغ الذي تتضمنه دين في ذمة موقعها لمن كتبت باسمه ، فالمعاملات الجارية عليها لا تجر على أنفسها ، بل على النقود التي تعبر عنها ، و أيضاً عندما يدفع المشتري كمبيالة للبائع لم يدفع

منهاج الصالحين ــ 1 448

ثمن البضاعة ، و لذا لو ضاعت الكمبيالة أو تلفت عند البائع لم يتلف منه مال و لم تفرغ ذمة المشتري ، بخلاف ما إذا دفع له ورقة نقدية و تلفت عنده أو ضاعت .
مسألة 28 : الكمبيالات على نوعين :
أ ـ ما يعبر عن وجود قرض واقعي ، بأن يكون موقع الكمبيالة مديناً لمن كتبت باسمه بالمبلغ الذي تتضمنه .
ب ـ ما يعبر عن وجود قرض صوري لا واقع له .
أما في الأول : فيجوز للدائن أن يبيع دينه المؤجل الثابت في ذمة المدين بأقل منه حالاً ، كما لو كان دينه مائة دينار فباعه بثمانية و تسعين ديناراً نقداً.
نعم، لا يجوز بيعه مؤجلا، لأنه من بيع الدين بالدين ، و بعد ذلك يقوم البنك أو غيره بمطالبة المدين ( موقع الكمبيالة ) بقيمتها عند الاستحقاق .
وأما في الثاني : فلا يجوز للدائن الصوري بيع ما تتضمنه الكمبيالة ، لانتفاء الدين واقعاً وعدم اشتغال ذمة الموقع للموقع له ( المستفيد ) بل إنما كتبت لتمكين المستفيد من خصمها فحسب و لذا سميت ( كمبيالة مجاملة ) .
و مع ذلك ، يمكن تصحيح خصمها بنحو، آخر بإن يوكل موقع الكمبيالة المستفيد في بيع قيمتها في ذمته بأقل منها ، مراعياً الاختلاف بين العوضين في الجنس ، كأن تكون قيمتها خمسين ديناراً عراقياً و الثمن ألف تومان إيراني مثلاً ، و بعد هذه المعاملة تصبح ذمة موقع الكمبيالة مشغوله بخمسين ديناراً عراقياً لقاء ألف تومان إيراني ، و يوكل الموقع ايضاً المستفيد في بيع الثمن ـ و هو ألف تومان في ذمته ـ بما يعادل المثمن و هو خمسون ديناراً عراقياً ، و بذلك تصبح ذمة المستفيد مدينة للموقع بمبلغ يساوي ما كانت ذمة الموقع مدينة به للبنك .
و لكن هذا الطريق قليل الفائدة ، حيث أنه إنما يفيد فيما إذا كان الخصم

منهاج الصالحين ــ 1 449

بعملة أجنبية، و أما إذا كان بعملة محلية فلا أثر له ، إذ لا يمكن تنزيله على البيع عندئذ على ما عرفت من الإشكال في بيع المعدود مع التفاضل نسيئة.
و أما خصم قيمة الكمبيالة الصورية لدى البنك على نحو القرض، بإن يقترض المستفيد من البنك مبلغاً أقل من قيمة الكمبيالة الاسمية ، ثم يحول البنك الدائن على موقعها بتمام قيمتها ، ليكون من الحوالة على البريء ، فهذا رباً محرم ، لأن اشتراط البنك في عملية الاقتراض ( الخصم ) اقتطاع شيء من قيمة الكمبيالة إنما هو من قبيل اشتراط الزيادة المحرم شرعاً و لو لم تكن الزيادة بإزاء المدة الباقية بل بإزاء قيام البنك ببعض الأعمال كتسجيل الدين و تحصيله و نحوهما ، لأنه لا يحق للمقرض أن يشترط على المقترض أي نحو من أنحاء النفع الملحوظ فيه المال .
هذا إذا كان البنك أهلياً ، و أما لو كان حكومياً أو مشتركاً فيمكن التخلص من ذلك بإن لا يقصد المستفيد في عملية الخصم لديه شيئاً من البيع و الاقتراض ، بل يقصد الحصول على المال المجهول مالكه فيقبضه مع الاستئذان من الحاكم الشرعي على الأحوط ، ثم يتصرف فيه بعد المراجعة إليه لإصلاحه ، فإذا رجع البنك في نهاية المدة إلى موقع الكمبيالة و ألزمه بدفع قيمتها ، جاز له الرجوع على المستفيد ببدل ما دفع إذا كان قد وقع الكمبيالة بأمر و طلب منه .

