الحقايق في محاسن الأخلاق231

حيث خلق أسباب اللباس لتستر العورات الظاهرة ، وفتح أبواب التوبة والانابة لتستر بها عورات الباطن من الذنوب وأخلاق السوء ولا تفضح أحدا حيث ستر الله عليك أعظم منه .
واشتغل بعيب نفسك واصفح عمّا لا يعنيك حاله وأمره ، واحذر أن يفنى عمرك بعمل غيرك ويتجر برأس مالك غيرك وتهلك نفسك ، فان نسيان الذنوب من أعظم عقوبة الله تعالى في العاجل ، وأوفر أسباب العقوبة في الاجل .
وما دام العبد مشتغلا بطاعة الله ومعرفة عيوب نفسه وترك ما يشين(1) في دين الله فهو بمعزل من الآفات خائض في بحر رحمة الله ، يفوز بجواهر الفوايد من الحكمة والبيان وما دام ناسيا لذنوبه جاهلا بعيوبه راجعا إلى حوله وقوته لا يفلح إذا أبدا»(2) .
الفصل السادس
فيما يجب ان تشعر به عند دخول المسجد

وفي مصباح الشريعة قال الصادق (ع) : «إذا بلغت باب المسجد فاعلم أنّك قصدت ملكا عظيما لا يطأ بساطه إلا المطهّرون ولا يؤذن لمجالسته إلا الصديقون وهب القدوم إلى بساط خدمته هيبة الملك ، فانك على خطر عظيم إن غفلت واعلم أنه قادر على ما يشاء من العدل والفضل معك وبك .
فان عطف عليك بفضله ورحمته قبل منك يسير الطاعة وأجزل لك عليها ثوابا كثيرا وإن طالبك باستحقاقه الصدق والاخلاص عدلا بك حجبك ورد طاعتك وإن كثرت ، وهو فعال لما يريد ، واعترف بعجزك وتقصيرك وفقرك بين يديه ، فانك قد توجّهت للعبادة له والموانسة به واعرض أسرارك عليه ولتعلم أنه لا يخفى عليه أسرار الخلايق أجمعين وعلانيتهم وكن كافقر عباده بين يديه واخل قلبك عن كل شاغل يحجبك عن ربك فانه لا يقبل إلا الاطهر والاخلص فانظر من أي ديوان يخرج اسمك فان ذقت من حلاوة مناجاته ولذيذ مخاطباته وشربت بكأس رحمته وكراماته من حسن اقباله عليك وإجاباته وقد صلحت لخدمته ، فادخل فلك الاذن والأمان ، وإلا فقف وقوف مضطر قد انقطع عنه الحيل وقصر عنه العمل وقضى الاجل .
وإذا علم الله من قلبك صدق الالتجاء إليه نظر إليك بعين الرأفة والرحمة والعطف ووفقك لما يحب ويرضى فانه كريم يحب الكرامة لعباده المضطرين إليه المحترقين على بابه لطلب مرضاتـه ، قـال الله تعالى : «أمّـن يجيـب المضطـر إذا دعـاه»(3)»(4) .

(1) شأنه شينا من باب باع : عابه .
(2) مصباح الشريعة ص 130 .
(3) سورة النمل : آية 62 .
(4) مصباح الشريعة ص 130 .
الحقايق في محاسن الأخلاق232

