* لك يا سيدي يا أبا صالح المهدي الحجة المنتظر عجل الله تعالى لك الفرج
* إلى الذين يسعون في استلهام دروس العبرة والاتعاظ من عواقب المفسدين والظالمين الوخيمة
* لك يا من تبغي السعادة في هذه الحياة مصوناً من المكاره والآفات
* لك يا من تريد ان تغير ما بنفسك حتى تحظى بالتغيرات الإلهية
* لك يامن تخاف وتخشى عواقب الأمور وآثار أعمالك وأقوالك
* للمتقين الذين يؤمنون بالغيب . . . . أولئك على هدىً من ربهم وأولئك هم المفلحون
أهدي هذا الجهد المتواضع
عبد الرسول آل عنوز
 |
| عواقب الامور من الكتاب والسنة |
|
5 |
|
 |
«من يعمل سواءاً يجز به ولا يجد له من دون الله ولياً ولا نصيراً»
[النساء : 123]
«فكلاً أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصباً ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون»
[العنكبوت : 40]
«ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون»
[الروم : 41]
«وضرب الله مثلاً قريةً كانت آمنة مطمئنةً يأتيها رزقها رغداً من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون»
[النحل : 123]
«وما أصابكم من مصيبة فيما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير»
[الشورى : 30]
 |
| عواقب الامور من الكتاب والسنة |
|
6 |
|
 |
عن أبي جعفر عليه السلام ، قال : وجدنا في كتاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :
إذا ظهر الزنا من بعدي كثر الموت الفجأة ،
وإذا طفف الميزان والميكال أخذهم الله بالسنين والنقص ،
وإذا منعوا الزكاة منعت الأرض بركاتها من الزرع والثمار والمعادن كلها ،
وإذا جاروا في الأحكام تعاونوا على الظلم والعدوان ،
وإذا نقضوا العهد سلط الله عليهم عدوهم ،
وإذا قطعوا الأرحام جعلت الأموال في أيدي الأشرار ،
وإذا لم يأمر بالمعروف ولم ينهوا عن المنكر ولم يتبعوا الأخيار من أهل بيتي سلط الله عليهم شرارهم فيدعو خيارهم فلا يستجاب لهم .
[ وسائل الشيعة 16 : 273 ، ح2 ]
 |
| عواقب الامور من الكتاب والسنة |
|
7 |
|
 |
اللهم إني أفتتح الثناء بحمدك ، وأنت مسدد للصواب بمنك ، وأيقنت أنك أنت أرحم الراحيم في موضع العفو والرحمة ، وأشد المعاقبين في موضع النكال والنقمة .
وصلاة وسلاماً على من نعت بقوله تعالى : «وما أرسلناك إلا رحمةً للعالمين» (1) «وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم» (2) .
وتحية وصلاة على أهل بيته الذين هم أمان لأهل لأرض ونجاة ورحمة للعالمين ، وقائمهم بالحق مالئ الأرض قسطاً وعدلاً بعد ما ملئت ظلماً وجوراً .
فإن من الخصائص الأساسية للرسالة الإسلامية أنها تعتني بالوقاية والتحصين قبل العلاج والردع والعقاب ، فالإسلام حينما حرم المعصية وحدد حدودها عمل على إيجاد كل القوانين والقيم اللازمة لوقاية الإنسان وحمايته من الوقوع في الرذيلة والجريمة .
|
(1) الأنبياء : 107 .
(2) الأنفال : 33 .
|
 |
| عواقب الامور من الكتاب والسنة |
|
8 |
|
 |
فالإسلام حينما حرم القتل والزنا واللواط والسرقة ـ مثلاً ـ حرم معها كل الطرق والعوامل المؤدية إلى سقوط الإنسان في شراك هذه الجرائم والمعاصي كالخمر والقمار والخلاعة والمجون والخلوة وغيرها .
وإن من عقائدنا الحقة اعتقادنا بإنه عزوجل لابد أن يكون له في كل واقعة حكم ، ولا تخلو لحظة من الزمان والمكان إلا ولها حكم شرعي .
ونعتقد أيضاً ان من القبيح أن يأمر سبحانه وتعالى بما فيه المفسدة أو ينهى عما فيه المصلحة .
ونعتقد أنه تعالى ليس له أية مصلحة أو منفعة في تكليفنا بالواجبات ونهينا عن فعل ما حرمه ، بل المصلحة والمنفعة ترجع لنا في جميع التكاليف فمن عدله ولطفه بعباده جعل أحكامه طبقاً لمصالح العباد ، فما فيه المصلحة الملزمة جعله واجباً ، وما فيه المفسدة البالغة نهى عنه ، وما فيه مصلحة راجحة ندبنا إليه . . . وهكذا في باقي الأحكام فإنه لا يأمر عبثاً ولا ينهى جزافاً وهو المدبر الحكيم .
ولا يخفى أن التربية الدينية الإسلامية هي اسمى وأعلى انواع التربية وانجحها واكثرها عطاءاً للإنسان من غيرها ، فهي التي وحدها تهدف الى النمو الروحي وتهذيب النفسي وتنمية السلوك وتعويد النفس على العادات الصالحة والأخلاق الفاضلة والمثل العليا الكريمة .
فإن الذنوب والمعاصي تبعد الإنسان عن الاعتقاد بالله وبكتبه ورسله وتجعله يمقت الدين وينهزم من المتدينين ، فهناك فرق واضح بين طهارة النفس وخلوها من المعاصي والآثام وبين اتجاه النفس نحو الانغماس والتلوث
 |
| عواقب الامور من الكتاب والسنة |
|
9 |
|
 |
بالذنوب والجرائم والانجراف نحو الإلحاد والعقائد السخيفة .
