الحقايق في محاسن الأخلاق161

والنظر في خطر عاقبته فلا يتفرغ لغيره ولا يكون له شغل إلا المراقبة والمحاسبة والمجاهدة والضنة(1) بالانفاس واللحظات ، ومؤاخذة النفس في الخطرات والكلمات فيكون ظاهره وباطنه مشغولا بما هو خائف منه لا يتسع فيه لغيره .
هذا حال من غلبه الخوف واستولى عليه ، وأقل درجات الخوف مما يظهر اثره في الأعمال أن يمتنع من المحظورات ، ويسمى الكف الحاصل من المحظورات ورعا فان زادت قوته كف عمّا يتطرق إليه إمكان التحريم ، ويسمّى ذلك تقوى ، وقد يحمله على أن يترك ما لا بأس به مخافة ما به بأس وهو الصدق في التقوى .
فاذا انضم إليه التجرد للخدمة فصار لا يبني ما لا يسكنه ، ولا يجمع ما لا يأكله ، ولا يلتفت إلى دنيا يعلم أنها تفارقه ، ولا يصرف إلى غير الله تعالى نفسا من أنفاسه فهو الصدق وصاحبه جدير بأن يسمى صدّيقا ويدخل في الصدق التقوى وفي التقوى الورع وفي الورع العفّة فانّها عبارة عن الامتناع عن مقتضى الشهوات خاصة فاذا الخوف يؤثر في الجوارح بالكف والاقدام .
الفصل الثاني
الرجاء لله يجب ان يكون اقوى من الخوف

اعلم أن العمل على الرجاء أعلى منه على الخوف لان أقرب العباد إلى الله أحبّهم إليه والحب يغلب بالرجاء ، ولذلك ورد في الرجاء وحسن الظن رغايب لا سيّما وقت الموت ، قال الله تعالى : «يا عبادي الذين اسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم»(2) فحرّم أصل اليأس وقال : «ان ربّك لذو مغفرة للناس على ظلمهم»(3) وعيّر الله قوما فقال : «وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرديكم»(4) وقال : «وظننتم ظن السوء وكنتم قوما بورا»(5) .
وقال النبي (ص) : «يقول الله عز وجل : أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء»(6)

(1) الضنين : البخيل الشحيح وفي حديث الدنيا لم يصفها لاوليائه ولم يضن بها على أعدائه اي لم يبخل بها عليهم . م .
(2) سورة الزمر : آية 52 .
(3) سورة الرعد : آية 6 .
(4) سورة فصلت : آية 23 .
(5) سورة الفتح : آية 12 .
(6) العوالي ج 1 ص 289 واحياء علوم الدين ج 4 ص 156 .
الحقايق في محاسن الأخلاق162

وقال (ص) : «لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله»(1) ، ودخل (ص) على رجل وهو في النزع فقال : كيف تجدك ؟ قال «أجدني أخاف ذنوبي وأرجو رحمة ربي فقال (ص) : ما اجتمعا في قلب عبد في هذا الموطن إلا أعطاه الله ما رجاه وآمنه ممّا يخاف»(2) .
وقال أمير المؤمنين (ع) لرجل أخرجه الخوف إلى القنوط لكثرة ذنوبه : «يا هذا يأسك من رحمة الله أعظم من ذنوبك»(3) .
وفي أخبار يعقوب إن الله تعالى أوحى إليه أتدري لم فرقت بينك وبين يوسف لقولك : إني أخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون ، لم خفت الذئب ولم ترجني ؟ ولم نظرت إلى غفلة اخوته ولم تنظر إلى حفظي له ؟
وعن الباقر (ع) قال : «قال رسول الله (ص) : قال الله تعالى : لا يتكل العاملون على أعمالهم التي يعملونها لثوابي فانهم لو اجتهدوا واتعبوا انفسهم أعمارهم في عبادتي كانو مقصّرين غير بالغين في عبادتهم كنه عبادتي فيما يطلبون عندي من كرامتي ، والنعيم في جنّاتي ، ورفيع الدرجات العلى في جواري ولكن برحمتي فليثقوا ، وفضلي فليرجوا ، وإلى حسن الظن بي فليطمئنوا ، فان رحمتي عند ذلك تدركهم ومنى يبلغهم رضواني ومغفرتي تلبسهم عفوي فاني أنا الله الرحمن الرحيم وبذلك تسمّيت»(4) .
وعنه (ع) قال : وجدنا في كتاب علي (ع) أن رسول الله (ص) قال وهو في «على خ» منبره : «والذي لا إله إلا هو ما اعطني مؤمن قط خير الدنيا والآخرة إلا بحسن ظنه بالله ورجائه له ، وحسن الخلق «خلقه خ» والكف عن اغتياب المؤمنين ، والذي لا إله إلا هو لا يعذب الله مؤمنا بعد التوبة والاستغفار إلا بسوء ظنه بالله وتقصيره من رجائه وسوء خلقه واغتيابه للمؤمنين ، والذي لا إله إلا هو لا يحسن ظن عبد مؤمن بالله إلا كان الله عند ظن عبده المؤمن ، لان الله كريم بيده الخيرات يستحيي أن يكون عبده المؤمن قد أحسن به ظنّه ثم يخلف ظنه ورجاءه ، فأحسنوا بالله الظن وارغبوا إليه»(5) .
قال الصادق (ع) : «حسن الظن بالله أن لا ترجـو إلا الله ولا تخـاف إلا ذنبـك»(6) .

