|
|
 |
| موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الثالث |
|
179 |
|
 |
26- وقال ابن هبيرة في حديث أبي بكرة في ترك القتال في الفتنة أي في قتل عثمان: «فأمّا ما جرى بعده فلم يكن لأحد من المسلمين التخلف عن عليّ. ولما تخلف عنه سعد وابن عمر وأسامة ومحمّد بن مسلمة ومسروق والأحنف ندموا، وكان عبد الله بن عمر يقول عند الموت: إنّي لم أخرج من الدنيا وليس في قلبي حسرة إلاّ تخلفي عن عليّ، وكذا روي عن مسروق وغيره بسبب تخلّفهم»(1).
27- وقال محمّد بن الحسن الشيباني - تلميذ أبي حنيفة -: «لو لم يقاتل معاوية عليّاً (عليه السلام) ظالماً له متعدياً باغياً كنا لا نهتدي لقتال أهل البغي»(2).
28- وقال الشافعي: «السكوت عن قتلى صفين حسن، وان كان عليّ أولى بالحقّ من كلّ من قاتله»(3).
|
لقد وضعت الحرب أوزارها:
|
|
|
 |
خلّفت وراءها مخلّفات كثيرة، فإن يكن النصر قد حالف جيش الإمام، فقد خالف بين وجهات نظر أفراده. فثمة مسائل لم يكن المسلمون قد عرفوا حكمها من قبل، إذ لم يبتلوا بقتال أهل القبلة، إذن كيف لهم أن يعرفوها اليوم، وبتعبير أدّق كيف يتهضمّونها وهذه المسائل ظهرت في ثلاثة محاور:
أوّلاً: إعلان العفو العام عن الجرحى والمنهزمين وغيرهم.
ثانياً: عدم الأسرى في هذه الحرب.
ثالثاً: عدم الغنائم إلاّ ما قاتلوا به وعليه.
|
(1) الفروع 3/542 ـ 543.
(2) الجواهر المضيئة في طبقات الحنفية 2/26.
(3) أدب الشافعي ومناقبه /314.
|
 |
| موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الثالث |
|
180 |
|
 |
ولسنا نعرف مثلاً لذلك في أي عصر من العصور فقد أحتج جيش عليّ لأن غنائم معركته حرمت عليه، وقال بعضهم: أحل لنا دمهم وحرم علينا أموالهم، ولكن عليّاً لم يلق بالاً إلى هذا الاحتجاج فقد كان يضع مبادئ عليه أن يقرّها حتى ولو صادفت احتجاجاً أو اعتراضا(1).
وهذه الثلاثة هي السيرة الّتي تعلّمها المسلمون من الإمام (عليه السلام) ولولاه لم يعرفوا أحكامها.
أخرج ابن أبي شيبة بسند صحيح عن زيد بن وهب قال: «فكفّ عليّ يده حتى بدأوه بالقتال، فقاتلهم بعد الظهر، فما غربت الشمس وحول الجمل عين تطرف ممّن كان يذبّ عنه. فقال عليّ: لا تتموا جريحاً، ولا تقتلوا مدبراً، ومن أغلق بابه وألقى سلاحه فهو آمن»(2).
وأخرج أيضاً بسنده عن أبي البختري قال: «لمّا انهزم أهل الجمل قال عليّ: لا يطلب عبدٌ خارجاً من المعسكر، وما كان من دابة أو سلاح فهو لكم، وليس لكم أم ولد، والمواريث على فرائض الله، وأي امرأة قتل زوجها فلتعتد أربعة أشهر وعشراً.
قالوا يا أمير المؤمنين: تحلّ لنا دماؤهم ولا تحلّ لنا نساؤهم، قال: فخاصموا. فقال: كذلك السيرة في أهل القبلة، قال: فهاتوا سهامكم وأقرعوا على عائشة فهي رأس الأمر وقائدهم. قال: ففرقوا وقالوا نستغفر الله، قال: فخصمهم عليّ»(3).
|
(1) اليمين واليسار في الإسلام /121 لأحمد عباس صالح.
(2) المصنف لابن أبي شيبة 15/286 ط باكستان كراتشي، سنن البيهقي 8/181 ط دار الفكر فتح الباري لابن حجر 16/168 ط الحلبي بتفاوت يسير.