وهذا شأن جميع الخطايا والجرائم وما نهى الله تعالى عنه وشدد عليه فإنها توجب غضب الله وسخطه وعقابه للإنسان في الدنيا قبل الآخرة ليذيقهم بعض الذي عملوا .
وهكذا جاءت أحاديث أهل البيت عليهم السلام محذرة غوائل الذنوب ومآسيها العامة ، وأوضحت أن ما يعانيه الفرد والمجتمع من ذروب الأزمات والمحن كشيوع المظالم وانتشار الأمراض وفساد الأخلاق وقسوة القلوب وفقدان العواطف وذهاب الغيرة وعدم استجابة الدعاء وشح الأرزاق والقحط والفيضانات والعواصف والزلازل والفتن والحروب وغيرها مما يؤدي إلى الدمار والخراب الشامل مما تكفل هذا الكتاب عرضه وبيانه .
فإن القرآن الكريم يعتبر ربط الماضي بالحاضر أمراً ضرورياً لفهم الحقائق ؛ لأن الارتباط بين هذين الزمانين ـ الماضي والحاضر ـ يكشف عن مسؤولية الأجيال القادمة ويوقفها على واجبها ، ولهذا قال سبحانه : «قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين» (1) .
وهذا يعني أن الله في الأمم سنناًَ لا تختص بهم ، بل هي قوانين وسنن عامة في الحياة تجري على الحاضرين كما جرت على الماضين سواء بسواء ، وهي سنن للتقدم والبقاء وسنن للتدهور والاندحار ، التقدم للمؤمنين
 |
| عواقب الامور من الكتاب والسنة |
|
10 |
|
 |
المجاهدين المتحدين الواعين ، التدهور والاندحار للأمم المتفرقة المتشتتة الكافرة الغارقة في الذنوب والآثام .
أجل ، إن للتأريخ اهمية حيوية لكل أمة من الأمم ؛ لأن التاريخ يعكس الخصوصيات الأخلاقية والأعمال الصالحة وغير الصالحة ، والأفكار التي كانت سائدة في الأجيال السابقة ، كما يكشف عن علل سقوط المجتعمات أو سعادتها ونجاحها وفشلها في العصور الغابرة المختلفة .
وبكلمة واحدة : إن التاريخ مرآة الحياة الروحية والمعنوية للمجتمعات البشرية ، وهو لذلك خير مرشد ومحذر للأجيال القادمة .
ولهذا نجد القران الكريم يدعو المسلمين إلى السير في الأرض والنظر بإمعان وتدبير في آثار الأمم والشعوب التي سادت ثم بادت ، إذ يقول : «فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين» (1) ، إن آثار الماذين عبرة للقادمين ، وبالنظر فيها والاعتبار بها يمكن للناس أن يعرفوا المسير الصحيح للسلوك والحياة .
إن الآثار المتبقية في مختلف بلدان العالم من الأمم والعهود السابقة ما هي ـ في الحقيقة ـ إلا وثائق التاريخ الحية والناطقة ، بل هي قادرة على أن تعطينا من الحقائق والأسرار أكثر مما يعطينا التاريخ المدون .
 |
| عواقب الامور من الكتاب والسنة |
|
11 |
|
 |
أجل ، إن خرائب قصور الطغاة بقايا آثار عظيمة مثل الأهرام ، وبرج بابل ، وقصور كسرى ، وآثار الحضارة المندثرة لقوم سبأ ، ومئات من نظائرها الأخرى من هذه الآثار المنتشرة في شتى أنحاء هذا الكوكب تنطوي ـ رغم صمتها ـ على ألف حديث وحديث ، وألف كلمة وكلمة .
وهذه المقايسة ترينا غباء اولئك المستبدين الذين يرتكبون آلاف الجرائم وأفظع الجنايات للوصول إلى الشهوات العابرة واللذائذ الخاطفة ، ولهذا يحث القرآن المسلمين على السير في الأرض والنظر إلى آثار الماضين المدفونة تحت التراب أو الباقية على ظهر الأرض بأم أعينهم ، وأن يتخذوا من كل ذلك العظة والعبرة وما أكثرها .
أجل ، إن الإسلام يقر مسألة السياحة والسير في الأرض ويوليها أهمية كبرى ، لكن لا كما يريد السياح وطلاب اللذة والهوى ، بل لدراسة آثار الأمم الماذية والتدبير فيها والاعتبار بها ، والوقوف على آثار العظمة الإلهية في شتى نقاط العالم ، وهذا هو ما يسميه القرآن الكريم بالسير في الأرض ، والذي تأمر به الآيات العديدة ، ومن ذلك :
1 ـ «قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المجرمين» (1) .
2 ـ «أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها» (2) .
|
(1) النمل : 71 .
(2) الحج : 46 .
|
 |
| عواقب الامور من الكتاب والسنة |
|
12 |
|
 |
3 ـ «قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق» (1) .
إن هذه الآيات تقول بأن السير في الأرض والنظر في آثار الماذين يفتح العقول والعيون ، وينير القلوب والأفئدة ، ويخلص الإنسان من الجمود والركود .