( 14 )
العمل لدى البنوك


تصنف أعمال البنوك صنفين :

أحدهما : محرم، و هو الأعمال التي لها صلة بالمعاملات الربوية كالتوكيل

منهاج الصالحين ــ 1 450

في إجرائها ، و تسجيلها ، و الشهادة عليها ، و قبض الزيادة لأخذها ، و نحو ذلك و مثلها الأعمال المرتبطة بمعاملات الشركات التي تتعامل بالربا أو تتاجر بالخمور ، كبيع أسهمها و فتح الاعتماد لها و ما يشبههما .
و هذه كلها محرمة لا يجوز الدخول فيها ، و لا يستحق العامل أجرة إزاء تلك الأعمال .
ثانيهما: سائغ ، و هي غير ما ذكر ، فيجوز الدخول فيها و أخذ الأجرة عليها .
مسألة 29 : إذا كان دافع الزيادة في المعاملة الربوية كافرا غير محترم المال ـ سواء كان هو البنك الأجنبي أو غيره ـ فقد تقدم أنه يجوز حينئذ أخذها للمسلم ، و على ذلك فيجوز الدخول في الأعمال التي ترتبط بإجراء مثل هذه العاملة الربوية في البنوك و خارجها .
مسألة 30 : الأموال الموجودة لدى البنوك الحكومية و المشتركة في البلاد الإسلامية لما كانت تعد من المال المجهول مالكه ، الذي لا يجوز التصرف فيه من غير مراجعة الحاكم الشرعي ، فيشكل حينئذ العمل لدى هذه البنوك في قبض الأموال و تسليمها إلى المتعاملين مع البنك ممن يتصرفون فيها من غير مراجعة الحاكم الشرعي لإصلاحها .
مسألة 31 : الجعالة و الإجارة و الحوالة و نحوها من المعاملات الجارية مع البنوك الحكومية في الدول الإسلامية تتوقف صحتها على إجازة الحاكم الشرعي ، فلا تصح من دون إجازته .

منهاج الصالحين ــ 1 451

( 15 )
عقد التأمين

التأمين عقد يلتزم المؤمن له بمقتضاه أن يدفع مبلغاً معيناً ـ شهرياً ، أو سنوياً ، أو دفعة واحدة ـ إلى المؤمن في مقابل تعهد المؤمن أن يؤدي إلى المؤمن له أو إلى المستفيد الذي اشترط التأمين لصالحه مبلغاً من المال ، أو إيراداً مرتباً ، أو أي عوض مالي آخر ، في حالة وقوع حادث أو ضرر مبين في العقد .
مسألة 32 : التأمين على أقسام ، منها :
التأمين على الأشخاص من خطر الوفاة أو بعض الطوارئ الأخرى كالمرض و نحوه .
و منها التأمين على الأموال كالسيارات و الطائرات و السفن و نحوها من خطر الحريق أو الغرق أو السرقة أو ما شاكلها .
و هناك تقسيمات أخرى للتأمين لا يختلف الحكم الشرعي بالنظر إليها فلا داعي لذكرها .
مسألة 33 : يشتمل عقد التأمين على أركان :
1 و 2 ـ الإيجاب و القبول من المؤمن و المؤمن له ، و يكفي فيهما كل ما يدل عليهما من لفظ أو كتابة أو غيرهما .
3 ـ تعيين المؤمن عليه ، شخصاً كان أو مالاً .
4 ـ تعيين مدة عقد التأمين بداية و نهاية .
مسألة 34 : يعتبر في التأمين تعيين الخطر الموجب للضرر ، كالغرق و الحرق و السرقة و المرض و الموت ونحوها ، و كذا يعتبر فيه تعيين أقساط التأمين السنوية أو الشهرية لو كان الدفع أقساطاً .

