الحقايق في محاسن الأخلاق151

هذا إن كان يلاحظ الثواب الذي يجازى به عليه ، ويجوز أن يغلب الحب بحيث يكون حظ المحب في مراد حبيبه ورضاه لا لمعنى آخر وراءه ، فيكون مراد حبيبه ورضاه محبوبا عنده ومطلوبا ، وكل ذلك موجود في المشاهدات في حب الخلق وقد تواصفها المتواصفون في نظمهم ونثرهم .
وقد روينا أن أهل مصر مكثوا أربعة أشهر لم يكن لهم غذاء إلا النظر إلى وجه يوسف الصديق (ع) ، كانوا إذا جاعوا نظروا إلى وجهه فشغلهم جماله عن الاحساس بألم الجوع ، بل في القرآن ما هو أبلغ من ذلك(1) وهو قطع النسوة أيديهن لاستهتارهن بملاحظة جماله حتى ما أحسن بذلك .
ويروى أن عيسى (ع) : «مر برجل أعمى أبرص مقعد مضروب الجنبين بفالج وقد تناثر لحمه من الجذام وهو يقول : الحمد لله الذي عافاني ممّا ابتلى به كثيرا من خلقه فقال له عيسى (ع) : يا هذا أي شيء من البلاء تراه مصروفا عنك ؟ فقال : يا روح الله أنا خير ممن لم يجعل الله في قلبه ما جعل في قلبي من معرفته ، فقال : صدقت هات يدك فناوله يده فاذا هو أحسن الناس وجها وأفضلهم هيئة قد أذهب الله عنه ما كان به ، فصحب عيسى (ع) وتعبّد معه»(2) .
الفصل الثاني
في الرضا وان الدعاء غير مناقض له

اعلم ان الدعاء غير مناقض للرضا وكذلك كراهة المعاصي ومقت أهلها وحسم أسبابها والسعي في ازالتها بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وقد غلط في ذلك قسم من البطالين المغترين وزعموا أن المعاصي والفجور والكفر من قضاء الله وقدره فيجب الرضا به ، وهذا جهل بالتأويل وغفلة عن أسرار الشرع .
فأما الدعاء فقد تعبّدنا به وكثرت أدعية الأنبياء والأئمة (ع) وكانوا في أعلى مقامات الرضا ، وقد أثنى الله عز وجل على بعض عباده بقوله : «يدعوننا رغبا ورهبا(3)»(4) وقال

(1) حيث قال تعالى في سورة يوسف : «فلما راينه اكبرنه ... وقطعن ايديهن وقلن حاشى لله ما هذا بشرا ان هذا إلا ملك كريم» .
(2) احياء علوم الدين ج 4 ص 320 .
(3) الرغبة السؤال والطلب ، والرهبة الخوف وفي الحديث : لا تجتمع الرغبة والرهبة في قلب الا وجبت له الجنة .
(4) سورة الانبياء : آية 90 .
الحقايق في محاسن الأخلاق152