(1) احياء علوم الدين : ج 4 ص 156 .
(2) احياء علوم الدين : ج 4 ص 135 .
(3) لم نعثر عليه من كلام امير المؤمنين نعم في خبر حميد بن قحطبة المروي في عيون اخبار الرضا .
(4) الكافي : ج 2 ص 71 .
(5) الكافي : ج 2 ص 71 .
(6) الكافي : ج 2 ص 72 .
الحقايق في محاسن الأخلاق163

والطريق إلى تحصيل الرجاء ذكر سوابق فضل الله من دون شفيع ، وما وعد من جزيل ثوابه من دون استحقاق ، وما انعم بما يمد في الدارين من دون سؤال ، وسعة الرحمة وسبقها الغضب .
والأخبار الواردة في سعة رحمته سبحانه أكثر من أن تحصى ولا حاجة بنا إلى ذكرها لأن المحتاج إلى تحصيل الرجاء من غلب عليه الخوف أو اليأس وقليل ما هم ، وأما المنهمكون(1) في طغيان الذنوب والمغترون بما هم فيه من الفساد والحوب(2) كأكثر أبناء زماننا فلا يزداد سماعهم لها إلا في طغيانهم تماديا ، وفي فسادهم فسادا .

الفصل الثالث
في الرجاء المحمود

اعلم أن الرجاء محمود إلى حد فان جاوز إلى الأمن فهو خسر ولا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون ، وكذا الخوف محمود إلى حد فان جاوز إلى القنوط فهو ضلال ومن يقنط من رحمة الله إلا الضالون ، أو إلى اليأس فهو كفر ولا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون والأصلح ان يعتدل .
قال امير المؤمنين (ع) لبعض ولده : «يا بني خف الله خوفا ترى أنك إن أتيته بحسنات أهل الأرض لم يتقبلها منك ، وارج الله رجاء كأنك لو أتيته بسيئات أهل الأرض غفر الله لك»(3) .
وعن الباقر (ع) : «ليس من عبد مؤمن إلا وفي قلبه نوران : نور من خيفة ونور من رجاء لو وزن هذا لم يزد على هذا ولو وزن هذا لم يزد على هذا»(4) .
وقد جمع الله سبحانه بينهما في وصف من أثنى عليهم فقال : «يدعون ربهم خوفا وطمعا»(5) وقال : «يدعوننا رغبا ورهبا»(6) واما غلبة الرجاء في غالب الناس فمستندها الاغترار

(1) الأنهماك : التمادي في الشيء واللجاج فيه ومنه الحديث : من انهمك في اكل الطين فقد شرك في دم نفسه .
(2) الحوب بالضم الاثم ، وفي الدعاء رب تقبل توبتي واغسل حوابتي ، أي اثمي قال تعالى « انه كان حوبا كبيرا ».
(3) تنبيه الخواطر : ج 1 ص 50 .
(4) الكافي ج 2 ص 67 .
(5) سورة السجدة : آية 16 .
(6) سورة الأنبياء : آية 90 .
الحقايق في محاسن الأخلاق164

