موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 268

وخلّى سبيله، ومن كان مرتداً عرض عليه الإسلام فمن أبى منهم قتله، وأخذ من المسلمين عقالين صدقة عام صفين وذلك العام، وساق السبي معه راجعاً نحو الكوفة، فمرّ بمصقلة بن هبيرة الشيباني وكان عامل الإمام على اردشير خرّة(1) فاستغاث السبايا به، فساوم معقلاً على شرائهم، فاشتراهم وكانوا خمسمائة إنسان بألف ألف، ودفعهم معقل إليه وقال له عجّل بالمال إلى أمير المؤمنين، فقال: أنا باعث الآن بصدر، ثمّ أبعث بصدر آخر كذلك حتى لا يبقى منه شيء إن شاء الله تعالى.
وعاد معقل بمن معه من أهل الكوفة إليها وأخبر الإمام بفعل مصقلة وأنه خلّى سبيل الأسارى ولم يسألهم أن يعينوه في فكاك أنفسهم بشيء، فقال الإمام: ما أظن مصقلة إلاّ قد تحمّل حَمالة، ولا أراكم إلاّ سترونه مبلّداً ـ المبلّد: ضعيف الرأي عاجز الهمّة ـ وكتب إليه يستعجله بإرسال المال، وإلاّ يقدم عليه بنفسه. وعاد خالد بن معدان بمن معه من أهل البصرة اليها، وبلغ ابن عباس خبر مصقلة، ولما كان تابعاً في عمالته إلى ولاية البصرة بقي ينتظر إرسال المال».
قال الطبري: «وكان عمّال البصرة يحملون ـ المال ـ من كور البصرة إلى ابن عباس، ويكون ابن عباس هو الّذي يبعث به إلى عليّ.
وأتى مصقلة بنفسه يريد الإمام، فنزل في طريقه بالبصرة فطالبه ابن عباس بالمال، فقال له: نعم أنظرني أياماً، ثمّ أتى الإمام بالكوفة فأقرّه أياماً ثمّ سأله المال

(1) اردشير خرّة: من أجل كور فارس ومنها مدينة شيراز وجور وخبروميمند والخوار وسيراف وكازرونا وغيرها من اعيان مدن فارس وأكثرها ممتد على البحر قصبتها سيراف (مراصد الاطلاع).
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 269

فأدّى منه مائتي ألف، وعجز عن الباقي ففرّ هارباً إلى معاوية وبلغ الإمام ذلك فهدم داره وقال: (ما له برّحه الله فعل فعل السيّد، وفرّ فرار العبيد، وخان خيانة الفاجر، أما والله لو أنّه أقام فعجز ما زدنا على حبسه، فإن وجدنا له شيئاً أخذناه، وإن لم نقدر على مال تركناه)»(1).
وهنا لابدّ لي من وقفة مع الذين نقدوا سياسة الإمام في تلك الحالة. وإنّما هم على شاكلة مصقلة بن هبيرة الّذي كان يقول: «أما والله لو أنّ ابن هند أو ابن عفان لتركها لي.
ويقول لصديق له: ألم تر إلى ابن عفان حيث أطعم الأشعث من خراج أذربيجان مائة ألف في كلّ سنة. فقال له صاحبه وهو يحاوره: إنّ هذا لا يرى هذا الرأي، لا والله ما هو بباذل شيئاً كنت أخذته»(2).
قال الدكتور طه حسين: «وكان أمر مصقلة هذا من أوضح الأدلة وأقواها على طبيعة الطاعة الّتي كان كثيراً من أشراف أهل العراق يبذلونها لعليّ، فقد التوى بدَينه، وحُمل إلى ابن عباس، فلمّا طالبه ابن عباس بأداء الدين قال: لو قد طلبت أكثر من هذا إلى ابن عفان ما منعني إياه...
فلم تكن طاعة مصقلة إذا لعليّ طاعة الرجل الّذي يُصدر في كلّ ما يأتي عن معرفة الحقّ والإيمان به والقيام دونه والصبر على ما يكون من نتائج هذا كلّه، وإنّما كانت طاعته طاعة رجل من الناس لخليفة من الخلفاء، رجل يؤثر

(1) تاريخ الطبري 6/65 - 75 ط الحسينية، و 5/113- 130 ط دار المعارف، وشرح النهج لابن أبي الحديد 1/264 - 271 ط مصر الأولى.
(2) تاريخ الطبري 5/130 ط دار المعارف.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 270

