القسم الثاني


من هو القاتل؟!..


الفصل الأول


يزيد لعنه الله..الآمر بقتل الإمام والراضي به..


أتباع السفياني يبرؤون يزيد لعنه الله:


ثم إن هذا المنشور قد زعم أن يزيد بن معاوية لعنه الله، لم يأمر ابن زياد لعنه الله بقتل [الإمام] الحسين [عليه السلام]..
وهذه الدعوى قد سبقه إليها أناس سعوا إلى تبرئة يزيد لعنه الله من هذه الجريمة النكراء، فأنكروا أن يكون لعنه الله قد رضي بقتله عليه السلام، أو أنه أمر به، ومن هؤلاء ابن حجر الهيثمي..(54) ومحمد كرد علي، وتقي الدين ابن الصلاح، والغزالي، وابن العربي، وابن تيمية وأضرابهم..(55)
بل إن بعضهم كابن خلدون، وابن العربي، قالوا: إن الحسين قتل بسيف جده..(56)
بل صرح محمد أبو اليسر عابدين، مفتي الشام بقوله: «بيعة يزيد شرعية، ومن خرج عليه كان باغياً»(57)
واعتبر ابو الخير الشافعي القزويني إماماً مجتهداً(58)
وقال محمد الخضري: «الحسين أخطأ خطأ عظيماً في خروجه هذا الذي جر على الأمة وبال الفرقة، وزعزع ألفتها إلى يومنا هذا، إلى غير ذلك من أقواله التي تنضح باللؤم والتجني على الإمام الحسين عليه السلام، فراجع كلامه(59)
بل ادعى بعضهم أن يزيد لعنه الله من الصحابة، أو من الخلفاء الراشدين المهديين، أو من الأنبياء..(60)
ونقول لهؤلاء:

قتل بسيف جده!!:


وبعد، فإن الإمام الحسين عليه السلام، لم يقتل بسيف جده، بل قتل بسيف يزيد لعنه الله الباغي على إمامه، والظالم لنفسه، وللأمة، ولرسول الله صلى الله عليه وآله..
لأن النبي صلى الله عليه وآله، قد قرر إمامة الحسنين عليهما السلام في كثير من النصوص العامة والخاصة..
ولأن يزيد لعنه الله كان فاقد الشرعية بنص واعتراف من أبيه معاوية..
ولأنه قد أمر بقتل الإمام الحسين عليه السلام، بمجرد موت أبيه، وقبل أن يبايعه الناس، خصوصاً في العراق والحجاز واليمن، و.. و..
ولأن الإمام الحسين عليه السلام وآخرون من كبار صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله، وهم أهل الحل والعقد قد رفضوا تأمره عليهم بالقوة، وهو المعروف بفسقه وجوره، إلى غير ذلك مما ألمحنا إليه في هذه الدراسة، وألمح إليه علماء الأمة في مؤلفاتهم وبحوثهم..

إن يزيد لعنه الله هو القاتل:


