الحقايق في محاسن الأخلاق242

الفصل السابع عشر
التشهد

وإذا جلست للتشهد بعد هذه الأفعال الدقيقة والأسرار العميقة المشتملة على الأخطار الجسيمة فاستشعر الخوف التام والحياء والوجل أن يكون جميع ما سلف منك غير واقع على وجهه ، فاجعل يدك صفرا(1) من فوايدها إلا أن يتداركك الله برحمته ويقبل عملك الناقص بفضله .
وارجع إلى مبدء الأمر وأصل الدين واستمسك بكلمة التوحيد وحصن الله الذي من دخله كان آمنا إن لم يكن حصل في يدك غيره ، وأشهد له بالوحدانية ، واحضر رسوله الكريم ونبيّه العظيم (ص) ببالك واشهد له بالعبودية والرسالة .
وصل عليه وعلى آله مجدّدا عهد الله باعادة كلمتي الشهادة متعرضا بها لتأسيس مراتب العبادة فانهما أول الوسايل وأساس الفواضل مترقّبا لاجابته (ص) لك بصلاتك عشرا من صلاته إذا قمت بحقيقة صلاتك عليه التي لو وصل إليك منها واحدة أفلحت أبدا .
وفي مصباح الشريعة قال الصادق (ع) : «التشهد ثناء على الله فكن عبدا له في السر خاضعا في الفعل كما أنك له عبد في القول والدعوى وصل صدق لسانك بصفاء سرك ، فانه خلقك عبدا وأمرك أن تعبده بقلبك ولسانك وجوارحك ، وأن تحقق عبوديتك له بربوبيته وتعلم أن نواصي الخلق بيده فليس لهم نفس ولا لحظة الا بقدرته ومشيّته وهم عاجزون عن اتيان أقل شيء في مملكته إلا باذنه وإرادته»(2) .
قال فاستعمل العبودية في الرضا بحكمته وبالعبادة في أداء أوامره وقد أمرك بالصلاة على نبيه محمد (ص) فأوصل صلاته بصلاته وطاعته بطاعته وشهادته بشهادته ، وانظر أن لا يفوتك بركات معرفة حرمته فتحرم عن فايدة صلاته .

(1) الصفر بالكسر فالسكون : الخالي ، ومنه بيت صفر اي خال من المتاع ، ورجل صفر اليدين اي ليس فيهما شيء .
(2) مصباح الشريعة ص 93 .
الحقايق في محاسن الأخلاق243

الفصل الثامن عشر
السلام

وإذا فرغت من التشهد فاحضر نفسك بحضرة سيد المرسلين والملائكة المقربين وبقية أنبياء الله وائمته عليهم السلام والحفظة لك من الملائكة المحصين لأعمالك واحضرهم جميعا في بالك(1) وقل :
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، ولا تطلق لسانك بصيغة الخطاب من غير حضور المخاطب في ذهنك فتكون من العابثين واللاعبين وكيف تسمع الخطاب لمن لا تقصد لولا فضل الله تعالى ورحمته الشاملة ورأفته الكاملة في اجتزائه بذلك عن اصل الواجب وان كان بعيدا عن درجات القبول منحطا عن اوج القرب والوصول .
وإن كنت إماما لقوم فاقصدهم بالسلام مع من تقدّم من المقصودين وليقصدوا هم الرد عليك أيضا ، ثم يقصدوا مقصدك بسلام ثان ، فاذا فعلتم ذلك فقد أديتم وظيفة السلام واستحققتم من الله مزيد الاكرام .
وفي مصباح الشريعة قال الصادق (ع) : «معنى السلام في دبر كل صلاة الأمان أي من أدى أمر الله وسنة نبيه خالصا له خاشعا قلبه فله الأمان من بلاء الدنيا وبراءة من عذاب الآخرة .
والسلام اسم من اسماء الله تعالى أودعه خلقه ليستعملوا معناه في المعاملات والأمانات والانصافات وتصديق مصاحبتهم فيما بينهم وصحّة معاشرتهم .
وإن أردت أن تضع السلام موضعه وتؤدي معناه فاتق الله وليسلم منك دينك وقلبك وعقلك أن لا تدنسها بظلمة المعاصي وليسلم حفظتك أن لا تبرمهم(2) وتملهم وتوحّشهم منك بسوء معاملتك معهم ثم صديقك ثم عدوّك ، فان لم يسلم منه من هو الاقرب إليه فالابعد أولى ، ومن لا يضع السلام مواضعه هذه فلا سلام ولا إسلام ولا تسليم وكان كاذبا في سلامه وإن أفشاه في الخلق»(3) .