منهاج الصالحين ــ 1 452

مسألة 35 : يشترط في طرفي العقد التأمين : البلوغ و العقل و القصد و الاختيار و عدم الحجر لسفه أو فلس ، فلا يصح من الصغير و المجنون و الهازل و المكره و المحجور عليه .
مسألة 36 : عقد التأمين من العقود اللازمة ، و لا ينفسخ إلا برضا الطرفين .
نعم، إذا اشترط في ضمن العقد استحقاق المؤمن له أو المؤمن أو كليهما للفسخ جاز الفسخ حسب الشرط .
مسألة 37 : إذا تخلف المؤمن عن العمل بتعهده ، كان للمؤمن له إلزامه بذلك ـ و لو بالتوسل إلى الحاكم الشرعي أو غيره ـ و له الخيار في فسخ العقد و استرجاع مبلغ التأمين .
مسألة 38 : إذا تقرر في عقد التأمين قيام المؤمن له بدفع مبلغ التأمين أقساطاً ، فتخلف عن تسديد قسط ـ كماً أو كيفاً ـ لم يجب على المؤمن القيام بدفع المبالغ التي تعهد بدفعها عند وقوع الضرر المعين ، كما لا يحق للمؤمن له استرجاع ما سدده من أقسام التأمين .
مسألة 39 : لا تعتبر في صحة عقد التأمين مدة خاصة ، بل هي تابعة لما يتفق عليه الطرفان المؤمن والمؤمن له .
مسألة 40 : إذا اتفق جماعة على تأسيس شركة يتكون رأس مالها من الأموال المشتركة بينهم ، و اشترط كل منهم على الآخرين في ضمن عقد الشركة أنه على تقدير حدوث حادثة ـ حدد نوعها في ضمن الشرط ـ على نفسه أو ماله ـ من داره أو سيارته أو نحو ذلك ـ أن تقوم الشركة بتدارك خسارته في تلك الحادثة من رأس مال الشركة أو أرباحها، وجب العلم بالشرط ما دام العقد باقياً .

منهاج الصالحين ــ 1 453

( 16 )
السرقفلية ـ الخلو

من المعاملات الشائعة بين التجار و الكسبة ما يسمى بـ ( السرقفلية ) ، و يراد بها تنازل المستأجر عما تحت تصرفه من بإيجار المحل الذي يشغله لآخر إزاء مقدار من المال يتفق عليه الطرفان.
وتطلق أيضاً على تنازل المالك للمستأجر عن حقه في إخراجه من المحل أو زيادة بدل الإيجار بعد نهاية مدة الإجارة إزاء مقدار من المال يتفقان بشأنه .
مسألة 41 : استئجار الأعيان المستأجرة كمحلات الكسب و التجارة لا يحدث حقاً للمستأجر فيها بحيث يمكنه إلزام المؤجر عدم إخراجه منها و تجديد إيجارها منها بمقدار بدل إيجارها السابق بعد نهاية الإجارة .
و كذا طول إقامة المستأجر في المحل ، و وجاهته في مكسبه الموجبة لتعزيز الموقع التجاري للمحل ، لا يوجب شيء من ذلك حقاً له في البقاء ، بل إذا تمت مدة الإجارة يجب عليه تخلية المحل و تسليمه إلى صاحبه .
و إذا استغل المستأجر القانون الحكومي الذي يقضي بمنع المالك عن إجبار المستأجر على التخلية أو عن الزيادة في بدل الإيجار ، فامتنع عن دفع الزيادة أو التخلية فعمله هذا محرم ، و يكون تصرفه في المحل بدون رضا المالك غصباً ، و كذا ما يأخذه من المال إزاء تخليته حراماً .
مسألة 42 : إذا آجر المالك محله من شخص سنة بمائة دينار مثلاً ، و قبض إضافة على ذلك مبلغ خمسمائة دينار مثلاً إزاء اشتراطه على نفسه في ضمن العقد أن يجدد الإيجار لهذا المستأجر ، أو لمن يتنازل له المستأجر سنوياً بدون زيادة ، و إذا أراد المستأجر الثاني التنازل عن المحل الثالث أن يعامله نفس معاملة

