الحقايق في محاسن الأخلاق319

وقال امير المؤمنين (ع) : «اعجز الناس من عجز عن اكتساب الاخوان واعجز منه من ضيّع من ظفر به»(1) .
وقال النبي (ص) : «اوثق عرى الايمان الحب في الله والبغض في الله ،والتولي لاولياء الله ، والتبرّي عن اعداء الله»(2) .
وقال السجاد (ع) : «إذا جمع الله الاولين والآخرين قام مناد فنادى يسمع الناس فيقول : اين المتحابون في الله ؟ قال : فيقوم عنق من الناس فيقال لهم : اذهبوا إلى الجنة بغير حساب قال : فتلقاهم الملائكة فيقولون ، إلى أين ؟ فيقولون : إلى الجنة بغير حساب ، قال : فيقولون فأي حزب انتم من الناس فيقولون نحن المتحابّون في الله قال : فيقولون : وأي شيء كانت أعمالكم ؟ قالوا : كنّا نحب في الله ونبغض في الله ، قال : فيقولون : نعم أجر العاملين»(3) .
وقال الباقر (ع) : «إذا أردت أن تعلم أن فيك خيرا فانظر إلى قلبك ، فان كان يحب أهل طاعة الله ويبغض أهل معصيته ففيك خير والله يحبّك ، وإذا كان يبغض أهل طاعة الله ويحب أهل معصيته فليس فيك خير والله يبغضك والمرء مع من أحب»(4) .
وقال الصادق (ع) : «ما التقى مؤمنان قط إلا كـان أفضلهمـا أشدّهمـا حبـا لأخيه»(5) وقال (ع) : «كل من لم يحب في الدين ولم يبغض على الدين فلا دين له»(6) .
الفصل الأول
أقسام الحب والمصاحبة

اعلم أن الحب في الله والبغض في الله غامض وإنما ينكشف الغطاء عنه بأن يعلم أن الصحبة تنقسم إلى ما يقع بالاتفاق ، كالصحبة بحسب الجوار أو بحسب الاجتماع في مدرسة أو سوق أو سفر أو على باب سلطان أو غير ذلك ، وإلى ما ينشأ اختيارا وبقصد وهو الذي يبعث على الاخوة في الدين إذ لا ثواب إلا على الأفعال الاختيارية ولا ترغيب إلا فيها .
والصحبة عبارة عن المجالسة والمخالطة والمجاورة ، وهذه الامور لا يقصد بها الانسان غيره إلا إذا أحبّه ، فان غير المحبوب يجتنب ويباعد ولا يقصد مخالطته والذي يحب فامّا أن يحب لذاته لا ليتوسّل إلى محبوب ومقصود وراءه ، وإما أن يحب ليتوسّل به إلى مقصود وذلك

(1) نهج البلاغة : ص 470 (من قصار الحكم) حكمة رقم 12 .
(2) الكافي : ج 2 ص 126 .
(3) الكافي : ج 2 ص 126 .
(4) الكافي : ج 2 ص 126 .
(5) الكافي : ج 2 ص 127 .
(6) الكافي : ج 2 ص 127 .
الحقايق في محاسن الأخلاق320

المقصود إما أن يكون مقصورا على الدنيا وحظوظها ، وإما أن يكون متعلقا بالآخرة وإما أن يكون متعلقا بالله فهذه أربعة أقسام :
أما القسم الاول وهو حبّك الانسان لذاته وذلك ممكن وهو أن يكون هو في ذاته محبوبا عندك على معنى أنك تلتذ برؤيته ومعيّته ومشاهدة أخلاقه لاستحسانك له ، فان كل جميل لذيذ في حق من أدرك جماله ، وكل لذيذ محبوب ، واللذة يتبع الاستحسان ، والاستحسان يتبع المناسبة والملايمة والموافقة بين الطباع .
ثم ذلك المستحسن إما أن يكون الصورة الظاهرة أعني الخلقة ، وإما أن يكون الصورة الباطنة اعني كمال العقل وحسن الخلق ويتبع حسن الأخلاق حسن الأفعال لا محالة ويتبع كمال العقل غزارة العلم وكل ذلك مستحسن عند الطبع السليم والعقل المستقيم ، وكل مستحسن مستلذ به ومحبوب .
بل في ايتلاف القلوب امر اغمض(1) من هذا فانه قد يستحكم المودة بين شخصين من غير ملاحة في صورة وحسن في خلق وخلق ؛ ولكن لمناسبة باطنة توجب الالفة والموافقة ، فان شبه الشيء ينجذب إليه بالطبع والأشباه الباطنة حفية ولها اسباب دقيقة ليس في قوة البشر الاطلاع عليها .
وعنه عبر رسول الله (ص) بقوله : «الارواح جنود مجنّدة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر(2)