(1) البال : القلب يقال : ما خطر الامر ببالي أي بقلبي .
(2) برم برما مثل ضجر ضجرا وزنا ومعنى : اذا سأمه ومله ومنه حديث وصف المؤمن لا يتبرم ولا يتسخط أي لا يسأم ولا يتضجر من أعمال الخير م .
(3) مصباح الشريعة ص 95 .
الحقايق في محاسن الأخلاق244

الفصل التاسع عشر
الصلاة الخالصة من الآفات

اعلم أن تخليص الصلاة عن الآفات وإخلاصها لوجه الله واداءها بالشروط الباطنة التي ذكرناها من الخشوع والتعظيم والحياء لحصول أنوار في القلب تكون تلك الأنوار مفاتيح للعلوم الباطنة .
قال الله تعالى : «قد افلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون»(1) فمدحهم بعد الايمان بصلاة مخصوصة وهي المقرونة بالخشوع ثم ختم أوصاف المفلحين بالصلاة فقال في آخرها : «والذين هم على صلاتهم يحافظون»(2) .
ثم قال في ثمرة تلك الصفات : «اولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون»(3) فوصفهم بالفلاح أولا وبوراثة الفردوس آخرا .
وقال النبي (ص) : «إذا قام العبد المؤمن في صلاته نظر الله إليه أو قال أقبل الله عليه حتى ينصرف وأظلّته الرحمة من فوق رأسه إلى افق السماء والملائكة تحفه من حوله إلى افق السماء ووكل الله به ملكا قائما على رأسه يقول : أيها المصلي لو تعلم من ينظر إليك ومن تناجي ما التفت ولا زلت من موضعك أبدا»(4) .

الفصل العشرون
صلاة الجمعة

ويختص صلاة الجمعة باستحضار أن يومها يوم عظيم وعيد شريف خص الله به هذه الأمة وجعله وقتا شريفا لعباده ليقربهم فيه من جواره ويبعدهم من طرده وناره وحثّهم فيه على الاقبال بصالح الأعمال وتلافي ما فرط منهم في بقية الاسبوع من الاهمال وجعل أهم ما يقع فيه من طاعته وما يوجب الزلفى لديه صلاة الجمعة وعبر عنها في محكم كتابه الكريم بذكر الله وخصّها من ساير الصلوات التي هي أفضل القربات بالذكر فقال : «يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة

(1) سورة المؤمنون : آية 1 ـ 2 .
(2) سورة المؤمنون : آية 9 .
(3) سورة المؤمنون : آية 10 ـ 11 .
(4) عن كتاب اسرار الصلاة كما في البحار ج 81 ص 260 واحياء علوم الدين : ج 1 ص 152 .
الحقايق في محاسن الأخلاق245