العافية وينتهز الفرصة ويبتغي لنفسه الخير مهما يكن مصدره، يعنيه أمر نفسه قبل أن يعنيه أي شيء آخر.
ولم يكن مصقلة فَذّا في ذلك، وإنّما كان له أشباه من أشراف الناس فضلاً عن عامتهم في الكوفة والبصرة جميعاً، فهو يشتري الأسرى ويعتقهم لا يبتغي ثواب الله، ولا يبتغي حسن الأحدوثة، وإنّما يستجيب للعصبية وحدها، ويتخذ المكر بالسلطان وسيلة إلى إرضائها، فإذا علم السلطان مكره وطالبه بالحقّ لم يصطبر له، ولم يؤدّ منه ما لزمه، وإنّما فرّ إلى الذين يحاربون الخليفة، ويكيدون له، فأصبح عدواً بعد ان كان وليّاً. ولم يكن لقاء معاوية له وترحيبه به وإيثاره إياه بالمعروف خيراً من التوائه هو بالدَين وفراره هو إلى الشام، وإنّما كان كيداً من الكيد، ومكراً من المكر، ومكافأة على ما لا يحسُن أن يكافأ عليه المسلم الصدوق، إنّما كان ذلك يحسُن لو قد فرّ إلى معاوية رجل من الروم ليكيد معه لقيصر، ويُعينه على غزو العدو، فأمّا أن يؤوي مَن كاد معه لإمامه لا بشيء، ونكث عهده لا لشيء، إلاّ لأنّه قد يعينه على إفساد أمر العراق، فهذا هو الّذي يبيّن وجهاً خطيراً من وجوه السياسة الّتي أراد معاوية أن يقيم عليها أمر السلطان الجديد، سياسة الدنيا بأعراضها وأغراضها، وبمنافعها ومآربها، وباهوائها وشهواتها»(1).
وهنا يظهر الفرق واضحاً بين مذهب عليّ في السياسة الّتي تُخلص للدين، ومذهب معاوية في السياسة الّتي تخلص للدنيا.

(1) عليّ وبنوه /127 ـ 128 ط دار المعارف.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 271

وقال: «ومضى امتحان عليّ على هذا النحو المرّ، خيانةً من الوليّ وكيداً من العدو، وهو بين ذلك كله مصمّم على خطّته الواضحة، لا يرضى الدنيّة من الأمر، ولا يُدهن في دينه، ولا يتحوّل عن سياسته الصريحة قليلاً ولا كثيراً، والمحن تتابع عليه ويقفو بعضها إثر بعض، وهو ماضٍ في طريقه لا ينحرف عنه إلى يمين أو إلى شمال، يبلغ منه الغيظ أقصاه، ويضيق بحياته أشد الضيق، فلا يزيد على أن يجمجم ويُظهر غيظه دون أن يَلفته شيء من ذلك عمّا صمّم عليه»(1).

بوائق معاوية:

لم يدع معاوية فرصة تمرّ به دون أن ينتهزها للكيد للإمام (عليه السلام)، من غارات على أطراف البلاد الّتي تتبع الإمام في حكومته، فشاع الخوف والرعب في نفوس الناس من جراء تلك الغارات، وقد ذكر المؤرخون كثيراً منها، وجمع منها بعضهم ما سمى بها كتاب الغارات وذلك هو محمّد بن إبراهيم الثقفي المتوفى سنة 283هـ، ولم يقصر عنه ابن أعثم المتوفى سنة 314هـ في كتابه الفتوح في ذكرها وكذلك الطبري المتوفى سنة 310هـ.
فذكروا أنّ معاوية وجّه النعمان بن بشير سنة تسع وثلاثين إلى عين التمر في ألفي رجل فأغاروا عليها، وكان بها مالك بن كعب مسلحة للإمام في مائة رجل فكتب مالك إلى عليّ يخبره بأمر النعمان ومن معه، فخطب عليّ الناس وأمرهم بالخروج فتثاقلوا، وواقع مالك النعمان، والنعمان في ألفي رجل ومالك في مائة رجل، وأمر مالك أصحابه أن يجعلوا جُدُر القرية في ظهورهم. وكتب

