ادب الطف ـ الجزء الرابع 283


قرعت بمدحيكم بني الوحي ذروة رقاب بنـي حواء عنها نواكس
واحرزت غايات الفخار وارغمت خدود رجال دونها ومعاطـس
وادركـت من قبل الثلاثين رتبة مؤملها بعد الثمـانيـن يـائس
يجــدّ وجِـدٍّ لا بجـَدٍّ ووالـد وان كرمت من والديّ المغارس
عليكـم مـن الله السلام صلاته وتسليمه ما اهتز اخضر مائس


أدب الطف ـ الجزء الرابع 284


ابن العرندس

توفي حدود 900

طوايا نظامي في الزمان لها نشـرُ يعطرهـا مـن طيـب ذكركم نشرُ
قصائد ما خـابـت لهـن مقاصـد بواطنها حمـدٌ ظـواهـرهـا شكر
حسـان لا حسـان بالفضـل شاهد على وجههـا بشـر يديـن له بشر
أُنظّمهـا نظـم اللآلي وأسهـر الـ ـليالي ليحيا لي بهـا وبكـم ذكـر
فـيا ساكني أرض الطفوف عليكم سـلام محب مالـه عنـكم صـبر
نشرت دواوين الثنـا بعـد طيّهـا ففي كل طرس من مديحي لكم سطر
فطابق شعـري فيكـم دمع ناظري فمبيّض ذا نظم ومحمـر ذا نـثـر
فلا تتهـمـوني بالسـلـو فـانما مواعيد سلوانـي وحقكـم الحشـر
فذلّي بكم عـزٌ وفقـري بكم غنىً وعسري بكم يسر وكسري بكم جبر
فعيناي كـالخنساء تجري دموعها وقلبي شديد فـي محبتكـم (صخر)
وقفت علـى الـدار التي كنتم بها فمغناكم من بعـد معنـاكـم قفـر
وقد درست منها العلـوم وطـالما بها دُرّس العلـم الالهـي والذكـر
وسالت عليها من دموعي سحائب الى أن تروى البان بالدمع والسدر
وقد أقلعت عنها السحائب لم تجُد فلا درّ من بعد الحسيـن لهـا در


ادب الطف ـ الجزء الرابع 285


إمـام الـهدى سبـط النبوة والـد الأئمة رب النـهـي مـولى لـه الأمـر
امام أبوه الـمرتضـى علـم الـهـدى وصي رسول الله والصنو والصهر
امام بـكـتـه الجن والأنـس والـسما ووحش الفلا والطيـر والبر والبحر
له القبـة البيضـاء بـالطـف لم تـزل تطوف بها طوعاً مـلائـكة غـر
وفـيـه رســول الله قـال وقـولـه صحيح صريح ليس في ذلكم نكـر
حُـبـي بثـلاثٍ ما أحاط بـمـثـلهـا وليٌ فمن زيدٌ هناك ومن عـمـرو
لـه تـربـةٌ فيـهـا الشفـاء وقـبـّةٌ يُجاب بهـا لاداعي إذا مسّه الضر
وذريــة دريــةٌ مـنـه تـسـعـة أئمـة حـق لاثـمانٍ ولا عـشـر
هـم النـور نور الله جـل جـلالــه هم التيـن والزيتون والشفـع والوتر
مـهـابـط وحي الله خـزان علـمـه مياميـن فـي ابياتهم نزل الـذكـر
واسماؤهم مكتـوبـة فـوق عـرشـه ومكـنونـة من قبـل أن يُخلق الذر
ولـولاهـم لم يـخـلـق الله آدمــا ولا كان زيد فـي الـوجود ولا بكر
ولا سطحت أرض ولا رفعت سـمـا ولا طلعت شمس ولا أشـرق الـبدر
سرى سرهـم في الكائـنات وفضلهم فكل نبـي فيـه من سـرهـم سـر
ونـوح بـه في الفلـك لما دعـا نجا وغيض بـه طـوفانه وقُضي الامر
ولـولاهـم نار الخليـل لما غـدت سلاماً وبرداً وانطفـا ذلـك الجمـر
ولـولاهم يعقـوب ما زال حـزنـه ولا كان عن أيوب ينكشـف الـضر
وهم سرّ موسى والعصا عندما عصى أوامره فرعون والـتقـف الـسحـر
ولولاهـم ما كان عيسـى بـن مريم لعازر من طيّ اللحـود لـه نـشـر