(1) غمض الكلام : خفى مأخذه ومعناه . المنجد .
(2) تعارفوا : عرف بعضهم بعضا . وتناكروا : انكر بعضهم بعضا وتعادوا ، ومعنى الحديث على ما في المجمع أن الاجساد التي فيها الاراوح تلتقي في الدنيا فتأتلف وتختلف على حسب ما خلقت عليه ولهذا ترى الخيّر يحب الاخيار ويميل إليهم ، والشرير يحب الاشرار ويميل اليهم . قال الغزالي في الاحياء : وروى ان امرأة بمكة كانت تضحك النساء ، وكانت بالمدينة اخرى فنزلت المكية على المدنية فدخلت على عايشة (رض) فأضحكتها فقالت : أين نزلت ؟ فذكرت لها صاحبتها فقالت صدق الله ورسوله سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الارواح جنود مجندة الخ وقال العلامة المجلسي (قد) في الجزء الرابع عشر من البحار : وروت عايشة في سبب هذا الحديث ان مخنثا قدم المدينة فنزل على مخنث من غير أن يعلم انه مخنث فبلغ ذلك النبي (ص) فقال : الارواح جنود مجندة الحديث .
«أقول :» راوية الحديث في المقامين كما ترى هي عايشة ، والحديث من طريق أصحابنا الامامية (رض) عن جابر بن يزيد كما في الجزء المذكور من البحار هكذا قال : سمعت أبا عبد الله (ع) يقول : الارواح جنود مجندة فما تعارف منها عند الله ائتلف في الارض ، وما تناكر عند الله اختلف في الارض .
الحقايق في محاسن الأخلاق321

منها اختلف»(1) فالتناكر نتيجة التباين ، والايتلاف نتيجة التناسب الذي عبّر عنه (ص) بالتعارف .
ويدخل في هذا القسم المحبة للجمال إذا لم يكن المقصود قضاء الشهوة ، فان الصورة الجميلة مستلذة في عينها وإن قدر فقد أصل الشهوة حتى يستلذ بالنظر إلى الفواكه والأنوار والأزهار والتفاح المشوب بالحمرة وإلى الماء وإلى الخضرة من غير غرض سوى عينها ، وهذا الحب لا يدخل فيه الحب لله بل هو الحب بالطبع وشهوة النفس ويتصور ذلك ممّن لا يؤمن بالله إلا أنه إن اتّصل به غرض مذموم صار مذموما ، وإلا فهو مباح لا يوصف بحمد ولا ذم .
والقسم الثاني أن يحبه لينال من ذاته غير ذاته فيكون وسيلة إلى محبوب غيره والوسيلة إلى المحبوب محبوب فلذلك يحب الناس الذهب والفضة من حيث إنهما وسيلة إلى المقاصد كما يحب الرجل سلطانا للانتفاع به ، ويحب خواصّه لتحسينهم حاله عنده وتمهيدهم أمره في قلبه ، فالمتوسّل إليه إن كان مقصودا لفايدة دنيوية لم يكن من جملة الحب في الله ، ثم ينقسم ذلك إلى مذموم ومباح .
والقسم الثالث أن يحبّه لا لذاته بل لغيره وذلك الغير غير راجع إلى حظوظه في الدنيا بل يرجع إلى حظوظه في الآخرة وهذا أيضا ظاهر لا غموض فيه ، وذلك كمن يحب استاذه وشيخه لأن يتوسّل به إلى تحصيل العلم وتحسين العمل ومقصوده من العلم والعمل الفوز في الآخرة ، وهذا من جملة المحبّين لله وكذلك من يحب تلميذه لأنه يتلقف منه العلم وينال بواسطته رتبة التعليم ويترقى به إلى درجة التعظيم في ملكوت السماء .
قال عيسى (ع) : «من علم وعمل وعلّم فذلك يدعى عظيما فـي ملكـوت السمـاء»(2) ولا يتم التعليم إلا بمتعلم فهو إذن آلة في تحصيل هذا الكمال ، فان أحبّه لأنه آلة له إذ جعل صدره مزرعة لحرثه(3) فهو محب لله ، بل نزيد ونقول : من يجمع الضيفان ويهيء لهم الاطعمة اللذيذة تقرّبا إلى الله فأحب طبّاخا يحسن صنعته في الطبخ فهو من جملة المحبّين في الله .
وكذا لو أحب من يتولى له ايصال الصدقة إلى المستحقين فقد أحبّه في الله بل نزيد على هذا فنقول : من أحب من يخدمه بنفسه في غسل ثيابه وكنس بيته وطبخ طعامه ويفرغه بذلك