وقد أشار الإمام علي أمير المؤمنين عليه السلام إلى هذه الحقيقة في كلمات وخطب عديدة ، منها قوله : «فاعتبروا لما أصاب الأمم المستكبرين من قبلكم من بأس الله وصولاته ، ووقائعه ومثلاته ، واتعظوا بمثاوي خدودهم ، ومصارع جنوبهم ، واستعيذوا بالله من لواقح الكبر كما تستعيدونه من طوارق الدهر . . . واحذروا ما نزل بالأمم من المتلاث بسوء الأفعال وذميم الأعمال ، فتذكروا في الخير والشر أحوالهم ، واحذروا أن تكونوا أمثالهم ، فإذا تفكرتم في تفاوت حاليهم فالزموا كل أمر لزمت العزة به شأنهم ، وزاحت الأعداء له عنهم ، ومدت العافية به عليهم ، وانقادت النعمة له معهم ، ووصلت الكرامة عليه حبلهم من الاجتناب للفرقة ، واللزوم للألفة والتحاض عليها ، والتواصي بها . واجتنبوا كل أمر كسر فقرتهم ، وأوهن منتهم ، من تضاغن القلوب ، وتشاحن الصدور ، وتدابر النفوس ، وتخاذل الأيدي . . . .» (2) .
ولكن هذا التعليم الإسلامي الحي قد نسي ـ مع الأسف ـ كبقية
|
(1) العنكبوت : 20 .
(2) نهج البلاغة ، خطبة 192 .
|
 |
| عواقب الامور من الكتاب والسنة |
|
13 |
|
 |
التعاليم الإسلامية ولم يلتفت إليه المسلمون .
أجل ، إن المتقين الهادفين هم الذين يتعضون بهذه الأمور ؛ لأنهم يبحثون عن كل ما يعمق روح التقوى في نفوسهم ويزيد بصيرتهم بالحق .
إن القرآن الكريم يحذر وينذر بشدة كل أولئك الذين يتمردون على تعاليم الأنبياء ويقومون بزرع الفجور والفساد بدل إصلاح أنفسهم وإصلاح الآخرين ، بإن يتدبروا قليلاً في حياة الأقوام السالفة وينظروا كم من قرية عامرة أبادها الله وأهلك سكانها الفاسقين .
لا شك أن لرؤية آثار السابقين والأقوام التي هلكت بسبب إنكارها الحقائق تأثيراً أعمق من مجرد قراءت كتب التاريخ ؛ لأن هذه الآثار تجسد الحقيقة ناطقة ملموسة ، ولهذا استعمل جملة : «انظروا» ولم يقل : «تفكروا» .
وقد أمر القرآن بأخذ العبرة من العقوبات التي نزلت بالأمم من قبلنا وهي على نماذج :
منها : نزول العذاب ، وهنالك اختلاف بين المفسرين بشأن المقصود من العذاب من فوق ومن تحت ، ويظهر أن لهاتين الكلمتين معانن واسعة ، فهما تشملان الجهتين الماديتين من السماء ومن الأرض ، كالصواعق والأمطار الغزيرة والعواصف المدمرة التي تأتي من فوق ، والزلازل والإنشقاقات الأرضية المدمرة وفيضانات الأنهر والبحار من تحت .
كذلك تشملان الآلام والمصائب التي ينزلها بعض الحكام والطبقات المتسلطة في المجتمع على رؤوس الشعوب وكذلك الآلام والعذاب الذي
 |
| عواقب الامور من الكتاب والسنة |
|
14 |
|
 |
يسببه بعض الموظفين الذين لا يعرفون واجبهم للناس مما قد لا يقل عما يسببه الحكام والطبقات العليا من المجتمع ، وكذلك يحتمل أن تشملان أسلحة الحرب المخفية في عصرنا التي تبيد حياة البشر بشكل وحشي من الأرض والجو ، وتحيل المدن خلال مدة قصيرة إلى ركام وأنقاض عن طريق القصف الجوي والهجوم الأرضي وزرع الألغام والغواصات المدمرة داخل البحار .
«قل هو القادر على ان يبعث عليكم عذاباً من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعاً ويذيق بعضكم بأس بعض أنظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون» (1) .
يستنتج من هذا التعبير ان مسألة اختلاف الكلمة والتفرق في المجتمع لا تقل خطورتها عن العذاب السماوي والصواعق والزلازل ، وهو في الحقيقة كذلك ، بل قد يكون الخراب الناشئ من اختلاف الكلمة والتفرق أحياناً أشد وطأةً ودماراً من الزلازل والصواعق . كثيراً ما نلاحظ أن دولاً عامرةً يصيبها الفناء بسبب النفاق والتفرقة ، وهذه الكلمة تحذير لجميع مسلمين العالم .
والنموذج الآخر : «وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتاً أو هم قآئلون * فما كان دعواهم إذ جاءهم بأسنا إلا أن قالوا إنا كلنا ظالمين» (2)
|
(1) الأنعام : 65 .
(2) الأعراف : 4 ـ 5 .
|
 |
| عواقب الامور من الكتاب والسنة |
|
15 |
|
 |
هاتان الآيتان تشيران إلى العواقب المؤلمة التي تترتب على مخالفة الأوامر التي تم بيانها في الآيات السابقة ، كما أنهما تعدان ـ في الواقع ـ فهرستاً إجمالياً عن قصص الأقوام المتعددة أمثال قوم نوح وقوم فرعون وقوم عاد وثمود وقوم لوط التي ستأتي فيما بعد .
ويطرج القرآن نموذجاً آخر بقوله تعالى «وقالوا مهما تأتنا به من آية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين * فأرسلنا عليهم الطوفان والجرادة والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات فاستكبروا وكانوا قوماً مجرمين» (1) .