: «ادعوني أستجب لكم»(1) .
وأما انكار المعاصي وكراهتها فقد تعبّد الله عز وجل به عباده وذمهم على الرضا بها فقال : «ورضوا بالحيوة الدنيا واطمأنوا بها»(2) وقال : «رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع على قلوبهم»(3) وفي الخبر المشهور : «من شهد منكرا ورضي به فكأنه قد فعله»(4) ، وفي آخر «لو أن عبدا قتل بالمشرق ورضي بقتله آخر في المغرب كان شريكه في قتله»(5) .
وأمّا الكفار والفجّار ومقتهم والانكار عليهم فما ورد فيه من شواهد القرآن والأخبار لا يحصى ، وقد ورد : «أوثق عرى الايمان الحب فـي الله والبغـض فـي الله»(6) .
فان قلت : قد وردت الآيات والأخبار بالرضا بقضاء الله فكراهتها ومقتها كراهة لقضاء الله فكيف السبيل إلى الجمع بينهما ، وهو متناقض على هذا الوجه وكيف الجمع بين الرضا والكراهة في شيء واحد ؟
فاعلم أن هذا ممّا تلتبس على الضعفاء القاصرين على الوقوف على أسرار العلوم وقد التبس على قوم حتى رأوا السكوت على (عن خ) المنكرات مقاما من مقامات الرضا وسمّوه بحسن (حسن خ) الخلق ، وهو جهل محض .
بل نقول : الرضا والكراهة متضادان إذا وردا على شيء واحد على وجه واحد وليس من التضاد في شيء واحد أن يكره من وجه ويرضى به من وجه إذ قد يموت عدوّك الذي هو عدوّ بعض أعداءك وساع في إهلاكه فتكره موته من حيث إنّه مات عدو عدوّك وترضاه من حيث إنه مات عدوّك .
وكذلك المعصية لها وجهان : وجه إلى الله عز وجل من حيث إنه فعله واختياره وإرادته فترضى به من هذا الوجه تسليما للملك إلى مالك الملك ورضا بما يفعله فيه ، ووجه من العبد من حيث إنّه كسبه ووصفه وعلامة كونه ممقوتا عند الله وبغيظا عنده حيث سلط عليه أسباب البعد والمقت فهي من هذا الوجه منكر ومذموم ويشهد لذلك كل ما يكره من وجه ويرضى به من وجه ونظائر ذلك لا تحصى .

(1) سورة غافر : آية 60 .
(2) سورة يونس : آية 7 .
(3) سورة التوبة : آية 87 .
(4) إحياء علوم الدين : ج 4 ص 322 .
(5) روضة الواعظين : ص 461 .
(6) المحاسن : ج 1 ص 263 .
الحقايق في محاسن الأخلاق153

فواجب على كل عبد محب لله عز وجل أن يبغض من أبغضه الله ويمقت من مقته الله وان اضطره بقهره وقدرته إلى معاداته ومخالفته موافقة للمحبوب باظهار الغضب على من أظهر المحبوب الغضب عليه بابعاده .
وبهذا يجمع بين ما ورد في الحب في الله والبغض في الله مع الرضا بقضاء الله ، وهذا يستمد من سر القدر الذي لا رخصة في إفشائه ، وهو أن الشر والخير داخلان في المشية والارادة ولكن الشر مراد مكروه والخير مراد مرضى به ، وكشف الغطاء عنه غير مأذون فيه فالأولى السكوت عنه والتأدّب بادب الشرع ، فقد ظهر الغرض من غير حاجة إلى كشف السر فيه .

الفصل الثالث
في الشكر وطريق تحصيله

أما الشكر فهو عرفان النعمة من المنعم والفرح به والعمل بموجب الفرح باضمار الخير والتحميد لله واستعمال النعمة في طاعته .
أما المعرفة فبأن يعرف ان النعم كلها من الله تعالى وأنه هو المنعم والوسايط مسخرون من جهته ، وإنما الذي أنعم عليك هو الذي سخرهم لك وألقى في قلوبهم من الاعتقادات والارادات ما صاروا به مضطرين إلى الايصال إليك ، فمن عرف ذلك فكانت معرفته شكر الله وهذا هو الشكر بالقلب .
وأما الفرح بالمنعم مع هيئة الخضوع والتواضع فهو أيضا في نفسه شكر على حدة كما أن المعرفة شكر ، فان كان فرحك بالنعم خاصة لا بالنعمة ولا بالانعام من حيث إنه تقدر بها على التوصل إلى القرب منه والنزول في جواره ، فهو الرتبة العليا في الشكر ، وأمارته أن لا تفرح بالدنيا إلا بما هو مزرعة الآخرة ومعينة عليها ، وتحزن بكل نعمة تلهيك عن ذكر الله وتصدك عن سبيله ، وهذا أيضا شكر بالقلب .
أما العمل بموجب الفرح الحاصل من معرفة المنعم ، فهو القيام بما هو مقصود المنعم ومحبوبه ويتعلّق بالقلب واللسان والجوارح أما بالقلب فقصد الخير وإضماره لكافة الخلق وأما باللسان فاظهار الشكر لله بالتحميد الدال عليه وأما بالجوارح فاستعمال نعم الله في طاعته