(3) المصنف لابن أبي شيبة 15/263.
|
 |
| موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الثالث |
|
181 |
|
 |
قال ابن حزم: «وفي أيامه كانت وقعة الجمل وصفين، وعلم الناس منه فيها كيف قتال اهل البغي»(1).
وروى البيهقي بسنده قال عليّ (رضي الله عنه) يوم الجمل: «نمنّ عليهم بشهادة أن لا إله إلاّ الله ونورّث الآباء من الأبناء»(2).
قال أبو حنيفة الدينوري: «فجعلوا يمرون بالذهب والفضة في معسكرهم والمتاع فلا يعرض له أحد إلاّ ما كان من السلاح الّذي قاتلوا به، والدواب الّتي حاربوا عليها.
فقال له بعض أصحابه: يا أمير المؤمنين كيف حلّ لنا قتالهم ولم يحلّ لنا سبيهم وأموالهم؟
فقال عليّ (رضي الله عنه): ليس على الموحدّين سبي، ولا يغنم من أموالهم إلاّ ما قاتلوا به وعليه، فدعوا ما لا تعرفون، والزموا ما تؤمرون»(3).
وقال المسعودي: «ودخل عليّ بيت مال البصرة في جماعة من المهاجرين والأنصار، فنظر إلى ما فيه من العين والوَرِق، فجعل يقول: يا صفراء غري غيري ويا بيضاء غري غيري، وأدام النظر إلى المال مفكراً، ثمّ قال: اقسموه بين أصحأبي ومن معي خمسمائة خمسمائة، ففعلوا فما نقص درهم واحد، وعدد الرجال اثنا عشر الف. وقبض ما كان في عسكرهم من سلاح ودابة ومتاع وآلة وغير ذلك فباعه وقسّمه بين أصحابه، وأخذ لنفسه كما أخذ لكلّ واحد ممّن معه من أصحابه وأهله وولده خمسمائة درهم، فأتاه رجل من أصحابه فقال: يا أمير
|
(1) جوامع السيرة /355 ط دار المعارف.
(2) سنن البيهقي 8/182.
(3) الأخبار الطوال /151 ط تراثنا بمصر.
|
 |
| موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الثالث |
|
182 |
|
 |
المؤمنين إنّي لم آخذ شيئاً وخلفني عن الحضور كذا - وأدلى بعذره - فاعطاه الخمسمائة الّتي كانت له»(1).
ولقد أخذت مسألة غنائم الحرب بين أهل القبلة بُعداً أوسع بعد حرب صفين لاختلاف الحكم بين الحربين، وسوف نقرأ لابن عباس حديثاً مع الخوارج الحرورية في ذلك.
ولقد قال (عليه السلام): (سرت في أهل البصرة سيرة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في أهل مكة)(2).
|
تطواف في المعركة:
|
|
|
 |
قال الشيخ المفيد: «لمّا انجلت الحرب بالبصرة وقتل طلحة والزبير، وحُملت عائشة إلى قصر بني خلف، ركب أمير المؤمنين (عليه السلام) وتبعه أصحابه - ومنهم ابن عباس - وعمّار بن ياسر يمشي مع ركابه حتى خرج إلى القتلى يطوف عليهم. فمرّ بعبد الله بن خلف الخزاعي وعليه ثياب حسان مشهرّة فقال الناس: هذا والله رأس الناس، فقال (عليه السلام): (ليس برأس الناس ولكنه شريف منيع النفس). ثمّ مرّ بعبد الرحمن بن عتاب بن أسيد فقال: (هذا يعسوب القوم ورأسهم كما ترونه)، ثمّ جعل يستعرض القتلى رجلاً رجلاً، فلمّا رأى أشراف قريش صرعى في جملة القتلى قال (عليه السلام): (جدعت أنفي، أمّا والله ان كان مصرعكم لبغيضاً إليَّ، ولقد تقدمت إليكم وحذّرتكم عضّ السيوف وكنتم أحداثاً لا علم لكم بما ترون، ولكن الحَين ومصارع السوء، نعوذ بالله من سوء المصرع).
|
(1) مروج الذهب 2/380 تح ـ محمّد محي الدين عبد الحميد ط السعادة.