في هاتين الآيتين أشير إلى مرحلة أخرى من الدروس المنبهة التي لقنها الله لقوم فرعون ، فعندما لم تنفع المرحلة الأولى ـ يعني أخذهم بالجذب والسنين وما ترتب عليه من الأضرار المالية في إيقاظهم وتنبيههم ـ جاء دور المرحلة الثانية وتمثلت في عقوبات أشد ، فانزل الله عليهم نوائب متتابعة ، ولكنهم ـ للأسف ـ لم ينتبهوا مع ذلك . ولكن حيث إن الله سبحانه لا يعاقب أمة أو قوماً من دون أن يتم عليهم الحجة قال في الآية اللاحقة : نحن أنزلنا عليهم بلايا كثيرة ومتعددة لعلهم يتنبهون ، فقال أولاً : «فأرسلنا عليهم الطوفان» (2) .
|
(1) الأعراف : 132 ـ 133 .
(2) كلمة « طوفان » مشتقة من مادة ( الطوف ) على وزن ( خوف ) ، وتعني الشيء الذي يطوف ويدور ، ثم اطلقت هذه اللفظة على الحادثة التي تحيط بالإنسان ، ولكنها اطلقت ـ في
|
 |
| عواقب الامور من الكتاب والسنة |
|
16 |
|
 |
ثم سلط الجراد على زروعهم وأشجارهم ، وقد جاء في الأحاديث أن هجوم أسراب الجراد كان عظيماً جداً إلى درجة أنها وقعت في أشجارهم وزرعهم أكلاً وقضماً وإتلافاً ، حتى أنها أفرغتها من جميع الغصون والأوراق وحتى أنها أخذت تؤذي أبدانهم ، بحيث تعالت صيحاتهم وإستغاثاتهم .
وكلما يصيبهم بلاء كانوا يلجؤون إلى موسى عليه السلام ويسئلونه أن يطلب من الله أن يرفع عنهم ذلك البلاء ، فقد فعلوا هذا بعد الطوفان والجراد أيضاً ، وقبل موسى عليه السلام وارتفع عنهم البلاء ، ولكنهم مع كل ذلك لم يكفوا عن لجاجهم وتعنتهم .
وفي المرة الثالثة سلط عليهم القمل (1) ، عندما خفت أمواج هذا البلاء واستمروا في عنادهم سلط عليهم في المرحلة الرابعة الضفادع ، فقد تزايد نسل الضفادع تزايداً شديداً حتى أنه تحول إلى بلاء عظيم عكر عليهم صفو حياتهم ، ففي كل مكان كانت الضفادع الصغيرة والكبيرة تزاحمهم ، حتى في
|
= اللغة ـ على السيول والأمواج المدمرة التي تأتي على كل شيء في الأغلب وبالتالي تدمر البيوت وتقلع الأشجار من جذورها .
(1) فقد وقع فيه كلام بين المفسرين ، ولكن الظاهر أنه نوع من الآفات الزراعية التي تصيب الغلات وتفسدها وتتلفها .
|
 |
| عواقب الامور من الكتاب والسنة |
|
17 |
|
 |
البيوت والغرف والموائد وأواني الطعام ، بحيث ضاقت عليهم الحياة بمارحبت ، ولكنهم مع ذلك لم يخضعوا للحق ولم يسلموا .
وفي هذا الوقت بالذات سلط الله علهيم الدم (1) .
وقال تعالى في ختام ذلك : إن هذه الآيات والمعاجز الباهرة رغم إنها أظهرت لهم حقانية موسى ولكنهم استكبروا عن قبول الحق وكانوا مجرمين «آيات مفصلات فاستكبروا وكانوا قوماً مجرمين» .
وهناك نموذج آخر يشير إلى عاقبة السوء لمن يرفض دعوة الله ورسوله إلى الحياة بقوله تعالى : «واتقوا فتناً لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصةً» (2) .
وكلمة ( فتنة ) استعملت في القرآن المجيد بمعان مختلفة ، فقد جاءت تارةً بمعنى الإختبار والإمتحان ، وتارة بمعنى البلاء والعذاب والمصيبة ، وهي في الأصل بمعنى إدخال الذهب في بوتقة النار ليتميز جيده من رديئه ، ثم استعملت بمعنى الإختبارات التي تكشف الصفات الباطنية للإنسان ، واستحدثت في الإبتلاء والجزاء الذي يبعث الصفاء في روح الإنسان ويطهره من شوائب الذنوب .
|
(1) قال البعض : أن داء الرعاف ـ وهو نزيف الدم من الأنف ـ شاع بينهم كداء عام وأصيب الجميع بذلك ، ولكن أكثر المفسرين ذهبوا إلى أن نهر النيل صار لونه كلون الدم بحيث لم يعد قابلاً للإنتفاع ، وقيل غير ذلك .
(2) الأنفال : 25 .
|
 |
| عواقب الامور من الكتاب والسنة |
|
18 |
|
 |
وأما في هذه الآية فإن كلمة (فتنة) بمعنى البلاء والمصائب الإجتماعية التي يصاب فيها الجميع فيحترق فيها الأخضر مع اليابس .
وفي الحقيقة فشأن الحوادث الإجتماعية هو هكذا ، فإذا ما توانى مجتمع ما عن أداء رسالته وانهارت القوانين على أثر ذلك ، وانعدام الأمن ، فإن نار الفتنة ستحرق الأبرار مع الأشرار ، وهذا هو الخطر الذي يحذر الله تبارك وتعالى منه ويحذر في هذه الآية المجتمعات البشرية كلها .