منهاج الصالحين ــ 1 454

المستأجر ، فحينئذ يجوز للمستأجر أن يأخذ إزاء تنازله عن حقه مبلغاً يساوي ما دفعه إلى المالك نقداً أو أكثر أو أقل حسب ما يتفقان عليه .
مسألة 43 : إذا آجر المالك محله من شخص مدة معلومة و شرط على نفسه ـ إزاء مبلغ من المال أو بدونه ـ في ضمن العقد أن يجدد إيجاره له سنوياً بعد نهاية المدة بالصورة التي وقع عليها في السنة الأولى أو على النحو المتعارف في كل سنة ، فاتفق أن شخصاً دفع مبلغاً للمستأجر إزاء تنازله عن المحل و تخليته فقط ـ حيث لا يكون له إلا حق البقاء و للمالك الحرية في إيجار المحل بعد خروجه كيف ما شاء ـ فعندئذ يجوز للمستأجر أخذ المبلغ المتفق عليه ، و تكون السرقفلية بإزاء التخلية فحسب ، لا بإزاء انتقال حق التصرف منه إلى دافعها .
مسألة 44 : يجب على المالك الوفاء بما اشترطه على نفسه في ضمن عقد الإجارة ، فيجب عليه في مفروض المسألة 42 أن يؤجر المحل للمستأجر أو لمن يتنازل له عنه بدون زيادة في بدل الإيجار ، كما يجب عليه في مفروض المسألة 43 أن يجدد الإيجار للمستأجر ما دام يرغب في البقاء في المحل بمقدار بدل الإيجار السابق أو بما هو بدل إيجاره المتعارف حسبما هو مقرر في الشرط .
و إذا تخلف المالك عن الوفاء بشرطه و امتنع عن تجديد الإيجار فللمشروط له إجباره على ذلك و لو بالتوسل بالحاكم الشرعي أو غيره ، و لكن إذا لم يتيسر إجباره ـ لأي سبب كان ـ فلا يجوز له التصرف في المحل من دون رضا المالك .
مسألة 45 : إذا جعل الشرط في عقد الإجارة في مفروض المسألتين ( 42 ـ 43 ) على نحو شرط النتيجة ـ لا على نحو شرط الفعل ، أي اشتراط تجديد الإجارة كما فرضناه ـ بأن اشترط المستأجر على المؤجر أن يكون له أو لمن يعينه مباشرة أو بواسطة حق إشغال المحل و الاستفادة منه إزاء مبلغ معين سنوياً، أو بالقيمة المتعارفة في كل سنة ، فحينئذ يكون للمستأجر ـ أو لمن يعينه ـ حق إشغال المحل و الاستفادة منه و لو من دون رضا المالك ، و لا يحق للمالك إلا

منهاج الصالحين ــ 1 455

أن يطالب بالمبلغ الذي اتفقا عليه إزاء الحق المذكور .
( 17 )
مسائل في قاعدة الإقرار و المقاصة النوعية