(1) نفس المصدر /129.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 272

إلى مخنف بن سُليم يسأله أنّ يمدّه - وهو قريب منه - ووجه ابنه عبد الرحمن في خمسين رجلاً فانتهوا إلى مالك وأصحابه وقد كسّروا جفون سيوفهم، واقتتلوا أشد قتال، واستقتلوا، فلمّا رآهم أهل الشام ظنوا أنّ لهم مدداً فانهزموا عند المساء، وتبعهم مالك فقتل منهم ثلاثة...
وبلغ الخبر إلى الإمام فاستنهض الناس فتثاقلوا، فخطبهم وقال: (يا أهل الكوفة كلما سمعتم بمنسرٍ من مناسر أهل الشام أظلكم وأغلق بابه، انحجر كلّ امرئ منكم في بيته انحجار الضبّ في جحره والضبع في وجارها، المغرور من غررتموه، ولمن فاز بكم فاز بالسهم الأخيب، لا أحرارٌ عند النداء، ولا اخوان ثقة عند النجاء، إنّا لله وإنّا إليه راجعون، ماذا مُنيت به منكم، عميٌ لا تبصرون، وبكمٌ لا تنطقون، وصمٌ لا تستمعون، إنّا لله وإنّا إليه راجعون)(1).
وإلى القارئ عرضاً سريعاً بأسماء من بعثهم معاوية في تلك الغارات انتقاءً من الجزء الرابع من كتاب الفتوح لابن أعثم ط دار الندوة الجديدة. بيروت:
1- غارة الضحاك بن قيس الفهري: نزل الثعلبية ثمّ سار إلى القطقطانة وهي على بعدٍ قريب من الكوفة.
فأرسل الإمام حجر بن عدي في ألف فارس فطاردهم وأدركهم في بلاد كلب فقاتلهم فقتل من أهل الكوفة ومن أهل الشام سبعة ورجع الضحاك إلى معاوية مفلولاً مهزوماً(2).

(1) تاريخ الطبري 5/133- 134 ط دار المعارف باقتضاب.
(2) الفتوح 4/37 ـ 38.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 273

2- تسيير يزيد بن شجرة الرهاوي في ثلاثة آلاف إلى مكة المكرمة، ليطردوا لي الإمام ـ وهو يومئذ قثم بن العباس ـ فدخلها الرهاوي وكادت الفتنة أن تقع لولا رعاية قثم لحرمة البيت الحرام وتوسط أبي سعيد الخدري في أن يقيم الحج للناس شيبة بن عثمان العبدري واستنجد قثم بالإمام فأرسل الإمام (1700) رجلاً من فرسان العرب فيهم الريان بن ضمرة بن هوذة الحنفي وأبا الطفيل عامر بن واثلة فخرجوا من الكوفة أوّل ذي الحجة وقد فات الوقت، فأدركوا الرهاوي قافلاً في وادي القرى فاصابوا عشرة من الشاميين فأسروهم وعادوا إلى الإمام فأمر بحبسهم وقال: لنا في يد معاوية أسارى فإذا أطلقهم أطلقنا نحن هؤلاء إن شاء الله تعالى(1).
3- غارة الحارث بن نمير التنوخي في الف على بلاد الجزيرة فأغاروا على قوم من بني تغلب ممّن كانوا في طاعة الإمام فأسروا منهم ثمانية وانصرفوا راجعين، فكتب الإمام إلى معاوية في شأن الأسارى، وتمّ إطلاق الأسارى من الطرفين(2).
4- غارة سفيان بن عوف الغامدي على أراضي العراق فبلغوا هيت والأنبار، فبلغ الإمام ذلك وهمّ أن يسير إليهم بنفسه ثمّ سيّر إليهم خيلاً بقيادة سعيد بن قيس الهمداني، وسار فلم يلحق به(3).
5- غارة عبد الرحمن بن أشيم على بلاد الجزيرة، فصدّه شبيب بن عامر ـ وكان مقيماً بنصيبين في ستمائة رجل ـ وكميل بن زياد ـ وكان مقيماً في هيت

(1) نفس المصدر 4/38 - 45.
(2) نفس المصدر 4/45 ـ 47.
(3) نفس المصدر 4/47 ـ 50.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 274