الفصل السابع
في الاستقبال في الصلاة

وأما الاستقبال فهو صرف لظاهر وجهك عن ساير الجهات إلى جهة بيت الله أفترى أن صرف القلب من ساير الامور إلى أمر الله ليس مطلوبا منك ؟ هيهات فلا مطلوب سواه وإنما هذه الظواهر تحريكات للبواطن وضبط للجوارح وتسكين لها بالاثبات في جهة واحدة حتى لا تبغي على القلب ، فانها إذا بغت وظلمت في حركاتها إلى جهاتها استتبعت القلب وانقلبت به عن وجه الله فليكن وجه قلبك مع وجه بدنك .
واعلم أنه كما لا يتوجّه الوجه إلى جهة البيت إلا بالصرف عن غيرها فلا ينصرف القلب إلى الله تعالى إلا بالتفرغ عمّا سواه .
وقد قال النبي (ص) : «إذا قام العبد إلى صلاته وكان هواه وقلبه إلى الله انصرف كيوم ولدته امّه»(1) .
وقال (ص) : «أما يخاف الذي يحوّل وجهه في الصلاة أن يحوّل الله وجهه وجه حمار»(2) وهذا نهي عن الالتفات عن الله وملاحظة عظمته في حالة الصلاة فان الملتفت يمينا وشمالا ملتفت عن الله وغافل عن مطالعة أنوار كبريائه ومن كان كذلك فيوشك أن يدوم تلك الغفلة عليه فتتحول وجه قلبه كوجه قلب الحمار في قلّة عقله للامور العلوية وعدم فهمه للعلوم الظاهرة .
وفي مصباح الشريعة قال الصادق (ع) : «إذا استقبلت القبلة فايس من الدنيا وما فيها والخلق وما هم فيه واستفرغ قلبك من كل شاغل يشغلك عن الله تعالى وعاين بسرّك عظمة الله ، واذكر وقوفك بين يديه «هنالك تبلو كل نفس ما اسلفت وردوا إلى الله موليهم الحق»(3) ، وقف على قدم الخوف والرجاء»(4) .

(1) عن كتاب اسرار الصلاة للشهيد الثاني كما في البحار : ج 81 ص 261 .
(2) احياء علوم الدين : ج 1 ص 133 وعن كتاب اسرار الصلاة للشهيد الثاني كما عن البحار : ج 81 ص 259 .
(3) سورة يونس : آية 30 .
(4) مصباح الشريعة : ص 87 .
الحقايق في محاسن الأخلاق233

الفصل الثامن
القيام في الصلاة

وأما القيام فهو مثول(1) بالشخص والقلب بين يدي الله فليكن رأسك الذي هو أرفع أعضائك متطرقا مطأطئا متنكسا وليكن وضع الرأس عن ارتفاعه تنبيها على إلزام القلب التواضع والتذلل والتبري عن الترأس والتكبر .
وليكن على ذكرك ههنا خطر المقام بين يدي الله في هول المطلع عند التعرض للسؤال ، واعلم في الحال أنك قائم بين يدي الله وهو مطلع عليك ، فقم بين يديه قيامك بين يدي بعض ملوك الزمان إن كنت تعجز عن معرفة كنه جلاله ، بل قدر في دوام قيامك في صلاتك أنك ملحوظ ومرقوب بعين كالية من رجل صالح من أهلك أو ممّن ترغب أن يعرفك بالصلاح ، فانه تهدأ(2) عند ذلك أطرافك ، وتخشع جوارحك ويسكن جميع أجزاؤك خيفة أن ينسبك ذلك العاجز المسكين الى قلة الخشوع .
وإذا احسست من نفسك التماسك عند ملاحظة عبد مسكين فعاتب نفسك وقل لها : إنك تدّعين معرفة الله وحبّه أفلا تستحيين من اجترائك عليه مع توقيرك عبدا من عباده ، أو تخشين الناس ولا تخشينه ؟ وهو أحق أن يخشى .
سئل النبي (ص) كيف الحياء من الله ؟ فقال : «تستحيي منه كما تستحيي من الرجل الصالح من أهلك»(3) .

الفصل التاسع
التكبير في الصلاة

إذا توجهت بالتكبيرات فاستحضر عظمة الله سبحانه وصغر نفسك وخسّة عبادتك في جنب عظمته وانحطاط همتك عن القيام بوظائف خدمته واستتمام حقايق عبادته .

(1) مثل مثولا بين يدي فلان : قام منتصبا .
(2) هدأ هدءا وهدوءا : سكن ، يكون في سكون الحركة والصوت وغيرهما .
(3) احياء علوم الدين : ج 1 ص 149 .
الحقايق في محاسن الأخلاق234

