|
|
البستان ، فإذا وفى تمام الثمن في السنة الثانية كانت البستان من أرباح السنة الثانية و وجب إخراج خمسها ، و إذا وفى نصف الثمن في السنة الثانية كان نصف البستان من أرباح تلك السنة ، و وجب إخراج خمس النصف ، و إذا وفى ربع الثمن في السنة الثانية كان ربعها من أرباح تلك السنة ، و هكذا كلما وفى جزءاً من الثمن كان ما يقابله من البستان من أرباح تلك السنة . هذا إذا كان ذاك الشئ موجوداً ، أما إذا تلف فلا خمس فيما يؤديه لوفاء الدين ، و كذا إذا ربح في سنة مائة دينار ـ مثلاً ـ فلم يدفع خمسها العشرين ديناراً حتى جاءت السنة الثانية ، فدفع من أرباحها عشرين ديناراً وجب عليه خمس العشرين ديناراً التي هي الخمس ، مع بقائها ، لا مع تلفها ، و إذا فرض أنه اشترى داراً للسكنى فسكنها ، ثم وفى في السنة الثانية ثمنها لم يجب عليه خمس الدار ، و كذا إذا وفى في السنة الثانية بعض أجزاء الثمن لم يجب الخمس في الحصة من الدار ، و يجري هذا الحكم في كل ما اشترى من المؤن بالدين .
مسألة 1248 : إذا نذر أن يصرف نصف أرباحه السنوية ـ مثلاً ـ في وجه من وجوه البر وجب عليه الوفاء بنذره فإن صرف المنذور في الجهة المنذور لها قبل انتهاء السنة لم يجب عليه تخميس ما صرفه ، و إن لم يصرفه حتى انتهت السنة وجب عليه إخراج خمسه كما يجب عليه إخراج خمس النصف الآخر من أرباحه ، بعد إكمال مؤونته .
مسألة 1249 : إذا كان رأس ماله مائة دينار مثلاً فاستأجر دكاناً بعشرة دنانير ، و اشترى آلات للدكان بعشرة ، و في آخر السنة وجد ماله بلغ مائة كان عليه خمس الآلات فقط ، و لا يجب إخراج خمس أجرة الدكان ، لأنها من مؤونة التجارة ، و كذا أجرة الحارس ، و الحمال ، و الضرائب التي يدفعها إلى السلطان ، و السرقفلية التي يدفعها للحصول على الدكان ، فإن هذه المؤن مستثناة من الربح ، و الخمس إنما يجب فيما زاد عليها ، كما عرفت ، نعم إذا
كانت السرقفلية التي دفعها إلى المالك أو غيره أوجبت له حقاً في أخذها من غيره وجب تقويم ذلك الحق في آخر السنة ، و إخراج خمسه ، فربما تزيد قيمته على مقدار ما دفعه من السرقفلية ، و ربما تنقص ، و ربما تساوي .
مسألة 1250 : إذا حل رأس الحول فلم يدفع خمس الربح ثم دفعه و لو تدريجاً من ربح السنة الثانية لم يحسب ما يدفعه من المؤن ، إلا مع تلف الربح السابق عيناً و بدلاً ، و كذا لو صالحه الحاكم على مبلغ في الذمة لم يكن وفاء مال المصالحة من أرباح السنة الثانية من المؤن إلا إذا كان عوضاً عن خمس عين تالفة ، و لو كان عوضاً عن خمس عين موجودة فوفاه من ربح السنة الثانية قبل تخميسه صار خمس العين المزبورة من أرباح هذه السنة فيجب تخميسه عند انقضائها إذا لم يصرف في المؤونة .
مسألة 1251 : إذا حل رأس السنة فوجد بعض أرباحه أو كلها ديناً في ذمة الناس ، فإن أمكن استيفاؤه وجب دفع خمسه ، و إن لم يمكن تخير بين أن ينتظر استيفاءه في السنة اللاحقة ، فإذا استوفاه أخرج خمسه و كان من أرباح السنة السابقة ، لا من أرباح سنة الاستيفاء ، و بين أن يقدر مالية الديون فعلاً فيدفع خمسها ، فإذا استوفاها في السنة الآتية كان الزائد على ما قدر من أرباح سنة الاستيفاء .
