مصباح الأنظار485


مصباح الانظار


مصباح الأنظار486


مصباح الأنظار487

بسم الله الرحمن الرحيم

هذا كتاب مجموع فيه كلام الناصح العالم والوافد الصالح وهو يسمّى مصباح الأنظار ومن عمل بما فيه أمن من عذاب النار ورضي عنه الجبار وصلى الله على سيدنا محمد المختار وآله وأصحابه الأخيار .
وروي بالإسناد الصحيح أن وافدا وفد على عالم من علماء امة رسول الله (ص) فلما نظر الوافد إليه رأى رجلا جسمه لا يشبه اسمه فسلّم عليه فرد السلام ، فأطال الوافد الوقوف وأطال العالم السكوت فقال الوافد : إن لكل طالب حاجة فقال العالم : ولكل حديث جواب ، فقال الوافد : صدقت لأن الله تعالى يقول «فاسالوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون»(1) ، فعلم العالم أن الوافد يريد منه علما فقال إن العلم بحر عميق ، فقال : ولكل بحر سفينة ينجو بها راكبها ، قال العالم : وما سفينة بحر العلوم ؟ فقال الوافد : المعرفة ، فقال العالم : المعرفة اسم أو رسوم ؟ فقال الوافد : اسم ورسوم فقال العالم : كم رسوم المعرفة ؟ قال الوافد : تعرف نفسك وتعرف ربك وتعرف دينك وتعرف دنياك وتعرف آخرتك فاذا عرفت ذلك فلا حاجة لك إلى غيره .
قال العالم : كيف تعرف نفسك ؟
فقال الوافد : أعرف حدثها وأعرف ضعفها وأعرف فاقتها وأعرف عجزها وجهدها في طاعة ربّها وأحملها على الخوف كي ارى خوفها واحتمالها للأذى بأرضها وأحثها على الطلب لما فيه نجاتها وأصرفها من الكذب إلى الصدق ومن الطمع إلى الورع ومن الشك إلى اليقين ومن الشرك إلى الاخلاص واخرجها من محبوبها في الدنيا واربطها في الفقر حتى تنال كرامة الله تعالى في الآخرة .
قال : فكيف تعرف ربك ؟

(1) سورة الانبياء : الآية 7 .
مصباح الأنظار488

قال : أعرف بما عرف به نفسه من الوحدانية ولا اشبهه بشيء من البرية لا يحد بالحدود ولا يوصف بالصفات إذ هو سبحانه وتعالى خالق كل صفة وموصوفات .
قال : فكيف تعرف دينك ؟
قال الوافد : أعرفه بالشريعة التي سنّها رسول الله (ص) وبالمحكم من التنزيل وشهادة علانية العقول وهي على ثلاثة وجوه واعتقادها وسبيلها واضح وطالبها رابح قد بهر دليلها وشهد لها بالصدق من ذوي العلم عقولها فتذكرنا مؤنة الطلب بهذا الاحتجاج وقطع عنا علايق الاعوجاج حتى ما بقي في ذلك ميل ولا اختلاج لقصدت عند ذلك بينة صحيحة حتى عرفت الأصل والفرع فوجدت ذلك واضحا مبيّنا وفي كتبهم مشروحا معيّنا كلاما مبرهنا قد حملوا رضاء الله عنهم عبو ذلك ونقله حافظين فيه الامانة وأوضحوا فرع ذلك وأصله مجتنبين الغش والخيانة قد شيدوا بنيانه وعظموا سلطانه واثبتوا في العقول برهانه ؛ فليس لأحد من بعدهم مطلب ، ولا لمسترشد من دونهم مذهب ، ولا عاقل في غير مذهبهم يرغب .
فقال : فكيف تعرف دنياك ؟
قال الوافد : أعرف فناها وتقلبها في غرورها وخدعها وخزيتها ونظرت وميزت فاذا الدنيا تغر طالبها وتقتل صاحبها وتفرق ما جمع وتغيّر ما صنع وعرفت أنها تفعل بي مثل ما فعلت بالاولين .
قال : فيكف عرفت الآخرة ؟
قال : عرفت أنها دار باقية فيها الحساب والعقاب والمجازاة والثواب يبلغ أمدها ويطيل أبدها فريق في الجنة وفريق في السعير ، فمن كان في أصحاب الجنة فشاب لا يكبر ، وغني لا يفتقر وقادر لا يعجز وعزيز لا يذل وحي لا يموت في دار القرار في نعيم وسرور وقصور وحور راضية وقطوف دانية ، وأنهار جارية وملك لا يزول ونعيم لا تحصى صفته ، ومن كان من اهل النار فحمل ثقيل ، ومقام طويل ، وبكاء وعويل ، وخشوع ضفيف ، وقلب خفيف ، في دار جهد وبلية وهمّ وغمّ ورزيّة ، وعذاب لا ينقطع حيث السلاسل والاغلال ، وقيود الاكبال ، والضرب والصياح والعوال ، وأكل الزقوم وشرب الحميم ، ونفحات السموم وظهور المكتوم ، ولباس القطران ، وزفرات النيران ، والخزي والهوان داخلها محسور وواردها مضرور ، وساكنها مدحور وصاحبها مقهور واللابث فيها مهجور .
قال العالم : كيف يصنع من وعد بهذين الدارين إن نظر إلى النار ونظر ما وعد الله فيها لأهلها ، ثم ينظر إلى الجنة وقصورها وما أوعد الله فيها من النعيم المقيم والفواكه والأزواج من