وتفكر عند قولك . اللهم أنت الملك الحق في عظيم ملكه وعموم قدرته واستيلائه على جميع العوالم ، ثم ارجع إلى نفسك بالذل والانكسار والاعتراف بالذنوب والاستغفار عند قولك : عملت سوء وظلمت نفسي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت .
واحضر دعوته لك بالقيام بهذه الخدمة ، ومثل نفسك بين يديه وانه قريب منك يجيب دعوة الداعي إذا دعاه ويسمع نداءه وأنّ بيده خير الدنيا والآخرة لا بيد غيره عند قولك : لبّيك وسعديك والخير في يديك .
ونزهه من الظلم والشر وأبدله بهما محض الهداية والارشاد عند قولك : والشر ليس إليك والمهدي من هديت .
واعترف بالعبودية وأن قوام وجودك وبدءه ومعاده منه بقولك : عبدك وابن عبديك منك وبك ولك وإليك اي منك وجوده وبك قوامه ولك ملكه وإليك معاده ، وهو الذي يبدؤ الخلق ثم يعيده ، فاحضر في ذهنك هذه الحقايق وترق منها إلى ما يفتح عليك من الاسرار والدقايق وتلق الفيض من العالم الأعلى .

الفصل العاشر
النية في الصلاة

وأما النية فاعزم على إجابة الله تعالى في امتثال أمره بالصلاة وإتمامها والكف عن نواقضها ومفسداتها وإخلاص جميع ذلك لوجه الله رجاء لثوابه وخوفا من عقابه وطلبا للقربة منه متقلدا للمنّة باذنه إياك في المناجاة مع سوء أدبك وكثرة عصيانك .
وعظم في نفسك قدر مناجاته وانظر من تناجي وكيف تناجي وبماذا تناجي ، وعند هذا ينبغي أن يعرق جبينك من الخجلة وترتعد فرائضك من الهيبة ويصفر وجهك من الخوف .
وأما التكبير فمعناه أن الله سبحانه أكبر من كل شيء أو أكبر من أن يوصف أو أن يدرك بالحواس أو يقاس بالناس ، فاذا نطق به لسانك فينبغي أن لا يكذّبه قلبك وإن كان في قلبك شيء هو أكبر من الله تعالى فالله يشهد أنك كاذب وإن كان الكلام صدقا كما شهد على المنافقين في قولهم : إن النبي (ص) رسول الله .
فان كان هواك أغلب عليك من أمر الله وأنت أطوع له منك لله فقد اتخذته إلهك وكبرته

الحقايق في محاسن الأخلاق235

فيوشك أن يكون الله اكبر كلاما باللسان المجرد وقد تخلف القلب من مشاهدته وما أعظم الخطر في ذلك لولا التوبة والاستغفار وحسن الظن بكرم الله وعفوه .
وفي مصباح الشريعة قال الصادق (ع) : «إذا كبرت فاستصغر ما بين العلى والثرى دون كبريائه فان الله تعالى إذا اطلع على قلب العبد وهو يكبر وفي قلبه عارض عن حقيقة تكبيره قال : يا كاذب أتخدعني ؟ وعزتي وجلالي لأحرمنّك حلاوة ذكري ولأحجبنّك عن قربي والمسرّة بمناجاتي»(1) .
فاعتبر أنت قلبك حين صلاتك فان كنت تجد حلاوتها وفي نفسك سرورها وبهجتها وقلبك مسرورا بمناجاته ملتذا بمخاطباته فاعلم أنه قد صدّقك في تكبيرك ، وإلا فقد عرفت من سلب لذة المناجاة وحرمان حلاوة العبادة أنه دليل على تكذيب الله لك وطردك عن بابه .

الفصل الحادي عشر
دعاء الاستفتاح للصلاة

وأما دعاء الاستفتاح فاول كلماته قولك : وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا مسلما(2) ، وليس المراد بالوجه الوجه الظاهر فانك إنّما وجهته الى جهة القبلة والله سبحانه وتعالى مقدس عن ان تحده الجهات حتى تقبل بوجه بدنك عليه وإنما وجه القلب هو الذي يتوجه به إلى فاطر السماوات والارض فانظر إليه أمتوجه هو إلى امانيه وهممه في البيت والسوق ويتبع الشهوات ، أم مقبل على فاطر السماوات والأرض .
وإياك وأن يكون أول مفاتحتك للمناجاة بالكذب والاختلاق(3) ولن ينصرف الوجه الى الله إلا بانصرافه عمّا سواه فاجتهد في الحال في صرفه إليه وإن عجزت عنه على الدوام ليكون قولك في الحال صدقا .
وإذا قلت : حنيفا مسلما فينبغي ان يخطر ببالك أن المسلم هو الذي سلم المسلمون من لسانه ويده فان لم يكن كذلك كنت كاذبا فاجتهد أن تعزم عليه في الاستقبال وتندم على ما سبق