مسألة 1252 : يتعلق الخمس بالربح بمجرد حصوله و إن جاز تأخير الدفع إلى آخر السنة ـ احتياطاً ـ للمؤونة ، فإذا أتلفه ضمن الخمس ، و كذا إذا أسرف في صرفه ، أو وهبه ، أو اشترى أو باع على نحو المحاباة ، إذا كانت الهبة ، أو الشراء، أو البيع غير لائقة بشأنه ، و إذا علم أنه ليس عليه مؤونة في باقي السنة ، فالأحوط ـ وجوباً ـ أن يبادر إلى دفع الخمس ، و لا يؤخره إلى نهاية السنة .
مسألة 1253 : إذا مات المكتسب ـ أثناء السنة بعد حصول الربح ـ
فالمستثنى هو المؤونة إلى حين الموت ، لإتمام السنة .
مسألة 1254 : إذا علم الوارث أن مورثه لم يؤد خمس ما تركه وجب عليه أداؤه ، و إذا علم أنه أتلف مالاً له قد تعلق به الخمس وجب إخراج خمسه من تركته ، كغيره من الديون ، نعم إذا كان المورث ممن لا يعتقد الخمس أو ممن لا يعطيه فلا يبعد تحليله للوارث المؤمن في كلتا الصورتين .
مسألة 1255 : إذا اعتقد أنه ربح ، فدفع الخمس فتبين عدمه ، انكشف أنه لم يكن خمس في ماله ، فيرجع به على المعطى له مع بقاء عينه ، و كذا مع تلفها إذا كان عالماً بالحال ، و أما إذا ربح في أول السنة ، فدفع الخمس باعتقاد عدم حصول مؤونة زائدة ، فتبين عدم كفاية الربح لتجدد مؤونة لم تكن محتسبة ، لم يجز له الرجوع إلى المعطى له ، حتى مع بقاء عينه فضلاً عما إذا تلفت .
مسألة 1256 : الخمس بجميع أقسامه و إن كان يتعلق بالعين ، إلا أن المالك يتخير بين دفع العين و دفع قيمتها ، و لا يجوز له التصرف في العين بعد انتهاء السنة قبل أدائه بل لا يجوز له التصرف في بعضها أيضاً و إن كان مقدار الخمس باقياً في البقية على الأظهر ، و إذا ضمنه في ذمته بالمداورة مع الحاكم الشرعي صح ، و يسقط الحق من العين ، فيجوز التصرف فيها .
مسألة 1257 : لا بأس بالشركة مع من لا يخمس ، إما لاعتقاده ـ لتقصير أو قصور ـ بعدم وجوبه ، أو لعصيانه و عدم مبالاته بأمر الدين ، و لا يلحقه وزر من قبل شريكه . و يجزيه أن يخرج خمسه من حصته في الربح .
مسألة 1258 : لا يجوز التصرف في العين بعد انتهاء السنة قبل دفع الخمس ، و لو تصرف فيها بالاتجار فإن كان الاتجار بما في الذمة و كان الوفاء بالعين غير المخمسة صحت المعاملة و لكن يلزمه دفع خمس تلك العين و لو من مال آخر ، و إن كان الاتجار بعين ما فيه الخمس فالظاهر صحة المعاملة
أيضاً إذا كان طرفها مؤمناً من غير حاجة إلى إجازة الحاكم الشرعي و لكن ينتقل الخمس حينئذ إلى البدل كما أنه إذا وهبها لمؤمن صحت الهبة ، و ينتقل الخمس إلى ذمة الواهب ، و على الجملة كل ما ينتقل إلى المؤمن ممن لا يخمس أمواله لأحد الوجوه المتقدمة بمعاملة أو مجاناً يملكه فيجوز له التصرف فيه ، و قد أحل الأئمة ـ سلام الله عليهم ـ ذلك لشيعتهم تفضلاً منهم عليهم ، و كذلك يجوز التصرف للمؤمن في أموال هؤلاء ، فيما إذا أباحوها لهم ، من دون تمليك ، ففي جميع ذلك يكون المهنأ للمؤمن و الوزر على مانع الخمس ، إذا كان مقصراً .