ليس من الضروري أن يكون يزيد هو الذي مارس قتل الإمام الحسين عليه السلام بيده.. إذ إن الملوك ينسب إليهم الانتصار والهزيمة في الحروب، وينسب إليهم أيضاً قتل أعدائهم، مع أنهم لا يباشرون قتل أعدائهم بأنفسهم إلا بعض الشذاذ منهم، يقدمون على ذلك بهدف التشفي والانتقام..
وإن مما لا شك فيه، ولا شبهة تعتريه، هو أن يزيد بن معاوية لعنه الله هو قاتل الإمام الحسين عليه السلام، بسيف ابن زياد، والشمر، وعمر بن سعد..
ولبيان ذلك نقول:
إن هناك ثلاثة أنواع من النصوص:
الأول: ما دل على أن يزيد لعنه الله قد أمر ابن زياد وغيره، بقتل الإمام الحسين عليه السلام.. ويدخل في ذلك، ما ورد فيه التصريح بأنه هو القاتل.
الثاني: ما صرح برضاه بقتله عليه السلام.
الثالث: أفعاله الدالة على فرحه بما جرى عليه، وعلى أهل بيته، وصحبه سلام الله عليهم..
ونحن نتكلم حول هذه الأمور الثلاثة، كل على حدة، فنقول:
أ: أوامر يزيد لعنه الله بقتل الإمام الحسين عليه السلام:
إن مما دل على أن يزيد بن معاوية لعنه الله قد أمر بقتل سيد الشهداء عليه السلام وصحبه:
1 ـ قال ابن زياد لمسافر بن شريح اليشكري: «أما قتلي الحسين، فإنه أشار علي يزيد بقتله أو قتلي، فاخترت قتله»..(61)
2 ـ كتب ابن زياد لعنه الله إلى الإمام الحسين عليه السلام: «قد بلغني نزولك كربلاء، وقد كتب إلي أمير المؤمنين يزيد: أن لا أتوسد الوثير، ولا أشبع من الخمير، أو ألحقك باللطيف الخبير، أو تنزل على حكمي، وحكم يزيد، والسلام»..(62)
قال اليعقوبي: إن يزيد قد كتب إلى ابن زياد: «قد بلغني: أن أهل الكوفة قد كتبوا إلى الحسين في القدوم عليهم، وأنه قد خرج من مكة متوجهاً نحوهم، وقد بلي به بلدك من بين البلدان، وأيامك من بين الأيام، فإن قتلته، وإلا رجعت إلى نسبك وأبيك عبيد، فاحذر أن يفوتك..(63)
3 ـ إن يزيد لعنه الله قد أنفذ عمرو بن سعيد بن العاص في عسكر على الحاج، وولاه أمر الموسم، وأوصاه بالفتك بالإمام الحسين عليه السلام، أينما وجد..(64)
4 ـ إن يزيد لعنه الله كتب إلى الوليد بن عتبة: «خذ الحسين وعبد الله بن عمر، وعبد الرحمان بن أبي بكر، وعبد الله بن الزبير بالبيعة أخذاً شديداً، ومن أبى فاضرب عنقه، وابعث إلي برأسه..»(65)
وحسب نص اليعقوبي: «إذا أتاك كتابي، فاحضر الحسين بن علي، وعبد الله بن الزبير، فخذهما بالبيعة، فإن امتنعا فاضرب أعناقهما، وابعث إلي برأسيهما، وخذ الناس بالبيعة، فمن امتنع فانفذ فيه الحكم وفي الحسين بن علي وعبد الله بن الزبير والسلام»..(66)
5 ـ كتب إلى عامله على المدينة بكتاب قال له فيه: «وعجل علي بجوابه، وبين لي في كتابك كل من في طاعتي، أو خرج عنها، وليكن مع الجواب رأس الحسين بن علي»..(67)
6 ـ وفي نص آخر: أن الوليد بن عتبة أخبر يزيد لعنه الله بما جرى له مع الإمام الحسين عليه السلام، وابن الزبير، فغضب يزيد لعنه الله، وكتب إليه:
«إذا ورد عليك كتابي هذا، فخذ بالبيعة ثانياً على أهل المدينة بتوكيد منك عليهم، وذر عبد الله بن الزبير، فإنه لن يفوتنا، ولن ينجو منا أبداً ما دام حياً، وليكن مع جوابك إلي، رأس الحسين بن علي، فإن فعلت ذلك فقد جعلت لك أعنة الخيل، ولك عندي الجائزة والحظ الأوفر الخ..(68)
7 ـ وقد كتب يزيد لعنه الله إلى ابن عباس، وإلى من بمكة والمدينة من قريش، أبياتاً منها:
أبلغ قريشاً على نأي المزار بها بيني وبين حسين الله والرحم

إلى أن قال:
إنـي لأعـلـم أو ظناً كعالمه والظـن يـصـدق أحياناً فينتظم
أن سوف يترككم ما تدَّعون بها قتلى تهاداكم العقبان والرخم(69)


8 ـ قال ابن عساكر: «بلغ يزيد خروجه، فكتب إلى عبيد الله بن زياد، وهو عامله على العراق، يأمره بمحاربته، وحمله إليه إن ظفر به..»(70)
وحسب نص ابن أعثم، أن ابن زياد قال لأهل الكوفة: «كتب إليَّ يزيد بن معاوية بأربعة آلاف دينار، وماءتي ألف درهم» أفرقها عليكم، وأخرجكم لحرب عدوه الحسين بن علي، فاسمعوا له وأطيعوا..(71)
ونحو ذلك ما في نص آخر عنه: «وقد زادكم في أرزاقكم مئة مئة»..(72)
وقال السيوطي: «فكتب يزيد إلى واليه بالعراق، عبيد الله بن زياد بقتاله»..(73)
والأمر بالحرب، هل يعني إلا السعي لقتل الطرف الآخر، وبذل الجهد لإزهاق نفسه، أو أسره؟!..
9 ـ ولما وضع رأس الإمام الحسين عليه السلام بين يدي يزيد لعنه الله، صار لعنه الله، ينكت ثناياه بقضيب، ويقول:
أبى قومنا أن ينصفونا فأنصفت قـواضـب في إيماننا تقطر الدما
نـفـلق هـاماً من رجال أعزة علينا وهم كانوا أعق وأظلما(74)