ومفهوم الآية هنا هو أن أفراد المجتمع مسؤولون عن أداء وظائفهم ، وكذلك فهم مسؤولون عن حث الآخرين لأداء وظائفهم أيضاً ؛ لأن الإختلاف والتشتت في قضايا المجتمع يؤدي إلى إنهياره ، ويتضرر بذلك الجميع فلا يصح أن يقول أحد بأنني أؤدي رسالتي الإجتماعية ولا علاقة لي بالآثار السلبية الناجمة عن عدم أداء الآخرين لواجباتهم ؛ لأن آثار القضايا الإجتماعية ليست فردية ولا شخصية .
وهذا الموضوع يشبه تماماً ما لو إحتجنا لصد الأعداء إلى مائة ألف مقاتل ، فإذا قام خمسون ألف مقاتل بأداء وظائفهم فمن اليقين أنهم سيخسرون عند منازلتهم العدو ، وهذا الإنكسار سيشمل الذين أدو وظائفهم والذي تقاعسوا عن أدائها ، وهذه هي خصوصية المسائل الإجتماعية .
ويمكن أيضاح هذه الحقيقة بصورة أجلا وهي : إن الأخيار من أبناء المجتمع مسؤولون في التصدي للأشرار ؛ لأنهم لو اختاروا السكوت
 |
| عواقب الامور من الكتاب والسنة |
|
19 |
|
 |
فسيشاركون أولئك مصيرهم عند الله ، كما ورد ذلك في حديث مشهور عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حيث قال : ( إن الله عزوجل لا يعذب العامة بعمل الخاصة حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم وهم قادرون على أن ينكرون فإذا فعلوا ذلك عذب الله الحاصة والعامة ) .
ويتضحمما قلناه أن هذا الحكم يصدق في مجال الجزاء الإلهي في الدنيا والآخرة ، وكذلك في مجال النتائج وآثار الأعمال الإجتماعية .
وتختتم الآية بلغة التهديد فتقول : «واعلموا أن الله شديد العقاب» لئلا يصاب هؤلاء بالغفلة بسبب الألطاف والرحمة الإلهية وينسوا شدة الجزاء الإلهي فتاكلهم الفتن وتحيط بهم من كل جانب كما أحاطت المجتمع الإسلامي وأرجعته القهقري بسبب نسيانه السنن والقوانين الإلهية .
فنظرة قصيرة إلى مجتمعنا الإسلامي في زماننا الحاضر والإنكسارات التي اصابته امام اعدائه والفتن الكثيرة ، كالإستعمار والصهيونية ، والإلحاد والمادية والفساد الخلقي ، وتشتت العوائل ، وسقوط شبابه في وديان الفساد ، والتخلف العلمي ، كل ذلك يجسد مضمون الآية وكيف أن تلك الفتن أصابت كل سغير وكبير وكل عالم وجاهل وسيستمر كل ذلك حتى اليوم الذي تتحرك فيه الروح الإجتماعية للمسلمين ، ويهتم الجميع بصلاح المجتمع ولا يتخلفوا عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
والكثير من الناس يمرون مرور الكرام على حوادث التاريخ المختلفة دون أي تفكر فيها ، والكثير منهم بدلاً من البحث في العلل أو الأسباب الواقعية لحياة الشعوب وموتها يرجعون ذلك إلى أسباب وهمية وخيالية
 |
| عواقب الامور من الكتاب والسنة |
|
20 |
|
 |
ويرجعها آخرون إلى حركة الأفلاك ودوارنها إيجاباً وسلباً .
وأخيراً فإن بعضهم لجأ إلى مسألة القضاء والقدر بمفهومها المحرف ، أو إلى مسائل حسن الطالع والحظ وعدمهما وما شابه ذلك ، وكل ذلك بسبب الخوف من الأسباب الحققيقية لتلك الأمور .
والقرآن الكريم في الآيات المتقدمة يضع إصبع التحقيق على الأصل والمنبع ، ويبين أنواع العلاج وأسباب النصر والهزيمة فيقول : لأجل معرفة أسباب الأصيلة لا يلزم البحث عنها في السماوات ولا في الأرضين ، ولا وراء الأوهام والخيال ، بل ينبغي البحث عنها في وجودكم وفكركم وأرواحكم وأخلاقكم ، وفي نظمكم الإجتماعية ، فإن كل ذلك كامن فيها .
فالشعوب التي فكرت ملياً وحركت عقولها ووحدت جموعها وتآخت فيما بينها ، وكانت قوية العزم والإرادة وقامت بالتضحية والفداء عند لزوم ذلك ، هذه الشعوب منتصرة حتماً . أما أذا حل الضعف والتخاذل والركود مكان العمل والسعي الحثيث وحل التراجع مكان الجرأة والنفاق والتفرقة مكان الإتحاد ، وحب النفس مكان الفداء ، وحل التظاهر والرياء محل الإخلاص والإيمان ، فيبدأ عند ذلك السقوط والبلاء .
وفي الحقيقة أن جملة : «ذلك بأن الله لم يك مغيراً نعمةً أنعمها على قوم حتى يغير ما بأنفسهم» تبين أسمى قانون في حياة الإنسانية ، وتوضح أن مدرسة القرآن الكريم هي أكرم مدرسة فكرية لحياة المجتمعات الإنسانية وأوضحها حتى لأولئك الذين نسوا في عصر الفضاء والذرة قيمة الإنسان وجعلوا حركة التاريخ مرتبطة بالمصانع والمعامل وقضايا الاقتصاد ، فهي تقول
 |
| عواقب الامور من الكتاب والسنة |
|
21 |
|
 |
هؤلاء : إنكم في خطا كبير إذا اخذتم بالمعلول وتركتم العلة الأصلية أو نسيتموها . ولئلا نمضي بعيداً ، فإن تاريخ الإسلام أو تاريخ حياة المسلمين ـ بتعبير أصح ـ قد شهد انتصارات باهرة في بداياته وانكسارات وهزائم مرة صعبة .