(1) احياء علوم الدين : ج 2 ص 147 ومن لا يحضره الفقيه : ج 4 ص 272 .
(2) الكافي : ج 1 ص 35 .
(3) الحرث اصلاح الارض والقاء البذر فيها ويسمى الزرع الحرث ايضا وفي الحديث : المال والبنون حرث الدنيا والعمل الصالح حرث الآخرة وقد يجمعها الله لاقوام .
الحقايق في محاسن الأخلاق322

للعلم والعمل مقصوده من استخدامه في هذه الاعمال الفراغ للعبادة ، فهو محب في الله .
القسم الرابع أن يحب لله وفي الله لا لينال منه علما أو عملا أو يتوسّل به إلى أمر وراء ذاته ، وهذا أعلى الدرجات ، وهو أدقها وأغمضها وهذا القسم أيضا ممكن ، فان من آثار غلبة الحب أن يتعدى من المحبوب إلى كل من يتعلّق بالمحبوب ويناسبه ولو من بعد ، فمن أحب إنسانا حبا شديدا أحب محب ذلك الانسان وأحب محبوبه وأحب من يخدمه وأحب من يثني عليه محبوبه واحب من يتسارع إلى رضا محبوبه قال المجنون :
امرّ على الديار ديـار ليلى ‍‍‌‏‎ اقبل ذا الجدار وذا الجدارا
وما حب الديار شغفن قلبي ولكن حب من سكن الديارا

فاذن المشاهدة والتجربة تدلان على ان الحب يتعدى من ذات المحبوب إلى ما يتعلق به ولو من بعد ، ولكن ذلك خاصية فرط المحبة فاصل المحبة لا يكفي فيه وقد مضى تمام الكلام فيه في باب المحبة .
ثم اعلم أن من يحب في الله لا بد وان يبغض في الله، فانّك ان احببت انسانا لانه مطيع لله ومحبوب عند الله ، فان عصاه لا بد وان تبغضه لأنه عاص لله وممقوت عند الله فهما متلازمان وكل واحد منهما دفين(1) في القلب وانّما يترشح بظهور افعال المحبين والمبغضين في المقاربة والمباعدة ، وفي الموافقة والمخالفة فاذا ظهر في الفعل سمّي موالاة ومعاداة .
وروي إن الله تعالى اوحى إلى نبي من الانبياء امّا زهدك في الدنيا فقد تعجلت الراحة وأمّا انقطاعك إليّ فقد تعزّزت بي ، ولكن هل عاديت فيّ عدوا أو واليت فيّ وليّا ؟
وقال عيسى (ع) : «تحبّبوا إلى الله ببغض أهل المعاصي ، وتقرّبوا إلى الله بالتباعد منهم ، والتمسوا رضاء الله بسخطهم ، قالوا : يا روح الله من نجالس ؟ قال : جالسوا من يذكركم الله رؤيته ، ومن يزيد في علمكم كلامه ؛ ومن يرغبكم في الآخرة عمله»(2) .

الفصل الثاني
أنواع الاخوان

قال الباقر (ع) : «قام رجل بالبصرة إلى أمير المؤمنين (ع) فقال : يا أمير المؤمنين اخبرنا عن الاخوان ، فقال (ع) : الاخوان صنفان : إخوان الثقة وإخوان المكاشرة .

(1) الدفين : المدفون المستور .
(2) تحف العقول : ص 37 وصدر الحديث في تبيه الخواطر : ج 2 ص 25 .
الحقايق في محاسن الأخلاق323