|
المبحث الثاني مستحق الخمس و مصرفه
|
مسألة 1259 : يقسم الخمس في زماننا ـ زمان الغيبة ـ نصفين ، نصف لإمام العصر الحجة المنتظر ـ عجل الله تعالى فرجه و جعل أرواحنا فداه ـ و نصف لبني هاشم : أيتامهم ، و مساكينهم ، و أبناء سبيلهم ، و يشترط في هذه الأصناف جميعاً الإيمان ، كما يعتبر الفقر في الأيتام ، و يكفي في ابن السبيل الفقر في بلد التسليم ، و لو كان غنياً في بلده إذا لم يتمكن من السفر بقرض و نحوه على ما عرفت في الزكاة . و الأحوط وجوباً اعتبار أن لا يكون سفره معصية و لا يعطى أكثر من قدر ما يوصله إلى بلده ، و الأظهر عدم اعتبار العدالة في جميعهم .
مسألة 1260 : الأحوط ـ إن لم يكن أقوى ـ أن لا يعطى الفقير أكثر من مؤونة سنته ، و يجوز البسط و الاقتصار على إعطاء صنف واحد ، بل يجوز الاقتصار على إعطاء واحد من صنف .
مسألة 1261 : المراد من بني هاشم من انتسب إليه بالأب ، أما إذا كان بالأم فلا يحل له الخمس و تحل له الزكاة ، و لا فرق في الهاشمي بين العلوي و العقيلي و العباسي و غيرهم و إن كان الأولى تقديم العلوي بل الفاطمي .
مسألة 1262 : لا يصدق من ادعى النسب إلا بالبينة ، و يكفي في الثبوت الشياع و الاشتهار في بلده الأصلي أو ما بحكمه كما يكفي كل ما
يوجب الوثوق و الاطمئنان به .
مسألة 1263 : لا يجوز إعطاء الخمس لمن تجب نفقته على المعطي على الأحوط لزوماً ، نعم إذا كانت عليه نفقة غير لازمة للمعطي جاز ذلك ، كما لا يجوز إعطاؤه لمن يصرفه في الحرام بل الأحوط اعتبار أن لا يكون في الدفع إليه إعانة على الإثم و إغراء بالقبيح و إن لم يكن يصرفه في الحرام كما أن الأحوط عدم إعطائه لتارك الصلاة أو شارب الخمر أو المتجاهر بالفسق .
مسألة 1264 : يجوز للمالك دفع النصف المذكور إلى مستحقيه مع استجماع الشرائط المتقدمة و إن كان الأحوط استحباباً الدفع إلى الحاكم الشرعي .
مسألة 1265 : النصف الراجع للإمام عليه و على آبائه أفضل الصلاة و السلام يرجع فيه في زمان الغيبة إلى نائبه و هو الفقيه المأمون العارف بمصارفه إما بالدفع إليه أو الاستئذان منه ، و مصرفه ما يوثق برضاه عليه السلام بصرفه فيه ، كدفع ضرورات المؤمنين من السادات زادهم الله تعالى شرفاً و غيرهم ، و الأحوط استحباباً نية التصدق به عنه عليه السلام ، و اللازم مراعاة الأهم فالأهم ، و من أهم مصارفه في هذا الزمان الذي قل فيه المرشدون و المسترشدون إقامة دعائم الدين و رفع أعلامه ، و ترويج الشرع المقدس ، و نشر قواعده و أحكامه و مؤونة أهل العلم الذين يصرفون أوقاتهم في تحصيل العلوم الدينية الباذلين أنفسهم في تعليم الجاهلين ، و إرشاد الضالين ، و نصح المؤمنين و وعظهم ، و إصلاح ذات بينهم ، و نحو ذلك مما يرجع إلى إصلاح دينهم و تكميل نفوسهم ، و علو درجاتهم عند ربهم تعالى شأنه و تقدست أسماؤه ، و الأحوط لزوماً مراجعة المرجع الأعلم المطلع على الجهات العامة .
مسألة 1266 : يجوز نقل الخمس من بلده إلى غيره مع عدم وجود
المستحق ، بل مع وجوده إذا لم يكن النقل تساهلاً و تسامحاً في أداء الخمس و يجوز دفعه في البلد إلى وكيل الفقير و إن كان هو في البلد الآخر كما يجوز دفعه إلى وكيل الحاكم الشرعي ، و كذا إذا وكل الحاكم الشرعي المالك فيقبضه بالوكالة عنه ثم ينقله إليه .