وقلة المعرفة ، بل الأصلح لهم قبل الاشراف على الموت غلبة الخوف وأما عند الموت فالأصلح لهم غلبة الرجاء وحسن الظن ، لأن الخوف جار مجرى السوط الباعث على العمل وقد انقضى وقت العمل وهو لا يطيق هناك أسياط «أسباب» الخوف لأنها تقطع نياط(1) قلبه وتعين على تعجيل موته وأمّا روح الرجاء فانها تقوي قلبه وتحبب إليه ربه الذي إليه رجاءه .
وينبغي أن لا يفارق أحد الدنيا إلا محبّا لله تعالى ليكون محبّا للقائه ، فان من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ، ومن قدم على محبوبه عظم سروره بقدر محبّته ، ومن فارق محبوبه اشتدت محنته وعذابه .
فمهما كان الغالب على القلب عند الموت حب الأهل والولد والمال والمسكن والرفقاء والأصحاب كانت محابه كلها في الدنيا فكانت الدنيا جنّته فكان موته خروجا من الجنة وحيلولة بينه وبين ما يشتهيه ، فأمّا إذا لم يكن له محبوب سوى الله وسوى ذكره ومعرفته والفكر فيه فالدنيا وعلايقها شاغلة له عن المحبوب ، فالدنيا إذن سجنه ، وموته قدوم على محبوبه وخلاص له من السجن ، فاذن غاية السعادة أن يموت العبد محبّا لله تعالى .

الفصل الرابع
الخوف من الله على مقامين

اعلم أن الخوف من الله تعالى على مقامين : أحدهما الخوف من عذابه وهو خوف عموم الخلق وهو حاصل باصل الايمان بالجنة والنار وكونهما جزائين على الطاعة والعصية ، وضعفه بسبب الغفلة وبسبب ضعف الايمان وإنما تزول الغفلة بالتذكير والوعظ وملازمة الفكر في أهوال القيامة وأصناف العذاب في الآخرة ويزيد أيضا بالنظر إلى الخائفين ومجالستهم ومشاهدة أحوالهم فان فاتت المشاهدة فالسماع لا يخلو من تأثير .
وأما الثاني وهو الأعلى أن يكون الله هو المخوف أعني أن يخاف العبد العبد والحجاب منه ، ويرجو القرب منه وهو خوف العلماء وأرباب القلوب العارفين من صفاته ما يقتضي الهيبة والخوف والحذر المطلعين على سر قوله : «ويحذركم الله نفسه»(2) وقوله : «واتقوا الله حق

(1) النياط ككتاب عرق غليظ ينصبه القلب الى الوتين فنياط القلب هو ذلك العرق الذي يعلق القلب به . م .
(2) سورة آل عمران : آية 28 .
الحقايق في محاسن الأخلاق165

تقاته»(1) وقال الله سبحانه : «إنما يخشى الله من عباده العلماء»(2) وقال عز وجل : «رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه»(3) .
وقال النبي (ص) : «راس الحكمة مخافة الله»(4) وفي الدعاء المنسوب إلى السجاد (ع) «سبحانك عجبا لمن عرفك كيف لا يخافك» .
وقال الصادق (ع) : «من عرف الله خاف الله ومن خاف الله سخت نفسه عن الدنيا»(5) وقال (ع) : «إن من العبادة شدة الخوف من الله يقول الله : «إنما يخشى الله من عباده العلماء» وقال الله تعالى : «فلا تخشوا الناس واخشوني»(6) وقال : «ومن يتق الله يجعل له مخرجا»(7)»(8) .
وقال (ع) : «إن حب الشرف والذكر لا يكونان في قلب الخائف الهارب»(9) وقال (ع) «المؤمن بين مخافتين ذنب قد مضى لا يدري ما صنع الله فيه ، وعمر قد بقي لا يدري ما يكتسب فيه من المهالك فهو لا يصبح إلا خائفا ولا يصلحه إلا الخوف»(10) وقال (ع) «لا يكون المؤمن مؤمنا حتى يكون خائفا راجيا ، ولا يكون خائفا راجيا حتى يكون عاملا لما يخاف ويرجو»(11) .
وقال (ع) : لاسحاق بن عمار : «يا إسحاق خف الله كأنك تراه وإن كنت لا تراه فانه يراك ، وإن كنت ترى أنه لا يراك فقد كفرت وان كنت تعلم أنه يراك ثم برزت له بالمعصية فقد جعلته من أهون الناظرين إليك»(12) .
وقال (ع) : «من خاف الله أخاف الله منه كل شيء ، ومن لم يخف الله أخافه الله من كل شيء»(13) .
وعن النبي (ص) «ما من مؤمن تخرج من عينيه دمعة وإن كانت مثل رأس الذباب من خشية الله ثم يصيب شيئا من حر وجهه إلا حرّمه الله على النار»(14) .