الحقايق في محاسن الأخلاق154

والتوقي بالاستعانة بها على معصيته حتى أن من شكر العينين أن تستر كل عيب تراه بمسلم ، ومن شكر الاذنين أن تستر كل عيب تسمعه لمسلم ، فيدخل هذا وأمثاله في جملة شكر نعمة هذه الأعضاء .
بل نقول : ومن كفر نعمة العين فقد كفر نعمة الشمس أيضا إذ الابصار إنما يتم بهما وإنما خلقتا ليصبر بهما ما ينفعه في دينه ودنياه ويتقي بهما ما يضرّه فيهما ، بل نقول : المراد من خلق الأرض والسماء وخلق الدنيا وأسبابها أن يستعين الخلق بها على الوصول إلى الله ، ولا وصول إليه إلا بمحبته والانس به في الدنيا والتجافي(1) عن غرور الدنيا ، ولا انس الا بدوام الذكر ، ولا محبة الا بالمعرفة الحاصلة بدوام الفكر ، ولا يمكن الدوام على الذكر والفكر إلا ببقاء البدن ، ولا يبقى البدن إلا بالأرض والماء والهواء (والنار خ) ، ولا يتم ذلك إلا بخلق الأرض والسماء وخلق ساير الأعضاء ، وكل ذلك لاجل البدن والبدن مطية النفس والراجع إلى الله هي المطمئنة بطول العبادة والمعرفة .
فكل من استعمل شيئا في غير طاعة الله فقد كفر نعمة الله في جميع الأسباب التي لا بد منها لاقدامه على تلك المعصية قال الله تعالى : «وقليل من عبادي الشكور»(2) وقال عز وجل : «ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم»(3) .
وعن الصادق (ع) قال : قال رسول الله (ص) : «الطاعم الشاكر له من الأجر كأجر الصايم المحتسب ، والمعافى الشاكر له من الأجر كأجر المبتلي الصابر ، والمعطى الشاكر له من الأجر كأجر المحروم القانع»(4) .

(1) في القاموس جفا جفاء وتجافى : لم يلزم مكانه وفي مجمع البيان : التجافي : الارتفاع عن الشيء وفي مجمع البحرين في قوله تعالى «تتجافى جنوبهم عن المضاجع» قال : اي ترفع وتنبو عن الفرش . وفي حديث المسبوق بالصلاة اذا جلس تتجافى ولا يتمكن من القعود قال : اي يرتفع عن الأرض ويجلس مقعيا غير متمكن .
أقول : ومن دعاء السجاد (ع) في الليلة السابعة والعشرين من شهر رمضان وكان يدعو به مكررا من أول الليل الى آخره :
اللهم ارزقني التجافي عن دار الغرور ، والانابة الى دار الخلود ؛ والإستعداد للموت قبل حلول الفوت .
(2) سورة سبأ : آية 13 .
(3) سورة النساء : آية 147 .
(4) الكافي : ج 2 ص 94 .
الحقايق في محاسن الأخلاق155