فهو يعترف بالبيت الثاني، بأنه هو فاعل ذلك..
10 ـ وقد نقل الآلوسي عن تاريخ ابن الوردي، وكتاب الوافي بالوفيات:
أنه لما ورد على يزيد نساء الحسين، وأطفاله، والرؤوس على الرماح، وقد أشرف على ثنية جيرون، ونعب الغراب، قال:
لما بدت تلك الحمول وأشرفت تـلك الرؤوس على ربى جـيرون
نعب الغراب، فقلت: نح، أو لا تنح فلقد قضيت من النبي ديوني(75)


إلى أن قال:
وهذا كفر صريح، فإذا صح فقد كفر به ومثله تمثله بقول ابن الزبعرى قبل إسلامه.
ليت أشياخيالأبيات.. انتهى..(76)
11 ـ كما أن الغزالي قد ذكر أن يزيد قد كاتب ابن زياد، وحثه على قتل الحسين..(77)
12 ـ وتمثل، وهو ينكت ثنايا الإمام الحسين عليه السلام بقضيب، بهذه الأبيات:
ليت أشياخي ببدر شهدوا جزع الخزرج من وقع الأسل
لأهلوا واستهلوا فرحاً ثم قالوا لي هنيئاً لا تشل
حين حكّت بفناء بركها واستحر القتل في عبد الأسل
قد قتلنا الضعف من أشرافكم وعدلنا ميل بدر فاعتدل
لعبت هاشم بالملك فلا خبر جاء ولا وحي نزل

وفي نص آخر:
فجزيناهم ببدر مثلها وأقمنأ ميل بدر فاعتدل
لست من عتبة إن لم أنتقم من بني أحمد ما كان فعل(78)

وفي هذه الأبيات اعتراف صريح بأنه هو فاعل ذلك..
13 ـ ويذكرون أيضاً أن يزيد لعنه الله قد عهد إلى عمرو بن سعيد الأشدق: أن يناجز الإمام الحرب، وإن عجز عن ذلك اغتاله. وقدم الأشدق في جند كثيف إلى مكة، فلما علم الإمام خرج منها..(79)

مواجهة يزيد لعنه الله بجريمته:


وهناك نصوص كثيرة تجد فيها مواجهة يزيد لعنه الله بأنه هو قاتل الإمام الحسين عليه السلام، من دون أن ينكر هو ذلك، أو أن ينحي باللائمة على غيره، فمن ذلك:
1 ـ ما كتب به ابن عباس إلى يزيد لعنه الله في رسالة جاء فيها:
«وسألتني أن أحث الناس عليك، وأخذلهم عن ابن الزبير، فلا، ولا سروراً، ولا حبوراً، وأنت قتلت الحسين بن علي، بفيك الكثكث»(80)
إلى أن قال:
«لا تحسبني لا أباً لك، نسيت قتلك حسيناً، وفتيان بني عبد المطلب»..
إلى أن قال أيضاً:
«وما أنس من الأشياء، فلست بناسٍ إطرادك الحسين بن علي، من حرم رسول الله إلى حرم الله، ودسك إليه الرجال تغتاله»..
إلى أن قال:
«قد سقت إليه الرجال فيها ليقاتل»..
إلى أن قال:
«ثم إنك الكاتب إلى ابن مرجانة أن يستقبل حسيناً بالرجال، وأمرته بمعالجته، وترك مطاولته، والإلحاح عليه، حتى يقتله ومن معه من بني عبد الملطب»..
إلى أن قال:
«فلا شيء عندي أعجب من طلبك ودي ونصري، وقد قتلت بني أبي، وسيفك يقطر من دمي الخ..».>
إلى أن قال أيضاً:
«ولا يستقر بك الجدل، ولا علم(81) يمهلك الله بعد قتلك عترة رسول الله إلا قليلاً»..(82)
2 ـ إن ولده معاوية بن يزيد قد أكد في خطبة توليه الخلافة بعهد من أبيه يزيد لعنه الله ـ أكَّد ـ على أن أباه هو القاتل، فقد جاء في تلك الخطبة:
«.. إن من أعظم الأمور علينا علمنا بسوء مصرعه، وبئيس منقلبه، وقد قتل عترة رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم، وأباح الحرم، وخرب الكعبة الخ..»..(83)
3 ـ وقال يزيد لعنه الله للإمام السجاد عليه السلام حينما أدخل عليه: أنت ابن الذي قتله الله؟!
فقال عليه السلام: أنا علي، ابن من قتلته أنت.
ثم قرأ: «وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا»(84)(85)
4 ـ وقالت له أيضاً: يا يزيد، حسبك من دمائنا..(86)
5 ـ وروى ابن أعثم أن الإمام السجاد عليه السلام قال ليزيد لعنه الله: إنك لو تدري ما صنعت وما الذي ارتكبت، من أبي وأهل بيتي، وأخي وعمومتي، إذاً لهربت في الجبال، وفرشت الرماد، ودعوت بالويل والثبور، أن يكون رأس الحسين بن فاطمة، وعلي رضي الله عنه منصوباً على باب المدينة، وهو وديعة الله فيكم..(87)
6 ـ وقال عليه السلام، مخاطباً يزيد لعنه الله، في خطبته الشهيرة بدمشق: محمد هذا جدي أم جدك؟!، فإن زعمت أنه جدك فقد كذبت، وكفرت. وإن زعمت أنه جدي فلِمَ قتلت عترته؟..(88)
7 ـ وقالت له السيدة زينب عليها السلام، في خطبتها المعروفة: «وقد نكأت الفرحة، واستأصلت الشأفة، بإراقتك دماء ذرية محمد صلى الله عليه وآله، ونجوم الأرض من آل عبد المطلب»..(89)
ب: رضا يزيد لعنه الله بقتل الإمام الحسين عليه السلام:
وحول رضا يزيد لعنه الله بقتل الإمام الحسين عليه السلام نقول:
إن من المستحسن أن نشير أولاً إلى موقف علماء أهل السنة من هذا الأمر، ثم نتكلم حول ما يرتبط برضاه لعنه الله بقتل سيد الشهداء عليه السلام، فلاحظ ما يلي:

إدانة علماء أهل السنة ليزيد لعنه الله:


لقد ردَّ هذا الأمر علماء أهل السنة أنفسهم، فضلاً عن غيرهم، وكلماتهم كثيرة حول هذا الأمر:
فالجاحظ مثلاً قد قال عن لعن يزيد لعنه الله، بعد أن ذكر قتله [الإمام] الحسين [عليه السلام] وغير ذلك: «فالفاسق ملعون، ومن نهى عن شتم الملعون فملعون..»(90)
ويقول: «على أنهم مجمعون على أنه ملعون من قتل مؤمناً متعمداً، أو متأولاً، فإذا كان القاتل سلطاناً جائراً، أو أميراً عاصياً، لم يستحلوا سبه، ولا خلعه، ولا نفيه ولا عيبه الخ..»..(91)
ويقول: «على أنه ليس من استحق اسم الكفر بالقتل كمن استحقه برد السنة، وهدم الكعبة»..(92)
وراجع ما قاله البرهان الحلبي، وعلي بن محمد الكياهراسي، والذهبي، والشيخ محمد عبده..(93) وابن جرير، وغيرهم..
وقد حكم أحمد بن حنبل بكفر يزيد لعنه الله..(94)
وضرب عمر بن عبد العزيز الذي وصف يزيد بـ «أمير المؤمنين» عشرين سوطاً..(95)
وقال السيوطي: «لعن الله قاتله، وابن زياد، ومعه يزيد»(96)
وسئل ابن الجوزي عن لعن يزيد لعنه الله، فقال: قد أجاز أحمد لعنه، ونحن نقول: لا نحبه لما فعل بابن بنت نبينا، وحمله آل رسول الله سبايا إلى الشام على أقتاب الجمال..(97)
وراجع كلام الآلوسي حول ما فعله يزيد لعنه الله بعترة النبي صلى الله عليه وآله، فإنه كلام جيد، وقد نقل عن البرزنجي في الإشاعة، وأبي يعلى، وابن الجوزي، والتفتازاني، والسيوطي، جواز لعن يزيد لعنه الله، فراجع..(98)
وقال الذهبي: «كان ناصبياً غليظاً، يتناول المسكر، ويفعل المنكر، فتح دولته بقتل الحسين، وختمها بوقعة الحرة..»(99)
ويقول ابن خلدون عن قتل يزيد للإمام الحسين عليه السلام: «إن قتله من فعلاته المؤكدة لفسقه، والحسين فيها شهيد»..(100)
فهذا غيض من فيض، والحر تكفيه الإشارة..