مصباح الأنظار489

الحور الحسان ، والأكاليل والتيجان ، والأنهار الجارية ، والأثمار الدانية ، والسرر المصفوفة ، والزرابي المبثوثة ولباسها وفرشها وحجراتها وطعامها وشرابها ودوام ذلك فيها ، فيخاف أن لا يكون من أهلها فهنالك تتتابع زفراته ، وتكثر حسراته وتفيض عبراته ، ويطيع ربّه ويعصي هواه ، ويترك دنياه ويطلب آخرته ويعلم يقينا أن إلى الله المصير .
قال : فلما انتهى الكلام منهما إلى هذا الحد وعلم العالم أنه ذو فطنة ونباهة ونبالة ، ونظر وتميز ، ورغب في طلب منالته سأله لينظر معرفته .
قال العالم : من أين ؟
قال الوافد : من فوق الأرض ومن تحت السماء ، قال العالم : كم لك ؟ قال : كذا وكذا سنة قال له العالم : ما ترى ؟ قال : أرى أرضا وسماء وما بينهما ، قال : فما ترى في السماء ؟ قال : أرى شمسا تحرق ، وقمرا يشرق ، ونجوما تظهر ، وماء يهبط ورياحا تذري وسحابا يجري ، وطيرا يهوي ، وليلا ونهارا ، وآيات البريات .
قال العالم : فما ترى في الأرض ؟ قال الوافد : أرى بحرا وأبحارا ، وسهولا وأوعارا وترابا وأحجارا وأثمارا وأنهارا وقرارا .
قال العالم : فكم الدنيا ؟ قال الوافد : ليل ونهار ، قال العالم فكم الخلق ؟ قال : ذكر واناث قال العالم : فكم الناس ؟ قال الوافد : الناس اربعة : واحد فيه خير وشر والثاني شر بلا خير والثالث خير بلا شر والرابع لا خير فيه ولا شر .
قال العالم فكم الناس وما هم بعد ذلك ؟ قال الوافد : نبل وسفل ، فلا النبل لهم قدر عند السفل ولا السفل لهم قدر عند النبل ، قال العالم : فكم الكلام ؟ قال الوافد : اربعة : خطاب ، وجواب ، وخطأ ، وصواب .
قال العالم : فيمن العجب ؟ قال الوافد : في سبعة قال العالم : من هم ؟ قال الوافد : عبد عرف الله وعصاه ، ومن عرف الشيطان واطاعه ، ومن عرف الدنيا فجمع لها ؛ ومن ذكر الموت فطابت نفسه ، ومن عرف الآخرة فبغضها ، ومن عرف الجنة فلم يرغب إليها ، ومن عرف النار فلم يرهبها .
قال العالم : فما خير الأشياء ؟ قال الوافد : خير الأشياء الايمان بالله وملائكته والكتاب والنبيين قال العالم : كم شهود الايمان ؟ قال الوافد : أربعة شهود محكم الكتاب ، ومحكم