وعنه (ع) قال : «من اعطي الشكر اعطى الزيادة»(1) قال الله تعالى : «لئن شكرتم لأزيدنّكم»(2) وعنه (ع) قال : «ما أنعم الله على عبد من نعمة فعرفها بقلبه وحمد الله ظاهرا بلسانه فتم كلامه حتى يؤمر له بالمزيد»(3) .
وعن الباقر (ع) قال : «كان رسول الله (ص) عند عايشة ليلتها فقالت : يا رسول الله لم تتعب نفسك وقد غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر ؟ فقال (ص) : يا عايشة ألا أكون عبدا شكورا قال : وكان رسول الله (ص) يقوم على أصابع رجليه فانزل الله سبحانه «طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى»(4) .
وعن الصادق (ع) : «شكر النعم اجتناب المحارم وتمام الشكر قبول الرجل الحمد لله رب العالمين»(5) .
وسئل (ع) : «هل للشكر حد إذا فعله العبد كان شاكرا ؟ قال : نعم قيل : ما هو ؟ قال : يحمد الله على كل نعمة عليه في أهل ومال وإن كان فيما أنعم عليه في مال حق أداه ومنه قوله سبحانه : «سبحان الذي سخّـر لنـا هـذا ومـا كنـا لـه مقرنيـن(6)»(7) ومنه قوله : «رب انزلني منزلا مباركا وأنت خير المنزلين»(8) وقوله : «رب ادخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا»(9)»(10) .
وعنه (ع) قال : كان رسول الله (ص) «إذا ورد عليه أمر يسرّه قال : الحمد لله على هذه النعمة ، وإذا ورد عليه أمر يغتم به قال : الحمد لله على كل حال»(11) .
وعن الباقر (ع) قال : «إذا ذكر أحدكم نعمة الله فليضع خدّه على التراب شكرا لله ، فان كان راكبا فلينزل وليضع خدّه على التراب ، وإن لم يكن يقدر على النزول للشهرة فليضع خدّه على قربوسه ، فان لم يقدر فليضع خدّه على كفه ثمّ ليحمد الله على ما انعم عليه»(12) .

(1) الكافي : ج 2 ص 95 والمحاسن : ج 1 ص 3 .
(2) سورة ابراهيم : آية 7 .
(3) الكافي : ج 2 ص 95 .
(4) الكافي : ج 2 ص 95 والآية سورة طه : آية 2 .
(5) الكافي : ج 2 ص 95 .
(6) اي مطيعين من أقرن له اذا أطاعه . م .
(7) سورة الزخرف : آية 13 .
(8) سورة المؤمنون : آية 29 .
(9) سورة الاسراء : آية 80 .
(10) الكافي : ج 2 ص 96 .
(11) الكافي : ج 2 ص 97 .
(12) الكافي : ج 2 ص 98 .
الحقايق في محاسن الأخلاق156

الفصل الرابع
الشكر ايضا نعمة من الله

اعلم أنّه لا يبلغ أحد حقيقة الشكر إلا بان يعلم أن النعم كلها من الله وأن الشكر أيضا نعمة من الله تحتاج إلى شكر آخر وهكذا .
قال الصادق (ع) : «أوحى الله عز وجل إلى موسى (ع) يا موسى اشكرني حق شكري فقال : يا رب وكيف أشكرك حق شكرك وليس من شكر أشكرك به إلا وأنت أنعمت به عليّ قال : يا موسى الآن شكرتني حيث علمت أن ذلك منّي»(1) .
وعن السجاد (ع) قال : «كان إذا قرأ هذه الآية «وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها»(2) يقول : سبحان من لم يجعل في أحد من معرفة نعمه إلا المعرفة بالتقصير عن معرفتها كما لم يجعل في أحد من معرفة إدراكه أكثر من العلم بأنه لا يدركه ، فشكره تعالى معرفة العارفين بالتقصير عن معرفة شكره فجعل معرفتهم بالتقصير شكرا كما علم علم العالمين بانهم لا يدركونه فجعله إيمانا علما منه أنه قد وسع العباد فلا يتجاوز ذلك فان شيئا من خلقه لا يبلغ مدى عبادته وكيف يبلغ مدى عبادة من لا مدى له ولا كيف ، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا»(3) .
وعن الصادق (ع) «قال إذا أصبحت وأمسيت فقل عشر مرّات : اللهم ما أصبحت بي من نعمة أو عافية في دين أو دنيا فمنك وحدك لا شريك لك لك الحمد ولك الشكر بها عليّ يا رب حتى ترضى وبعد الرضا ، فانك إذا قلت ذلك كنت قد أدّيت شكر ما أنعم الله به عليك في ذلك اليوم وفي تلك الليلة»(4) .
وفي رواية كان نوح (ع) «يقول ذلك إذا أصبح فسمّي بذلك عبدا شكورا»(5) .
وعنه (ع) مكتوب في التوراة : «اشكر من انعم عليك وأنعم على من شكرك فانه لا زوال للنعماء إذا شكرت ولا بقاء لها إذا كفرت ، الشكر زيادة في النعم وأمان من الغير»(6) يعني من تغير الحال وانتقالها من الصلاح إلى الفساد .