فامّا إخوان الثقة فهم الكف والجناح والأهل والمال فاذا كنت من أخيك على حد الثقة فابذل له مالك وبدنك وصاف من صافاه وعاد من عاداه واكتم سرّه وعيبه واظهر منه الحسن واعلم أيها السائل أنهم أقل من الكبريت الأحمر .
وأما إخوان المكاشرة فانك تصيب لذتك منهم فلا تقطعنّ ذلك منهم ولا تطلبن ما وراء ذلك عن ضميرهم ، وابذل لهم ما بذلوا لك من طلاقـة الوجـه وحـلاوة اللسـان»(1) «والكشر» التبسم كاشره كشف عن أنيابه .
وقال الصادق (ع) : «قال أمير المؤمنين (ع) : لا عليك أن تصحب ذا العقل وان لم يحمد كرمه ولكن انتفع بعقله واحترس من سيء اخلاقه ولا تدعن صحبة الكريم فان لم تنفع بعقله ولكن انتفع بكرمه بعقلك ، وافرر كل فرار من اللئيم الأحمق»(2) .
وقال الصادق (ع) : «عليك بالتلاد(3) واياك وكل محدث لا عهد له ولا أمان ولا ذمّة ولا ميثاق ، وكن على حذر من اوثـق الناس في نفسك فـان الناس أعـداء النعم»(4) .
وقال (ع) : «لا تكون الصداقة إلا بحدودها فمن كانت فيه هذا الحدود أو شيء منها فانسبه إلى الصداقة ، ومن لم يكن فيه شيء منها فلا تنسبه إلى شيء من الصداقة فأولها أن يكون سريرته وعلانيته لك واحدة والثانية أن يرى زينك زينه(5) وشينك شينه والثالثة أن لا تغيره عليك ولاية ولا مال والرابعة أن لا يمنعك شيئا تناله مقدرته والخامسة وهي مجمع هذه الخصال أن لا يسلمك(6) عند النكبات»(7) .
وفي مصباح الشريعة قال الصادق (ع) : «قد قل ثلاثة أشياء في كل زمان : الاخاء في الله ، والزوجة الصالحة الأليفة في دين الله ، والولد الرشيد ، ومن أصاب أحد الثلاثة فقد أصاب خير الدارين والحظ الأفر في الدنيا ، واحذر أن تواخي من أرادك لطمع أو خوف أو فشل(8) أو أكل أو شرب ، واطلب مواخاة الأتقياء لو في ظلمات الأرض ، ولو أفنيت عمرك في طلبهم فان الله تعالى لم يخلق على وجه الأرض أفضل منهم بعد النبيين ، وما أنعم الله بمثل ما

(1) الكافي : ج 2 ص 248 .
(2) الكافي : ج 2 ص 238 .
(3) التلاد ما ولد عندك من مالك أو نتج . ق .
(4) الكافي : ج 2 ص 249 .
(5) زان الشي يزينه زينا : حسنه وزخرفه . وشانه يشينه شينا ضد زانه . المنجد .
(6) الاسلام : الخذلان كذا في الوافي .
(7) الكافي : ج 2 ص 639 .
(8) فشل فشلا ضعف وتراخى وجبن عند حرب أو شدة . المنجد .
الحقايق في محاسن الأخلاق324

انعم به من التوفيق بصحبتهم قال الله تعالى : «الاخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين»(1) .
واظن ان من طلب في زماننا هذا صديقا لا عيب فيه بقي بلا صديق ، الا ترى ان اول كرامة اكرم الله بها انبيائه عند اظهار دعوتهم بصديق امين او ولي ، وكذلك من اجلما اكرم الله به اصدقائه واوليائه وامنائه صحبة انبيائه ، وهو دليل على ان ما في الدارين نعمة اجل واطيب وازكى من الصحبة في الله والمواخاة لوجهه»(2) .

(1) سورة الزخرف : آية 67 .
(2) مصباح الشريعة : ص 150 .
الحقايق في محاسن الأخلاق325

خاتمة الكتاب

اعلم ان ما اوردناه في هذا الكتاب وحققناه في هذه المقالات والابواب من الاسرار الدينية والمعارف اليقينية ، وما اشرنا إليه من رموز العقايد وما بسطنا الكلام فيه من بيان الاخلاق المحمودة والمذمومة ومن اسرار الاعمال الحسنة والسيئة قلّما يوجد في غيره من الكتب بهذا التنقيح والتهذيب ، وهذا التوضيح والترتيب ، مع ابتناء مأخذ جملها على الاصول الاصلية التي لا اعتماد إلا عليها ولا وثوق إلا بها من الكتاب والسنة واحاديث أهل بيت النبوة دون آراء الناس من اصحاب الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس .
ولقد وفقنا الله تعالى لجمعها وتأليفها في مدة أشهر قلائل من سنة تسعين وألف الهجرية حين كنت اشرفت على الرحيل وكان قد مضى من عمري ثلاث وثمانون ونيف قليل ، وكان قد اكتنفتني أسباب اختلال الأحوال وتشتّت البال من أمراض وعلل جسمانية غير مرجوّة الزوال .
وإنما وفقني الله لذلك بسبب ما أنعم الله به عليّ من العقايد الحقة ، وبما تفضل الله به عليّ من موالاة أوليائه ومعاداة أعداءه بعد أن عرفني الله أولياءه وأعدائه بوحي منه سبحانه إلى رسوله وتبليغ رسوله إلى عباده وتسليمي له بمعونته وإرشاده .
وأمّا فايدة هذا الجمع والتأليف وجدواه فهي أن يطلع عليه من كان من أهله ورزق التوفيق من الله وقويت همّته وبلغ سعيه منتهاه فيعمل بمقتضاه ثم يفوز بمبتغاه(1) ، ومن كان دونه يعمل به بقدر مقدوره وعلى حسب ميسوره ، وهكذا إلى ما ينتفع به بشيء يسير وبوزن سنبلة من بيدر(2) كبير .