سيرته لعنه الله تشهد عليه:


أما فيما يرتبط برضا يزيد لعنه الله بقتله عليه السلام، وسروره بذلك، فنقول:
قد صرح يزيد، لعنه الله، نفسه برضاه وبسروره بهذا الأمر، فقد قال للنعمان بن بشير: «الحمد لله الذي قتل الحسين»..(101)
كما أن أفعاله لعنه الله تدل على هذا الرضا والسرور.. فقد قال السيوطي، وابن جرير: لما قتل الحسين سُرَّ يزيد بمقتله، وحسنت حال ابن زياد عنده، وزاده، ووصله، وسره ما فعل، ثم بعد ذلك ندم، فمقته المسلمون، وأبغضه الناس..(102)
وقال الجاحظ ما ملخصه: «المنكرات التي اقترفها يزيد، من قتل الحسين، وحمله بنات رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم سبايا، وقرعه ثنايا الحسين بالعود، وإخافته أهل المدينة، وهدم الكعبة، تدل على القسوة والغلظة، والنصب، وسوء الرأي، والحقد، والبغضاء، والنفاق، والخروج عن الإيمان الخ»..(103)
وقال التفتازاني: «الحق إن رضا يزيد بقتل الحسين، واستبشاره بذلك، وإهانته أهل بيت النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم مما تواتر معناه، وإن كان تفاصيله أحاداً، فنحن لا نتوقف في شأنه، بل في إيمانه، لعنة الله عليه، وعلى أنصاره، وأعوانه..»(104)
وقال سبط الجوزي: إن الغزالي قال: «وادعوا: أن قتله كان غلطاً..
قال: وكيف يكون هذا، وحال الحسين لا يحتمل الغلط، لما جرى من قتاله، ومكاتبة يزيد إلى ابن زياد بسببه، وحثه على قتله، ومنعه من الماء، وقتله عطشاً، وحمل رأسه وأهله سبايا، عرايا، على أقتاب الجمال إليه، وقرع ثناه بالقضيب الخ»..(105)
وقال ابن الجوزي عن بيعة يزيد لعنه الله: «ظهرت منه أمور كل منها يوجب فسخ ذلك العقد، من نهب المدينة، ورمي الكعبة بالمنجنيق، وقتل الحسين، وأهل بيته، وضربه على ثناياه بالقضيب، وحمل رأسه على خشبة»..(106)
وقال يزيد لعنه الله للإمام السجاد عليه السلام: «كيف رأيت صنع الله بأبيك يا علي بن الحسين..
وشاور من كان حاضراً في أمره، فأشاروا عليه بقتله..»(107) فسكت..
وقد واجهت السيدة زينب عليها السلام يزيد لعنه الله بالتقريع من أجل ذلك..(108)
وقال للإمام السجاد عليه السلام أيضاً: «ما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم..»(109)
وقال يزيد لعنه الله للإمام السجاد عليه السلام أيضاً: أراد أبوك وجدك أن يكونا أميرين، فالحمد لله الذي أذلهما، وسفك دماءهما..(110)
ودعا يزيد لعنه الله برأس الإمام الحسين عليه السلام، وجعل يضرب، أو ينكت (والنكت هو: الضرب) ثغر الإمام الحسين عليه السلام بقضيب في يده..(111) وجعل يقول: قد لقيت بغيك يا حسين..(112)

جوائز يزيد لعنه الله لابن زياد:


ولما قتل ابن زياد الإمام الحسين عليه السلام، أوصله يزيد لعنه الله بألف ألف درهم جائزة..(113)
وقال لسلم بن زياد، أخي عبيد الله بن زياد، حينما قدم عليه بعد قتل الإمام الحسين عليه السلام: لقد وجبت محبتكم يا بني زياد على آل سفيان..(114)
وكتب يزيد لعنه الله بعد مقتل الإمام الحسين عليه السلام، إلى ابن زياد:
أما بعد، فإنك قد ارتفعت إلى غاية أنت فيها كما قال الأول:
رفعت فجاوزت السحاب وفوقه فما لك إلا مرتقى الشمس مقعدا

أفد عليَّ لأجازيك على ما فعلت
ولما جاء استقبله يزيد لعنه الله، وقبل ما بين عينيه، وأجلسه على سرير ملكه، وأدخله على نسائه.
وقال للمغني: غنِّ.
وللساقي: اسق.
ثم قال:
اسقني شربة أروي فؤادي ثم صل فاسق مثلها ابن زياد
موضع السر والأمانة عندي وعلى ثغر مغنمي وجهادي

زاد ابن الجوزي:
قاتل الخارجي أعني حسينا ومبيد الأعداء والحساد

وأوصله ألف ألف درهم، ومثلها لعمر بن سعد، وأطلق له خراج العراق سنة..(115)
كما أنه حين وافاه النبأ بمقتل الإمام الحسين عليه السلام، وكان في بستانه الخضرا، كبر تكبيرة عظيمة..(116)
وحين وصل السبايا إلى الشام «جمع يزيد من كان بحضرته من أهل الشام، ثم دخلوا عليه، فهنوه بالفتح»..(117)
وتقدم أنه حين وضع رأس الإمام الحسين عليه السلام، جعل ينكت ثناياه بالقضيب وهو يقول:
أبى قومنا أن ينصفونا فأنصفت قواضب في أيماننا تقطر الدما
نفلق هاماً من رجـال أعـزة علينا وهم كانوا أعق وأظلما

ثم صلب الرأس الشريف على باب القصر ثلاثة أيام..(118)
وفي نص آخر: نصبه بدمشق ثلاثة أيام، ثم وضع في خزائن السلاح..(119)
وفي نص آخر: أنه نصبه على باب مسجد دمشق..(120)
وفي نص آخر: نصبه في جامع دمشق، في المكان الذي نصب فيه رأس النبي يحيى بن زكريا عليهما السلام..(121)
ثم حبس السبايا في محبس لا يكنهم من حر ولا برد..(122)
ولعله نصبه في أكثر من موضع في الأيام المختلفة..