في أربعمائة رجل ـ ووقعت الهزيمة في أهل الشام فقتل منهم بشر كثير، وقُتل من أصحاب شبيب أربعة ومن أصحاب كميل اثنان(1).
6- غارة بسر بن أبي أرطأة على الحجاز واليمن وأوصاه معاوية: واقتل كلّ من نابذك حتى تدخل أرض اليمن. فأتى المدينة فقتل بها خلقاً كثيراً وأمر بدور من الأنصار فحرقت وهدمت.
وسار إلى مكة فخافه أهلها فخرجوا هاربين. وسار إلى الطائف فلم يؤذ أهلها لشفاعة المغيرة بن شعبة، ولكنه أرسل إلى تبالة ـ وهي قرية ـ بها يومئذ قوم من شيعة الإمام فأمر بقتلهم جميعاً.
ثمّ سار إلى نجران فقتل من كان من شيعة الإمام، وسار إلى بلاد همدان وبها قوم من أرحب من شيعة الإمام فقتلهم عن آخرهم.
وسار إلى صنعاء وقد خرج منها عبيد الله بن العباس - وهو الوالي- هارباً واستخلف عمرو بن اراكه فقتله بسر صبرا وقتل كلّ من كان شيعة للإمام حتى لم يبق منهم أحداً - وفي الطبري: «ولقي بسر ثقل عبيد الله بن عباس وفيه ابنان له صغيران فذبحهما، وقد قال بعض الناس انّه وجد ابني عبد الله بن عباس عند رجل من كنانة من أهل البادية، فلمّا أراد قتلهما قال الكناني: علام تقتل هذين ولا ذنب لهما، فإن كنت قاتلهما فاقتلني قال: افعل فبدأ بالكناني فقتله ثمّ قتلهما»(2) - وفي قتلهما قالت أمهما أم حكيم بنت قارظ اشجى رثاء فقالت:

(1) نفس المصدر 4/50.
(2) الطبري 5/140.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 275

ها من أحسّ بابنيّ اللذَين هما كالدرّتين تشظّى عنهما الصدف
ها من أحسّ بابنَي اللذَين هما سمعي وقلبي فقلبي اليوم مزدهف
ها من أحسّ بابنَي اللذَين هما مخ العظام فمخّي اليوم مختطف
نبئت بسراً وما صدّقت ما زعموا من قولهم ومن الإفك الّذي اقترفوا
أنحى على ودجي ابنيّ مرهفة مشحوذة وكذاك الإفك يُقترف
حتى لقيت رجالاً من أرومته شمّ الأنوف لهم في قومهم شرف
فالآن ألعن بسراً حق لعنته هذا لعمر أبي بسر هو السرف
من دلّ والهةً حرّى مدّلهةً على صبيَين ضلاّ إذ غدا السلف

وكان اسم أحدهما عبد الرحمن والآخر قثم(1).
ولأمهما فيهما أشعار كثيرة(2) قال ابن الأثير(3): وهي أبيات مشهورة.
روى الذهبي: «إنّ معاوية لمّا بويع وبلغه قتال عليّ أهل النهر كاتب وجوه مَن معه مثل الأشعث، ومنّاهم وبذل لهم حتى مالوا إلى معاوية، وتثاقلوا عن المسير مع عليّ فكان يقول فلا يلتفت إلى قوله، وكان معاوية يقول: لقد حاربت عليّاً بعد صفين بغير جيش ولا عتاد»(4).
وهكذا حارب معاوية الإمام في بلاده التابعة لحكمه، حتى بان الخلل في الأطراف الشرقية منها، فقد أراد أهل فارس وكرمان أن يكسروا الخراج وطمعوا

(1) الفتوح 4/59.
(2) دائرة المعارف للبستاني 1/383 ط بيروت.
(3) تاريخ ابن الأثير 3/167.
(4) سير أعلام النبلاء 44/302 ط دار الفكر بيروت (ترجمة معاوية).
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 276

فيه، وتجاوزوا ذلك إلى طرد سهل بن حنيف الأنصاري وكان عامل الإمام بفارس استضعافاً منهم له، وبلغ ذلك الإمام فساءه الخبر، وشاور أصحابه ومنهم ابن عباس فقال: أكفيك فارس، وأرسل زياد ابن أبيه ومعه من الجند ما استطاع به أن يخضع تلك البلاد وضبطها حتى قال قائلهم: ما رأينا سيرة أشبه بسيرة كسرى أنو شروان من سيرة هذا العربي.
وبقي عاملاً على فارس بقية خلافة الإمام وأيام خلافة الإمام الحسن السبط، واحتال عليه معاوية بعدُ حتى استلحقه، فصار عدواً بعد أن كان ولياً، كالّذي آتيناه آياتنا فاستهوته الشياطين فأنسلخ منها فأصبح من الغاوين.
وصار ابن عباس بعد ذلك إذا خرج إلى الكوفة استخلف على البصرة أبا الأسود الدؤلي.