وهناك مراحل للعقوبات نزلت بالتدريج ، فإن الله لا يعاقب أو يؤاخذ أحداً بالعذاب قبل أن يتم الحجة عليه وقبل أن يتضح ويستبين تكليفه ، ففي البداية يضع الله تعليماته وأوامره أمام الناس ، فإذا التزموا بها وأطاعوا فستنالهم سعادة الدنيا والآخرة . أما إذا عصوا وخالفوا ولم يلتزموا بالأوامر والنواهي الربانية فسيحيق بهم العذاب ويؤدي إلى هلاكهم .
وإذا تأملنا الآيات القرآنية ودققنا النظر فيها بشكل صحيح فسنرى أن هناك أربع مراحل لهذا البرنامج الرباني هي :
1 . مرحلة الأوامر والنواهي .
2 . مرحلة التسف والمخالفة .
3 . مرحلة استحقاق المجازاة .
4 . مرحلة الهلاك .
ومما لا شك فيه أن كل ذنب يترك أثره في المجتمع ، كما يترك أثره في الأفراد عن طريق المجتمع أيضاً يسبب نوعاً من الفساد في التنظيم الاجتماعي فالذنب والعمل القبيح وتجاوز القانون مثلها كمثل الغذاء السيء والمسموم ، إذ يترك أثره غير المطلوب والسيء في البدن شئنا أم أبينا ، ويقعل الإنسان فريسة
 |
| عواقب الامور من الكتاب والسنة |
|
22 |
|
 |
للآثار الوضعية لذلك الغذاء المسموم . ( الكذب ) يسلب الاعتماد . و( خيانة الأمانة ) تحطم الروابط الاجتماعية . و( الظلم ) يسبب إيذاء الآخرين وظلمهم و ( ترك حقوق المحرومين ) يورث العداوة والحقد والبغضاء ، و( ترك الأحقاد والعداوات ) يزلزل أساس المجتمع .
والخلاصة ، أن كل عمل غير صحيح له أثره السيء سواء كان ذلك في دائرة محدودة أم واسعة وأحد تفاسير الآية : «ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس» . وهذا يبين العلاقة الطبيعية بين الذنب والفساد هنا . إلا أنه يستفاد من الروايات الإسلامية أن كثيراً من الذنوب ـ إذافة لم اذكرنا ـ تجلب معها سلسلة من الآثار السيئة ، وعلاقتها وارتباطها مع تلك الآثار ـ من الناحية الطبيعية على الأقل ـ غير معروفة ، فمثلاً ورد في الروايات الإسلامية أن قطع الرحم يقصر العمر ، وأن أكل المال الحرام يورث ظلمة القلب ، وأن كثرو الزنا يورث فناء الناس ويقلل الرزق ، حتى أننا لنقرأ حديثاً عن الإمام الصادق عليه السلام يقول فيه : من يموت بالذنوب أكثر ممن يموت بالأجل .
وقد ورد في القرآن نظير هذه المعنى في تعبير آخر ، حيث يقول القرآن : «ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض لكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون» (1) . إذن فالفساد في الآية هو
 |
| عواقب الامور من الكتاب والسنة |
|
23 |
|
 |
الفساد الأعم الذي يشمل المفاسد الإجتماعية ، والبلايا ، وسلب النعم والبركات وغيرها .
ومما يلفت الانتباه أن الآية المتقدمة يستفاد منها ضمنا أن واحداً من حكم الآفات والبلايا تأثيرها التربوي على الناس ، إذ عليهم أن يروا رد الفعل الناتج من أعمالهم ليفيقوا من نومهم وغفلتهم ويعودوا إلى الطهارة والتقوى . ولا نقول : « إن جميع الشرور والآفات هي من هذا القبيل ، ولكننا نقول : إن قسماً منها ـ على الأقل ـ فيه هذه الحكمة والغاية . وبالطبع فإن لها حكمة أخرى ، وإن الأجر والعقاب أكثر ما يكون بسبب النتيجة الطبيعية والتكوينية لأعمال الإنسان حيث يشملهم ذلك .
والآيات المتقدمة خير شاهد على هذه الحقيقة . وبهذا الخصوص هناك روايات كثيرة في المصادر الإسلامية نشير إلى بعضها لتكميل الموضوع :
1 ـ ورد في إحدى خطب نهج البلاغة : «ما كان قوم قط في غض نعمة من عيش فزال عنهم إلا بالذنوب اجترحوها ؛ لأن الله ليس بظلام للعبيد ، ولو أن الناس حين تنزيل بهم النقم وتزول عنهم النعم فزعوا إلى ربهم بصدق من نياتهم ووله من قلوبهم لرد عليهم كل شارد ، وأصلح لهم كل فاسد» .
2 ـ وعنه عليه السلام : «إن البلاء للظالم أدب ، وللمؤمن امتحان ، وللإنبياء درجة ، وللأولياء كرامة» .
وهذا الحديث خير شاهد للاستثناءات التي ذكرناها لهذه الآية .
3 ـ عن الإمام الصادق عليه السلام : «إن العبد إذا كثرت ذنوبه ولم يكن عنده من العمل ما يكفرها ابتلاه بالحزن ليكفرها» .
 |
| عواقب الامور من الكتاب والسنة |
|
24 |
|
 |
4 ـ وهناك باب خاص لهذا الموضوع في كتاب أصول الكافي يشمل 12 حديثاً . وكل هذه هي غير الذنوب التي صرح بها القرآن الكريم بإن الخالق سيشملها بعفوه ورحمته ، حيث إِنها ـ بحد ذاتها ـ كثيرة (1) .