(2) أنساب الأشراف 2/273 تح ـ المحمودي.
|
 |
| موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الثالث |
|
183 |
|
 |
ثمّ صار حتى وقف على كعب بن سور وهو مجدّل بين القتلى وفي عنقه المصحف، فقال: (نحّوا المصحف وضعوه في مواضع الطهارة)، ثمّ قال: (أجلسوا لي كعباً)، فاجلس، ورأيته ينخفض إلى الأرض فقال: (يا كعب بن مسور قد وجدت ما وعدني ربّي حقاً فهل وجدت ما وعدك ربك حقاً؟) ثمّ قال: (أضجعوا كعباً)، فتجاوزه فمرّ (عليه السلام) فرأى طلحة صريعاً فقال: (أجلسوا طلحة) فأجلس، وقال: (يا طلحة بن عبيد الله قد وجدت ما وعدني ربي حقاً فهل وجدت ما وعدك ربك حقاً؟) ثمّ قال: (أضجعوه). فوقف رجل من القرّاء أمامه وقال: يا أمير المؤمنين ما كلامك هذه الهام قد صديت لا تسمع لك كلاماً ولا ترد جواباً؟ فقال (عليه السلام): (والله إنّهما ليسمعان كلامي كما تسمّع أصحابُ القليب كلام رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ولو أذن لهما في الجواب لرأيت عجباً). ومرّ بمعبد بن المقداد بن عمرو وهو في الصرعى فقال: (رحم الله أبا هذا إنّما كان رأيه فينا أحسن من رأي هذا). فقال عمّار بن ياسر: الحمد لله الّذي أوقعه وجعل خده الأسفل، إنا والله يا أمير المؤمنين لا نبالي عمّن عَند عن الحقّ من ولد ووالد. فقال (عليه السلام): (رحمك الله يا عمّار وجزاك عن الحقّ خيراً).
ومرّ بعبد الله بن ربيعة بن رواح (دراج)(1)وهو في القتلى فقال: (هذا البائس ما كان أخرجه نصر عثمان، والله ما كان رأي عثمان فيه ولا في أبيه بحسن).
ومرّ بمعبد بن زهير بن أمية فقال: (لو كانت الفتنة برأس الثريا لتناولها هذا الغلام، والله ما كان فيها بذي مخبره، ولقد أخبرن من أدركه انّه يلوذ خوفاً من السيف حتى قتل البائس ضياعاً).
|
|
(1) في نسخة بخط سيدنا المغفور له السيد الوالد تاريخ نسخها سنة 1357هـ وقد رجعت إليها كلما راجعت المطبوعة بالحيدرية سنة 1368هـ لأنّها أصح.
|
 |
| موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الثالث |
|
184 |
|
 |
ومرّ بمسلم بن قرظة فقال: (البرّ أخرج هذا ولقد سألني أن أكلّم عثمان في شيء يدّعيه عليه بمكة فلم أزل به حتى أعطاه وقال لي: لولا أنت ما أعطيته، ان هذا ما علمت بئس العشيرة، ثمّ جاء لحينه ينصر عثمان).
ثمّ مرّ بعبد الله بن عُمير بن زهير قال: (هذا أيضاً ممّن أوضع في قتالنا يطلب بزعمه دم عثمان ولقد كتب إليَّ كتباً آذى عثمان فيها فأعطاه شيئاً فرضي عنه).
ومرّ بعبد الله بن حكيم بن حزام فقال: (هذا خالف أباه في الخروج عليّ، وإنّ أباه حيث لم ينصرنا بايع وجلس في بيته ما ألوم أحداً إذ كفّ عنا وعن غيرنا ولكن الملوم الّذي يقاتلنا).
ومرّ بعبد الله بن المغيرة بن الأخنس فقال (عليه السلام): (أمّا هذا فقتل أبوه يوم قتل عثمان في الدار فخرج غضباً لمقتل أبيه، وهو غلام لا علم له بعواقب الأمور).