(1) مصباح الشريعة ص 87 .
(2) الحنف : الميل والحنيف : المسلم المايل الى الدين المستقيم والجمع حنفاء ، م .
(3) الاختلاف الكذب المخترع ، « ومنه قوله تعالى ان هذا الا اختلاق » . م .
الحقايق في محاسن الأخلاق236

من الاحوال .
وإذا قلت : وما أنا من المشركين ، فاخطر ببالك الشرك الخفي فانه قوله تعالى : «فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ، ولا يشرك بعبادة ربه أحدا»(1) نزل فيمن قصد بعبادته وجه الله وحمد الناس وكن منفيا عن هذا الشرك واستشعر الخجلة في قلبك ان وصفت نفسك بأنك لست من المشركين من غير براءة من هذا الشرك فان اسم الشرك يقع على القليل والكثير منه .
وإذا قلت : محياي ومماتي لله ، فاعلم أن هذا حال عبد مفقود لنفسه موجود بسيده وأنه إن صدر ممن رضاه وغضبه وقيامه وقعوده ورغبته في الحياة ، ورهبته من الموت لامور الدنيا لم يكن ملايما للحال .

الفصل الثاني عشر
الاستعاذة

وإذا قلت : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ، فاعلم أنه عدوك ومترصد لصرف قلبك عن الله حسدا لك على مناجاتك مع الله وسجودك له مع أنه لعن بسبب سجدة واحدة تركها ولم يوفق لها ، وأن استعاذتك بالله منه بترك ما يحبه وتبديله بما يحب الله لا بمجرد قولك ، وأن من قصده سبع أو عدو ليفترسه أو يقتله فقال أعوذ منك بذلك الحصن الحصين وهو ثابت على مكانه أن ذلك لا ينفعه بل لا يعيذه إلا تبديل المكان .
فكذلك من يتبع الشهوات التي هي محاب الشيطان ومكاره الرحمن ، فلا يغنيه مجرّد القول فليقترن قوله بالعزم على التعوذ بحصن الله عز وجل من شر الشيطان وحصنه لا إله إلا الله إذ قال الله تعالى : لا إله إلا الله حصني .
والمتحصن به من لا معبود له سوى الله فأما من اتخذه إلهه هويه(2) فهو في ميدان الشيطان لا في حصن الله واعلم أن من مكايده أن يشغلك في الصلاة بفكرة الآخرة وتدبير فعل الخيرات

(1) سورة الكهف : آية 110 .
(2) الهوى مصدر هويه إذا أحبه واشتهاه ، ثم سمي المهوى المشتهى محمودا أو مذموما ثم غلب على غير المحمود وقيل فلان اتبع هواه إذا اريد ذمه ، سمي بذلك لانه يهوي بصاحبه في الدنيا الى كل داهية وفي الآخرة الى الهاوية ، ومنه قوله تعالى : «أفرأيت من اتخذ الهه هويه» .
الحقايق في محاسن الأخلاق237

لتمتنع عن فهم ما تقرأ فاعلم أن كل ما يشغلك عن معاني القرآن فهو وسواس فان حركة اللسان غير مقصودة بل المقصود المعاني .
وأما القراءة فالناس فيها ثلاثة : رجل يتحرك لسانه وقلبه غافل ، ورجل يتحرك لسانه وقلبه يتبع اللسان فيسمع ويفهم منه كانه يسمعه من غيره وهو درجة أصحاب اليمين ، ورجل يسبق قلبه إلى المعاني اولا ثم يخدم اللسان قلبه فيترجمه ، ففرق بين أن يكون اللسان ترجمان القلب أو يكون معلم القلب والمقربون ألسنتهم ترجمان تتبع القلب .