مسألة 1267 : إذا كان المال الذي فيه الخمس في غير بلد المالك و لم يكن متمكناً من إعطائه من نفس العين إلا مع التأخير و لكن كان متمكناً من إعطاء قيمته فوراً لم يجب عليه ذلك بل يجوز له التأخير إلى أن يتيسر الدفع من العين و لكن اللازم عدم التساهل و التسامح في ذلك .
مسألة 1268 : في صحة عزل الخمس بحيث يتعين في مال مخصوص إشكال بل منع ، و عليه فإذا نقله إلى بلد لعدم وجود المستحق فتلف بلا تفريط لا تفرغ ذمة المالك ، نعم إذا قبضه وكالة عن المستحق أو عن الحاكم فرغت ذمته ، و لو نقله بإذن موكله فتلف من غير تفريط لم يضمن .
مسألة 1269 : إذا كان له دين في ذمة المستحق ففي جواز احتسابه عليه من الخمس بلا مراجعة الحاكم الشرعي إشكال ، فإن أراد الدائن ذلك فالأحوط أن يتوكل عن الفقير الهاشمي في قبض الخمس و في إيفائه دينه ، أو أنه يوكل الفقير في استيفائه دينه و أخذه لنفسه خمساً .
|
كتاب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر
|
من أعظم الواجبات الدينية الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر ، قال الله تعالى : ( و لتكن منكم أمة يدعون إلى الخير و يأمرون بالمعروف و ينهون عن المنكر و أولئك هم المفلحون ) .
روي عن النبي صلى الله عليه و آله إنه قال : « كيف بكم إذا فسدت نساؤكم ، و فسق شبابكم ، و لم تأمروا بالمعروف و لم تنهوا عن المنكر» فقيل له : و يكون ذلك يا رسول الله ؟ قال صلى الله عليه و آله : « نعم » فقال : « كيف بكم إذا أمرتم بالمنكر ، و نهيتم عن المعروف » فقيل له : يا رسول الله و يكون ذلك ؟ فقال : « نعم و شر من ذلك كيف بكم إذا رأيتم المعروف منكراً و المنكر معروفاً ؟» .
و قد روي عنهم ـ عليهم السلام: ـ أن بالأمر بالمعروف تقام الفرائض و تأمن المذاهب ، و تحل المكاسب ، و تمنع المظالم ، و تعمر الأرض و ينتصف للمظلوم من الظالم ، و لا يزال الناس بخير ما أمروا بالمعروف ، و نهوا عن المنكر ، و تعاونوا على البر ، فإذا لم يفعلوا ذلك نزعت منهم البركات و سلط بعضهم على بعض ، و لم يكن لهم ناصر في الأرض و لا في السماء .
مسألة 1270 : يجب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر مع كون المعروف واجباً و المنكر حراماً و في كون وجوبه عينياً أو كفائياً وجهان ، و لا يبعد الأول في إظهار الكراهة قولاً أو فعلاً و الثاني فيما يتوقف على إعمال القدرة كالضرب و الحبس مما كان من وظائف المحتسب في بعض الأزمنة السالفة .
مسألة 1271 : إذا كان المعروف مستحباً كان الأمر به مستحباً،
فإذا أمر به كان مستحقاً للثواب ، و إن لم يأمر به لم يكن عليه إثم و لا عقاب . و يلزم أن يراعى في الأمر بالمستحب أن لا يكون على نحو يستلزم إيذاء المأمور أو إهانته ، كما لا بد من الاقتصار فيه على ما لا يكون ثقيلاً عليه بحيث يزهده في الدين ، و هكذا الحال في النهي عن المكروه .
|
يشترط في وجوب الأمر بالمعروف الواجب ، و النهي عن المنكر أمور :
|
|
|
 |
الأول : معرفة المعروف و المنكر و لو إجمالاً ، فلا يجبان على الجاهل بالمعروف و المنكر و لكن قد يجب التعلم مقدمة للأمر بالأول و النهي عن الثاني .
الثاني : احتمال ائتمار المأمور بالمعروف بالأمر ، و انتهاء المنهي عن المنكر بالنهي ، فإذا لم يحتمل ذلك ، و علم أن الشخص الفاعل لا يبالي بالأمر أو النهي ، و لا يكترث بهما لا يجب عليه شيء على المشهور ، و لكن لا يترك الاحتياط بإظهار الكراهة فعلاً أو قولاً و لو مع عدم احتمال الارتداع به .