ومرّ بعبد الله بن الأخنس بن شريق فقال (عليه السلام): (أمّا هذا فإنّي أنظر إليه وقد أخذ القوم السيوف وإنّه لهارب يعدو من السيف فنهيت عنه فلم يُسمع نهيي حتى قتل، وكان هذا ممّن حقد عليّ، فتيان قريش أغمار لا علم لهم بالحرب خدعوا واستزلّوا فلمّا وقعوا ألحجوا فقتلوا).
ثمّ أمر (عليه السلام) مناديه فنادى: من أحبّ أن يواري قتيله فليواره. وقال (عليه السلام): (واروا قتلانا في ثيابهم الّتي قتلوا فيها فإنّهم يحشرون على الشهادة وإنّي الشاهد لهم بالوفاء)»(1).
|
شفيع القرشيين ابن عباس:
|
|
|
 |
روي الشيخ المفيد عن الواقدي قال: «لمّا فرغ أمير المؤمنين (عليه السلام) من أهل الجمل جاءه قوم من فتيان قريش يسألونه الأمان وأن يقبل منهم البيعة،
 |
| موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الثالث |
|
185 |
|
 |
فاستشفعوا إليه بعبد الله بن العباس فشفّعه، وأمر لهم في الدخول عليه، فلمّا مثلوا بين يديه، قال لهم: (ويلكم يا معشر قريش علامَ تقاتلونني؟ على أن حكمتُ فيكم بغير عدل؟ أو قسمت بينكم بغير سويّة؟ أو استأثرت عليكم؟ أو لبعدي عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)؟ أو لقلة بلاء مني في الإسلام)؟
فقالوا: يا أمير المؤمنين نحن أخوة يوسف فاعف عنا واستغفر لنا، فنظر إلى أحدهم فقال له: (من أنت)؟ قال: أنا مساحق بن مخرمة، معترف بالزلّة، مقر بالخطيئة، تائب من ذنبي.
فقال (عليه السلام): (قد صفحت عنكم، وأيم الله إنّ فيكم من لا أبالي بايعني بكفه أم بأسته، ولئن بايعني لينكثن)»(1).
|
شفعاء مروان لدى الإمام:
|
|
|
 |
روى البلاذري بسنده عن عليّ بن الحسين أن مروان بن الحكم حدّثه - وهو أمير على المدينة - قال: «لمّا توافقنا يوم الجمل لم يلبث أهل البصرة أن انهزموا، فقام صائح لعليّ فقال: لا يقتل مدبر، ولا يدفف على جريح، ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن طرح السلاح فهو آمن.
قال مروان فدخلت داراً، ثمّ أرسلت إلى حسن وحسين وابن جعفر وابن عباس فكلموه، فقال: هو آمن فليتوجه حيث ما شاء، فقلت: لا تطيب نفسي حتى أبايعه، قال: فبايعته، ثمّ قال: اذهب حيث شئت»(2).
وفي شرح النهج: «فقالا - الحسن والحسين - له: يبايعك يا أمير المؤمنين، قال (عليه السلام): أو لم يبايعني قبل - بعد / ظ - مقتل عثمان؟ لا حاجة لي في بيعته،
|
(1) كتاب الجمل /205 نسخة مخطوطة.
(2) أنساب الاشراف (ترجمة الإمام) 2/262.
|
 |
| موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الثالث |
|
186 |
|
 |
إنّها كفّ يهودية، لو بايعني بيده لغدر بسُبّته، أمّا إن له إمرة كلعقة الكلب أنفه، وهو أبو الاكبش الأربعة، وستلقى الأمة منه ومن ولده يوماً أحمر».
قال ابن الحديد في شرح النهج: «قد روي هذا الخبر من طرق كثيرة، ورويت فيه زيادة لم يذكرها صاحب نهج البلاغة، وهي قوله (عليه السلام) في مروان: يحمل راية ضلالة بعدما يشيب صدغاه...»(1).
وفي حديث الواقدي: «أنّ مروان تقدم إليه وهو متكئ على رجل، فقال (عليه السلام): ما بك هل بك جراحة؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين وما أراني إلاّ لما بي، فتبسم وقال: لا والله ما أنت لما بك وستلقى هذه الأمة منك ومن ولدك يوماً أحمر، ثمّ بايعه وانصرف.