(1) الكافي : ج 2 ص 98 .
(2) سورة إبراهيم : آية 34 .
(3) تحف العقول : ص 205 .
(4) الكافي : ج 2 ص 99 .
(5) الكافي : ج 2 ص 99 .
(6) الكافي : ج 2 ص 94 .
الحقايق في محاسن الأخلاق157

وعن السجاد (ع) قال : «إن الله تعالى يحب كل قلب حزين ويحب كل عبد شكور يقول الله تبارك وتعالى لعبد من عبيده يوم القيامة : أشكرت فلانا ؟ فيقول : بل شكرتك يا رب فيقول لم تشكرني إذ لم تشكره ، ثم قال : أشكركم لله أشكركم للناس»(1) .

الفصل الخامس
النعم إما دنيوية أو إما دينية

اعلم أن النعم إما دنيويّة كالخلقة السوية والملاذ الشهيد وصرف المفاسد والمضار ، وإما دينية كالاسلام ومعرفة الأئمة المعصومين (ع) والتوفيق على الطاعة والمعصية عن المعصية والدينية أعظم لايصالها إلى السعادة الابدية والانجاء من الشقاوة السرمدية واشتراك الكفار في الدنيوية واغتنام الأبرار زوال ما لا يهتم منها .
قال الكاظم (ع) «من حمد الله على النعمة فقد شكره ، والحمد أفضل من تلك النعمة»(2) .
والطريق إلى تحصيل الشكر المعرفة والتفكر في صنائعه تعالى والنظر إلى الأدنى في الدنيا وإلى الاعلى في الدين ، ويشكر في المصائب على أن لا يصيبه أكبر منها ، وأن لا تكون في الدين ، وأن تعجل عقوبته ولا تدخر للآخرة ، وأنها كانت آتية ففرغ منها ، وأن ثوابها خير له ، وأنها تنقص من القلب حب الدنيا فهي في التحقيق نعم إذ لا تخلو عن تكفير الخطيئة أو رياضة النفس أو رفع الدرجة ومع ذلك كله فالعافية خير من البلاء .
فعن النبي (ص) «أنّه كان يستعيذ في دعائه من بلاء الدنيا وبلاء الآخرة»(3) وكان يقول هو والأنبياء والأوصياء (ع) : «ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة»(4) و «كانوا يستعيذون من شماتة الأعداء»(5) .

(1) الكافي : ج 2 ص 99 .
(2) الكافي : ج 2 ص 96 .
(3) احياء علوم الدين : ج 4 ص 125 .
(4) سورة البقرة : آية 201 .
(5) انظر إحياء علوم الدين : ج 4 ص 125 هامش رقم 3 .
الحقايق في محاسن الأخلاق158

وقال رسول الله (ص) : «سلوا الله العافية فما اعطي عبد أفضل من العافية إلا اليقين»(1) وأشار باليقين إلى عافية القلب من مرض الجهل والشك فان عافية القلب أعلى من عافية البدن .