لو صحت مزاعمهم:


وبعد، فلو صح ما يزعمونه من أن يزيد لعنه الله لم يأمر ابن زياد بقتل الإمام الحسين عليه السلام، فقد كان من المفترض أن يقتص منه ـ أو ـ على الأقل ـ أن يحاسب ويعاقب ابن زياد، وعمر بن سعد، وشمر بن ذي الجوشن، وغيرهم ـ لعنهم الله ـ ممن شارك في قتل الإمام الحسين عليه السلام، ريحانة الرسول صلى الله عليه وآله، وسيد شباب أهل الجنة..
وكان عليه أيضاً أن يعاقب عمرو بن سعيد الأشدق، الذي أمر صاحب شرطته على المدينة: عمرو بن الزبير بن العوام، بهدم دور بني هاشم في المدينة، ففعل، وبلغ منهم كل مبلغ، وهدم دار ابن مطيع..(123)
وكان عليه أن يستغني ـ على الأقل ـ عن خدمات ابن زياد، والأشدق، وغيرهما..
وكان عليه أن لا يرضى من سفيانية أهل دمشق بأن يستقبلوا السبايا بالدفوف، وبالفرح والسرور؟!(124)
وبعد كل ما تقدم:
فما معنى محاولة هؤلاء تبرئة يزيد لعنه الله مما اقترفته يداه، وادعاء أنه لم يأمر بقتل الإمام الحسين عليه السلام، ولا رضي به، بل حاول أن يمنع من عودة القتال بين أهل الشام وأهل العراق؟!..

أنصار السفياني:


وبعد أن اتضح: أن هذا المنشور قد اعتمد في عرضه لما جرى للإمام الحسين عليه السلام، الرواية السفيانية اليزيدية الشاذة، التي أجمعت الدلائل والشواهد، والنصوص التاريخية على خلافها..
نقول:
ما كنا نظن أننا نعيش إلى اليوم الذي نحتاج فيه إلى إثبات أن يزيد لعنه الله هو الذي قتل الإمام الحسين عليه السلام، فإنا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم..
وإن أخشى ما نخشاه هو أن يكون هذا النوع من الطروحات التي تسعى لتبرئة يزيد بن معاوية بن أبي سفيان لعنه الله، الذي ارتكب أعظم الجرائم وأفظعها في حق الدين ـ أن تكون من إرهاصات عودة السفيانية، وأن يكون هؤلاء المروِّجون لها من الموطئين لظهور السفياني في آخر الزمان..
ولعل ما يؤكد هذا المعنى: أن المنشور يسعى للنيل من شخص الإمام الحسين عليه السلام، سيد شباب أهل الجنة، والإمام المنصوص على إمامته من قبل الرسول صلى الله عليه وآله نفسه بقوله: الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا.. وتصويره على أنه كان طالباً للدنيا. كما أشارت إليه الرواية المكذوبة عن ابن عمر..
وذلك توطئة للطعن في أصل الإمامة، الذي لم يزل يؤرِّق هؤلاء الناس، ويمثل الشوكة الجارحة في قلوبهم، والقذ المؤلم في عيونهم، والشجا المعترض في حلوقهم..

ابن تيمية المتجرئ على حرمات الله:


وأما كلام ابن تيمية، الذي ورد في المنشور.. فهو ظاهر في أنه يدافع عن يزيد لعنه الله، ويتهم الإمام الحسين عليه السلام بأنه لا عقل، أو لا دين له، والعياذ بالله، وذلك حين زعم أنه أقدم على أمر ليس فيه مصلحة دين، ولا مصلحة دنيا..
فهل أصبح ابن تيمية المجسم، المتحامل على النبي صلى الله عليه وآله وأهل بيته عليهم السلام، أعرف بالتكليف الشرعي من سيد شباب أهل الجنة؟!..
ثم إننا لا ندري كيف يكون الإمام الحسين عليه السلام سيداً لشبابها؟!، وليس على وجه الأرض أحد يساميه أو يساويه، على حد تعبير ابن كثير الحنبلي..(125) ما دام أنه لا يعرف مصلحة الدين، ولا مصلحة الدنيا؟!.. ويقدم على أمر «ما كان سليماً»، على حد تعبير ابن تيمية، وقد أوجب الفساد، على حد تعبير هذا المتعصب البعيد عن الأدب مع أهل بيت النبوة؟!..
أليس في ذلك تعذير ليزيد لعنه الله، ولابن زياد، وللشمر بن ذي الجوشن، ولعمر بن سعد، ولحرملة، و.. و..؟!
وانتهاك لحرمة ومقام الإمام الحسين عليه السلام، وتسفيه لرأيه، وتصويب أعدائه، أو على الأقل تهوين لجريمتهم؟!
ثم هو اعتراض على الله وعلى رسوله صلى الله عليه وآله، حين أعطيا الأوسمة للإمام الحسين عليه السلام دون يزيد القرود، والفهود، والخمور، والفجور؟!..

النصب وإيحاءاته:


ويلاحظ: أنه قد ورد التعبير في المنشور، أن الحر قال عن السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام: إنها «سيدة نساء العرب» مع أن الرواية تصرح بأنها:
سيدة نساء هذه الأمة..
وسيدة نساء العالمين..
وسيدة نساء أهل الجنة..(126)

الفصل الثاني


اللطم على الإمام الحسين عليه السلام


قتل الإمام الحسين عليه السلام وقتل الأنبياء:

ثم ذكر المنشور ـ الذي يبدو أنه مأخوذ مما جاء في البداية والنهاية لابن كثير ـ: أن الأنبياء قتلوا، وكذلك قتل علي، وعمر، وعثمان. وهؤلاء كلهم أفضل من الحسين، ولذلك لا يجوز إذا جاء ذكرى الحسين اللطم الخ..
ثم استشهد بحديث: ليس منا من لطم الخدود، وشق الجيوب..
ونقول:
إن هذا الكلام كله أيضاً غير دقيق، ولا صحيح.. ونلخص ما نرمي إليه ضمن النقاط التالية:

فظاعة جريمة يزيد لعنه الله:


بالنسبة إلى قولهم: «إن مقتل الحسين ليس هو بأعظم من قتل الأنبياء»..
نقول:
إنه غير صحيح، فإن قتل الإمام الحسين عليه السلام بهذه الصورة التي تم فيها، قد كان هو الأفظع والأبشع، والأعظم خطراً، وذلك لأنه كان يهدف إلى اغتيال جهود جميع الأنبياء كلهم، وذلك بالقضاء على دين الإسلام، الذي جاء به خاتم الرسل صلى الله عليه وآله، الذي هو الدين الأتم والأكمل، ونبيه هو الأشرف والأفضل من كل ما ومن خلق الله.. والذي هو ثمرة جهود، وتضحيات جميع الأنبياء والأوصياء والصالحين، من النبي آدم عليه السلام إلى النبي الخاتم صلى الله عليه وآله..

أوصياء نبينا أفضل:


وأما بالنسبة لتفضيل الأنبياء على الإمام الحسين عليه السلام، فإننا نقول:
إن أوصياء نبينا الأعظم صلى الله عليه وآله أفضل، وأشرف من سائر الأوصياء، بل هم أفضل من كل من عدا نبينا صلى الله عليه وآله، كما تدل عليه النصوص الكثيرة التي أثبتت أن آدم، ونوحاً، وإبراهيم، ويونس، وغيرهم من الأنبياء عليهم السلام قد توسلوا إلى الله بهم، وطلبوا الفرج والغوث من الله بواسطتهم..
وإذا كان الأمر كذلك، فلا تصل النوبة إلى الحديث عن كونهم أفضل من عمر بن الخطاب، ومن عثمان بن عفان، فكيف إذا كان هؤلاء قد اعتدوا على بنت رسول الله صلى الله عليه وآله أيضاً بالضرب، وأسقطوا جنينها.. حتى ماتت واجدة على أبي بكر وعمر، كما صرح به البخاري وغيره..
وكيف إذا كان الصحابة والتابعون قد نقموا على عثمان، حتى قتل بحضرتهم، وبمشاركة منهم..
فهل يصح بعد هذا المقايسة بين هؤلاء وبين الإمام الحسين عليه السلام؟، فضلاً عن السعي لتفضيلهم عليه؟!