الثالث : أن يكون الفاعل مصراً على ترك المعروف ، و ارتكاب المنكر فإذا كانت أمارة على ارتداع العاصي عن عصيانه لم يجب شيء ، بل لا يبعد عدم الوجوب بمجرد احتمال ذلك ، فمن ترك واجباً أو فعل حراماً و احتمل كونه منصرفاً عنه أو نادماً عليه لم يجب شيء ، هذا و اعتبار الإصرار لعله المشهور بين الفقهاء و لكن الظاهر كفاية إحراز عزمه على ترك المعروف و فعل المنكر حدوثاً أو بقاءً بحيث يكون توجيه الأمر أو النهي الشخصي إليه في محله عند العقلاء و لو لم يكن متلبساً بالمعصية فضلاً عن توقف الوجوب على الإصرار .
الرابع : أن يكون المعروف و المنكر منجزاً في حق الفاعل ، فإن كان
معذوراً في فعله المنكر ، أو تركه المعروف ، لاعتقاد أن ما فعله مباح و ليس بحرام ، أو أن ما تركه ليس بواجب ، و كان معذوراً في ذلك للاشتباه في الموضوع ، أو الحكم اجتهاداً ، أو تقليداً لم يجب شيء ، و كذا إذا لم يكن معذوراً في فعله في بعض الموارد كما إذا عجز عن الجمع بين امتثال تكليفين بسوء اختياره و صرف قدرته في امتثال الأهم منهما فإنه لا يكون معذوراً في ترك المهم و إن كانت وظيفته عقلاً الإتيان بالأهم انتخاباً لأخف القبيحين بل و المحرمين ، هذا و لو كان المنكر مما لا يرضى الشارع بوجوده مطلقاً كالإفساد في الأرض و قتل النفس المحترمة و نحو ذلك فلا بد من الردع عنه و لو لم يكن المباشر مكلفاً فضلاً عما إذا كان جاهلاً بالموضوع أو بالحكم .
الخامس : أن لا يلزم من الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر ضرر على الآمر في نفسه أو عرضه أو ماله المعتد به و كذا لا يلزم منه وقوعه في حرج لا يتحمله فإذا لزم الضرر أو الحرج لم يجب عليه ذلك إلا إذا أحرز كونه بمثابة من الأهمية عند الشارع المقدس يهون دونه تحمل الضرر أو الحرج ، و الظاهر أنه لا فرق فيما ذكر بين العلم بلزوم الضرر أو الظن به أو الاحتمال المعتد به عند العقلاء الموجب لصدق الخوف . و إذا كان في الأمر بالمعروف أو النهي عن المنكر خوف الإضرار ببعض المسلمين في نفسه أو عرضه أو ماله المعتد به فالظاهر سقوط وجوبهما ، نعم إذا كان المعروف و المنكر من الأمور المهمة شرعا فلا بد من الموازنة بين الجانبين بلحاظ قوة الاحتمال و أهمية المحتمل فربما لا يحكم بسقوط الوجوب و ربما يحكم به .
مسألة 1272 : لا يختص وجوب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر بصنف من الناس دون صنف ، بل يجب عند اجتماع الشرائط المذكورة على
العلماء و غيرهم ، و العدول و الفساق ، و السلطان و الرعية ، و الأغنياء و الفقراء ، و الظاهر عدم سقوطه ما دام كون الشخص تاركاً للمعروف و فاعلا للمنكر و إن قام البعض بما هو وظيفته من المقدار المتيسر له منه .
|
للأمر بالمعروف و النهي عن المنكر مراتب :
|
|
|
 |
الأولى : أن يأتي بعمل يظهر به انزجاره القلبي و كراهته للمنكر أو ترك المعروف ، كإظهار الانزعاج من الفاعل ، أو الإعراض و الصد عنه ، أو ترك الكلام معه ، أو نحو ذلك من فعل أو ترك يدل على كراهة ما وقع منه .
الثانية : الأمر و النهي باللسان و القول ، بأن يعظ الفاعل و ينصحه ، و يذكر له ما أعد الله سبحانه للعاصين من العقاب الأليم و العذاب في الجحيم ، أو يذكر له ما أعده الله تعالى للمطيعين من الثواب الجسيم و الفوز في جنات النعيم ، و منه التغليظ في الكلام و الوعيد على المخالفة و عدم الإقلاع عن المعصية بما لا يكون كذباً .