هناك مسائل تتعلق بأحكام العقود و الإيقاعات و الحقوق ، تختلف فيها آراء علماء الإمامية عن آراء غيرهم من أرباب المذاهب الإسلامية ـ كلاً أو بعضاً فيسأل عن كيفية تعامل الإمامي مع غيره في موارد تلك المسائل .
و قد تعارف لدى فقهائنا المتأخرين ـ رضوان الله عليهم ـ تخريج هذه المسائل على قاعدة الإلزام ، أي إلزام غير الإمامي بأحكام نحلته .
و لكن حيث أن هذه القاعدة لم تثبت عندنا بطريق معتبر ، فلا بد من تطبيق تلك المسائل على القواعد البديلة لقاعدة الإلزام ، كقاعدة المقاصة النوعية ( خذوا منهم كما يأخذون منكم في سننهم و قضاياهم ) و قاعدة الإقرار ( أي إقرار غير الإمامي على مذهبه و معاملته بموجب أحكامه ) .
مسألة 46 : يصح لدى الإمامية النكاح من غير إشهاد ، و لكن العامة اختلفوا في ذلك ، فمنهم من وافق الإمامية في ذلك ، و منهم من ذهب إلى فساد النكاح بدون الإشهاد ، و هم الحنفية و الشافعية و الحنابلة ، و منهم من ذهب إلى فساده بدون الإعلان ، و هم المالكية ، و لكن القائلين بفساده على طائفتين :
فمنهم من يرى في الأنكحة التي اختلف الفقهاء في صحتها و فسادها ـ كالعقد المذكور ـ أنه ليس لأحد أن يتزوج المرأة قبل أن يطلقها المعقود له أو يفسخ نكاحها ، و هؤلاء هم المالكية و أكثر الحنابلة .
فإذا كان الزوج من هؤلاء لم يمكن الزواج بالمرأة قبل أن يطلقها أو يفسخ نكاحها .

منهاج الصالحين ــ 1 456

و منهم من يرى في الأنكحة المختلف فيها أنه يجوز الزواج من المرأة من غير حاجة إلى فسخ أو طلاق ، و هؤلاء هم الشافعية و الحنفية .
فمتى كان الزوج منهم فالأظهر جواز الزواج بالمرأة بعد انقضاء عدتها ـ إذا كانت ممن تجب عليها العدة عندهم ـ إقراراً للزوج على مذهبه .
و كذا يجوز للمرأة إذا كانت إمامية أن تتزوج بعد انقضاء عدتها على تقدير وجوب العدة عليها عندهم .
و لكن الأولى ـ في الصورتين ـ خروجاً عن الشبهة و مراعاةً للاحتياط ، التوصل إلى طلاقها و لو من قبل الحاكم الشرعي إذا كان الزوج ممتنعاً منه .
مسألة 47 : لا يجوز عند العامة الجمع بين العمة و بنت أخيها ، أو بين الخالة و بنت أختها ، بمعنى أنه يبطل كلا العقدين إذا تقارنا في الوقوع ، كما يبطل المتأخر منهما متى سبق أحدهما الآخر .
و أما عند الإمامية فيجوز عقد العمة على بنت أخيها و الخالة على بنت أختها مطلقاً ، كما يجوز عقد بنت الأخ على العمة و بنت الأخت على الخالة مشروطاً بسبق العقد أو لحوقه برضا العمة أو الخالة .
و عليه فإذا جمع العامي بين العمة و بنت أخيها أو الخالة و بنت أختها في النكاح جاز للإمامي أن يعقد على أي منهما مع تقارن العقدين ، بل على كليهما مع رضا العمة أو الخالة ، كما يجوز له أن يعقد على المعقودة بالعقد المتأخر مع رضا العمة أو الخالة إذا كان عقدهما سابقاً ، و هكذا الحال بالنسبة إلى كل واحدة منهما إذا كانت إمامية .
مسألة 48 : لا تجب العدة على المطلقة اليائسة و الصغيرة على مذهب الإمامية و لو مع الدخول بهما ، و لكن تجب على مذهب العامة على خلاف بينهم في شروط ثبوتها على الصغيرة .
فإذا كان الزوج عامياً فطلق زوجته الصغيرة أو اليائسة و كان مذهبه ثبوت