مصباح الأنظار490

السنّة ، وحجة العقول ، واجماع الامة قال العالم : وما هو ؟ قال الوافد : عمل وقول واعتقاد ، قال العالم فكيف ذلك ؟ قال الوافد : قول باللسان واعتقاد بالجنان ، وعمل بالأركان ، قال العالم : فما ضد الصدق ؟ قال : الكذب قال : فما ضد العمل ؟ قال : النفاق ، قال : فما ضد الاعتقاد ؟ قال : التشبيه .
قال العالم : فما أعظم الأشياء ؟ قال : معرفة الله على حقيقته وهي التوحيد والتفريد والتصديق وذكر الله على كل حال في الليل والنهار قال العالم : فما أفضل الأشياء ؟ قال الوافد : طلب العلم من العلماء حين يعرف الطلب فيعمل به فمن أظهر مصباح الهدى في قلبه أخلص النية والعمل لربه وأنطق لله بالحكمة .
قال العالم : فما أخبث الأشياء ؟ قال الوافد : الجهل لأن في الجهل الهلاك والعطب وأن الجاهل إذا أراد أن يصلح شيئا أفسده بجهله وقلة علمه ، وهو يجلب الافات ويتولد منه الكبر والطمع والحرص والشهوة والجهل والبخل والسخرية .
قال العالم : فما أقبح الاشياء ؟ قال الوافد : اللغو والغيبة والنميمة والخيانة والكذب والزنا والرياء وحب المزاح وحب الفاسق وصحبة المنافق والتهمة والسوء للخلق والظن .
قال العالم : فما أدنس الأشياء ؟ قال الوافد : السؤال للناس ، ومقاربة الانجاس ، والثقة بكل الناس ، وتقرع الاكياس .
قال العالم : فما أنفع الاشياء : قال الوافد حسنة يكون بها عشر أمثالها ، قال العالم : وما هذه الحسنة ؟ قال الوافد : تطعم أخاك المؤمن من جوع أو تكسيه من عري أو تقضي عنه دينا أو تفرج عنه غمّا أو تكشف عنه همّا ، فمن فعل هذا لاخيه المؤمن جاء يوم القيامة ولوجهه نور يضيء كنور القمر وتتلقاه الملائكة بالمسرّة وتدخله الجنة آمنا ، وأعطاه الله من الثواب ما لا يصفه واصف ولا يحيط به عارف .
قال العالم : فما أضر الاشياء ؟ قال الوافد : سيئة تتبعها سيئة قال العالم : فما أطيب الأشياء ؟ قال الوافد : العافية مع المعرفة ووضع الأشياء في مواضعها وفي مجالسة العلماء ومدارسة الحكماء وحضور مجلس الذكر والتفكر في الصنع والمبادرة في أعمال البر وإصلاح ذات البين والتجهيز للرحلة والاستعداد للموت .
قال العالم : فما أهون الأشياء ؟ قال الوافد : إذا نفخ في الصور وبعثر ما في القبور