وتقدم إليه عبد الرحمن بن هشام، فلمّا نظر إليه أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: والله إن كنتَ أنت وأهلُ بيتك لأهل دعة، وإن كان فيكم غنى، ولكن أعفو عنكم، ولقد ثقل عليّ حيث رأيتكم في القوم، وأحببت أن تكون الواقعة بغيركم.
فقال له عبد الرحمن: فقد صار ذلك إلى ما تحب، ثمّ بايعه وانصرف»(2).
وفي حديث البلاذري عن ابن عباس قال: «انّ عليّاً أخذ يوم الجمل مروان ابن الحكم وموسى بن طلحة فأرسلهما»(3).
وفي الخرايج روي عن أبي الصيرفي عن رجل من مراد قال: «كنت واقفاً على رأس أمير المؤمنين يوم البصرة إذ أتاه ابن عباس بعد القتال فقال: انّ لي حاجة فقال (عليه السلام): ما أعرفني بالحاجة الّتي جئت فيها تطلب الأمان لابن الحكم؟ قال: نعم أريد أن تؤمنه قال: آمنته، ولكن اذهب وجئني به ولا تجئني به إلاّ رديفاً
|
(1) شرح النهج لابن أبي الحديد 2/53.
(2) الجمل للشيخ المفيد /206 نسخة مخطوطة.
(3) أنساب الاشراف (ترجمة الإمام) 2/262.
|
 |
| موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الثالث |
|
187 |
|
 |
فإنّه أذلّ له، فجاء به ابن عباس ردفاً خلفه كأنه قرد قال أمير المؤمنين (عليه السلام): أتبايع؟ قال: نعم وفي النفس ما فيها، قال: الله اعلم بما في القلوب، فلمّا بسط يده ليبايعه أخذ كفه عن كفّ مروان فنترها فقال: لا حاجة لي فيها انها كف يهودية، لو بايعني بيده عشرين مرة لنكث بأسته، ثمّ قال: هيه يا بن الحكم خفت على رأسك أن تقع في هذه المعمعة، كلا والله حتى يخرج من صلبك فلان وفلان يسومون هذه الأمة خسفاً ويسوقونها كأساً مصبّرة»(1).
|
حوار الإمام مع القرشيين:
|
|
|
 |
روى أبو مخنف في كتاب الجمل: بسنده عن مساحق القرشي قال: «لمّا انهزم الناس يوم الجمل اجتمع معه طائفة من قريش فيهم مروان بن الحكم فقال بعضهم لبعض: والله لقد ظلمنا هذا الرجل - يعنون أمير المؤمنين - ونكثنا بيعته من غير حَدَث، والله لقد ظهر علينا، فما رأينا أكرم سيرة منه، ولا أحسن عفواً منه بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، تعالوا حتى ندخل عليه ونعتذر إليه فيما صنعناه.
قال: فصرنا إلى بابه فاستأذناه فأذن لنا، فلمّا مثلنا بين يديه جعل متكلمنا يتكلم.
فقال (عليه السلام): أنصتوا أكفكم، إنما أنا بشر مثلكم، فان قلت حقاً فصدّقوني، وإن قلت باطلاً فردّوا عليّ.
ثمّ قال (عليه السلام): أنشدكم الله أتعلمون أن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قبض وأنا أولى الناس به وبالناس من بعده؟ قلنا: اللّهمّ نعم قال: فعدلتم عني وبايعتم أبا بكر فأمسكت ولم أحبّ أن أشق عصا المسلمين وأفرّق بين جماعتهم، ثمّ ان أبا بكر جعلها لعمر من بعده فكففتُ ولم أهج الناس وقد علمت أني كنت أولى الناس بالله
|
|
(1) أنظر بحار الأنوار 8/411 ط الكمباني.
|
 |
| موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الثالث |
|
188 |
|
 |
وبرسوله وبمقامه، فصبرت حتى قتل، وجعلني سادس ستة، فكففت ولم أحبّ أن أفرّق بين المسلمين، ثمّ بايعتم عثمان فطعنتم عليه وقتلتموه وأنا جالس في بيتي، فأتيتموني وبايعتموني كما بايعتم أبا بكر وعمر، فما بالكم وفيتم لهما ولم تفوا لي؟ وما الّذي منعكم من نكث بيعتهما ودعاكم إلى نكث بيعتي؟.