من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خيـر لكـم إن كنتـم تعلمـون»(1) .
وفي هذه الآية الشريفة من التنبيهات والتأكيدات ما يتنبه له من له حظ من المعاني ومن أهم رمزها التعبير عن الصلاة بذكر الله ، فانه نبّه بهذا على أن الغرض الأقصى من الصلاة ذكر الله بالقلب وإحضار عظمته بالبال فان هذا وأشباهه هو السر في كون الصلاة ناهية عن الفحشاء والمنكر .
وهذا إنما يتم مع التوجه التام إلى الله وملاحظة جلاله الذي هو الذكر الاكبر والكثير(2) على ما ورد في بعض التفسير فضلا عن أن يكون ذكرا مطلقا فلا جرم وجب الاهتمام به زيادة على غيرها من الصلوات والتهيؤ والاستعداد للقاء الله والوقوف بين يديه والمثول في حضرته والفوز بمخاطبته بعد الاتيان بمقدمات الصلاة من وظايف اليوم من التنظيف والتطييب والتعميم وحلق الرأس وقص الشارب والاظفار وغير ذلك من السنن بقلب مقبل صاف وعمل مخلص ونية خالصة كما تعمل ذلك في لقاء ملك الدنيا .
ولا تقصد بهذه الوظايف حظك من الرفاهيّة فتخسر صفقتك وتظهر بعد ذلك حسرتك ، وكلما أمكنك تكثير المطالب التي يترتب عليها الثواب بعلمك فاقصدها يضاعف ثواب عملك بقصدها ان أمكنك ذلك .

الفصل الحادي والعشرون
صلاة العيدين

وأما صلاة العيدين فاحضر في قلبك أنها في يوم قسمة الجوائز وتفرقة الرحمة وإفاضة المواهب على من قبل صومه وقربانه ، وقام بوظايفهما فاكثر من الخشوع في صلاتك والابتهال(3) إلى الله تعالى فيها وقبلها وبعدها في قبول أعمالك والعفو عن تقصيرك واستشعر الحياء والخجلة من حيرة الرد وخذلان الطرد .
فليس ذلك اليوم بعيد من لبس الجديد وإنما هو عيد من أمن الوعيد وسلم من النقاش والتهديد واستحق بصالح أعماله المزيد ، فاستقبله بما استقبلت به يوم الجمعة من الوظايف

(1) سورة الجمعة : آية 9 .
(2) اشارة الى قوله تعالى : واذكروا الله ذكرا كثيرا وقوله تعالى : ولذكر الله أكبر .
(3) ابتهل الى الله : دعا وتضرع وفي الحديث : الابتهال ان تبسط يديك وذراعيك الى السماء تجاوز بهما رأسك .
الحقايق في محاسن الأخلاق246

واسباب التهيؤ للاقبال بالقلب على ربك والوقوف بين يديه عسى ان تصلح للمناجاة والخضوع لديه ، ولا تجعل فرحك فيه بما لم تخلق لأجله من متاع الدنيا بل بكثرة عوايد الله فيه على من عامله بمتاجر الآخرة .

الفصل الثاني والعشرون
صلاة الآيات

فأما الآيات فاستحضر عندها أهوال الآخرة وزلازلها وتكوير الشمس والقمر وظلمة القيامة ووجل الخلايق وخوفهم من الأخذ والنكال والعقوبة والاستيصال ، وأكثر من الدعاء والابتهال بمزيد الخضوع والخشوع والخوف والوجل في النجاة من تلك الشدايد ورد النور بعد الظلمة والمسامحة على الهفوة والزلة(1) .
وتب إلى الله من ذنوبك وأحسن التوبة عسى أن ينظر اليك وأنت متكسر النفس مطرق الرأس مستحي من التقصير فتقبل توبتك ويسامح هفوتك .
قال السجاد (ع) : «لا يفزع للآيتين ولا يرهب إلا من كان من شيعتنا فاذا كان ذلك منهما فافزعوا إلى الله وراجعوه»(2) .
وقال الرضا (ع) : «إنما جعلت للكسوف صلاة لأنه من آيات الله تعالى لا يدري ألرحمة ظهرت أم لعذاب ، فاحب النبي (ص) أن يفزع امته إلى خالقها وراحمها عند ذلك ليصرف عنهم شرّها ويقيهم مكروهها كما صرف عن قوم يونس حين تضرعوا إلى الله تعالى(3)»(4) .

الفصل الثالث والعشرين
التعقيب والدعاء وآداب الداعي

ينبغي للمصلي أن يعقب فرايضه بالذكر والدعاء ، فقد ورد في فضايلهما ولا سيما عقيب الصلوات ما لا يحصى .