مصباح الأنظار491

واجتمعت الخلايق للموقف المتضايق فهنالك الفزع العظيم ، والخطب الجسيم كل انسان يقول نفسي نفسي لا يسأل ذلك اليوم والد عن ولده ولا أخ عن أخيه كل نفس بما كسبت رهينة .
فلما انتهى الكلام منهما إلى ههنا عرف العالم أن الوافد حسن المعرفة جيّد الفطنة صحيح اليقين متين الورع كثير الفزع أقبل عليه العالم بوجهه وقال : أيها الوافد الصالح والتاجر الرابح والخليل الصالح : اسأل عما بدا لك يرحمك الله .
فقال الوافد أيها العالم الحكيم الناطق الشفيق الصادق انشر عليّ من مكنون حكمتك علما ، وزدني من معرفتك نورا ما ازداد به فهما ، فلعل الذي على قلبي أن يخلص ببركتك وينجلي عني بجود صحبتك .
قال العالم : اجر لك الصلاح ، ووفق لك الفلاح ، وتيسّر لك النجاح ، وعليك بسبعة أشياء الزمها : أولها المعرفة بالمعروف فهو الله عز وجل والايمان والاسلام والطاعة والعلم والعمل ثم تعرف المعرفة ما هي إذا صرت عارفا وزدت المعرفة إلى المعرفة فلحقت من المعرفة ما قدرت عليه ، ثم تعرف الايمان ما هو وكيف هو حتى اذا صرت مؤمنا أسلمت للذي آمنت به حتى إذا صرت مسلما احتجت أن تطيع للذي أسلمت إليه حتى إذا صرت مطيعا احتجت إلى علم تطيع به ، وتعرف العلم ما هو وكيف هو حتى إذا صرت عالما احتجت أن تعمل بما علمت ، ثم تعرف العلم ما هو وكيف هو وما ثمرته وإلى ما يوصلك وما عايدت نفعه .
قال الوافد : أيها العالم بين لي العمل (المعرفة خ) ما هو وكيف هو ؟
قال العالم : أما ما هو فاصابة الأشياء بأعيانها ووضعها في مواضعها ومعرفتها على حقايقها ؛ وأما كيف هو فاصابة المعاني فما من شيء إلا له معنا يرجع إليه فاصابة الاشياء بالنظر والتميز والسمع والبصر ، وإصابة المعاني بالتفكر والاعتبار والعقل .
قال الوافد : فما معرفة الله تعالى ؟
قال العالم : هو أن تعلم أن الله سبحانه وتعالى لا تدركه الأبصار ولا يحوي به مكان ، ولا يحيط به علم ، ولا يتوهمه جنان ، ولا يحويه الفوق ، ولا التحت ، ولا الخلف ، ولا الأمام ، ولا اليمين ، ولا الشمال ، فتعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ، لا يعلم كيف هو إلا هو ، فتعرفه بهذه المعرفة فيما تفهّمه قلبك ، وذلك قوله في محكم كتابه العزيز لنبيّه (ص) «قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد»(1) ، فتقول كما امرت وتعمل كما علمت