فقلنا له: يا أمير المؤمنين كن كالعبد الصالح يوسف إذ قال: « لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمْ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ »(1).
فقال (عليه السلام): لا تثريب عليكم اليوم، وإنّ فيكم رجلاً لو بايعني بيده لنكث بأسته، يعني مروان بن الحكم»(2).
|
نماذج من الخداع والتضليل في حرب الجمل:
|
|
|
 |
لقد دأب علماء التبرير على إشاعة الضبابية المكثفة في آفاق التاريخ، من خلال الدسّ والافتراء، وإذاعة الروايات المضللة الخادعة، وفي هذا الموقف - موقف الإمام في حرب الجمل خصوصاً مع صاحبة الهودج - فقد تبارى القوم في ذلك، سيّان الأولّين منهم والآخرين.
نموذجاً أبو جعفر الطبري المتوفى سنة 310هـ في تاريخه(3)، فاقرأوا ما رواه من حديث سيف بسنده قال: «وانتهى إليها عليّ فقال: كيف أنت يا أمّه؟ قالت بخير، قال: يغفر الله لكِ قالت: ولكَ».
|
(1) يوسف /92.
(2) الجمل للشيخ المفيد /206 ط الحيدرية، وأمالي الطوسي 2/120 مط النعمان.
(3) تاريخ الطبري 4/534.
|
 |
| موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الثالث |
|
189 |
|
 |
واقرأوا ما رواه أيضاً من حديث سيف عن محمّد وطلحة قالا: «وغشي الوجوه عائشة، وعليّ في عسكره، ودخل القعقاع بن عمرو على عائشة في أوّل من دخل فسلّم عليها فقالت: إني رأيت رجلين بالأمس اجتلدا بين يدي وارتجزا بكذا، فهل تعرف كوفيّك منهما؟ قال: نعم ذلك الّذي قال: (أعقّ أم نعلم) وكذب والله، إنّك لأبّر أم نعلم، ولكن لم تطاعي، فقالت: والله لوددت أنّي مت قبل هذا اليوم بعشرين سنة. وخرج فأتى عليّاً فأخبره أن عائشة سألته فقال: ويحك من الرجلان؟ قال ذلك أبو هالة الّذي يقول: كيما أرى صاحبه عليّاً.
فقال: والله لوددتُ أني متّ قبل هذا اليوم بعشرين سنة فكان قولهما واحداً».
هذا ما رواه الطبري عن سيف وهو المتهم في أحاديثه وردّده الببغاوات من بعده بدءاً من ابن الأثير وابن كثير وابن خلدون والذهبي والعصامي على تفاوت بينهم في النقل، وابن كثير مثلاً قال بعد ذكره حديث حرب الجمل: «هذا ملخص ما ذكره أبو جعفر بن جرير (رحمه الله) عن أئمّة هذا الشأن، وليس فيما ذكره أهل الأهواء من الشيعة وغيرهم من الأحاديث المختلفة على الصحابة والأخبار الموضوعة الّتي ينقلونها بما فيها، وإذا دعوا إلى الحقّ الواضح أعرضوا عنه وقالوا: لنا أخبارنا ولكم أخباركم، فنحن حينئذٍ نقول لهم: سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين»(1).
والآن فاقرأوا تلخيص ما مرّ نقله عن الطبري من حديث سيف: «فقال: وجاء إليها عليّ بن أبي طالب أمير المؤمنين مسلّماً فقال: كيف أنتِ يا أمّه؟ قالت بخير فقال: يغفر الله لك.
وجاء وجوه الناس من الأمراء والأعيان يسلمون على أم المؤمنين (رضي الله عنها)...».
 |
| موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الثالث |
|
190 |
|
 |
فأين صار دعاء عائشة لعليّ جواباً على دعائه لها بالمغفرة، فقالت: ولك...؟
وأين صارت رواية الندم وتمني كلّ من عائشة وعليّ الموت قبل عشرين سنة؟
هذا كله إن صحت الأنباء وهي لا تصح، ولنقل له ولأمثاله: « وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ »(1).