إلى ان قال في الرثاء .
أيقتل ظمآنا حسين بكربلا وفي كل عضو من أنامله بحر


ادب الطف ـ الجزء الرابع 286


ووالده الساقي على الحوض في غد وفاطمة مـاء الفـرات لـهـا مهر
فيا لهف نفسـي للحسيـن وما جنى عليه غداة الطف في حربـه الشمر
تجرّ علـيـه العاصفات ذيـولهـا ومن نسج أيدي الصافنـات له طمر
فرّجت لـه السبـع الشداد وزلزلت روامي جبال الأرض والتطـم البحر
فيا لك مقتولاً بكتـه السـمـا دماً فمغبّر وجه الأرض بالـدم محمـر
ملابسه في الحرب حمرٌ من الـدما ومن غداة الحشر من سندس خضر
ولهفي لزين العابدين وقـد سـرى أسيراً عليـلاً لا يفـكّ لـه أسـر
وآل رسـول الله تسـبى نساؤهـم ومن حولهن الستـر يهتك والخـدر
سباياً باكوار المطايـا حـواسـراً يلاحظهـن العبـد في الناس والحر

ويقول في ختامها :
مصابكم يـا آل طـه مصيبـة ورزء على الاسلام أحدثه الكفر
سأندبكم يـا عدتـي عنـد شدتي وأندبكـم حـزناً إذا أقبل العشر
وأبكيكم مادمت حياً فـان أمـت ستبكيكم بعـدى مراثيّ والشعر
وكيف يحيط الواصفون بفضلكم وفي مدح آيات الكتاب لكم ذكر
ومولدكم بطحـاء مكـة والصفا وزمزم والبيت المحرم والحجر
جعلتكم يـوم المعاد ذخيـرتـي فطوبى لمن أمسى وأنتم له ذخر
عرائس فكر الصالح بن عرندس قبولكم يا آل طـه لهـا مهـر
عليكـم سـلام الله ما لاح بارق وحلّت عقود المزن وانتثر القطر


ادب الطف ـ الجزء الرابع 287


ابن العرندس وفاته في حدود 900 كما ذكر اليعقوبي ،


الشيخ صالح بن عبد الوهاب المعروف بابن العرندس .
عالماً ناسكاً أديباً بارعاً متظلعاً في علمي الفقه والأصول وغيرهما مصنفاً فيها ، له كتاب كشف اللآلي وكان ممن نظم فأجاد وقصر شعره على رثاء أهل البيت . قال الشيخ اليعقوبي رحمه الله : وكانت وفاته في حدود التسعمائة هجرية . وعن الطليعة أنه توفي في سنة 840 وقبره في الحلة مشيد عليه قبة بيضاء في محلة (جبران) إحدى محلات الحلة في شارع يعرف بـ (شارع المفتي) الى جنب دار الأديب الشيخ محمد الملا . ويقول السيد الأمين في الاعيان : توفي في حدود سنة 840 في الحلة .
وقال من قصيدة يرثي الحسين عليه السلام .
بات العذول على الحبيب مسهداً فأقام عـذري في الغـرام وأقعدا
ورأى العـذار بسالفيـه مسلسلا فأقام في سجـن الغـرام مقيـدا
هذا الذي أمسى عذولي عاذري فيـه وراقـد مقلتيـه تسـهـدا
ريم رمى قلبي بسهـم لحـاظه عن قوس حاجبه أصاب المقصدا
قمرٌ هلال الشمس فـوق جبينه عال تغار الشمـس منه اذا بـدا
وقوامه كالغصن رنّحـه الصبا فيه حَمام الحـيّ بـات مغـرّدا
فاذا أراد الفتك كـان قـوامـه لدنا وجرّدت اللحـاظ مـهـندا
تلقاه منعطفاً قضـيبـاً أميـدا وتراه ملـتـفـتاً غـزالاً أغيدا
في طاء طرّتـه وجـيم جبينه ضدّان شأنهما الضـلالة والهدى
ليلٌ وصبحٌ أسـودٌ فـي أبيض هذا أضلّ العاشقيـن وذا هـدى