(1) سورة الإخلاص : الآية 1 ـ 4 .
مصباح الأنظار492

وتشهد كما علمت وتعمل كما شهدت أن الله الواحد القهار الملك الجبار المحيي المميت الحي الذي لا يموت خالق كل شيء وهو على كل شيء قدير ومالك كل شيء الكائن قبل كل شيء الباقي بعد فناء كل شيء وهو على كل شيء قدير فهذه معرفة الله تعالى بالذكر .
وأما المعرفة بالتفكر والنظر بالقلوب والتميز بالالباب في أعظم قدرة الله تعالى وارتفاعه وعلوه وبقائه وانفاذ أمره وبيان حكمته وحياطة علمه وكثرة خلقه وسعة رزقه وقرب رحمته وجود كرمه وحسن رأفته وجميل ستره وطيب عافيته فلله الحمد على ذلك كثيرا .
قال الوافد : فما وراء ذلك يرحمك الله ؟ .
قال العالم : الايمان بالله ورسوله وبما جاء به من عند الله تعالى ، واتّق في جوارحك حتى لا تستعملها في شيء ممّا يكرهه منك خالقها ، فتكون قد امنتها من عذاب النار ، ومن الايمان أن تأمن الناس من يدك ولسانك وظنون قلبك ، فاذا فعلت ذلك فأنت مؤمن ، ومن الايمان الرضاء بالقضاء والشكر على العطاء والصبر على البلاء ، ومن الايمان المحافظة على الفرايض والمبادرة بالنوافل والفضائل .
ومن الايمان تعلم أن الله حق ، وقوله حق والجنة حق ، والنار حق ، والبعث حق ، والثواب حق ، والحشر حق ، والقيامة والعرض حق ، والحساب حق ، وأن الله على كل شيء قدير ، وأنك منتقل من هذه الدار الفانية إلى الآخرة الباقية ، مسؤول عن أعمالك ، موقوف على فعالك ، منكشف سرك واعلانك ، فتجد ما فعلت قد احضر إليك وأنت اليوم في دار المهلة ومكان الفسحة ، فلا تذهب أيامك سدى ، واعمل فيها بطاعة ربك وعلق قلبك في ملكوت إلهك واجعل دليلك الايمان ، وقرينك التفكر وهمتك الحساب ، وسعيك الثواب ، وجليسك الكتاب وأملك الرجاء وسريرتك الوفاء ، وسيرتك الحياء ، وفاقتك الرحمة ، وعملك الطاعة ، وطلبك النجاة ، وسؤالك المغفرة ، وسبيلك الرضاء ، وخوفك العقاب ، ورغبتك الثواب ، وخلقك العفاف ، وعزيمتك الكفاف ، فمن سلك هذه الطريقة سبق ، ومن تكلم بمثل هذه صدق ، وهي عروة فمن تعلق بها استوثق والحمد لله رب العالمين .
قال الوافد : فما وراء ذلك يرحمك الله ؟
قال العالم : الاسلام ، وهو أن تسلم للذي آمنت به ، ومن الاسلام أن تسلم أعمال الطاعات ، فاذا علمت ذلك سلمت من النار ، وسلم الخلق منك ويكون إسلامك بالظاهر والباطن حتى لا يخالف قولك فعلك ولا فعلك يخالف قولك ، فيكون ظاهرك باطنك وباطنك

مصباح الأنظار493

ظاهرك ، وكون موقنا بالوحدانية ، مقرّا بالربوبية ، معترفا بالعبودية ، مجلّلا بالعظمة ، هائبا للجلالة ، فرحا بالسكون ، محبّا للطاعة ، طالبا للرضا ، خائفا للغضب ، راغبا في الجزاء ، راهبا للعذاب ، مؤدّيا للشكر ، مداوما على الذكر ، معتصما بالصبر ، عاملا بالفكر فهذا عمل الباطن .
وأما عمل الظاهر : الاجتهاد في أداء الفرايض والسنة والفضايل والنوافل ، والنهي عن المنكر وقراءة القرآن ، ومن السنة الختان ، وصلاة العيدين ، وحلق العانة ونتف الابطين وتقليم الاظفار ، وقص الشارب والسواك ، ومن الفضائل صيام رجب وشعبان وايام البيض ويوم عاشورا ويوم عرفة والخميس .
قال الوافد : ما وراء ذلك يرحمك الله ؟
قال العالم : وراء ذلك المواصلة والمعاونة والمواساة والمواخاة في الله والمحبة لأولياء الله تعالى ، والبغضة لاعداء الله ، وصلة الرحم ، والرحمة لليتيم ، ومعاونة الضعيف ، وتعليم الاولاد ، وانصاف الزوجة فيما لا تنالك عنه وهي ناظرة إليك وفي تعليمها والامر لها فيما لا بد لها منه والنهي لها فيما لا حاجة لها فيه ، والزامها لمنزلها وطول الحجاب ، وتفصيل الأبواب وتعليم الحكمة والصواب ، مع لزوم العفاف ، والرضا بالكفاف ، والصيانة لها عن التبرّج والعوج والأبواب ، والشوق إلى دور المسلمات ، فويل لهاتكات الستور ، ولجات كل محظور الناقلات الكلام الزور ، الجالبات للفحشاء والفجور ، المبغضات للنعمة ، والمدخلات على المسلمين التهمة ، والمفرقات للالفة ، والداعيات للكشفة .
ولقد روي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) قال : إن اجد إلى منزلي مأة لصّ يسرقونه أهون عليّ أن أجد فيه عجوزا ما أعرفها ، ومن ذلك انصاف الخادم فيما لا يقدر عليه ، والرفق به والنهي له عن ما لا حاجة له به ، وصيانة الدابة فيما تحتاج إليه ، والرفق بها فيما لا تقدر عليه ، فهذا الأمر بالمعروف .
وأما النهي عن المنكر فمن المنكر الفعل السيّء ؛ وقول الفواحش ، والكذب والنميمة ، ومن الفعل القتل والزنا ، ومن النية الرياء والكبر والحسد والبغضاء والفحشاء ، ومن الفعل أخذ اموال الناس سرّا وجهرا ، ومن القول الغيبة والنميمة وشهادة الزور .
قال الوافد : بيّنها لي يرحمك الله تعالى حتى أعرفها وأعمل بها .
قال العالم الطاعة اتباعك لما أمر الله به ، واجتنابك لما نهاك الله عنه ، وذلك على