الباب الثالث
في الرجاء والخوف

في الرجاء والخوف ، أما الرجاء فهو ارتياح القلب لانتظار محبوب ، فان حصل أكثر أسبابه فالاصدق اسم الرجاء كتوقع الحصاد(2) ممن ألقى بذرا جيّدا في أرض صالحة يصلها الماء ، وإن فقد فالغرور والحماقة كما لو ألقي في غير صالحة لا يصلها الماء ، وإن شك فيها فالتمني كما إذا صلحت الارض ولا ماء .
وذلك لأن الدنيا مزرعة الآخرة والقلب كالأرض والايمان كالبذر فيه والطاعات جارية مجرى تقليب الأرض وتطهيرها ومجرى حفر الأنهار وسياقة الماء إليها ، والقلب المستهتر بالدنيا المستغرق بها كالأرض السبخة(3) التي لا ينمى فيه البذر ويوم القيامة يوم الحصاد ولا يحصد أحد إلا ما زرع ولا ينمى زرع الايمان إلا من بذر الايمان ، وقلّما ينفع إيمان مع خبث القلب وسوء أخلاقه كما لا ينمى بذر في أرض سبخة .
فينبغي أن يقاس رجاء العبد المغفرة برجاء صاحب الزرع (الأرض خ) فكل من طلب أرضا طيبة وألقى فيها بذرا جيدا ثم أمده بما احتاج ثم أمده بما يحتاج إليه من تنقية الأرض مما يمنع نبات البذر أو يفسده وسوق الماء إليه من أوقاته ثم جلس منتظرا من فضل الله دفع الآفات المفسدة إلى أن يتم الزرع ويبلغ غايته ، سمي انتظاره رجاء .
وإن بث البذر في أرض سبخة مرتفعة لا ينصب إليها ماء ولم يشتغل بتعهّد البذر أصلا ثم انتظر الحصاد منه سمي انتظاره حمقا وغرورا لا رجاء .
وإن بث(4) البذر في أرض طيبة ولكن لا ماء لها ولكن ينتظر مياه الامطار حيث لا يغلب

(1) الترغيب والترهيب : ج 4 ص 272 .
(2) الحصاد بالفتح والكسر قطع الزرع وفي الخبر نهى عن حصاد الليل . وانما نهى عنه لمكان المساكين أن يحضروه ؛ وقيل كي لا يصيب الناس الهوام . م .
(3) السبخة بالفتح أرض مالحة يعلوها الملوحة ولا تكاد تنبت الا بعض الاشجار . م .
(4) بث الخبر أذاعه ونشره . والشيء : فرقه . المنجد .
الحقايق في محاسن الأخلاق159

الأمطار ولا تمتنع أيضا سمّي انتظاره تمنّيا لا رجاء ، فاذن اسم الرجاء إنما يصدق على انتظار محبوب تمهدت جميع أسبابه الداخلة تحت اختيار العبد ولم يبق إلا ما ليس يدخل تحت اختياره وهو فضل الله تعالى بصرف القواطع والمفسدات .
فالعبد إذا بث بذر الايمان بماء الطاعات وطهّر القلب من شوك الأخلاق الردية وانتظر من فضل الله تثبيته على ذلك إلى الموت وحسن الخاتمة المفضية إلى المغفرة كان انتظاره رجاء حقيقيا محمودا في نفسه باعثا له على المواظبة والقيام بمقتضى الايمان في إتمام أسباب المغفرة إلى الموت .
وإن قطع عن بذر الايمان تعهّده بماء الطاعات أو ترك القلب مشحونا برذائل الأخلاق وانهمك في طلب لذّات الدنيا ثم انتظر المغفرة فانتظاره حمق وغرور قال الله تعالى : «إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله اولئك يرجون رحمة الله»(1) وقال عز وجل : «فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا»(2) .
وقال النبي (ص) : «الكيّس(3) من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ؛ والأحمق من اتبع نفسه هواه وتمنى على الله الأماني»(4) .
وقيل للصادق (ع) : «إن قوما من مواليك يلمّون بالمعاصي ويقولون : نرجو فقال (ع) : كذبوا ليسوا لنا بموال ، اولئك قوم ترجحت بهم الأماني من رجى شيئا عمل له ومن خاف شيئا هرب منه»(5) .
وقال (ع) : «لا يكون المؤمن مؤمنا حتى يكون خائفا راجيا ، ولا يكون خائفا راجيا حتى يكون عاملا لما يخاف ويرجو»(6) .
فاذن العبد المجتهد في الطاعات المجتنب للمعاصي حقيق بأن ينتظر من فضل الله تمام النعمة وما تمام النعمة إلا بدخول الجنة ، وأما العاصي فاذا تاب وتدارك جميع ما فرط منه من