منهاج الصالحين ــ 1 457

العدة عليها أقر على ما يراه في مذهبه من أحكامها كفساد العقد على أختها خلال فترة العدة ، و كذا سائر من يحرم عندهم نكاحها جمعاً .
و الأحوط لزوماً للإمامي أن لا يتزوجها قبل انقضاء عدتها ، و أن لا تتزوج هي قبل ذلك و إن كانت إمامية أو صارت كذلك ، كما أن الأحوط لها أن لا تأخذ نفقة أيام العدة من الزوج و إن فرض ثبوت النفقة لها على مذهبه إلا تطبيقاً لقاعدة المقاصة النوعية مع توفر شروطها .
مسألة 49 : تشترط في صحة الطلاق عند الإمامية جملة من الشروط التي لا تشترط عند سائر المذاهب الإسلامية ـ كلاً أو بعضاً ـ فإذا طلق غير الإمامي زوجته بطلاق صحيح على مذهبه و فاسد حسب مذهبنا ، جاز للإمامي ـ إقراراً له على مذهبه ـ أن يتزوج مطلقته بعد انقضاء عدتها إذا كانت ممن تجب عليها العدة في مذهبه ، كما يجوز للمطلقة إذا كانت من الإمامية أن تتزوج من غيره كذلك .
و فيما يلي بعض الشروط التي تعتبر في صحة الطلاق عند الإمامية و لا تعتبر عند غيرهم ـ كلاً أو بعضاً ـ :
1 ـ أن يكون الطلاق في طهر غير طهر المواقعة .
2 ـ أن يكون منجزاً غير معلق على شيء .
3 ـ أن يكون باللفظ دون الكتابة .
4 ـ أن يكون عن اختيار لا عن إكراه .
5 ـ أن يكون بحضور شاهدين عدلين .
مسألة 50 : يثبت خيار الرؤية ـ على مذهب الشافعي ـ لمن اشترى شيئاً بالوصف ثم رآه و إن كان المبيع حاوياً للوصف المذكور ، و لا يثبت الخيار على مذهب الإمامية في هذا المورد ، فإذا كان المذهب الشافعي نافذاً على الإمامية ، بحيث كان المشتري الشافعي يأخذ البائع الإمامي بالخيار في هذه الحالة ، فللمشتري الإمامي أن يقابل بالمثل فيأخذ البائع الشافعي بالخيار في هذه الصورة

منهاج الصالحين ــ 1 458

عملاً بقاعدة المقاصة النوعية .
مسألة 51 : ذهب أبو حنيفة و الشافعي إلى عدم ثبوت الخيار للمغبون ، و مذهبنا ثبوته له .
و الظاهر أن محل الكلام في الثبوت و عدمه لا يشمل ما إذا كان بناء المغبون على عدم الاكتراث بالقيمة و شراء البضاعة أو بيعها بأي ثمن كان ، فإن الظاهر عدم ثبوت الخيار له حينئذ .
و كذا لا يشمل ما إذا كان بناء المتعاملين على حصول النقل و الانتقال بالقيمة السوقية لا أزيد ، و اعتمد المغبون على قول الغابن في عدم الزيادة ، فإن الظاهر ثبوت الخيار له هنا عند الجميع من جهة الإغرار .
و كذا لا يشمل ما إذا كان الثابت بحسب الشرط الارتكازي في العرف الخاص حقاً آخر غير حق الفسخ كحق المطالبة بما به التفاوت .
و على أي حال ، ففي كل مورد كان المذهب الإمامي ثبوت خيار الغبن و مذهب العامي عدم ثبوته ، يجوز للإمامي ـ أخذاً بقاعدة المقاصة النوعية ـ أن يلزم العامي بعدم ثبوت الخيار له ، و ذلك حيث يكون المذهب العامي هو القانون النافذ على الجميع بحيث يلزم به الإمامي أيضاً .
مسألة 52 : يشترط عند الحنفية في صحة عقد السلم أن يكون المسلم فيه موجوداً حال العقد ، و لا يشترط ذلك لدى الإمامية ، فإذا كان المذهب الحنفي نافذاً على الإمامية بحيث كان المشتري الحنفي يلزم البائع الإمامي ببطلان هذا العقد ، جاز للمشتري الإمامي أن يلزم البائع الحنفي بالبطلان في مثله بمقتضى قاعدة المقاصة النوعية .
و هكذا الحال لو صار المشتري إمامياً بعد ذلك .
مسألة 53 : ذهب العامة إلى أن ما فضل عن السهام المفروضة يرثه عصبة الميت ـ كالأخ ـ و عدم رده على ذوي السهام أنفسهم ، و ذهب الإمامية