الفصل الثالث عشر
قراءة الحمد والسورة

وإذا قلت : بسم الله الرحمن الرحيم ، فانوبه التبرك لابتداء القراءة لكلام الله وافهم أن معناه أن الامور كلها بالله وأن المراد بالاسم ههنا هو المسمى وإذا كانت الامور بالله فلا جرم كان الحمد لله ومعناه أن الشكر لله إذ النعم من الله ومن يرى من غير الله نعمة او يقصد غير الله بشكره لا من حيث أنّه مسخر من الله ففي تسميته وتحميده نقصان بقدر التفاته إلى غير الله .
فاذا قلت : « الرحمن الرحيم » فاحضر في قلبك أنواع لطفه لتنفتح لك رحمة فينبعث به رجاءك .
ثم استشعر من قلبك التعظيم والخوف بقولك : « مالك يوم الدين » ، أما العظمة فلأنه لا ملك إلا له ، وأما الخوف فلهول يوم الجزاء والحساب الذي هو مالكه .
ثم جدد الاخلاص بقولك : « إياك نعبد » ، وجدد العجز والاحتياج والتبري من الحول والقوة بقولك : « وإياك نستعين » وتحقق أنه ما تيسّرت طاعتك إلا باعانته وأن له المنة إذ وفقك لطاعته وتخدمك لعبادته وجعلك أهلا لمناجاته ولو حرمك التوفيق لكنت من المطرودين مع الشيطان اللعين .
ثم إذا فرغت عن التفويض بقولك بسم الله وعن التحميد وعن إظهار الحاجة إلى الاعانة مطلقا فعيّن سؤلك ولا تطلب إلا أهم حاجاتك وقل : « إهدنا الصراط المستقيم » ، الذي يسوقنا إلى جوارك ويفضي بنا إلى مرضاتك وزده شرحا وتفصيلا وتأكيدا واستشهادا بالذي أنعم عليهم نعمة الهداية من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ، دون الذين غضب عليهم من الكفار والزائغين من اليهود والنصارا والصائبين .

الحقايق في محاسن الأخلاق238

فاذا تلوت الفاتحة كذلك فتشبه أن تكون ممّن قال الله تعالى فيهم بما أخبر عنه النبي (ص) «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين نصفها لي ونصفها لعبدي يقول العبد : « الحمد لله رب العالمين » ، فيقول الله : حمدني عبدي وأثنى علي وهو معنى قوله سمع الله لمن حمده الحديث»(1) .
فان لم يكن لك من صلاتك حظ سوى ذكر الله تعالى جل جلاله وعظمته فناهيك به غنيمة فكيف ما ترجوه من ثوابه وفضله .
وكذلك ينبغي أن تفهم ما تقرأه من السورة كما يأتي في باب تلاوة القرآن ، فلا تغفل عن أمره ونهيه ووعده ووعيده ومواعظه واخبار أنبيائه وذكر مننه وإحسانه فلكل واحد حق فالرجاء حق الوعد ، والخوف حق الوعيد ، والعزم حق الامر والنهي والاتعاظ حق الموعظة ، والشكر حق ذكر المنّة ، والاعتبار حق أخبار الأنبياء .
ويكون هذه المعاني بحسب درجات الفهم ، ويكون الفهم بحسب وفور العلم وصفاء القلب ودرجات ذلك لا تنحصر والصلاة مفتاح القلوب فيها ينكشف أسرار الكلمات فهذا حق القراءة وهو حق الاذكار والتسبيحات أيضا .
ثم تراعي الهيئة في القراءة فترتل ولا تسرد(2) ولا تعجل فان ذلك أيسر للتأمل وتفرق بين نغماته في آية الرحمة والعذاب والوعد والوعيد والتمجيد والتعظيم ، كان بعضهم إذا مر بمثل قوله تعالى : «ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من اله»(3) يغض صوته كالمستحيي عن أن يذكره بكل شيء ويقال لصاحب القرآن : اقرء وارق فكلما قرأ آية صعد درجة .

(1) اخرجه مسلم ج 2 ص 9 عن ابي هريرة في حديث قال : اني سمعت رسول الله (ص) يقول : قال الله تعالى قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل فاذا قال العبد « الحمد لله رب العالمين » قال الله تعالى : حمدني عبدي ، واذا قال « الرحمن الرحيم » قال الله تعالى : أثنى علي عبدي ، واذا قال « مالك يوم الدين » ، قال مجدني عبدي واذا قال « إياك نعبد وإياك نستعين » ، قال : هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل ، فاذا قال : « اهدنا الصراط المستقيم ، صراط الذين أنعمت عليهم غيرالمغضوب عليهم ولا الضالين » ، قال هذا لعبدي ولعبدي ما سأل .
اخرجه النسائي ج 2 ص 136 .
(2) سردت الحديث سردا من باب قتل : اتيت به على الولاء .
(3) سورة المؤمنون : آية 91 .
الحقايق في محاسن الأخلاق239