الثالثة : إعمال القدرة في المنع عن ارتكاب المعصية بفرك الأذن أو الضرب أو الحبس و نحو ذلك ، و في جواز هذه المرتبة من غير إذن الإمام عليه السلام أو نائبه إشكال ، و لكل واحدة من هذه المراتب مراتب أخف و أشد ، و المشهور الترتب بين هذه المراتب ، فإن كان إظهار الإنكار القلبي كافيا في الزجر اقتصر عليه ، و إلا أنكر باللسان ، فإن لم يكف ذلك أنكره بيده ، و لكن الظاهر أن القسمين الأولين في مرتبة واحدة فيختار الآمر أو الناهي ما يحتمل التأثير منهما ، و قد يلزمه الجمع بينهما . و أما القسم الثالث فهو مترتب على عدم تأثير الأولين ، و الأحوط بل الأقوى في الأقسام الثلاثة الترتيب بين مراتبها فلا ينتقل إلى الأشد إلا إذا لم يكف الأخف إيذاءً أو هتكاً ، و ربما يكون بعض ما تتحقق به المرتبة الثانية أخف من بعض ما تتحقق به المرتبة الأولى ،
بل ربما يتمكن البصير الفطن أن يردع العاصي عن معصيته بما لا يوجب إيذاءه أو هتكه فيتعين ذلك .
مسألة 1273 : إذا لم تكف المراتب المذكورة في ردع الفاعل ففي جواز الانتقال إلى الجرح و القتل وجهان ، بل قولان أقواهما العدم ، و كذا إذا توقف على كسر عضو من يد أو رجل أو غيرهما ، أو إعابة عضو كشلل أو اعوجاج أو نحوهما ، فإن الأقوى عدم جواز ذلك ، و إذا أدى الضرب إلى ذلك ـ خطأ أو عمداً ـ فالأقوى ضمان الآمر و الناهي لذلك ، فتجري عليه أحكام الجناية العمدية ، إن كان عمداً ، و الخطأية إن كان خطأ . نعم يجوز للإمام و نائبه ذلك إذا كان يترتب على معصية الفاعل مفسدة أهم من جرحه أو قتله ، و حينئذ لا ضمان عليه .
مسألة 1274 : يتأكد وجوب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر في حق المكلف بالنسبة إلى أهله ، فيجب عليه إذا رأى منهم التهاون في الواجبات ، كالصلاة و أجزائها و شرائطها ، بأن لا يأتوا بها على وجهها ، لعدم صحة القراءة و الأذكار الواجبة ، أو لا يتوضئوا وضوءاً صحيحاً أو لا يطهروا أبدانهم و لباسهم من النجاسة على الوجه الصحيح أمرهم بالمعروف على الترتيب المتقدم ، حتى يأتوا بها على وجهها ، و كذا الحال في بقية الواجبات ، و كذا إذا رأى منهم التهاون في المحرمات كالغيبة و النميمة ، و العدوان من بعضهم على بعض ، أو على غيرهم ، أو غير ذلك من المحرمات ، فإنه يجب أن ينهاهم عن المنكر حتى ينتهوا عن المعصية ، و لكن في جواز الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر بالنسبة إلى الأبوين بغير القول اللين و ما يجري مجراه من المراتب المتقدمة نظر و إشكال .
مسألة 1275 : إذا صدرت المعصية من شخص من باب الاتفاق ، و علم أنه غير عازم على العود إليها لكنه لم يتب منها وجب أمره بالتوبة ، فإنها
واجبة عقلاً لحصول الأمن من الضرر الأخروي بها ، هذا مع التفات الفاعل إليها ، أما مع الغفلة ففي وجوب أمره بها إشكال ، و الأحوط ـ استحباباً ـ ذلك .