منهاج الصالحين ــ 1 459

إلى خلاف ذلك .
مثلاً لو مات الشخص و خلف أخاً و بنتاً فقد ذهب الإمامية إلى إعطاء البنت نصف تركته فرضاً والنصف الآخر رداً ، و عدم إعطاء الأخ شيئاً؛ و أما العامة فقد ذهبوا إلى إعطاء النصف الثاني للأخ ، لأنه من عصبة الميت .
فإذا كان المذهب العامي نافذاً على الوارث الإمامي بحيث لا يرد إليه الفاضل على سهمه ، فللعصبة إذا كانوا من الإمامية أخذ الفاضل على سهم الوارث العامي منه بمقتضى قاعدة المقاصة النوعية .
مسألة 54 : ترث الزوجة على مذهب العامة من جميع تركة الميت من المنقول و غيره و الأراضي و غيرها ، و لا ترث على المذهب الإمامي من الأرض لا عيناً و لا قيمة ، و ترث من الأبنية و الأشجار قيمة لا عيناً .
وعلى ذلك فلو كان المذهب العامي نافذاً على الشيعة بحيث تورث الزوجة العامية من الأرض و من عين الأبنية و الأشجار إذا كان بقية الورثة من الإمامية ، فللزوجة الإمامية أيضاً أن تأخذ ما يصل إليها ميراثاً من الأراضي و أعيان الأبنية و الأشجار حيث يكون سائر الورثة من العامة .

( 18 )
أحكام التشريح

مسألة 55 : لا يجوز تشريح بدن الميت المسلم، فلو فعل لزمته الدية على تفصيل مذكور في كتاب الديات .
مسألة 56 : يجوز تشريح بدن الميت الكافر بأقسامه إذا لم يكن محقون الدم في حال حياته ، و إلا ـ كما لو كان ذمياً ـ فالأحوط لزوماً الاجتناب عن تشريح بدنه.
نعم، إذا كان ذلك جائزاً في شريعته ـ مطلقاً أو مع إذنه في حال الحياة ، أو إذن وليه بعد الوفاة ـ فلا يبعد جوازه حينئذ .

منهاج الصالحين ــ 1 460

و أما المشكوك كونه محقون الدم في حال الحياة فيجوز تشريح بدنه إذا لم تكن امارة على كونه كذلك .
مسألة 57 : لو توقف حفظ حياة مسلم على التشريح ، و لم يمكن تشريح الكافر غير محقون الدم أو مشكوك الحال ، جاز تشريح غيره من الكفار ، و إن لم يمكن ذلك أيضاً جاز تشريح المسلم ، و لا يجوز تشريح المسلم لغرض التعلم و نحوه ما لم تتوقف عليه حياة مسلم .

( 19 )
أحكام الترقيع
مسألة 58 : لا يجوز قطع عضو من أعضاء الميت المسلم كعينه أو نحوها لإلحاقه ببدن الحي ، فلو قطع فعلى القاطع الدية .
و هل يجوز الإلحاق بعد القطع أو يجب دفن الجزء المبان ؟ لا يبعد الثاني .
نعم ، لا يجب قطعه بعد الإلحاق و حلول الحياة فيه .
مسألة 59 : إذا توقف حفظ حياة المسلم على قطع عضو من أعضاء الميت المسلم لإلحاقه ببدنه جاز القطع ، و لكن تثبت الدية على القاطع على الأحوط ، و إذا ألحق ببدن الحي ترتبت عليه بعد الإلحاق أحكام بدن الحي ، نظراً إلى أنه أصبح جزءاً منه .
مسألة 60 : هل يجوز قطع جزء من الميت المسلم لإلحاقه ببدن الحي إذا كانت حياة عضوه متوقفة عليه ؟ الظاهر عدم الجواز .
مسألة 61 : إذا أوصى بقطع بعض أعضائه بعد وفاته ليلحق ببدن الحي من غير أن تتوقف حياة الحي على ذلك ، ففي نفوذ وصيته و جواز القطع حينئذ إشكال ، و لكن الأظهر عدم وجوب الدية على القاطع .