(1) سورة آل عمران : آية 102 .
(2) سورة فاطر : آية 28 .
(3) سورة البينة : آية 8 .
(4) احياء علوم الدين : ج 4 ص 151 .
(5) الكافي : ج 2 ص 68 .
(6) سورة المائدة : آية 44 .
(7) سورة الطلاق : آية 2 .
(8) الكافي : ج 2 ص 69 .
(9) الكافي : ج 2 ص 69 .
(10) الكافي : ج 2 ص 71 .
(11) الكافي : ج 2 ص 71 .
(12) الكافي : ج 2 ص 68 .
(13) الكافي : ج 2 ص 68 وامالي الطوسي : ص 139 .
(14) احياء علوم الدين : ج 4 ص 152 .
الحقايق في محاسن الأخلاق166

وقال (ص) : «إذا اقشعر قلب المؤمن من خشية الله تحاتت(1) عنه خطاياه كما يتحاتت من الشجر ورقها»(2) .
وروى الصدوق في عرض المجالس من ليث بن أبي سليم قال : سمعت رجلا من الأنصار يقول : بينما رسول الله (ص) «مستظل بظل شجرة في يوم شديد الحر إذ جاء رجل فنزع ثيابه ثم جعل يتمرّغ في الرمضاء يكوي ظهره مرة وبطنه مرة وجبهته مرة ويقول : يا نفس ذوقي فما عند الله أعظم مما صنعت بك ورسول الله ينظر إليه ما يصنع ثم إن الرجل لبس ثيابه ثم اقبل فأومى إليه النبي (ص) بيده ودعاه فقال له يا عبد الله : لقد رأيتك صنعت شيئا ما رأيت أحدا من الناس صنعه فما حملك على ما صنعت ؟ فقال الرجل : حملني على ذلك مخافة الله ، فقلت لنفسي يا نفسي ذوقي فما عند الله أعظم مما صنعت بك ، فقال النبي (ص) : لقد خفت ربك حق مخافته وإن ربك ليباهي بك أهل السماء ، ثم قال (ص) لأصحابه : يا معشر من حضر ادنوا من صاحبكم حتى يدعو لكم فدنوا منه ، فدعا لهم ، وقال : اللهم اجمع أمرنا على الهدى ، واجعل التقوى زادنا ، والجنة مآبنا»(3) .
وحديث بهلول النباش مشهور(4) وفي الكتاب المذكور مذكور .

(1) تحات الشيء اي تناثر ، والحت حك الورق من الغصن وتحات الورق سقطت .
(2) احياء علوم الدين : ج 4 ص 152 .
(3) امالي الصدوق : ص 279 .
(4) ذكره المصنف (قده) في الصافي في تفسر آية : «والذين إذا فعلو فاحشة أو ظلموا أنفسهم الخ» من سورة آل عمران مفصلا ونحن نذكره هنا ملخصا تتميما للفايدة فنقول :
انه كان ينبش القبور سبع سنين وينزع الاكفان حتى نبش قبر جارية من بنات الانصار وأخذ كفنها ثم جامعها ، ثم ندم على ما فعل واتى النبي (ص) باكيا متضرعا ولما علم النبي (ص) بحالة بعد الاستعلام نحاه من عنده فيئس وخرج الى بعض الجبال فتعبد فيها ولبس مسحا وغل يديه جميعا الى عنقه ونادى :
يا رب هذا عبدك بهلول بين يديك مغلول (الى أن قال) فأسألك باسمك وجلالك وعظم سلطانك أن لا تخيب رجائي سيدي ولا تبطل دعائي ولا تقنطني من رحمتك .
فلم يزل يقول ذلك أربعين يوما وليلة تبكي له السباع والوحوش ، فلما تمت له أربعون يوما وليلة رفع يديه إلى السماء وقال :
اللهم ما فعلت في حاجتي أن كنت استجبت دعائي وغفرت خطيئتي فأوح الى نبيك ، وان لم تستجب دعائي ولم تغفر لي خطيئتي واردت عقوبتي فعجل بنار تحرقني أو عقوبة في الدنيا تهلكني وخلصني من فضيحة يوم القيامة =
الحقايق في محاسن الأخلاق167