مصباح الأنظار494

وجهين شيء لم تعرفه ، وشيء قد عرفته ، تعرف ما لك وما عليك فيما نهاك الله عنه ، فعليك فيما قد علمت التوبة والرجوع والانابة والتضرع ، ولك في ذلك المعرفة فانك إذا خفت من ربك تبت إليه وتعلم الايمان ما هو وكيف هو .
قال الوافد : ما هو يرحمك الله ؟
قال العالم : أما «ماظ» هو فمعرفة الذنب وشهادة الرب وأما كيف هو فوجل القلب ودمع العين فان لم تكن كذلك فلست بخايف فيما قد علمت ، وأما الذي لم تعلمه فعليك منه الرهبة والتقوى وإذا اتقيت الله لم يجدك حيث نهاك وإذا خفته لم يفقدك حيث أمرك ، فان الله يراك ويعلم سرك ويسمع كلامك ، فهنالك ترهبه وتخافه حتى كأنك تراه .
قال الوافد : فما وراء ذلك يرحمك الله ؟
قال العالم : وراء ذلك التقوى ، قال : وما التقوى ؟ قال : تحفظ لسانك وعينك ويدك وفرجك وظنون قلبك ، فلا تنظر بعينك إلى ما لا يحل لك فان النظرة الواحدة تزرع في القلب الشهوة وهي سهم من أسهم إبليس ، وتحفظ لسانك عن الكلام فيما لا يعنيك فان اللسان سبع إذا أطلقته أكلك ، وهلاكك في طرف لسانك فلا تقل ما لا يحل لك فان لم تفعل ذلك فما اتقيت الله تعالى ، ولك في ذلك المغفرة والرحمة وذلك قوله سبحانه وتعالى «واني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى»(1) .
قال الوافد : فما وراء ذلك يرحمك الله ؟
قال العالم : القيام بما أمرك الله به حتى تعرف عملك وتضع كل شيء منك في موضعه ، وتعرف خطأه وصوابه ويكون العمل تابعا للعلم مطيعا له ويكون فيه الرغبة واليقين والاخلاص والمحبة والحياء والاستقامة ، وتعرف الرجاء ما هو وكيف هو ومن ترجو .
قال الوافد : بين لي ذلك يرحمك الله ؟
قال العالم : هو أن يكون رجاك الله في كل امورك لدنياك وآخرتك ولا يكون رجاك للناس اكثر من رجاك لله فتحبط أعمالك ويبطل أجرك فان الله تعالى يقول وقوله الحق : «فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا»(2) فتقوم كما أمرك الله سبحانه وتعالى به ظاهرا وباطنا ، فان الظاهر الجلي يدلك على الباطن الخفي ، ويكون قلبك متعلقا