(1) زل : زلق وسقط والزلة المرة من زل : السقطة الخطيئة والهفوة السقطة والزلة المنجد .
(2) من لا يحضره الفقيه : ج 1 ص 341 ذيل ح 1 .
(3) قال تعالى : «فلولا قرية آمنت فنفعها ايمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحيوة الدنيا ومتعناهم الى حين» . يونس / 98 .
(4) من لا يحضره الفقيه : ج 1 ص 342 ح 5 .
الحقايق في محاسن الأخلاق247

أما الذكر فالنافع منه هو الذكر على الدوام أو في أكثر الأوقات مع حضور القلب وهو غاية ثمرة العبادات ، وللذكر أول وآخر ، فأوله يوجب الانس والحب وآخره يوجبه الانس والحب والمطلوب منه ذلك الانس ، فان العبد في بداية الأمر يكون متكلفا بصرف قلبه ولسانه عن الوساوس إلى ذكر الله تعالى فان وفق للمداومة أنس به وانغرس في قلبه حب المذكور ومن أحب شيئا أكثر ذكره ومن أكثر ذكر شيء وإن كان متكلفا أحبّه .
ثم إذا حصل الانس بذكر الله تعالى انقطع عن غير الله ، وما سوى الله يفارقه عند الموت ولا يبقى إلا ذكر الله فان كان قد أنس به تمتع به وتلذذ بانقطاع العوايق الصارفة عند إذ ضرورات الحاجات في الحياة تصد عن ذكر الله ولا يبقى بعد الموت عائق ، فكأنه خلى بينه وبين محبوبه فعظمت غبطته وتخلص من السجن الذي كان ممنوعا فيه عمّا به انسه .
وهذا الانس يتلذذ به العبد بعد موته إلى أن ينزل في جوار الله ويترقى من الذكر إلى اللقاء .
وأما «الدعاء فهو مخ(1) العبادة»(2) كما ورد في الحديث النبوي (ص) ، وعن الباقر (ع) في قوله تعالى : «إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين»(3) قال : هو الدعاء ، وأفضل العبادة الدعاء»(4) .
وقال في قوله تعالى : «ان ابراهيم لأواه حليم»(5) قال : الأواه هو الدعاء»(6) وسئل (ع) أي العبادة أفضل ؟ فقال : ما من شيء أفضل عند الله من أن يسأل ويطلب ما عنده وما من أحد أبغض إلى الله ممن يستكبر عن عبادته ولا يسأل ما عنده»(7) .
وقال أمير المؤمنين (ع) : «أحب الأعمال إلى الله تعالى في الأرض الدعاء ، وكان (ع)

(1) المخ : خالص كل الشيء «المنجد» وفي الحديث الدعاء مخ العبادة لأنه اصلها وخالصها لما فيه من امتثال امر الله تعالى يقول « ادعوني استجب لكم » ولما فيه من قطع الامل عما سواه ، ولأنه إذا رأى نجاح الامور من الله تعالى قطع نظره عمن سواه ودعاه لحاجته وهذا هو أصل العبادة ، ولأن الغض من العبادة الثواب عليها وهو المطلوب بالدعاء .
(2) ارشاد القلوب : ص 148 وعدة الداعي ص 29 .
(3) سورة غافر : آية 60 .
(4) الكافي : ج 2 ص 466 وعدة الداعي ص 39 .
(5) سورة التوبة : آية 114 .
(6) الكافي : ج 2 ص 466 وعدة الداعي ص 39 .
(7) الكافي : ج 2 ص 466 ومكارم الاخلاق : ص 268 وعدة الداعي ص 39 .
الحقايق في محاسن الأخلاق248