وثمة من تحاشى ذكر كلام الإمام الّذي أوردناه آنفاً نقلاً عن البلاذري واكتفى بقوله: «لمّا كان يوم الجمل ما كان وظفر عليّ بن أبي طالب دنا من هودج عائشة فكلمها بكلام. فأجابته: ملكتَ فأسجح»(2).
«فقال عليّ: صدق رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ثمّ قال: يا هذه أستفززت الناس وألّبت بينهم في كلام كثير، فقالت: يا بن أبي طالب إذا ملكت فأسجح، وجاء ابن عباس فقال: إنّما سُميتِ أم المؤمنين بنا؟ قالت نعم، قال: أولسنا أولياء زوجكِ؟ قالت: بلى قال: فلم خرجت بغير إذننا؟ قالت قضاء وأمر»(3).
«وإنّ عليّاً وقف على خباء عائشة يلومها على مسيرها، فقالت: يا بن أبي طالب ملكت فاسجح»(4).
وهكذا سرعان ما سرت الضبابية في أفق التاريخ فعتمت على الحقيقة حتى جعلت الإمام نادماً على ما صدر منه بدءاً من مسيره من المدينة ومروراً بمنازله في الطريق وانتهاءً بيوم الحرب حتى قال ابن كثير في تاريخه: «حتى جعل عليّ يقول لابنه الحسن: يا بني ليت أباك مات قبل هذا اليوم بعشرين عاماً، فقال له:
|
(1) يوسف /52.
(2) أنظر العقد الفريد لابن عبد ربّه 4/328.
(3) البدء والتاريخ للمقدسي 5/215.
(4) سير أعلام النبلاء للذهبي 2/125 ط ذخائر العرب.
|
 |
| موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الثالث |
|
191 |
|
 |
يا أبتِ قد كنت أنهاك عن هذا. قال: يا بني إني لم أرَ أن الأمر يبلغ هذا»(1). وهذا أيضاً رواه الذهبي(2).
يا لله، عليّ لا يدري أنّ الأمر يبلغ هذا؟! أليس هو القائل: (أمرني رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بقتال الناكثين والمارقين والقاسطين)(3).
ألم يرو البزار وأبو يعلى عن عليّ بن ربيعة قال: «سمعت عليّاً (عليه السلام) على المنبر وأتاه رجل فقال: يا أمير المؤمنين ما لي أراك تستحل الناس استحلال الرجل إبله، أبعهد من رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أو شيئاً رأيته؟ قال: والله ما كَذِبت ولا كُذّبت، ولا ضللتُ ولا ضلّ بي، بل عهد من رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عهده إلي وقد خاب من افترى، عهد إليَّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أن أقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين»(4).
لماذا يندم وهو القائل: (لقد ضربتُ هذا الأمر ظهره وبطنه - أو رأسه وعينيه - فما وجدتُ إلاّ السيف أو الكفر)(5).
ما باله يندم؟ وهو القائل: (أنا فقأت عين الفتنة، لولا أنا ما قوتل أهل النهروان وأهل الجمل، ولولا اني أخشى أن تتركوا العمل لأنبأتكم بالّذي قضى الله على لسان نبيّكم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لمن قاتلهم مبصراً ضلالتهم عارفاً بالهدى الّذي نحن عليه)(6)، وهذا أمر يعرفه حتى الصحابة، فقد سئل أبو أيوب عن قتاله مع الإمام
|
(1) البداية والنهاية 7/424.
(2) سير أعلام النبلاء 3/641.
(3) تاريخ بغداد 8/340.
(4) كنز العمال 11/317.
(5) المصنف لابن أبي شيبة 15/274، ومستدرك الحاكم 3/115.