ابن عباس في الكوفة:

لقد مرّت بنا بعض النصوص لها دلالتها على مدى ما اعتورت الإمام من محنٍ داخلية وخارجية حين صار أعداؤه يكيدونه بها، وصار هو يتميّز غيظاً، ويتفجر غضباً، فهو حين يخطب ـ ولا أبلغ منه خطيب ـ لا يلفي السامع المجيب، ولمّا استنهضهم وجدهم ثقالاً، هم سمّاعون للكذب، صمٌّ بكمٌ عن مواعظه، فزاد ذلك في ألمه وبرمه، وبلغ الحزن منه مبلغه. ومما جاوز الحد في ذلك دخول (عمرو بن الحمق وحجر بن عدي وحبّة العَرني والحارث الأعور وعبد الله بن سبأ على أمير المؤمنين (عليه السلام) بعدما افتتحت مصر وهو مغموم حزين فقالوا له بيّن لنا ما قولك في أبي بكر وعمر؟ فقال لهم عليّ (عليه السلام): وهل فرغتم لهذا؟ وهذه مصر قد افتتحت وشيعتي بها قد قتلت. أنا مخرج إليكم كتاباً أخبركم فيه عمّا

موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 277

سألتم، وأسألكم أن تحفظوا من حقي ما ضيّعتم، فاقروؤه على شيعتي وكونوا على الحقّ أعواناً).
ثمّ ذكر الرواة نسخة الكتاب، وأحسب أنّ أقدم نص في ذلك هو رواية ابن قتيبة المتوفى سنة 270هـ في الإمامة والسياسة(1)، ومن بعده رواية إبراهيم بن محمّد الثقفي المتوفى سنة 283هـ في الغارات(2)، وقد ذكر الشريف الرضي بعض الفقرات بعنوان (ومن خطبة له: أنّ الله بعث محمّداً (صلّى الله عليه وآله وسلّم» وفقرات أخر متفرقة، وذكر الكتاب أيضاً ابن جرير الطبري الإمامي في المسترشد(3).
فمن شاء الكتاب فليرجع إلى المصادر المذكورة فإنّه يفيض ألما ويتفجّر سأماً وبرما، ولا شك أنّ ذلك الحال والمقال كلّه كان يبلغ ابن عباس وهو بالبصرة من خلال مراسلات الإمام إليه ورسله، فضلاً عمّا يتحدث به الناس ويتناقلونه من أخبار تخاذل المجتمع الكوفي، ومن الطبيعي كان لذلك تأثيره على المجتمع البصري الّذي لم يكن هو الآخر أحسن حالاً من المجتمع الكوفي إن لم يكن أسوأ لتركيبته السكانية، واتساع رقعة ولاياته التابعة لإمارته، وقد قرأنا أخبار ما جرى في بعض الولايات التابعة للبصرة في حكومتها نحو ما مرّ عن فارس وكور الأهواز، وخبر الخريّت بن راشد في سيف البحر من أطراف رامهرمز، وعامل أردشير خرّة. إلى غير ذلك ممّا لم نذكره ممّا دل على عُنف الزلزال الّذي بدأ يهزّ المجتمع الإسلامي الّذي يحكمه الإمام، وينخر بنية المجتمع في البصرة والكوفة بل واليمن وغيرها على حدٍّ سواء.

(1) الإمامة والسياسة 1/129 ـ 133 ط سنة 1328 بمصر.
(2) الغارات 1/302 ـ 322 تح ـ السيّد جلال الدين الحسيني (محدّث).
(3) المسترشد /95 ـ 103 ط الحيدرية مع زيادات.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 278

وكان والحال هذه لابدّ لابن عباس من الذهاب إلى الكوفة بين فترة وأخرى ما وسعه ذلك، لمواساة الإمام والتخفيف عنه بعض حزنه، وقد مرّ بنا حضوره بعد مقتل محمّد بن أبي بكر (رحمه الله) ليعزي الإمام بمقتل محمّد، فقتله كان الفادحة العظمى الّتي سلبت مصر من حكومة الإمام، وجريمة شنعاء ارتكبها ابن العاص وجنده في قتله.
ولما لم تكن لدينا تواريخ محدّدة باليوم والشهر لذلك الحضور ولا غيره ممّا يشابهه، فصرنا نستعين في التحديد التقريبي بنصوص الوثائق الّتي يرد فيها ما يشير إجمالاً إلى حَدَث معيّن. ونحن من خلال تلك النصوص نستشفّ تاريخ الحضور.
ولدينا الآن نصّان لهما أهميتهما القصوى في تصوير الحزن الّذي أحاط بالإمام من ست جهاته ـ كما يقال في المثل ـ وهما متشابهان شبهاً كثيراً في المضمون ممّا جعلنا نذكرهما كصنوين. مضافاً إلى الزمان والمكان فكلّ منهما حَدَثَ في الكوفة، وكلّ منهما يرويه ابن عباس رواية حضور ولا يخفى أنّ عنصر المشاهدة أكثر ضبطاً للخصوصيات ويمتاز بها الراوي على غيره من رواة السماع.
كما أنّ كلاً منهما فيه لابن عباس أثر ذاتي يعكس مشاركته للإمام في أحزانه بوجدانه.
كما نرى فيهما الإمام يفضي إليه بما يعتلج بصدره ممّا لحقه من ظلم الأمة له وهضمها لحقوقه، ومن غريب الصدف أن نجدهما معاً ينتهيان بمفاجأة تعرض فينهي الإمام كلامه عندها.

موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 279

فما هما النصّان؟
إنّهما الخطبة الشقشقية وصنوها، ولا مشاحة في الاصطلاح لو سمينا النص الثاني بذلك لما مرّ من أوجه الشبه بينهما.
والآن إلى قراءة عابرة لهما:


أوّلاً: الخطبة الشقشقية:

ولمّا كانت شهرتها وفيما كتب عنها ما يغني عن الإفاضة في أدلة إثباتها(1) فلا نطيل الوقوف عند ذلك. إلاّ أنّا لا مناص لنا من التنبيه على أمور اقتضى المقام ذكرها:
1- إنّ المصادر الّتي روت الخطبة كلها تقريباً روت النص عن ابن عباس، اللّهمّ إلاّ ما وجدناه في سند واحد عند الشيخ الطوسي تنتهي روايته إلى الإمام الباقر (عليه السلام)، فقد روى الخطبة عن ابن عباس كما رواها عن أبيه عن جده ـ يعني الإمام الحسين (عليه السلام).
2- ممّا يثير الغرابة والتساؤل، كيف تكون خطبة على المنبر يسمعها من حضر، ولا شك بأنهم كانوا كثيرين وإن لم نعلم عددهم بالضبط، فلا تشتهر روايتها إلاّ عن ابن عباس فلماذا لم يروها الآخرون؟
ثمّ ما بال الرواة عن ابن عباس لهذه الخطبة لم نعرف منهم إلاّ الإمام الباقر الطاهر (عليه السلام)، وإلا عطاء بن أبي رباح وعكرمة الخارجي الخاسر مع كثرة الذين يروون عنه؟

(1) راجع مصادر نهج البلاغة للمرحوم السيّد عبد الزهراء الخطيب 1/309 - 324 ط الأعلمي - بيروت.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 280

والّذي يدفع الإستغراب ويُقنع السائل بالجواب، هو أنّ الخطبة تناول فيها الإمام حكومة الخالفين قبله، وندّد بهم حتى وصف كلاً منهم بأوصاف لم تدع مجالاً للشك في أنهم تآمروا على استبعاده عن حقه المشروع، ولمّا شاعت ووصلت أنباؤها حتى الشام، اتخذها معاوية وحزبه ذريعة للتنديد بالإمام ـ كما سيأتي ذلك في حديثنا عن الصنو ـ ولما ولي معاوية بعد ذلك متغلباً على الأمة ومنع الناس من التحدّث بفضائل الإمام، وأمر بإشاعة احاديث موضوعة في فضائل الصحابة، كان من الطبيعي أن ينال التعتيم الإعلامي تلك الخطبة، فلا يجسر أحد على روايتها، اللّهمّ إلاّ الإمام الحسين الّذي رواها عنه ابنه الإمام السجاد، وعنه ولده الإمام الباقر (عليهم السلام)، وإلاّ ابن عباس الّذي كان معلناً بمر الحقّ في مجابهة معاوية وسلطانه ـ كما ستأتي الشواهد على ذلك في الحديث عن أيام معاوية ـ وفي صفحة احتجاجاته.
لذلك قلّت الرواية عنه إلاّ من طريق ثلاثة فحسب، هم الإمام الباقر (عليه السلام)، وعطاء وعكرمة ولما كان الثالث هو مولى ابن عباس، فلعل روايته عنه ورواية عطاء كانتا حين سماعهما منه وهو يحدّث بها الإمام الباقر (عليه السلام)، لذلك قلّ رواتها عنه، وكانت سلسلة الرواة عن عكرمة تنتهي إلى أصحاب الإمام الباقر (عليه السلام)، فقد رواها عنه أبان بن تغلب وعليّ بن خزيمة ـ كما في أسانيد الصدوق ـ فذلك يقرّب صحة ما احتملناه في سماع عكرمة لها، لذلك لم يتطرّق الريب إليه في روايته للخطبة على أنّه خارجي.
3- ورد في إرشاد الشيخ المفيد وشرح النهج للقطب الراوندي أنّ الخطبة كانت بالرحبة، ويبدو أنّ المكان كان منتدى القوم وقد ورد ذكر الرحبة في

موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 281

حديث المناشدة الّذي استنشد فيه الإمام من سمع حديث الغدير فشهد أقوام وأبلس آخرون كان منهم أنس بن مالك وزيد بن أرقم فدعا عليهما فبرص أنس وعمي زيد. والرحبة المشار إليها إنّما هي رحبة الجامع بالكوفة وهي الفناء الّذي أمامه. وليس في تعيين ذلك المكان كبير شأن لولا ما وجدته في تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي وهو يذكر الخطبة فقال: «خطبة أخرى، وتعرف بالشقشقية ذكر بعضها صاحب نهج البلاغة وأخلّ بالبعض وقد أتيت بها مستوفاة. أخبرنا بها شيخنا أبو القاسم النفيس الأنباري بإسناده عن ابن عباس قال: لمّا بويع أمير المؤمنين بالخلافة ناداه رجل من الصف وهو على المنبر ما الّذي أبطأ بك إلى الآن؟ فقال: بديهاً: والله لقد تقمصها...»(1).
وهذا أمر منه غريب فإنّ بيعة الإمام كانت بالمدينة، والخطبة تناولت ذكر الناكثين والقاسطين والمارقين فكيف يصح ما ذكره السبط؟ ولو أنّه ذكر لنا تمام سند شيخه النفيس لكان أولى.
والآن إلى رواية النص بأسانيد المشايخ الأعلام الثلاثة: الصدوق، والطوسي، والقطب الراوندي.
فقد رواه الصدوق فقال: «حدّثنا محمّد بن إبراهيم بن إسحاق الطالقاني (رضي الله عنه) قال: حدّثنا عبد العزيز بن يحيى الجلودي قال: حدّثنا أبو عبد الله أحمد بن عمّار ابن خالد، قال: حدّثنا يحيى بن عبد الحميد الحمّاني، قال: حدّثنا عيسى بن راشد، عن عليّ بن خزيمة عن عكرمة عن ابن عباس»(2).

(1) تذكرة الخواص /73 ط حجرية.
(2) معاني الأخبار /343 ط الحيدرية بتقديمنا، وعلل الشرائع 1/205 ط مكتبة الرضي بقم.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 282

ثمّ قال الصدوق: «وحدّثنا محمّد بن عليّ بن ماجيلويه عن عمه محمّد بن أبي القاسم عن أحمد بن أبي عبد الله البرقي عن أبيه عن ابن أبي عمير عن أبان ابن تغلب عن عكرمة عن ابن عباس».
ورواه الطوسي فقال: «وبهذا الإسناد أخبرنا الحفّار قال حدّثنا أبو القاسم الدعبلي قال: حدّثنا أبي قال: حدّثني أخي دعبل، قال: حدّثنا محمّد بن سلامة الشامي عن زرارة بن أعين عن أبي جعفر محمّد بن عليّ (عليه السلام) عن ابن عباس.
ثمّ قال الطوسي: وعن محمّد عن أبيه عن جده»(1).
ورواه القطب الراوندي فقال: «وأمّا الرواية للخطبة فعن الشيخ أبي نصر الحسن بن محمّد بن إبراهيم ابن البونارتي عن الحاجب أبي الوفا محمّد بن بديع وأبي الحسين أحمد بن عبد الرحمن الذكواني عن الحافظ أبي بكر بن مردويه الاصبهاني عن سليمان بن أحمد الطبراني، أخبرنا أحمد بن عليّ الأبّار أخبرنا إسحاق بن سعيد أبو سلمة الدمشقي أخبرنا خليد بن دعلج عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس...»(2).
(النص) برواية الصدوق المتوفى سنة 381 في كتابيه وهما أقدم مصدر وصل إلينا. وإليك لفظه:
«عن ابن عباس قال: ذكرت الخلافة عند أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) فقال: (أمّا والله لقد تقمصها ابن أبي قحافة أخو تيم وانّه ليعلم أنّ محلي منها محل القطب من الرحى، ينحدر عني السيل، ولا يرقى إليّ الطير،

(1) الأمالي 1/382 مط النعمان في النجف.
(2) منهاج البراعة 1/131 - 133 ط قم منشورات مكتبة السيّد المرعشي.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 283