رجلا دعّاءا»(1) .
وقال (ع) : «الدعاء مفاتيح النجاح ومقاليد الفلاح وخير الدعاء ما صدر عن صدر نقي وقلب تقي وفي المناجاة سبب النجاة وبالاخلاص يكون الخلاص ، فاذا اشتد الفزع فالى الله المفزع»(2) .
وفي مصباح الشريعة قال الصادق (ع) : «احفظ أدب الدعاء وانظر من تدعو وكيف تدعو ولماذا تدعو ، وحقق عظمة الله وكبريائه وعاين بقلبك علمه بما في ضميرك واطلاعه على سرك وما يكنّ فيه من الحق والباطل واعرف طريق نجاتك وهلاكك كيلا تدعو الله بشيء فيه هلاكك وانت تظن أن فيه نجاتك قال الله تعالى : «ويدعو الانسان بالشر دعاءه بالخير وكان الانسان عجولا»(3) .
وتفكر ماذا تسأل ولماذا تسأل والدعاء استجابة الكل منك للحق وتذويب المهجة في مشاهدة الرب وترك الاختيار جميعا وتسليم الامور كلها ظاهرها وباطنها إلى الله فان لم تات بشرط الدعاء فلا تنتظر الاجابة فانه يعلم السر وأخفى فلعلك تدعوه بشيء قد علم من نيتك بخلاف ذلك .
واعلم أنه لو لم يكن أمرنا الله بالدعاء لكنا إذا أخلصنا الدعاء تفضل علينا بالاجابة فكيف وقد ضمن ذلك لمن أتى بشرايط الدعاء .
قال : فاذا اتيت بما ذكرت لك من شرايط الدعاء وأخلصت سرك لوجهه فابشر باحدى ثلاثة : إما يعجل لك بما سألت أو يدخر لك ما هو أعظم منه ، وإما أن يصرف عنك من البلاء ما أن لو أرسله عليك لهلكت»(4) .
وروي عن الصادق (ع) أنه قرأ : « أمن يجيب المضطر إذا دعاه » ، فسئل لما ندعو ولا يستجيب لنا ؟ فقال : لأنكم تدعون مـن لا تعرفونـه وتسألـون مـا لا تفهمونـه»(5) .
فالاضطرار عين الدين وكثرة الدعاء مع العمى عن الله من علامة الخذلان لأن من لا يعرف ذلة نفسه وقلبه وسرّه تحت قدرة الله حكم على الله بالسؤال وظن أن سؤاله دعاء ، والحكم على

(1) الكافي : ج 2 ص 467 وانظر عدة الداعي ص 39 .
(2) الكافي : ج 2 ص 468 وعدة الداعي ص 177 .
(3) سورة الاسراء الآية 11 .
(4) مصباح الشريعة 132 .
(5) التوحيد : ص 289 (بأدنى اختلاف) .
الحقايق في محاسن الأخلاق249

الله من الجرأة على الله(1) .

الباب الرابع
في تلاوة القرآن

في تلاوة القرآن قال النبي (ص) : «القرآن هدى من الضلالة وتبيان من العمى واستقالة من العثرة ونور من الظلمة وضياء من الأجداث وعصمة من الهلكة ورشد من الغواية وبيان من الفتن وبلاغ من الدنيا إلى الآخرة ، وفيه كمال دينكم وما عدل أحد عن القرآن إلا إلى النار»(2) .
وقال النبي (ص) : «أنا أول وافد على العزيز الجبار يوم القيامة وكتابه وأهل بيتي ثم أسالهم ما فعلتم بكتاب الله وأهل بيتي»(3) .