ادب الطف ـ الجزء الرابع 288


لا تـحـسـبـوا داود قـدّر سـرده فـي سـين سـالفـه فبات مسرّدا
لكـنـمـا يـاقـوت خـاء خـدوده نمّ العـذار بـه فصـار زبـرجدا
يا قـاتـل العـشـاق يـا من طرفه الرشّاق يرشقنا سهامـاً مـن ردى
قسماً بـثاء الثـغـر مـنـك لأنـه ثغرٌ به جيـم الجـمـان تنـضـّدا
وبـراء ريـق كالـمـدام مـزاجـه شهدٌ به تروى القلوب مـن الصدى
إني لقد أصبحـت عبـدك في الهوى وغدوت في شرح المحبـة سيـّدا
فاعدل بعبدك لا تـجـر واسمح ولا تبخل بقـربٍ مـن وفـاك الأبعدا
وابدِ الـوفا ودع الجفـا وذرِ العـفا فلقد غدوت أخا غـرام مـكـمـدا
وفجعـت قلبـي بـالتفـرق مثـلما فجعت أميـة بـالحسيـن محمـدا
سبطالنبي المصطـفى الهـادي الذي أهدى الانام من الضـلال وأشـردا
وهو ابن مولانـا علـي المـرتضى بحر الندى مروي الصدا مردي العدا
أسما الورى نسبـاً وأشرفهـم أبـاً وأجلّـهـم حسبـاً وأكـرم محتـدا
بحرٌ طما . ليث حمـى . غيثٌ هما صبح أضا . نجـم هدى . بـدر بدا
السـيـد السنـد الحسين أعـم أهـ ـل الخافقين ندى وأسمحهـم يـدا
لـم أنسـه فـي كـربلا متـلظيـا في الكـرب لا يلقـى لمـاءٍ موردا
والمقنب الأمـوي حـول خـبائـه النبوي قد مـلأ الفـدافـد فـدفـدا
عصبٌ عصت غصّت بخيلهم الفضا غصبت حقوق بنـي الوصي وأحمدا
حمـّت كتـائبـه وثـار عجـاجه فحكى الخضّم المـدلهـمّ المـزبـدا
للنصب فيه زماجـر مـرفـوعـة جزمت بها الأسماء من حرف النـدا
صامـت صوافنـه وبيض صفاحه صلّت فصيـرت الجمـاجـم سجدا
نسج الغبـار علـى الاسود مدارعاً فيه فجسـّدت النجيـع وعسـجـدا
والخيـل عابسـة الـوجـوه كأنها العقبان تختـرق العجـاج الأربـدا
حتى اذا لمعـت بـروق صفاحها وغدا الجبان من الـرواعـد مرعدا


ادب الطف ـ الجزء الرابع 289


صال الحسيـن علـى الطغاة بعزمه لا يختشي من شـرب كـاسات الردا
وغدا بـلام اللـدن يطعـن أنجـلا وبغين غرب العضب يضـرب أهودا
فأعاد بالـضـرب الحسـام مفلـلا وثنى السنان من الطعـان مقـصـّدا
فكـأنمـا فتـكاتـه فـي جيشهـم فتكات (حيدر) يوم أحـد فـي العدى
جيشٌ يريـد رضـى يزيد عصابة غصبت فاغضبـت العلـيّ وأحـمدا
جحـدوا العلـي مـع النبي وخالفوا الهادي الوصي ولم يخـافوا الموعدا
وغواهم شيـطانهــم فأضـلّهـم عمداً فلـم يجـدوا وليـاً مـرشـدا
ومن العجـائـب أن عذب فراتـها تسـري مسلسـلةً ولـن تتـقـيـدا
طام وقلب الـسبـط ظـام نـحوه وأبـوه يسقـي النـاس سلسله غـدا
وكأنـه والطـرف والبتـار والخر صـان فـي ظلـل العجاج وقد بدا
شمس على فلـك وطـوع يميـنه قمرٌ يقابـل فـي الظـلام الفـرقدا
والسيد العباس قـد سلـب العـدا عنـه اللبـاس وصيـروه مجـرّدا
وابن الحسين السبـط ظمآن الحشا والمـاء تنهلـه الـذئـاب مبـرّدا
كالبدر مقطوع الـوريـد لـه دم أمسى علـى تـرب الصعيد مبـددا
والسادة الشهداء صرعى في الفلا كل لأحـقـاف الـرمال تـوسـدا
فأولئك القـوم الـذين على هدى مـن ربهم فمـن اقتدى بهم اهتدى
والسبط حران الحشـا لمصـابهم حيـران لا يلـقى نصيـراً مسعدا
حتى اذا اقتربت أباعيـد الـردى وحياتـه منهـا القريـب تبـعـّدا
دارت علـيه عـلـوج آل اميـّة من كل ذي نقـص يـزيـد تمردا
فرموه عـن صفـر القسيّ بأسهمٍ من غير ما جرم جنـاه ولا اعتـدا
فهوى الجواد عـن الجواد فرجّت السبع الشـداد وكـان يـوماً أنكدا
واحتزّ منه الشمر رأسـاً طـالما أمسى له حجـر النبـوة مـرقـدا
فبكته أمـلاك السمـاوات العلـى والدهر بات عليـه مشقـوق الردا