فسدلت دونها ثوباً، وطويت عنها كشحا، وطفقت أرتأي بين أن أصول بيد جذّاء، أو أصبر على طخية عمياء، يشيب فيها الصغير، ويهرم فيها الكبير، ويكدح فيها مؤمن حتى يلقى ربّه، فرأيت أن الصبر على هاتا أحجى، فصبرت وفي العين قذى، وفي الحلق شجى، أرى تراثي نهبا، حتى إذا مضى لسبيله، فأدلى بها لأخي عديّ بعده، فيا عجباً بينما هو يستقيلها في حياته، إذ عقدها الآخر بعد وفاته، فصيّرها في حوزة خشناء، يخشن مسّها، ويغلظ كلمها، ويكثر العثار فيها والاعتذار منها، فصاحبها كراكب الصعبة، إن عنف بها حزن، وإن أسلس بها غسق، فمني الناس بتلوّن واعتراض وبلوى، وهو مع هن وهن. فصبرت على طول المدة، وشدة المحنة، حتى إذا مضى لسبيله جعلها في جماعة زعم أنّي منهم، فيا لله وللشورى! متى اعترض الريب فيَّ مع الأوّل منهم، حتى صرت أقرن إلى هذه النظائر؟ فمال رجل لضغنه، وأصغى الآخر لصهره، وقام ثالث القوم نافجاً حضنيه بين نثيله ومعتلفه، وقام معه بنو أبيه يخضمون مال الله خضم الإبل نبت الربيع، حتى أجهز عليه عمله، وكبت به مطيته، فما راعني إلاّ والناس إليَّ كعرف الضبع قد انثالوا عليَّ من كلّ جانب، حتى لقد وطئ الحسنان، وشُقّ عطفاي، حتى إذا نهضت بالأمر نكثت طائفة، وفسقت أخرى، ومرق آخرون كأنّهم لم يسمعوا الله تبارك وتعالى يقول: « تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ »(1) بلى والله لقد سمعوها ووعوها، لكنهم أحلولت الدنيا في أعينهم، وراقهم زبرجها، أما والّذي فلق الحبّة وبرأ النسمة لولا

(1) القصص /83.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 284

حضور الحاضر وقيام الحجة بوجود الناصر، وما أخذ الله على العلماء ألاّ يقرّوا على كظّة ظالم، ولا سغب مظلوم، لألقيت حبلها على غاربها، ولسقيت آخرها بكأس أولها، ولألفيتم دنياكم هذه عندي أزهد من عفطة عنز).
قال ـ ابن عباس: وناوله رجل من أهل السواد كتاباً فقطع كلامه وتناول الكتاب. فقلت: يا أمير المؤمنين لو اطّردت مقالتك إلى حيث بلغت، فقال: هيهات هيهات يا بن عباس، تلك شقشقة هدرت ثمّ قرّت.
قال ابن عباس: فما أسفي على كلام قط كأسفي على كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) إذ لم يبلغ به حيث أراد».


مطايبة ابن الخشاب لابن عباس:

قال ابن أبي الحديد بعد ذكره الخطبة: «حدثني شيخي أبو الخير مصدّق ابن شبيب الواسطي(1) في سنة ثلاث وستمائة قال: قرأت على الشيخ أبي محمّد عبد الله بن أحمد المعروف بابن الخشاب(2) هذه الخطبة فلمّا انتهيت إلى هذا الموضع ـ يعني قول ابن عباس: ما أسفت الخ - قال لي: لو سمعت ابن عباس يقول هذا لقلت له: وهل بقي في نفس ابن عمك أمر لم يبلغه في هذه الخطبة لتتأسف أن لا يكون بلغ من كلامه ما أراد؟ والله ما رجع عن الأولين ولا عن

(1) بغدادي المولد والوفاة، كان أعلم معاصريه بالعربية، وعالم بعلوم الدين وله المام بالفلسفة والحساب والهندسة وقف كتبه على أهل العلم قبل وفاته، توفي سنة 567 هـ (أعيان الشيعة 38/94 وروضات الجنات 5/22 والأعلام للزركلي 4/67).
(2) اللغوي النحوي الأديب المفسر الشاعر صاحب تاريخ مواليد ووفيات أهل بيت النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، كان من تلامذة الجواليقي وابن الشجري. وكان خطه في نهاية الحسن توفى ببغداد سنة 567 ودفن بقرب قبر بشر الحافي) الكنى والألقاب 1/272 ط الحيدرية سنة 1376هـ).

السابق السابق الفهرس التالي التالي