(1) سورة طه : الآية 82 .
(2) سورة الكهف : الآية 110 .
مصباح الأنظار495

بمن ناصيتك بيده ، ورزقك عليه ، ورخاك وشدتك وعافيتك وبلواك ومحياك ومماتك ودنياك وآخرتك ، فترجو للشدة كما ترجو للرخاء ، وترجو للآخرة كما ترجو للدنيا ، وتخاف ربك كما تخاف من الموت والفقر .
قال الوافد : فما وراء ذلك يرحمك الله ؟ قال : الرغبة تعرف ما هي وكيف هي .
قال : بيّنها لي يرحمك الله تعالى ، قال : إن الرغبة في التطوع بعد الوفاء بما أمرك الله به فانك إذا رغبت ازددت الخير خيرا ، وان لم ترغب لم تزدد وأنت متطوع ولست براغب ، وأما كيف هي فالتضرع عند الدعاء ، فانك إذا تضرعت ولم ترغب كان دعاؤك بلا رغبة ، وذلك قوله عز وجل : «ادعوا ربكم تضرّعا وخفية إنه لا يحب المعتدين»(1) فمن خاف وتضرع رحمه الله وأجابه .
قال الوافد : فما وراء ذلك يرحمك الله ؟
قال العالم : وراء ذلك اليقين ، قال : وما اليقين ، قال : صاحب اليقين يعلم أن العلم متّصل بالنية ، فكلما حضر قلبه علم أن الله قد علمه فيلحقه الخوف ويسارع بالتوبة قبل أن يعمل الذنب ، فتوبته مقبولة ، وذنبه غير مكتوب ، وإنما يكتب ذنبه المواظب عليه ولم يتب منه .
قال الوافد : فما وراء ذلك يرحمك الله ؟
قال العالم : الاخلاص في الدين ، وهو في القول والعمل والاعتقاد قول خير وعمل خير واعتقاد خير أما سمعت قال الله تعالى : «ألا لله الدين الخالص»(2) قال : بين لي ذلك يرحمك الله ، قال العالم : هو أن يعلم العبد أنه بين يدي الله عز وجل ، يراه ويسمع كلامه ويعلم ما في نفسه ويجعله أمله ، ويكون الطاعة عمله ، ولا يغيب مشاهدته زالت الدنيا من عينه وتعلقت الآخرة في قلبه ، فقيامه طاعة ، وقوله تفقه وسكوته فكرة ، قد قطع قوله بعمله ، وقطع أمله بأجله ، وخرج من الشك إلى اليقين ، فقلبه وجل ، ودمعه عجل ، وصوته ضعيف ، وكلامه لطيف ، وثقله خفيف ، وحركته احسان ، وتقلبه ايمان ، وسكوته امان .
قال الوافد : فما وراء ذلك يرحمك الله ؟

(1) سورة الاعراف : الآية 55 .
(2) سورة الزمر : الآية 3 .
مصباح الأنظار496

قال العالم : حب الحق وبغض الباطل ، فان حب الباطل يدخل النار ، وحب من أحب الله قريبا كان أو بعيدا .
قال الوافد : وما حب من أحب الله قريبا كان أو بعيدا ؟ قال العالم : يسوؤك ما يسوؤه ، ويضرّك ما يضرّه ، ويسرّك ما يسرّه ، ويدخل السرور عليه ، فان كان أعلم منك تعلمت منه ، وإن كنت أعلم منه فعلّمه واحفظ حضرته وغيبته وواسيته وأعنته وجعلت ذلك لله وفي الله ولا تكن من ذلك متى وإلى متى .
قال الوافد : فما وراء ذلك يرحمك الله : قال العالم : الحياء ، قال : بيّنه لي ، قال العالم : ذلك على ثلاثة وجوه ، وهو :
أن يعلم العبد أن طاعة الله عليه واجبة وأن رزقه على الله أفلا يستحيي العبد أن يراه حريصا على رزقه كسلانا عن طاعته ، يمر على قوم أجسامهم معافا ، وعقولهم ثابتة ، وقلوبهم آمنة ، ونفوسهم طيّبة ، قد أحسن الله لهم أفلا ينظرون إلى شيء من قدرة الله ولا إلى نعمه فيشكرون ، ولا إلى من كان من قبلهم فيعتبرون ، ولا إلى ذنوبهم فيستغفرون ، ولا إلى ما وعدهم الله في الآخرة فيحذرون أفلا يستحيي من آمن بالله أن يراه الله مع اولئك مقيما ، لابثا ساكنا ومؤانسا حاضرا مجالسا .
واما الثاني فان الله أعطى ورضي يعطي وهو راض أفلا يستحيي العبد أن يرضى برضاء ربه عند عطاه لا يرضى برضاه عند العطاء .
وأما الثالث فان الله يرضى لعبده الجنة ويأمره بالعمل الصالح لما يصلح له من الخير ، فيعمل العبد ما لا يرضى الله له ويكره ما يرضيه الله له من الجنة ولا يترك المعاصي والشرور ويرضى ما لا يرضى له ، ويكون له ولد يحبه ويريد له الدنيا وربما قبضه الله اليه وهو له وليّ أفلا يرضى العبد برضاء الله كما رضي أو لا بعطاء الله وهو يعلم أن موت ولي الله خير من حياته في هذه الدنيا الفانية المحشوة هموما وغموما وبغضا وغصصا وشرورا .
قال الوافد : فما وراء ذلك يرحمك الله ؟
قال العالم : الاستقامة أما سمعت قول الله عز وجل : «إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون»(1) .