الفصل الرابع عشر
القيام والخشوع

وأما دوام القيام فهو تنبيه على إقامة القلب مع الله على نعت واحد من الحضور ، قال النبي (ص) : «إن الله مقبل على المصلي ما لم يلتفت»(1) ، وكما يجب حراسة الرأس والعين عن الالتفات إلى الجهات فكذلك يجب حراسة السر عن الالتفات إلى غير الصلاة ، فان التفت إلى غيرها فذكره باطلاع الله عليك وقبح التهاون بالمناجي عند غفلة المناجي ليتعوّد إليه .
والزم خشوع القلب فان الخلاص من الالتفات ظاهرا وباطنا ثمره الخشوع ، ومهما خشع الباطن خشع الظاهر قال (ص) وقد رأى مصلّيا يعبث بلحيته : أما هذا لو خشع قلبه لخشعت جوارحه ، فان الرعية بحكم الراعي ولهذا ورد في الدعاء اللهم اصلح الراعي والرعية وهو القلب والجوارح وكل ذلك يقتضيه الطبع بين يدي من يعظم من أبناء الدنيا فكيف لايتقاضاه بين يدي ملك الملوك عند من يعرف ملك الملوك .
ومن يطمئن بين يدي غير الله خاشعا ويضطرب أطرافه بين يدي الله فذلك لقصور معرفته عن جلال الله وعن اطلاعه على سره وضميره ، وتدبر قوله تعالى : «الذي يريك حين تقوم وتقلبك في الساجدين»(2) .

الفصل الخامس عشر
الركوع

وأما الركوع فينبغي أن تجدد عنده ذكر كبرياء الله وترفع يديك مستجيرا بعفو الله من عقابه ومتبعا سنة نبيه ، ثم تستأنف له ذلا وتواضعا بركوعك وتجتهد في ترقيق قلبك وتجديد خشوعك وتستشعر ذلك وعز مولاك واتعاضك(3) وعلو ربك .
وتستعين على تقرير ذلك في قلبك بلسانك فتسبح ربك وتشهد له بالعظمة وأنه أعظم من كل عظيم وتكرّر ذلك على قلبك لتؤكده بالتكرار ثم ترفع عن ركوعك راجيا أنه راحم ذلك وتؤكد

(1) اخرجه ابوداود ج 1 ص 309 واخرجه النسائي والدارمي أيضا كما في مشكاة المصابيح ج 1 ص 91 .
(2) سورة الشعراء : آية 218 ـ 219 .
(3) اتضع : تذلل وتخشع لؤم وانحط في حسبه ، المنجد .
الحقايق في محاسن الأخلاق240

الرجاء في نفسك بقولك : سمع الله لمن حمده ، أي أجاب الله لمن شكره ، ثم تردف ذلك بالشكر المتقاضي للمزيد فتقول : الحمد لله رب العالمين ، ثم تزيد في الخشوع والتذلل فتقول : أهل الكبرياء والعظمة والجود والجبروت .
وعن أمير المؤمنين (ع) : «أنه سئل عن معنى مد العنق في الركوع فقال تأويله : آمنت لك ولو ضربت عنقي»(1) .
وفي مصباح الشريعة قال الصادق (ع) : «لا يركع عبد الله ركوعا على الحقيقة إلا زيّنه الله بنور بهائه ، وأظله في ظلال كبريائه وكساه كسوة أصفيائه .
والركوع أول والسجود ثان فمن أتى بمعنى الأول صلح للثاني ، وفي الركوع أدب وفي السجود قرب ومن لا يحسن الأدب لا يصلح للقرب فاركع ركوع خاضع لله بقلب متذلل وجل تحت سلطانه خافض له بجوارحه خفض خايف حزن على ما يفوته من فايدة الراكعين .
وحكي أن ربيع بن خثيم كان يسهر بالليل إلى الفجر في ركعة واحدة فإذا هو أصبح تزفر(2) وقال : آه سبق المخلصون وقطع بنا .
واستوف ركوعك باستواء ظهرك وانحط عن همّتك في القيام بخدمته إلا بعونه ، وفر بالقلب من وساوس الشيطان وخدايعه ومكايده ، فان الله تعالى يرفع عباده بقدر تواضعهم له ، ويهديهم إلى اصول التواضع والخشوع والخضوع بقدر اطلاع عظمته على سرايرهم»(3) .