ادب الطف ـ الجزء الرابع 290


وارتد كـفّ الجـود مـكفـوفاً وطر ف العلم مطـروفـاً عليـه أرمدا
والوحش صاح لما عـراه من الاسى والطير ناح علـى عـزاه وعـددا
وسروا بزين العـابـديـن السـاجد الباكي الحزيـن مقيـداً ومصفـدا
وسكينة سكـن الأسـى فـي قلبهـا فغدا بضامرهـا مقـيـماً مقعـدا
وأسال قـتـل الطـف مدمع زينب فجرى ووسـط الخـد منهـا خددا
ورأيت سـاجـعـةً تنـوح بأيكـة سجعت فأخرست الفصيـح المنشدا
بيـضاء كالـصبـح المضيء أكفها حمرٌ تطوقـت الظـلام الأسـودا
ناشـدتهـا يـا ورق مـا هذا البكا ردّي الجواب فجعت قلبـي المكمدا
والطوق فـوق بياض عنقـك أسود وأكفك حمـرٌ تحـاكـي العسجـدا
لمـا رأت ولهــي وتسـآلـي لها ولهيـب قلبـي نـاره لـن تخمدا
رفعت بمنصـوب الغصون لها يداً جزمت به نـوح النـوائـح سرمدا
قتل الحسيـن بـكـربـلا يـا ليته لاقى النجاة بها وكنـت لـه الفـدا
فاذا تـطـوق ذاك دمعـي أحمـر قـانٍ مسحـت بـه يـديّ تـوردا
ولبست فوق بياض عنقي من أسى طوقـاً بسيـن سواد قلبي أسـودا
فالآن هـاذي قصتـي يا سائلـي ونجـيـع دمعـي سائل لن يجمدا
فانـدب معـي بتقـرّحٍ وتحـرّق وابكي وكن لي في بكائـي مسعدا
فلألعـنـن بـنـي أمية ما حـدا حادٍ وما غار الحجيـج وأنـجـدا
ولأبكـيـنّ عليـك يـابـن محمد حتى أوسد في التـراب ملـحّـدا
ولأحليـنّ عـلى عـلاك مـدائحاً من ردّ ألفاظـي حسـانـاً خرّدا
عرباً فصاحاً في الفصاحة جاوزت قَسّاً وبـات لـهـا لبـيد مبلـّدا
قلّدتهـا بقـلائـد مـن جـودكـم أضحى بها جيـد الزمـان مقلّدا
يرجو بها نجلس العرندس صـالح في الخلد مع حور الجنـان تخلّدا
وسقى الطفوف الهامرات من الحيا سحباً تسحّ عيونها دمـع النـدى

ادب الطف ـ الجزء الرابع 291


ثم السلام عليك يابن المرتضى ما ناح طير في الغصون وغردا

وفي مجموعة الشيخ محمد رضا الحساني رأيت قصيدة للشيخ ابن العرندس مطلعها :
عين سحي سحائب الأجفان واسعديني بمدمع هتان

ومن شعره في أهل البيت عليهم السلام .
أيا بنـي الوحـي والتنزيل يا أملي يا من ولاكم غدا في القبر يؤنسني
حزني عليكـم جـديـد دائـم أبداً ما دمت حياً إلى أن ينقضي زمني
ومـا تذكـرت يوم الطف رزأكـم إلا تجدد لـي حـزن على حزن
وأصبح القلب مني وهـو مكتثـب والدمع منسكب كـالعارض الهتن
لكم لكم يا بني خيـر الورى اسفي لا للتنائي عـن الاهليـن والوطن
يا عدتي واعتمـادي والرجاء ومن هم أنيسـي إذا أُدرجـت في كفني
إني محبكم ارجـو النجـاة غـدا اذا اتيت وذنبـي قـد تكـأدنـي
وعاينت مقلتي مـا قـدّمتـه يدي من الخطيئات فـي سرٍ وفي علن
صلى عليكم إله العرش ما سجعت حمامة أو شـدا ورق على غصن

واول هذه القصيدة كما ذكرها السيد احمد العطار في مخطوطه (المجمو الرائق) :
نوحوا أيا شيعة المولى أبا حسن على الحسين غريب الدار والوطن