وعن الباقر (ع) قال : «صلى أمير المؤمنين (ع) بالناس الصبح بالعراق ، فلما انصرف وعظهم فبكى وأبكاهم من خوف الله ثم قال : أما والله لقد عهدت أقواما على عهد خليلي رسول الله (ص) وأنهم ليصبحون ويمسون شعثا غبرا خمصا بين أعينهم كركب البعير يبيتون لربهم سجّدا وقياما ، ويراوحون بين أقدامهم وجباههم ، يناجون ربّهم في فكاك رقابهم من النار ، والله لقد رأيتهم مع هذا وهم خائفون مشفقون»(1) وفي رواية اخرى كأن «زفير النافر في آذانهم إذا ذكر الله عندهم مادوا كما يميد الشجر كانما القوم باتوا غافلين ، قال : ثم قال : فما رُئي ضاحكـا حتـى قبـض (ع)»(2) .
وأما خوف الملائكة والأنبياء والأولياء وأئمة الهدى (عليهم السلام) كخوف ميكائيل وجبرئيل ونبيّنا وإبراهيم الخليل وداود ويحيى والسجاد وغيرهم صلوات الله عليهم فقد ذكره المحدثون في كتبهم(3) فليرجع إليها من أراد ، فان هذا الكتاب لا يحتمل التطويل بذكره .

= فانزل الله تعالى على نبيه : «والذين اذا فعلوا» الخ فخرج النبي (ص) وهو يتلوها ويتبسم ويقول لاصحابه : من يدلني على هذا الشاب التائب ؟ فدلوه عليه ، فمضى بأصحابه حتى انتهوا اليه ، فاذا هم بالشاب قائم بين الصخرتين مغلولة يداه الى عنقه قد اسود وجهه وتساقطت أشفار عينيه من البكاء وهو يقول :
سيدي قد أحسنت خلقي وأحسنت صورتي ، فليت شعري ماذا تريد بي ؟ أفي النار تحرقني أو في جوارك تسكنني ؟ اللهم انك قد أكثرت الاحسان الي فأنعمت علي فليت شعري ماذا يكون آخر أمري ، الى الجنة تزفني أم الى النار تسوقني ؟ اللهم ان خطيئتي أعظم من السماوات والأرض ومن كرسيك الواسع وعرشك العظيم ، فليت شعري تغفر خطيئتي أم تفضحني بها يوم القيامة ؟
فلم يزل يقول نحو هذا ويبكي ويحثو التراب على رأسه وقد أحاطت به السباع وصفت فوقه الطير وهم يبكون لبكائه ، فدنى منه رسول الله (ص) فأطلق يديه من عنقه ، ونفض التراب عن رأسه وقال : يا بهلول ابشر فانك عتيق الله من النار .
ثم قال لاصحابه : هكذا تداركوا الذنوب كما تداركها بهلول ، ثم تلا عليه ما انزل الله عز وجل فيه وبشره بالجنة .
(1) الكافي : ج 2 ص 236 .
(2) الكافي : ج 2 ص 236 .
(3) وذكره المصنف (قده) في كتابه النفيس «المحجة البيضاء» فمن أراد التفصيل فليرجع إليه .
الحقايق في محاسن الأخلاق168