(1) ابتغى وتبغى الشيء : طلبه .
(2) البيدر الموضع الذي يجمع فيه الحصيد ويداس ويسمى بالفارسية : خرمن .
الحقايق في محاسن الأخلاق326

وأما أمثالنا من الذين يقولون مالا يفعلون وينسون أنفسهم إذا كانوا بالبر يأمرون ففايدته في حقهم زيادة بصيرتهم في تقصيرهم وقصورهم حتى يصير ذلك سببا لمقتهم أنفسهم وذلهم وانكسارهم واطلاعهم على بواطن عيوبهم وفضايح غيوبهم وانزجارهم ، فان الايمان يقتضي أن لا يرضى العبد المؤمن نفسه ما لا يرضى به مولاه ، فاذا لم يرض به يكون لا محالة دائم الحزن والندم ، كثير الغم والألم ، فاذا كان كذلك يرجى له أن يتداركه الله بالرحمة والمغفرة فان الله غفور رحيم .
وقد ورد أن العبد ليذنب الذنب فلا يزال منه خائفا ماقتا(1) لنفسه فيرحمه الله فيدخله الجنة ، وما خرج عبد من ذنب إلا بالاقرار ، والاعتراف بالذنب كفارة له ، ومن أذنب ذنبا فعلم أن الله مطلع عليه إن شاء عذبه وإن شاء غفر له غفر الله له وإن لم يستغفر «ومن يعمل سوء أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما»(2) .
ونحن نستغفر الله من كل ما زل به القدم أو طغى به القلم ، ومن أقوالنا التي لا يوافقها أعمالنا ، وممّا ادّعيناه وأظهرناه من العلم والبصيرة بدين الله تعالى من التقصير فيه ، ومن كل علم وعمل قصدنا به وجهه الكريم ثم خالطه غيره ، ومن كل وعد وعدنا به من أنفسنا ثم قصرنا في الوفاء به ، ومن كل نعمة أنعم الله بها علينا فاستعملناها في معصيته ، ومن كل تصريح وتعريض بنقصان ناقص وتقصير مقصّر كنا متصفين به ، ومن كل خطرة(3) دعتنا إلى تصنّع وتكلف تزيّنا للناس في كتاب سطرناه أو كلام نظمناه أو علم أفدناه واستفدناه .
ثم نرجع إليه بعد الاستغفار من جميع ذلك كله لنا ولمن طالع كتابنا هذا أو كتبه أو سمعه أن يتفضل علينا بالمغفرة والرحمة والتجاوز عن جميع السيئات ، فان الكرم عميم والرحمة واسعة والجود على أصناف الخلايق فايض ، ونحن خلق من خلق الله لا وسيلة لنا إليه إلا فضله وكرمه .
فقد قال رسول الله (ص) : «إن لله تعالى مأة رحمة أنزل منها رحمة واحدة بين الجن والانس والطير والبهايم والهوام ، فبها يتعاطفون وبها يتراحمون ، وأخر تسعا وتسعين رحمة يرحم الله بها عباده يوم القيامة»(4) .