اللطم على الإمام الحسين عليه السلام مطلوب لله تعالى:


أما ما ادعاه المنشور، من أنه لا يجوز إذا جاءت ذكرى [الإمام] الحسين [عليه السلام] اللطم وما شابه.. فهو غير صحيح أيضاً، بل هو مستحب، ومطلوب ومحبوب لله تعالى، خصوصاً، إذا كان فيه إدانة للباطل، وتأييد للحق، وتربية للنفوس على مقت الظلم ورفضه، والبراءة من الظالمين والمفسدين. ونحن نكتفي في هذا السياق بالتذكير بما يلي:
أيهما أعظم:
هل لطم الصدور والخدود أعظم؟
أم البكاء حتى العمى الحقيقي أعظم؟

فإن القرآن قد صرح بأن النبي يعقوب عليه السلام قد بكى على ولده النبي يوسف عليه السلام ـ الذي كان حياً ـ حتى ابيضت عيناه من الحزن، بل هو قد كاد أن يهلك من ذلك، قال تعالى: «وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ * قَالُواْ تَالله تَفْتؤُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِين»(127)

حديث: لطم الخدود، لا يدل:


بالنسبة لحديث: «ليس منا من لطم الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية».. نقول:
إنه لا بد أن يكون ناظراً إلى من يفعل ذلك استعظاماً، واعتراضاً على قضاء الله، لمجرد موت عزيز له..
وقد ألمح العسقلاني، والقاري، والكرماني، والقسطلاني، والمناوي إلى ذلك، فقد ذكروا أن:


«السبب فيه أي (في هذا النهي) ما تضمنه ذلك من عدم الرضا بالقضاء»..(128) أو نحو ذلك..
والدليل على ذلك:>
أولاً: إنه صلى الله عليه وآله قال: ليس منا من لطم الخدود الخ.. مع أن الذي يلطم صدره وخده في المصاب، أو يشق جيبه، لا يخرج من الدين، فلا يصح أن يقال: ليس منا..
أما إذا فعل ذلك اعتراضاً على الله سبحانه، كما ربما يصدر من بعض ضعفاء الإيمان، فإنه لا يكون من أهل الإيمان حقيقة، لأن المؤمن لا يعترض على ربه.. وينطبق عليه مضمون هذا الحديث بصورة حقيقية..
ثانياً: إن مما يدل على ذلك أيضاً ذيل الحديث، أعني قوله: ودعا بدعوى الجاهلية.. فإن من يدعو بدعوى الجاهلية، ويعود إلى التزام رسومها، ويترك ما يدعوه إليه الإسلام، لا يكون من أهل الإيمان، والإسلام..
وبذلك يظهر: أنه لا مجال للتأويلات الباردة التي يحاولون المصير إليها، والسعي إلى حمل قوله صلى الله عليه وآله: ليس منا.. على المجاز، فراجع..(129)
1 ـ وقد قال الكرماني: «إلا أن يفسر دعوى الجاهلية بما يوجب الكفر، نحو تحليل الحرام، أو عدم التسليم لقضاء الله، فحينئذ يكون النفي حقيقة»..(130)
وقال المناوي: «وهو يدل على عدم الرضى، وسببه ما تضمنه من عدم الرضا بالقضاء»..(131)
فهذا الحديث ليس ناظر إلى ما هو من قبيل اللطم في عاشوراء الذي هو لأجل إعزاز الدين، وإظهار الحب لأهل بيت النبوة عليهم السلام، وإحياء شعائر الله تعالى..
2 ـ وقد روى الخوارزمي: أن دعبلاً أنشد الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام قصيدته التائية، ومنها قوله:
أفاطم لو خلت الحسين مجدلاً وقد مـات عطشاناً بشط فـرات
إذن للطمت الخد فاطم عنده وأجريت دمع العين في الوجنات

فلم يعترض عليه الإمام عليه السلام، ولو بأن يقول له: إن أمنا فاطمة عليها السلام لا تفعل ذلك، لأنه حرام.. بل هو عليه السلام قد بكى وأعطى الشاعر جائزة، وأقره على ما قال..(132)والإمام الرضا عليه السلام لا يمكن أن يخفى عليه مثل هذا الحكم الشرعي، في أمر هو محل ابتلاء الناس.. ولا بد أن يكون الناس قد بدأوا بممارسته منذ الأيام الأولى لوقوع الفاجعة.. ويشير إلى ذلك ما ورد في النص التالي:
3 ـ لما مروا بالسبايا على الإمام الحسين عليه السلام وأصحابه صاحت النساء، ولطمن وجوههن، وصاحت زينب عليها السلام: يا محمداه..(133)
ولم يعترض عليهن الإمام السجاد عليه السلام، ولم نسمع أن أحداً من الأمة قد خطَّأهن في ذلك..
4 ـ وحين ارتجز الإمام الحسين عليه السلام في كربلاء:
يا دهر أف لك من خليل كم لك في الإشراق والأصيل


السابق السابق الفهرس التالي التالي