الفصل الخامس
في الخائفين

اعلم أن الخوف لا يتحقق الا بانتظار مكروه ، والمكروه إما ان يكون مكروها في ذاته كالنار وإما أن يكون مكروها لأنه يفضي إلى المكروه كما تكره المعاصي لادائها إلى مكروه في الآخرة ولا بد لكل خائف من أن يتمثل في نفسه مكروه من أحد القسمين ويقوى انتظاره في قلبه حتى يحترق قلبه بسبب استشعاره ذلك المكروه ، ومقام الخائفين يختلف فيما يغلب على قلوبهم من المكروهات المحذورة .
أما الخائفون ممّا يغلب على قلوبهم من المكروه لغيره لا لذاته .
فمنهم من يغلب عليه خوف الموت قبل التوبة ، أو خوف نقض التوبة ، أو خوف ضعف القوة عن الوفاء بتمام حقوق الله ، أو خوف زوال رقة القلب وتبديلها بالقساوة أو خوف الميل عن الاستقامة ، أو خوف استيلاء العادة في اتباع الشهوات المألوفة ، أو خوف أن يكون الله إلى حسناته التي اتكل عليها وتغرّر بها في عباد الله أو خوف البطر بكثرة نعم الله عليه ، أو خوف الاشتغال عن الله بغير الله ، أو خوف الاستدراج بتواتر النعم ، أو خوف انكشاف غوائل طاعته حتى يبدو له من الله ما لم يكن يحتسب أو خوف تبعات الناس عنده في الغيبة والخيانة والغش وإضمار السوء ، أو خوف ما لا يدري أنه يحدث في بقيّة عمره ، أو خوف تعجيل العقوبة في الدنيا والافتضاح قبل الموت ، أو خوف الاغترار بزخارف الدنيا ، أو خوف اطلاع الله على سريرته في حال غفلته عنه ، أو خوف الختم له عند الموت بخاتمة السوء ، أو خوف السابقة التي سبقت له في الأزل .
فهذه كلها مخاوف العارفين ولكل واحد منها خصوص فائدة وهو سلوك سبيل الحذر عمّا يفضي إلى المخوف ، فمن يخاف استيلاء العادة عليه فيواظب على الفطام عن العادة ، والذي يخاف من اطلاع الله على سريرته يشتغل بتطهير قلبه عن الوساوس وهكذا إلى بقية الأقسام .
وأغلب هذه المخاوف على المتقين خوف الخاتمة ، فان الأمر فيه محظور وأعلى الاقسام وأدلها على كمال المعرفة خوف السابقة ، لأن الخاتمة فرع السابقة تنفرع عنها بعد تخلل أسباب كثيرة فالخاتمة تظهر ما سبق في القضاء في ام الكتاب .

الحقايق في محاسن الأخلاق169

وإليه الاشارة بما رواه الصادق (ع) قال : «خطب رسول الله (ص) الناس ثم رفع يده اليمنى قابضا على كفه ثم قال : أتدرون أيها الناس ما في كفي ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم ، فقال (ص) : «أسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وقبائلهم إلى يوم القيامة ، ثم رفع يده الشمال فقال : أيها الناس أتدرون ما في كفي ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم فقال : أسماء أهل النار وأسماء آبائهم وقبائلهم إلى يوم القيامة ثم قال : حكم الله وعدل حكم الله وعدل حكم الله وعدل فريق في الجنـة وفريق فـي السعيـر»(1) .
وعنه (ع) قال : «يسلك بالسعيد في طريق الأشقياء حتى يقول الناس ما أشبهه بهم بل هو منهم ، ثم يتداركه السعادة ، وقد يسلك بالشقي طريق السعداء حتى يقول الناس ما أشبهه بهم بل هو منهم ثم يتداركه الشقاء ، إن من كتبه الله سعيدا وإن لم يبق من الدنيا إلا فواق ناقة(2) ختم له بالسعادة»(3) .
وأما الخائفون ممّا يغلب على نفوسهم من المكروه لذاته .
فمنهم من يغلب عليه سكرات الموت وشدته ، أو سؤال منكر ونكير ، أو عذاب القبر ، أو هول المطلع ، أو هيبة الموقف بين يدي الله والحياء من كشف الستر والسؤال من النقير والقطمير ، أو الخوف من الصراط وحدّته وكيفية العبور عليه ، أو الخوف من النار وأغلالها وأهوالها ، أو الخوف من الحرمان عن الجنة دار النعيم والملك المقيم ومن نقصان الدرجات أو الخوف من الحجاب عن الله وهو أعلاها رتبة وهو خوف العارفين وما قبل ذلك خوف العابدين والزاهدين وكافة العاملين .
ولا يخفى أن فضيلة الشيء بقدر اعانته على السعادة ولا سعادة كسعادة لقاء الله ولا وصول إليها إلا بتحصيل محبته والانس به في الدنيا ، ولا تحصل المحبة إلا بالمعرفة ، ولا تحصل المعرفة إلا بدوام الفكر ، ولا يحصل الانس إلا بالمحبة ودوام الذكر ، ولا يتيسر المواظبة على الذكر والفكر إلا بانقلاع حب الدنيا من القلب ، ولا ينقلع ذلك إلا بترك لذات الدنيا وشهواتها ، ولا يمكن ترك المشتهيات إلا بقمع الشهوات ، ولا تنقمع الشهوة بشيء كما تنقمع بنار