الفصل السادس عشر
السجود

ثم تهوي إلى السجود وهو أعلى درجات الاستكانة فمكّن اعز أعضائك وهو الوجه من أذل الأشياء وهو التراب ، وإن أمكنك أن لا تجعل بينهما حاجزا فتسجد على الأرض فافعل فانه أجلب للخضوع وأدل على الذل .
وإذا وضعت نفسك موضع الذل فاعلم أنك وضعتها موضعها ورددت الفرع إلى أصله ، فانك من التراب خلقت وإليه رددت ، فعند هذا جدد على قلبك عظمة الله وقل : سبحان ربي الأعلى .

(1) علل الشرايع ص 320 .
(2) زفر زفيرا اخرج نفسه بعد مده اياه . ق .
(3) مصباح الشريعة ص 89 .
الحقايق في محاسن الأخلاق241

وأكده بالتكرار ، فان المرة الواحدة ضعيفة الآثار ، فان رق قلبك وطهر لبك(1) فليصدق رجاؤك في رحمة ربك فان رحمته تتسارع إلى الضعف والذل لا إلى التكبر والبطر فارفع رأسك مكبرا وسائلا حاجتك ومستغفرا من ذنوبك .
ثم اكد التواضع بالتكرار وعد إلى السجود ثانيا كذلك .
وعن أمير المؤمنين (ع) «أنه سئل ما معنى السجدة الاولى ؟ قال : تأويلها اللهم إنك منها خلقتنا ، يعني من الأرض وتأويل رفع رأسك ، ومنها أخرجتنا ، والسجدة الثانية وإليها تعيدنا ، ورفع رأسك ، ومنها تخرجنا تارة اخرى»(2) .
وفي مصباح الشريعة قال الصادق (ع) : «ما خسر والله من أنى بحقيقة السجود ولو كان في العمر مرّة واحدة ، وما أفلح من خلا بربّه في مثل ذلك الحال تشبّها بمخادع نفسه غافل لاه(3) عمّا اعد الله للساجدين من انس العاجل وراحة الاجل ولا بعد عن الله أبدا من أحسن تقربه في السجود ولا قرب إليه أبدا من أساء أدبه وضيّع حرمته بتعلق قلبه بسواه في حال سجوده متواضع لله ذليل علم أنه خلق من تراب تطؤه الخلق وأنه ركب من نطفة يستقذرها كل أحد .
وقد جعل الله معنى السجود سبب التقرب إليه بالقلب والسر والروح فمن قرب منه بعد من غيره ألا ترى في الظاهر أنه لا يستوي حال السجود إلا بالتواري من جميع الأشياء والاحتجاب عن كل ما تراه العيون ، كذلك أمر الباطن فمن كان قلبه متعلقا في صلاته بشيء دون الله فهو قريب من ذلك الشيء بعيد عن حقيقة ما أراد الله منه في صلاته قال الله تعالى : «ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه»(4) .
وقال رسول الله (ص) : «قال الله تعالى لا أطلع على قلب عبدي فأعلم فيه حب الاخلاص لطاعة وجهي وابتغاء مرضاتي إلا توليت تقويمه وسياسته ، ومن اشتغل في صلاته بغيري فهو من المستهزئين بنفسه مكتوب اسمـه فـي ديـوان الخاسـرين»(5) .

(1) اللب بتشديد الباء الموحدة العقل ، سمي بذلك لانه نفس ما في الانسان وما عداه فكأنه قشر . م .
(2) علل الشرائع : ص 236 .
(3) لاه أي ساه قال تعالى : « لاهية قلوبهم » ، أي ساهية غافلة مشغولة بالباطل عن الحق وتذكره .
(4) سورة الاحزاب : آية 4 .
(5) مصباح الشريعة : ص 91 .

السابق السابق الفهرس التالي التالي