فائدة :
قال بعض الأكابر قدس سره : إن من أعظم أفراد الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و أعلاها و أتقنها و أشدها ، خصوصاً بالنسبة إلى رؤساء الدين أن يلبس رداء المعروف واجبه و مندوبه ، و ينزع رداء المنكر محرمه و مكروهه ، و يستكمل نفسه بالأخلاق الكريمة ، و ينزهها عن الأخلاق الذميمة ، فإن ذلك منه سبب تام لفعل الناس المعروف ، و نزعهم المنكر ، خصوصاً إذا أكمل ذلك بالمواعظ الحسنة المرغبة و المرهبة ، فإن لكل مقام مقالاً ، و لكل داء دواء ، وطب النفوس و العقول أشد من طب الأبدان بمراتب كثيرة ، و حينئذ يكون قد جاء بأعلى أفراد الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر .
وفيه مطلبان :
|
المطلب الأول : في ذكر أمور هي من المعروف :
|
|
|
 |
منها : الاعتصام بالله تعالى ، قال الله تعالى : « و من يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم» و روي عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال : « أوحى الله عز و جل إلى داود : ما اعتصم بي عبد من عبادي دون أحد من خلقي عرفت ذلك من نيته ، ثم تكيده السماوات و الأرض و من فيهن إلا جعلت له المخرج من بينهن » .
ومنها : التوكل على الله سبحانه ، الرؤوف الرحيم بخلقه العالم بمصالحه و القادر على قضاء حوائجهم . و إذا لم يتوكل عليه تعالى فعلى من يتوكل أعلى نفسه ، أم على غيره مع عجزه و جهله ؟ قال الله تعالى : «ومن يتوكل على الله فهو حسبه» و روي عن أبي عبد الله عليه السلام إنه قال : « الغنى و العز يجولان ، فإذا ظفرا بموضع من التوكل أوطنا » .
ومنها : حسن الظن بالله تعالى ، فعن أمير المؤمنين عليه السلام فيما قال : «والذي لا إله إلا هو لا يحسن ظن عبد مؤمن بالله إلا كان الله عند ظن عبده المؤمن ، لأن الله كريم بيده الخير يستحي أن يكون عبده المؤمن قد أحسن به الظن ثم يخلف ظنه و رجاءه ، فأحسنوا بالله الظن و ارغبوا إليه» .
ومنها : الصبر عند البلاء، و الصبر عن محارم الله ، قال الله تعالى : «إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب» و روي عن رسول الله صلى الله عليه و آله في حديث أنه قال : « فاصبر فإن في الصبر على ما تكره خيراً كثيراً،
و اعلم أن النصر مع الصبر ، و أن الفرج مع الكرب ، فإن مع العسر يسراً ، إن مع العسر يسراً ) ، و عن أمير المؤمنين عليه السلام إنه قال : « لا يعدم الصبر الظفر و إن طال به الزمان » ، و عنه عليه السلام أيضاً : « الصبر صبران : صبر عند المصيبة حسن جميل ، و أحسن من ذلك الصبر عند ما حرم الله تعالى عليك » .
و منها : العفة ، فعن أبي جعفر عليه السلام : « ما عبادة أفضل عند الله من عفة بطن و فرج » ، و عن أبي عبد الله عليه السلام : « إنما شيعة جعفر من عف بطنه و فرجه ، و اشتد جهاده ، و عمل لخالقه ، و رجا ثوابه ، و خاف عقابه ، فإذا رأيت أولئك فأولئك شيعة جعفر » عليه السلام .
و منها : الحلم ، روي عن رسول الله صلى الله عليه و آله إنه قال : « ما أعز الله بجهل قط ، و لا أذل بحلم قط » ، و عن أمير المؤمنين عليه السلام إنه قال : « أول عوض الحليم من حلمه أن الناس أنصاره على الجاهل » و عن الرضا عليه السلام أنه قال : « لا يكون الرجل عابداً حتى يكون حليما » .
و منها : التواضع ، روي عن رسول الله صلى الله عليه و آله إنه قال : « من تواضع لله رفعه الله و من تكبر خفضه الله ، و من اقتصد في معيشته رزقه الله و من بذر حرمه الله ، و من أكثر ذكر الموت أحبه الله تعالى » .
و منها : إنصاف الناس ، و لو من النفس ، روي عن رسول الله صلى الله عليه و آله إنه قال : « سيد الأعمال إنصاف الناس من نفسك ، و مواساة الأخ في الله تعالى على كل حال » .