(1) انظر المحجة ج 7 ص 274 وسنن الترمزي ج 8 ص 308 وإحياء علوم الدين : ج4 ص 48 .
(2) وفي حديث عيادة المريض : العيادة قدر فواق ناقة ، الفواق كغراب وبالفتح ما بين الحلبتين من الوقت لانها تحلب فتترك سويعة يرضعها الفصيل لتدر ثم تحلب ، او ما بين فتح يدك وقبضها على الضرع م .
(3) انظر المحجة ج 7 ص 274 وإحياء علوم الدين : ج 4 ص 148 .
الحقايق في محاسن الأخلاق170

الخوف .
فالخوف هو النار المقمعة للشهوات فاذن فضيلته بقدر ما يحرق من الشهوة وبقدر ما يكف عن المعاصي ويحث على الطاعات ، ويختلف ذلك بحسب اختلاف درجات الخوف كما بينّاه .

الفصل السادس
اسباب سوء الخاتمة

اعلم أن لسوء الخاتمة أسباب مختلفة وترجع إلى ثلاثة .
أما السبب الاول وهو الأعظم فهو أن يغلب على القلب عند سكرات الموت وظهور أهواله إما الشك ، وإما الجحود فتقبض الروح في تلك الحالة فيصير حجابا بينه وبين الله تعالى أبدا ، وذلك يقتضي البعد الدائم والعذاب المخلد ، وسبب ذلك أن يعتقد الرجل في ذاته الله وصفاته وأفعاله خلاف الحق إما برأيه ومعقوله ، وإما بالتقليد فيكشف له عند سكرات الموت بطلان ما اعتقده جهلا إذ حال الموت حال كشف الغطاء ، فيكون انكشاف بعض اعتقاداته عن الجهل سببا لبطلان بقية اعتقاداته أو الشك فيها .
فان اتفق زهوق روحه في هذه الخطرة قبل أن ينيب ويعود إلى أصل الايمان فختم له بالسوء وخرجت روحه على الشرك قال الله تعالى : «وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون»(1) وقال عز وجل : «هل ننبئكم بالأخسرين اعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا هم يحسبون أنهم يحسنون صنعا» (2) والبله بمعزل عن هذا الخطر أعني الذين آمنوا بالله ورسوله واليوم الآخر ايمانا مجملا ، ولذلك ورد أن أكثر أهل الجنة البله(3) وورد المنع عن البحث والنظر والخوض في الكلام والاكتفاء بظواهر الشرع مع اعتقاد نفي التشبيه ، وذلك لأن الخطر في البحث عن الصفات عظيم وعقباته كؤدة(4) ومسالكه وعرة(5) والعقول عن درك جلال الله
(1) سورة الزمر : آية 47 .
(2) سورة الكهف : آية 103 ـ 104 .
(3) قال في مجمع البحرين : قيل : البله هنا هم الذين غلبت عليهم سلمة الصدور وحسن الظن بالناس ، لأنهم غفلوا من دنياهم فجهلوا حذق التصرف فيها واقبلوا على آخرتهم فشغلوا أنفسهم بها واستحقوا أن يكونوا أكثر أهل الجنة ، فاما الابله الذي لا عقل له فليس بمراد .
(4) عقبة كؤد وكأداء : صعبة ق .
(5) الوعر : ضد السهل ق .

السابق السابق الفهرس التالي التالي