(1) ومما ينبغي لكل داع أن يراعي شرايط وآدابا في الدعاء حتى يستجيب له وهي : أن يترصد لدعائه الاوقات الشريفة كيوم عرفة من السنة ، وشهر رمضان من الشهور ، ويوم الجمعة من الاسبوع ووقت السحر من ساعات الليل .
وأن يغتنم الأحوال الشريفة ، وأن يدعو متطهرا مستقبل القبلة ، ويخفض الصوت بين الجهر والاخفات ، ولا يتكلف السجع ، ويكون في غاية التضرع والخشوع والرغبة والرهبة قال تعالى : « إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين » وأن يجزم بالدعاء ويتيقن بالاجابة ، لقول أبي عبد الله (ع) : إذا دعوت فظن أن حاجتك بالباب ، وأن يلح في الدعاء قال أبو جعفر (ع) : والله لا يلح عبد مؤمن على الله في حاجته إلا قضاها له .
وأن يفتتح الدعاء بذكر الله وتمجيده فلا يبتدء بالسؤال قال أبو عبد الله (ع) : إذا طلبتم الحاجة فمجدوا الله العزيز الجبار وامدحوه واثنو عليه ، وأن يتوب ويرد مظالم العباد ويقبل على الله بكنه الهمة وهو السبب القريب للاجابة ، وأن يسمي حاجته قال الصادق (ع) : ان الله تبارك وتعالى يعلم ما يريد العبد إذا دعا ولكنه يحب أن يبث اليه الحوائج فاذا دعوت فسم حاجتك ، وأن يعم في الدعاء ويبكي عنده وهو أيضا سيد الاداب قال أبو عبد الله (ع) : إذا اقشعر جلدك ودمعت عيناك فدونك دونك فقد قصد قصدك .
والاجتماع حالة الدعاء قال أبو عبد الله (ع) : كان أبي إذا حزنه أمر جمع النساء والصبيان ثم دعا وآمنوا ؛ وأن يتقدم في الدعاء قبل الحاجة إليه قال الصادق (ع) من تقدم في (باخ) الدعاء استجيب له اذا نزل البلاء وقيل : صوت معروف ولم يحجب عن السماء ومن لم يتقدم في الدعاء لم يستجب له اذا نزل به البلاء وقالت الملائكة : ان ذا الصوت لا نعرفه . وأن يكون مطعمه وملبسه من الحلال وهو أيضا من عمدة الشرايط ، فعنهم عليهم السلام : أطب كسبك يستجاب دعوتك فان الرجل يرفع اللقمة الى فيه من حرام فما يستجاب له دعوة أربعين يوما . وأن يفتح بالصلاة على النبي وآله (ص) ويختم بها لما ورد من أن الصلاة على محمد وآل محمد لا يحجب عن الله تعالى فان الله تعالى أكرم من أن يقبل الطرفين ويدع الوسط ، وغير ذلك مما هو مذكور في مظانه .
(2) الكافي : ج 2 ص 600 .
(3) الكافي : ج 2 ص 600 .
الحقايق في محاسن الأخلاق250

وقال أمير المؤمنين (ع) في وصاياه لابنه محمد بن الحنفية : «وعليك بتلاوة القرآن والعمل به ولزوم فرايضه وشرايعه وحلاله وحرامه وأمره ونهيه والتهجّد به وتلاوته في ليلك ونهارك فانه عهد من الله تعالى الى خلقه فهو واجب على كل مسلم أن ينظر كل يوم في عهده ولو خمسين آية .
واعلم أن درجات الجنة على قدر آيات القرآن فاذا كان يوم القيامة يقال لقارئ القرآن : اقرأ وارق ، فلا يكون في الجنة بعد النبيين والصديقيـن أرفع درجـة منـه»(1) .
وعن الباقر (ع) : «يجيء بالقرآن في أحسن منظور إليه صورة فيمر بالمسلمين فيقولون هذا رجل منّا ، فيجاوزهم إلى النبيين فيقولون هو منّا فيجاوزهم إلى الملائكة المقربين فيقولون هو منّا حتى ينتهي إلى رب العزة جل وعز فيقول : يا رب فلان بن فلان اظمأت هو اجره(2) وأسهرت ليله في دار الدنيا ، وفلان بن فلان لم اظمأ هواجره ولم اسهر ليله فيقول الله تعالى : ادخلهم الجنة منازلهم ، فيقوم ويتبعونه فيقول للمؤمن : اقر وارقه ، قال فيقرأ ويرقى حتى يبلغ كل رجل منهم منزلته التي هي له فينزلها»(3) ، وعن النبي (ص) ما يقرب منه مع زيادات .
وعن الصادق (ع) قال : قال رسول الله (ص) : «اقرأوا القرآن بألحان العرب وأصواتها ، وإياكم ولحون أهل الفسق والكباير فانّه سيجيء بعدي أقوام يرجعون القرآن ترجيع الغناء والنوح والرهبانية لا يجوز تراقيهم ، قلوبهم مقلوبة وقلوب من يعجبه شأنهم»(4) .
وعنه (ع) «أنه سئل عن قول الله تعالى : «ورتل القرآن ترتيلا»(5) قال : قال أمير المؤمنين (ع) : تبيّنه تبيانا ولا تهذّه هذّ الشعر ولا تنثره نثر الرمل(6) ولكن افزعوا قلوبكم القاسية ولا يكن هم أحدكم آخر السورة»(7) وفي رواية اخرى قال : «الترتيل هو حفظ الوقوف