منهاج الصالحين ــ 1 461

مسألة 62 : هل يجوز قطع جزء من إنسان حي للترقيع إذا رضي به ؟ فيه تفصيل :
فإنه إذا كان قطعه يلحق ضرراً بليغاً به ـ كما في قطع العين و اليد و الرجل و ما شاكلها ـ لم يجز ، و إلا جاز ـ كما في قطع قطعة جلد أو لحم أو جزء من النخاع و نحوه .
و هل يجوز أخذ مال إزاء ذلك ؟ الظاهر جوازه .
مسألة 63 : يجوز التبرع بالدم للمرضى المحتاجين إليه كما يجوز أخذ العوض عليه .
مسألة 64 : يجوز قطع عضو من بدن ميت كافر غير محقون الدم ، أو مشكوك الحال للترقيع ببدن المسلم ، و تترتب عليه بعده أحكام بدنه ، لأنه صار جزءاً له ، كما أنه لا بأس بالترقيع بعضو من أعضاء بدن حيوان نجس العين كالكلب و نحوه ، و تترتب عليه أحكام بدنه، و تجوز الصلاة فيه باعتبار طهارته بصيرورته جزءاً من بدن الحي بحلول الحياة فيه .

( 20 )
التلقيح الصناعي

مسألة 65 : لا يجوز تلقيح المرأة بماء غير الزوج ، سواء أ كانت ذات زوج أم لا ، رضي الزوج و الزوجة بذلك أم لا ، كان التلقيح بواسطة الزوج أم غيره .
مسألة 66 : لو تم تلقيح المرأة بماء غير الزوج فحملت منه ثم ولدت ، فإن حدث ذلك اشتباهاً ـ كما لو أريد تلقيحها بماء زوجها فاشتبه بغيره ـ فلا إشكال في لحوقه بصاحب الماء ، فإنه نظير الوطء بشبهة .
و أما إن حدث ذلك مع العلم و العمد ، فلا يبعد لحوقه به أيضاً و ثبوت

منهاج الصالحين ــ 1 462

جميع أحكام النسب بينهما حتى الإرث ، لأن المستثنى من الإرث هو الولد عن زناً ، و هذا ليس كذلك و إن كان العمل الموجب لانعقاد نطفته محرماً .
و هكذا الحال في لحوقه بأمه فإنه يلحق بها حتى في الصورة الثانية على الأقرب ، و لا فرق بينه و بين سائر أولادها أصلاً .
ومن قبيل هذه الصورة ما لو ألقت المرأة نطفة زوجها في فرج امرأة أخرى بالمساحقة أو نحوها ، فحملت المرأة ثم ولدت ، فإنه يلحق بصاحب النطفة و بالتي حملته و إن كان العمل المذكور محرما .
مسألة 67 : لو أخذت بويضة المرأة و ماء الرجل فلقحت به و وضعت في رحم صناعية و تمت تربيتها لغرض التوليد حتى أصبحت ولداً ، فالظاهر أنه ملحق بصاحب الماء و صاحبة البويضة ، و يثبت بينه و بينها جميع أحكام النسب حتى الإرث .
نعم لا يرث الولد ممن مات منهما قبل التلقيح .
مسألة 68 : لو نقلت بويضة المرأة الملقحة بماء الرجل إلى رحم امرأة أخرى فنشأ فيها و تولد ، فهل هو ملحق بالأولى أو الثانية ؟ فيه وجهان ، لا يخلو أولهما عن وجه ، و إن كان الاحتياط لا يترك .
مسألة 69 : يجوز تلقيح الزوجة بنطفة زوجها.
نعم، لا يجوز أن يكون المباشر غير الزوج إذا كان ذلك موجباً للنظر إلى ما لا يجوز النظر إليه ، أو مس ما لا يجوز مسه ، و حكم الولد منه حكم سائر أولادهما بلا فرق أصلاً .

السابق السابق الفهرس التالي التالي