ليس لهؤلاء أن يقولوا : إن هذه المصائب والبلاء والفتن النازلة بنا إنما هي من قبيل البلاء للولاء ، ولا دليل على كونها عن سخط الهي يحسب نكالا ووبالا ، وقد نزل أمثالها على صالحي عباد الله من الأنبياء والرسل كإبراهيم وإسماعيل ويعقوب ويوسف وزكريا ويحيى وغيرهم ، ونزل عليكم معاشر المسلمين نظائرها كما في غزوة أحد ومؤتة وغيرهما ، فما بال هذه المكاره إذا حلت بنا حسبناها عذاباً إلهياً وإذا حلت بكم حسبت نعماً وكرامات ؟
وذلك أنه لا ريب لأحد أن هذه المكاره الجسمانية والمصائب والبلايا الدنيوية توجد عند المؤمن كما توجد عند الكافرين وتأخذ الصالحين والصالحين معاً ، سنة الله التي قد دخلت في عباده ، إلا إنها تختلف عيناً وأثراً باختلاف موقف الإنسان من الصلاح والطلاح ، مقام العبد من ربه . فلا ريب أن من استقر الصلاح في نفسه وتمكنت الفضيلة الإنسانية من جوهره ـ كالأنبياء الكرام ومن يتلوهم ـ لا تؤثر المصائب والمحن الدنيوية النازلة عليه الآن في فعلية الفضائل الكامنة في نفسه مما ينتفع به وبثاره الحسنة هو وغيره
|
|
(1) وقد تم جمعها وتدوينها في كتاب مستقل تحت عنوان ( الآثار الوضعية ) طبع سنة 1419 هـ
|
 |
| عواقب الامور من الكتاب والسنة |
|
25 |
|
 |
فهذا النوع من المحن المشتملة على ما يستكرهه الطبع ليس إلا تربية إلهية وان شئت فقل : ترفيعا للدرجة .
ومن لم يثبت على سعادة أو شقاوة ولم يركب طريق السعادة اللازمة بعد إذ نزلت به النوازل تعين طريقه وتميز موقفه من كفر أو إيمان وصلاح أو طلاح .
ولا ينبغي أن يسمى هذا النوع من البلايا والمحن وإلا امتحانات وابتلاءات إلهية تأخذ للإنسان موقعه من الجنة أو النار . ومن لم يعتمد في حياته إلا على هوى النفس ولم يألف إلا الفساد والافساد والانغمار في لجج الشهوة والغضب ، ولم يزل يختار الرذيلة على الفضيلة ، كما يقصه القران من عاقبة أمر الأمم الظالمة كقوم نوح وعاد وثمود وقوم فرعون وأصحاب مدين وقوم لوط ، اثر ما فرطوا في جنب الله . فالنوائب المنصبة عليهم المبيدة لجمعهم لا تستقيم إلا أن تعد عقوبات إلهية ونكالات عليهم لا غير . وقد جمع الله تعالى هذه المعاني في قوله عزم نقائل : «وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين * وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين» (1)
وتاريخ اليهود وتاريخ النصارى من لدن رفع المسيح إلى ظهور الإسلام ـ فيما يقرب من ستة قرون على ما يقال ـ مملوء من أنواع الذنوب التي أذنبوها ، وجرائم ارتكبوها ، ولم يبقوا منها باقية ، ثم أصروا واستكبروا من
|
|
(1) آل عمران : 140 ـ 141 .
|
 |
| عواقب الامور من الكتاب والسنة |
|
26 |
|
 |
غير ندم ، فالنوائب الحالة بساحتهم لا تستحق إلا اسم العذاب والنكال . وأما إن المسلمين ابتلوا بأمثال ما ابتليت به هؤلاء فهذه الابتلاءات بالنظر إلى طبيعتها الكونية ليست إلا حوادث ساقتها يد التدبير الإلهي ، سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا .
وبالنظر إلى حال المسلمين المبتلين بها فيما كانوا على طريق الحق لم تكن إلا امتحانات إلهية ، وفيما انحرفوا عنه من قبيل النكال والعذاب ، وليس لأحد على الله كرامة ، ولا لمتحكم عليه حق ولم يثبت القرآن لهم على ربهم كرامة ولا عدهم أبناء الله وأحباءً له ، ولا اعتنى بما تسموا به من أسماء أو ألقاب .
ثم يتطرق القرآن إلى جواب آخر ويقول : «لكل أمة أجل إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعةً ولا يستقدمون» (1) وبتعبير آخر فإن أي أمة إذا انحرفت عن مسير الحق فسوف لا تكون مصونة من العذاب الإلهي الذي هونتيجة أعمالها ، فعندما ينحرف الناس عن قوانين الخلقة والطبيعة فسيبددون طاقاتهم وملكاتهم في فراغ ويسقطوا في النهاية في هاوية الانحطاط ويحتفظ تأريخ العالم في ذاكرته بمناذج كثيرة من ذلك .
وقد نزلت العقوبات لأسباب ومقاصد منها :
ما كان عقوبة لا غير ، وحينما تعم فما نزل بالمؤمنين فهو أجر وثواب
 |
| عواقب الامور من الكتاب والسنة |
|
27 |
|
 |
ومن يموت فيها باجله كما نص ذلك القرآن الكريم بآيات كثيرة مشفوعة بروايات أهل البيت عليهم السلام .