(1) سورة الاحقاف : الآية 13 .
مصباح الأنظار497

قال الوافد : بيّن لي ذلك يرحمك الله .
قال العالم : الاستقامة هي أن ترى الدنيا قيامة ، فلا تلتفت إليها كرامة ولا تبالي فيها بالملامة ، الاستقامة تؤدي صاحبها إلى السلامة المستقيم صادق ، وبالإخلاص ناطق ، وعمله في خضوع ، وقلبه في خشوع ، وروحه في رجوع ، وسروره في نزوع ، وجسمه سقيم ، وقلبه سليم مقيم بلا التفات يداوم على المراقبات ، ملازم على الاجر مدمن على الزجر ، تارك للهوى ، مقيم على الوفاء ، حريص على التقى ، مجتهد في الصفا ، ليله قائم ، ونهاره صائم ، ألف مؤالف صابر عاكف ، تام الصحبة دائم المحبة ، مجيب غير مغيب ، معوض غير متعوّض ، مطيع غير مذيع ، طالب راهب ، مسلم متسلم ، مقر لا منكر ، محتقر متواضع غير مستكبر ، مقبل غير مدبر .
وعلامة المستقيم أن يستقيم به كل معوج ، ويسلك به خير منهج ، ويكون عالما يهتدي به ودليلا يقتدي به ، ولا يكون ممن يعبد الله على حرف فان أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين .
قال الوافد : فما وراء ذلك يرحمك الله ؟ قال : أما علمت أن الدنيا شدة ورخاء قال : بلى ، قال : فليكن حالك في الشدة كحالك في الرخاء .
قال : بين لي ذلك يرحمك الله ، قال : أليس في الرخاء حساب ؟ قال : بلى قال أيهما أحب إليك الثواب أم الحساب ؟ قال : بل الثواب ، قال : أما علمت بأنك في وقت الشدة ترجو الرخاء وفي وقت الرخاء تخاف الشدة ، وذلك قوله تعالى : «ان مع العسر يسرا»(1) فتعرف حد الشدة فتكون راجيا للرخاء ، وتعرف حد الرخاء فتكون خائفا عن الشدة فالشدة والرخاء يعتقبان فاعتد إلى الحالين جميعا ولست أعني لك شدة الدنيا ولا رخائها إنما اعينك بذلك الآخرة ، الدنيا سجن المؤمنين وجنة الكافرين .
قال الوافد : فما وراء ذلك يرحمك الله ؟
قال العالم : الرضاء بالقضاء ، والصبر على الأذى ، والشكر على العطاء .
قال الوافد : وما الشكر ؟
قال العالم : الشكر سبعة أشياء ، قال : وما هي ؟ قال : الخلق ، والملك ، والرزق ،

(1) سورة الشرح : الآية 6 .

السابق السابق الفهرس التالي التالي