(6) كشف الغمة 1/243 ط مكتبة الشريف الرضي بقم، وراجع كنز العمال 11/285 نقلاً عن ابن أبي شيبة وأبي نعيم في الحلية والدورقي.
|
 |
| موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الثالث |
|
192 |
|
 |
أهل لا إله إلاّ الله، فقال للسائل: «يا هذا إنّ الرائد لا يكذب أهله، وإنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أمرنا بقتال ثلاثة مع عليّ، بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين، فأمّا الناكثون فقد قابلناهم أهل الجمل طلحة والزبير، وأمّا القاسطون فهذا منصرفنا من عندهم - يعني معاوية وعمراً - وأمّا المارقون فهم أهل الطرفاوات، وأهل السعيفات، وأهل النخيلات، وأهل النهروانات، والله ما أدري أين هم، ولكن لابدّ من قتالهم إن شاء الله»(1).
ما رووه من أقوال الإمام يؤبّن فيها قتلى أهل الجمل بما يضفي عليهم من الثناء ويستمطر لهم الرحمة من السماء، ويرفع عنهم إصر إراقة الدماء؟
فقد روى الطبري - وهو شيخ المؤرخين ومرجعهم - من حديث سيف - وهو المتهم بالزندقة والكذب في حديثه باعترافهم - توجع عليّ على قتلى الجمل فكان من حديثه: «وأقام عليّ بن أبي طالب في عسكره ثلاثة أيام لا يدخل البصرة ونُدب الناس إلى موتاهم، فخرجوا اليهم فدفنوهم، فطاف عليّ معهم في القتلى، فلمّا أتي بكعب بن سور قال: زعمتم انّما خرج معهم السفهاء، وهذا الحبر قد ترون. وأتى على عبد الرحمن بن عتّاب فقال: هذا يعسوب القوم - يقول الّذي كانوا يُطيفون به - يعني أنّهم قد كانوا اجتمعوا عليه ورضُوا به لصلاتهم.
وجعل عليّ كلّما مرّ برجل فيه خير قال: زعم أنّه لم يخرج إلينا إلاّ الغوغاء، هذا العابد المجتهد. وصلّى على قتلاهم من أهل البصرة وعلى
|
|
(1) تاريخ بغداد 13/186، ومستدرك الحاكم 3/139، وكنز العمال 6/88 ط الأولى بحيدر آباد.
|
 |
| موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الثالث |
|
193 |
|
 |
قتلاهم من أهل الكوفة، وصلّى على قريش من هؤلاء وهؤلاء فكانوا مدنيين ومكيّين...»(1).
وفي العقد الفريد: «ومرّ عليّ بقتلى الجمل فقال: اللّهمّ اغفر لنا ولهم، ومعه محمّد بن أبي بكر وعمّار بن ياسر، فقال أحدهما لصاحبه: أما تسمع ما يقول؟ قال: اسكت لا يزيدك»(2).
وفي طبقات ابن سعد: «فسار عليّ ليلته في القتلى معه النيران، فمرّ بمحمّد بن طلحة قتيلاً فقال: يا حسن (محمّد السجاد وربّ الكعبة) ثمّ قال أبوه صرعه هذا المصرع، ولولا برّه بأبيه ما خرج. فقال الحسن: ما كان أغناك عن هذا، فقال: ما لي ولك يا حسن وقد كان قال له قبل ذلك يا حسن ودّ أبوك أنّه قد كان مات قبل هذا اليوم بعشرين سنة»(3).
وقال ابن كثير: وقد طاف عليّ بين القتلى فجعل كلما مرّ برجل يعرفه ترحمّ عليه ويقول: يعزّ عليّ أن أرى قريشاً صرعى - وقد مرّ على ما ذكر - على طلحة بن عبيد الله وهو مقتول فقال: لهفي عليك أبا محمّد، إنّا لله وإنّا إليه راجعون، والله لقد كنت كما قال الشاعر:
| فتى كان يدنيه الغنى من صديقه |
|
إذا ما هو استغنى ويبعده الفقر(4) |
وهكذا بدأوا النول ثمّ بدأ نسيج البرد المهلهل فكفّنوا به أولئك القتلى من القادة، وليذهب الأتباع إلى جهنم وبئس المصير على حدّ ما قاله الحسن البصري
|
(1) تاريخ الطبري 4/538 ط دار المعارف.
(2) العقد الفريد 4/331 ط لجنة التأليف والترجمة والنشر.
(3) طبقات ابن سعد 5/39 ط افست ليدن.
(4) البداية والنهاية 7/244 ط السعادة.
|
| |