(1) مقت مقتا وماقتا الرجل أبغضه أشد البغض . المنجد .
(2) سورة النساء : آية 110 .
(3) وفي الدعاء أو خطر بها مني خطرات يريد بها ما يقع في الخاطر ، والخاطر : الهاجس والجمع خواطر . م .
(4) كنز العمال : خ 5667 / وخ5668 .
الحقايق في محاسن الأخلاق327

الهي درست(1) الامال وتغيرت الأحوال وكذبت الألسن وأخلفت العدات إلا عدتك فانك وعدت مغفرة وفضلا ، الله صلى على محمد وآل محمد ، واعطني من فضلك وأعذني من الشيطان الرجيم ، سبحانك وبحمدك ما أعظمك وأحلمك واكرمك وسع حلمك تمرّد المستكبرين ، واستغرقت نعمتك شكر الشاكرين ؛ وعظم حلمك من إحصاء المحصين ، وجل طولك عن وصف الواصفين .
كيف لولا فضلك حلمت عمن خلقته من نطفة ولم يك شيئا فربّيته بطيب رزقك ، وانشأته في تواتر نعمك ، ومكنت له في مهاد ارضك ودعوته إلى طاعتـك فـاستنجـد(2) على عصيانك باحسانك وعبد غيرك وفي سلطانك .
كيف لولا حلمك امهلتني وقد شملتني بسترك ، واكرمتني بمعرفتك ، واطلقت لساني بشكرك ، وهديتني السبيل إلى طاعتك ، وسهلتني المسلك إلى كرامتك ، واحضرتني سبيل قربتك ، فكان جزاءك منّي ان كافأتك عن الاحسان بالاساءة ، حريصا على ما اسخطك ، منتقلا فيما استحق به المزيد من نقمتك ، سريعا إلى ما ابعد من رضاك مغتبطا بغرّة الأمل ، معرضا عن زواجر الأجل ، لم يقنعني حلمك عنّي وقد أتاني توعدك بأخذ القوة مني حتى دعوتك على عظيم الخطيئة استزيدك في نعمك غير متأهب(3) لما قد اشرفت عليه من نقمتك مستبطئا لمزيدك ، ومتسخطا لميسور رزقك ، مقتضيا جوائزك بعمل الفجّار كالمراصد رحمتك بعمل الأبرار مجتهدا اتمنى عليك العظائم كالمدل الآمن من قصاص الجرائم .
فانّا لله وإنا إليه راجعون مصيبة عظم رزؤها وجل عقابها ، بل كيف لولا أملي ووعدك الصفح عن زللي أرجو اقالتك وقد هاجرتك بالكباير مستخفيا عن أصاغر خلقك ، فلا أنا راقبتك وأنت معي ولا أنا راعيت حرمة سترك علي بأيّ وجه ألقاك وبأي لسان اناجيك وقد نقضت العهود والايمان بعد توكيدها ، وقد جعلتك علي كفيلا ، ثم دعوتك مقتحما(4) في الخطيئة فاجبتني ، ودوعتني وإليك فقري فلم اجب ، فواسوأتاه وقبيح صنيعاه ايّة جرأة تجرات ، وأي تغرير غررت نفسي .
سبحانك فبك أتقرب إليك وبحقك اقسم عليك ومنك أهرب إليك بنفسي استخففت عند

(1) درس دروسا الرسم عفا وانمحى فهو دارس جمع دوارس . الشيء ذهب اثره . المنجد .
(2) استنجد عليه : اجترأ عليه بعد أن كان يهابه .
(3) اهب وتأهب للامر : تهيأ واستعد . والمتأهب للشيء المستعد له .
(4) اقتحم الامر : رمى نفسه فيه بشدة ومشقة .
الحقايق في محاسن الأخلاق328

معصيتي لا بنفسك ، وبجهلي اغتررت لا بعلمك ، وحقي اضعت لا عظيم حقك ، ونفسي ظلمت ولرحمتك رجوت وبك آمنت وإليك أنبت وتضرعت فارحم إليك فقري وفاقتي وكبوتي لحرّ وجهي ، وحيرتي في سوء ذنوبي إنك أرحم الراحمين .

صورة خط المصنف

ولنختم الكلام حامدين لله مصلّين على نبيّه وأهل بيت نبيّه عليه وعليهم الصلاة والسلام ، والحمد لله أولا وآخرا وظاهرا وباطنا ، وكتب مصنفه بيده الجانية «وصار تاريخ ختمه ختمنا» إلى هنا كلام المصنّف رحمه الله .
الحمد لله على ما وفقنا وانعم علينا بتصحيح هذا الكتاب النفيس وتهذيبه والتعليق عليه ، وفرغنا من ذلك في مفتتح شهر محرم الحرام سنة 1379 فله الحمد كما هو أهله أبد الابدين ، والصلاة على نبيه (ص) وعترته الهداة المهديين وأنا العبد : «السيد ابراهيم الميانجي» عفى عنه وعن والديه .

السابق السابق الفهرس التالي التالي