(1) سورة البقرة : آية 218 .
(2) سورة الأعراف : آية 169 .
(3) الكيس : العاقل .
(4) تنبيه الخواطر : ج 1 ص 235 وامالي الطوسي : ص 541 .
(5) الكافي : ج 2 ص 68 .
(6) الكافي : ج 2 ص 71 .
الحقايق في محاسن الأخلاق160

تقصير فحقيق بأن يرجو قبول التوبة إذا كان كارها للمعصية تسوءه السيئة وتسرّه الحسنة وهو يذم نفسه ويلومها ، ومن يشتهي التوبة ويشتاق إليها فحقيق بأن يرجو من الله التوفيق للتوبة ، لأن كراهيته للمعصية وحرصه على الطاعة يجري مجرى السبب الذي قد يفضي إلى التوبة ، وإنّما الرجاء بعد تأكد الأسباب .

الفصل الأول
حال من غلبه الخوف

وأما الخوف فهو عبارة عن تألم القلب واحتراقه بسبب توقع مكروه في الاستقبال وبحسب تظاهر أسباب المكروه تكون قوّة الخوف وشدّة تألم القلب ، وبحسب ضعف الأسباب يضعف الخوف ، والخوف من الله تارة يكون بمعرفة الله ومعرفة صفاته ، وتارة يكون بكثرة الخيانة من العبد بمقارفة المعاصي ، وتارة يكون بهما جميعا وبحسب معرفته بجلال الله وتعاليه واستغنائه وبعيوب نفسه وجناياته تكون قوة خوفه فأخوف الناس لربه أعرفهم بربه ونفسه ولذلك قال النبـي (ص) : «أنـا أخوفكـم لله»(1) وقال الله سبحانه : «إنما يخشى الله من عباده العلماء»(2) .
ثم بقدر كمال المعرفة يفيض(3) اثر الحرقة من القلب على البدن ، وعلى الجوارح ، وعلى الصفات ، أما في البدن فبالنحول(4) والصفاء والبكاء ، وأما في الجوارح فبكفها عن المعاصي وتقييدها بالطاعات تلافيا لما فرط واستعدادا للمستقبل ، ولذلك قيل : ليس الخائف من يبكي ويمسح عينيه ، بل من يترك ما يخاف أن يعاقب عليه ، وقال حكيم : من خاف شيئا هرب منه ، ومن خاف الله هرب إليه ، وأما في الصفات فهو أن يقمع(5) الشهوات ويكدر(6) اللذات .
فتصير المعاصي المحبوبة عنده مكروهة كما يصير العسل مكروها عند من يشتهيه إذا عرف أن فيه سمّا فتحترق الشهوات بالخوف وتتأدّب الجوارح ويحصل في القلب الذبول(7) والخشوع والذلة والاستكانة ، ويفارقه الكبر والحقد والحسد بل يصير مستوعب الهم بخوفه

(1) احياء علوم الدين ج 4 ص 145 .
(2) سورة فاطر : آية 28 .
(3) أفاض السيل يفيض فيضا كثر وسال من شفا الوادي . م .
(4) النحول : الهزال . م .
(5) قمعه : قهره وذلّله . ق .
(6) كدر الماء مثلثة الدال فهو كدر نقيض صفا . م .
(7) ذبلت بشرته قل ماء جلدته وذهب نضارته م .

السابق السابق الفهرس التالي التالي