(1) من لا يحضره الفقيه : ج 2 ص 383 .
(2) الهاجرة مؤنث الهاجر نصف النهار في القيظ او من عند زوال الشمس الى العصر والجمع هاجرات وهو اجر ومنه الدعاء : اترك معذبي وقد أظمأت لك هو اجري .
(3) الكافي : ج 2 ص 601 .
(4) الكافي : ج 2 ص 614 والدعوات للراوندي ص 24 .
(5) سورة المزمل : آية 4 .
(6) تقدم منا سابقا نقل الحديث وشرحه عن مجمع البحرين في ص 132 لكن هناك بصيغة الجمع ، ولعله منقول بالمعنى كما هوالظاهر .
(7) الكافي : ج 2 ص 614 ومجمع البيان : المجلد 6 ج 29 ص 94 .
الحقايق في محاسن الأخلاق251

وبيان الحروف»(1) .
وعن الصادق (ع) : «هو أن تمكث وتحسن به صوتك»(2) وعنه (ع) قال : «القرآن نزل بالحزن»(3) وعن النبي (ص) «اتلوا القرآن فابكوا فان لم تبكوا فتباكوا»(4) .
وعن الصادق (ع) قال : قال النبي (ص) : «لكل شيء حلية وحلية القرآن الصوت الحسن»(5) .
وعنه (ع) قال : كان علي بن الحسين (ع) أحسن الناس صوتا بالقرآن ، وكان السقاؤون يمرّون فيقفون ببابه يسمعون قراءته القرآن»(6) .

الفصل الاول
الاستعداد لقراءة القرآن والتأمل في معانيه

في مصباح الشريعة قال الصادق (ع) «من قرأ القرآن ولم يخضع له ولم يرق قلبه ولم ينشئ حزنا ووجلا في سرّه فقد استهان بعظم شأن الله وخسر خسرانا مبينا فقارئ القرآن يحتاج إلى ثلاثة أشياء : قلب خاشع ، وبدن فارغ ، وموضع خال .
فاذا خشع لله قلبه فر منه الشيطان الرجيم قال الله تعالى : «فاذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم»(7) فاذا تفرغ نفسه من الأسباب تجرد قلبه للقراءة فلا يعترضه عارض فيحرمه نور القرآن وفوايده ، وإذا اتخذ مجلسا خاليا واعتزل عن الخلق بعد أن اتى بالخصلتين الاوليين استأنس روحه وسره بالله ووجد حلاوة مخاطبات الله عباده الصالحين وعلم لطفه بهم ومقام اختصاصه لهم بفنون كراماته وبدايع اشاراته .
فاذا شرب كاسا من هذا المشرب فحينئذ لا يختار على ذلك الحال حالا ولا على ذلك الوقت وقتا ، بل يؤثره على كل طاعة وعبادة لأن فيه المناجاة مع الرب بلا واسطة .
فانظر كيف تقرأ كتاب ربك ومنشور ولايتك وكيف تجيب أوامره ونواهيه وكيف تمثل
(1) مجمع البحرين : ج 5 ص 378 .
(2) مجمع البيان : المجلد 6 ج 29 ص 94 .
(3) الكافي : ج 2 ص 614 .
(4) احياء علوم الدين : ج 1 ص 245 وكنز العمال خ 2794 .
(5) الكافي : ج 2 ص 615 .
(6) الكافي : ج 2 ص 616 .
(7) سورة النحل : آية 98 .

السابق السابق الفهرس التالي التالي