و منها : اشتغال الإنسان بعيبه عن عيوب الناس ، فعن رسول الله صلى الله عليه و آله إنه قال : « طوبى لمن شغله خوف الله عز و جل عن خوف الناس ، طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب المؤمنين » و عنه صلى الله عليه و آله : « إن أسرع الخير ثواباً البر ، و إن أسرع الشر عقاباً البغي ، و كفى بالمرء عيباً
أن يبصر من الناس ما يعمى عنه من نفسه ، و أن يعير الناس بما لا يستطيع تركه ، و أن يؤذي جليسه بما لا يعنيه» .
و منها : إصلاح النفس عند ميلها إلى الشر ، روي عن أمير المؤمنين عليه السلام إنه قال : «من أصلح سريرته أصلح الله تعالى علانيته ، و من عمل لدينه كفاه الله دنياه ، و من أحسن فيما بينه و بين الله أصلح الله ما بينه و بين الناس» .
و منها : الزهد في الدنيا و ترك الرغبة فيها ، روي عن أبي عبد الله عليه السلام إنه قال : « من زهد في الدنيا أثبت الله الحكمة في قلبه ، و انطلق بها لسانه ، و بصره عيوب الدنيا داءها و دواءها ، و أخرجه منها سالماً إلى دار السلام » ، و روي إن رجلاً قال لأبي عبد الله عليه السلام : إني لا ألقاك إلا في السنين فأوصني بشيء حتى آخذ به ؟ فقال عليه السلام : « أوصيك بتقوى الله ، و الورع و الاجتهاد ، و إياك أن تطمع إلى من فوقك ، و كفى بما قال الله عز و جل لرسول الله صلى الله عليه و آله «و لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا» و قال تعالى : «فلا تعجبك أموالهم و لا أولادهم» فإن خفت ذلك فاذكر عيش رسول الله صلى الله عليه و آله ، فإنما كان قوته من الشعير ، و حلواه من التمر و وقوده من السعف إذا وجده ، و إذا أصبت بمصيبة في نفسك أو مالك أو ولدك فاذكر مصابك برسول الله صلى الله عليه و آله فإن الخلائق لم يصابوا بمثله قط » .
|
المطلب الثاني : في ذكر بعض الأمور التي هي من المنكر :
|
|
|
 |
منها : الغضب . فعن رسول الله صلى الله عليه و آله إنه قال : « الغضب يفسد الإيمان كما يفسد الخل العسل » و عن أبي عبد الله عليه السلام إنه قال : « الغضب مفتاح كل شر » و عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال : « إن الرجل ليغضب فما
يرضى أبداً حتى يدخل النار ، فأيما رجل غضب على قومه و هو قائم فليجلس من فوره ذلك ، فإنه سيذهب عنه رجس الشيطان ، و أيما رجل غضب على ذي رحم فليدن منه فليمسه ، فإن الرحم إذا مست سكنت» .
و منها : الحسد ، فعن أبي جعفر و أبي عبد الله عليهما السلام أنهما قالا : « إن الحسد ليأكل الإيمان كما تأكل النار الحطب » ، و عن رسول الله صلى الله عليه و آله أنه قال ذات يوم لأصحابه : « إنه قد دب إليكم داء الأمم من قبلكم ، و هو الحسد ليس بحالق الشعر ، و لكنه حالق الدين ، و ينجى فيه أن يكف الإنسان يده ، و يخزن لسانه ، و لا يكون ذا غمز على أخيه المؤمن » .
و منها : الظلم ، روي عن أبي عبد الله عليه السلام إنه قال : « من ظلم مظلمة أخذ بها في نفسه أو في ماله أو في ولده »، و روي عنه أيضاً إنه قال : « ما ظفر بخير من ظفر بالظلم ، أما أن المظلوم يأخذ من دين الظالم أكثر مما يأخذ الظالم من مال المظلوم » .
و منها : كون الإنسان ممن يتقى شره ، فعن رسول الله صلى الله عليه و آله إنه قال : « شر الناس عند الله يوم القيامة الذين يكرمون اتقاء شرهم » ، و عن أبي عبد الله عليه السلام إنه قال : « و من خاف الناس لسانه فهو في النار » و عنه عليه السلام أيضاً : « إن أبغض خلق الله عبد اتقى الناس لسانه » و لنكتف بهذا المقدار .
والحمد لله أولاً وآخراً، وهو حسبنا ونعم الوكيل
| |