ومنها : ما يكون اختباراً وابتلاءاً وامتحاناً للبشر جمعاء كما جاء في الآية : «ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين» (1) .
ومنها : جاءت لرفع عقوبة الآخرة كما تشير الرواية :
عن المفضل بن عمر قال : أبو عبد الله عليه السلام : يا مفضل ، إياك والذنوب وحذرها شيعتنا ، فوالله ما هي إلى أحد أسرع منها إليكم ، إن أحدكم لتصيبه المعرة من السلطان وما ذاك إلا بذنوبه ، وانه ليصيبه السقم وما ذاك إلا بذنوبه ، وانه ليحبس عنه الرزق وما هو إلا بذنوبه حتى يقول من حضره لقد غم بالموت ، فلما رأى ما قد دخلني قال : أتدري لم ذاك يا مفضل ؟ قال : قال : قلت لا أدري جعلت فداك . قال عليه السلام : ذاك والله أنكم لا تؤاخذون بها في الآخرة وعجلت لكم في الدنيا » (2) .
ومنها : ما تكون اظهاراً لقدرته تعالى أو أي مصلحة رآها وارادها هو سبحانه وتعالى حيث قال : «لا يسأل عما يفعل وهم يسألون» (3) ، «وما كان
|
(1) البقرة : 155 .
(2) علل الشرائع 1 : 297 .
(3) الأنبياء : 23 .
|
 |
| عواقب الامور من الكتاب والسنة |
|
28 |
|
 |
لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم» (1) .
ومنها : ما يحل بالأمم من جراء انتشار الظلم فقط بقوله تعالى : «وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون» (2) .
ومنها : ما يكون كفران النعم بقوله تعالى : «وضرب الله مثلاً قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغداً من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها لله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون» (3) .
ومنها : للتذكير والتنبيه بقوله تعالى : «ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات لعلهم يذكرون» (4) .
ومنها : ما يكون سببه تكذيب الأنبياء والرسل بقوله تعالى : «وضربت عليهم الذلة والمسكنة وبآؤوا بغضب من الله ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون» (5) .
ومنها ـ بل أكثر ـ ما يصيب الأمم من جراء انتشار الخطايا والجرائم والتمادي في الذنوب في أفرادها بقوله تعالى : «قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعاً ويذيق
|
(1) الأحزاب : 36 .
(2) القصص : 28 .
(3) النحل : 112 .
(4) الأعراف : 130 .
(5) البقرة : 65 .
|
 |
| عواقب الامور من الكتاب والسنة |
|
29 |
|
 |
بعضكم بأس بعض» (1) .
ومنها : ما خفي علينا سببها الظاهري ولا نجد لها من التحليل المادي أو المعنوي شيئاً في عقولنا القاصرة ، وهي مما لا تنسجم مع العمل أو القول الصادر ، فمثلاً تحل وتنزل وتصيب الجاهل بها والناسي والساهي والغافل عنها ومن لم يتعمدها سلباً وغيجاباً ، مثل موجبات النسيان ، وموجبات الهم والغم وموجبات الفقر ، وما يذهب بالبركة ، وما يسلب التوفيق ، وما يرد الدعاء ، وغيرها .
ويقع كتابنا الذي بين يديك في ستة فصول : الفصل الأول في العقوبات المعنوية والثاني في العقوبات المادية ، أما الثالث في العقوبات السماوية ، والرابع في العقوبات الأرضية ، والخامس في الأمراض ، والسادس والأخير ذكرنا فيه الآثار الوضعية . ولكل فصل من هذه الفصول عناوين خاصة به .
هذا وأرجو أن أكون غير مقصر في ما اخترته من جمع وتنظيم وشرح لبعض الروايات بحذف أسانيدها فإن وقع على ما يرام فلذلك بتوفيق الله تعالى ومنته عزوجل وحسن تأييده ، وإن وقع بخلافه فما قصرت في الاجتهاد ولكن لم يخالفني التوفيق .
وكيف كان أحمد الله على أن وفقني للقيام بهذا العمل الصالح وأشكره وأسأله أن يجعله ذخراً ليوم فاقتي .
وهذا ما سنحت الفرصة لجمعه وما تركته أكثر منه من الآيات
 |
| عواقب الامور من الكتاب والسنة |
|
30 |
|
 |
والروايات ، ويمكن أن يظفر المتتبع بعناوين كثيرة أخرى ، كما يمكن إرجاع بعض ما ذكرنا من العناوين إلى بعض .
وكيف كان فلا أدعي استقصاء الآيات والروايات في بحثي هذا فلا أدعي استقصاء العناوين تمام التمييز وربما كان بعضها أجنبياً عن الموضوع ، لكن لما لم يكن خالياً من فائدة أثبته وأدرجته سائله تعالى أن يجعلني وإياكم من الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر بهذا العمل المتواضع ، وأرجو من القراء الكرام أن يقبلوا العثرات ويعفوا عن التساهلات ويمنوا علينا بملاحظاتهم حوله ، وأن ينبهوني على مواقع الزلل والخطأ فإن المرء عرضة للخطأ والسهو والنسيان .
أللهم لا تؤذبني بعقوبتك ، ولا تمكر بي في حيلتك ، من أين لي الخير يا رب ولا يوجد إلا من عندك ، ومن أين لي النجاة ولا تستطاع إلا بك ، لا الذي أحسن استغنى عن عونك ورحمتك ، ولا الذي أساء واجترأ عليك ولم يرضك خرج عن قدرتك ، إنك رؤوف رحيم .
عبد الرسول آل عنوز
|