ادب الطف ـ الجزء الرابع 292


وقال :
أضحى يميس كغصن بان في حُلا قمرٌ اذا ما مـرّ في قلبـي حَلا
سلب العقول بناظـر فـي فتـرة فيها حرام السحـر بـان محللا
وانحـل شد عـزائمي لـما غدا عن خـصره بنـد القباء محللا
وزها بها كافور سـالـف خـده لما بريحان العذار تســلسـلا
وتسلسلت عبثاً سلاسـل صـدغه فلذاك بـتّ مقيـداً ومسـلسـلا
وجناته جـوريـةٌ ، وعـيـونـه حورية ، شبه الغـزال الاكحـلا
جارت وما صفـحت على عشاقه فتكـاً وعـادل قـدّه مـا أعدلا
ملكت محاسنـه ملـوكـا طالمـا أضحـى لها الملك العزيز مذللا
كسرى بعينيـه الصحـاح ، وخده النعمان ، بالخال النجاشي خوّلا
كتب الجمال على صحيفـة خـده نوني قسـيّ الحاجبيـن ومثـّلا
فرمى بها من عيـن غنـج عيونه سبق السهام أصاب مني المقتـلا
فاعجب لعين عبير عنبـر خـاله في جيم جمـرة خـده لن تشعلا
وسلى الفؤاد بحر نيـران الجـوى مني فذاب وعن هـواه مـا سلا

ومنها في الرثاء :
حامـت عليـه للحمـام كواسر ظمئت فاشربها الحمام دم الطلا
امست بهم سمر الرماح وزرقها حمراً وشهـب الخيل دهما جفّلا
عقدت سنابك صافنـات خيوله من فوق هامات الفوارس قسطلا
ودجـت عجاجته ومدّ سـواده حتـى أعـاد الصبـح ليلا أليلا
وكأنمـا لمـع الصوارم تحته بـرق تألق في غمـام فانجلـى

ومنها :
فرس حوافره بغير جماجم الفر سان في يوم الوغى لن تنعلا


ادب الطف ـ الجزء الرابع 293


اضحى بمبيّض الصباح محجلا وغدا بمسوّد الظلام مسربلا

ومنها :
فـكـأنـه وجواده وحسامه يوم الكفاح لمن اراد تمثلا
شمس على الفلك المدار بكفه قمر منازله الجماجم منزلا


أدب الطف ـ الجزء الرابع 294


الشيخ مغامس بن داغر

المتوفي حدود 850

لعمـرك يـادنيــا ثنيـت عناني وذاك لأمر مـن عَناك عَناني
ومن كان بـالايام مثلي عـارفـا لواه الذي عن حبهـن لـواني
نعيت الى نـفسـي زمـان شبيبتي وشيبي الى هذا الزمـان نعاني
لقد ستر الستـار حـتـى كـأنـه بعفو من اسم المذنبيـن محاني
ولو أنني فـي ذاك أديـت شكـره لكنت رعيت الحق حين رعاني
ولكـننـي بارزتـه بـجـرائـم كأن لم يكن عن مثلهـن نهاني
اقول لنفسـي إن اردت سـلامـة فديني فمالـي بالعـذاب يـدان
فاني لأخشى أن يقـول امـرتـه بامـري وقـد أمهلته فعصاني
ولي عنده يوم النشـور وسيـلـة بها انا راج محـو ما أنا جاني
بنو المصطفى الغر الذين اصطفاهم وميّزهم من خلقـه بمعـانـي
أناف بهم فـي الفخـر عبد منافهم فما لهم عبد المـدان مـدانـي
أبرّ وأحمـى مـَن يُرجّى ويُتّقـى ليوم طعـام أو ليـوم طعـان
وان لهم في سالـف الـدهر وقعة لدى الطف تغري الدمع بالهملان
غداة ابن سعد يستعـد لحـربهـم بكـل معـديٍّ وكـل يمـانـي


ادب الطف ـ الجزء الرابع 295


ومنها :
بنـي صفـوة الجبار ، عيناي كلما ذكرتـم لهـا بالدمع تبتدران
واني من حزني على فوت نصركم لأقرع سنـي حسـرةً ببناني
ولكنه ان أخـر النـصـر عنكـم ففات سناني لا يفـوت لساني
وانتم موالي الأولى اقتـدى بهـم فما بفـلان يقتـدى وفـلان
ولي موبقات من ذنـوب أخـافها اذا ما إلهي للحسـاب دعاني
وما انا مـن عفـو الاله بقـانط ولكنـه ذو رحمـة وحنـان
فكيف وقد ابدعت إذ قمت خاطيا لكم في مغاني حسنكم بمغاني
ولم يخش يوما من عذاب مغامس اذا كنتـم ممـا أخاف اماني
عليكـم سلام الله ما ذرّ شـارق وما قام داعـي فرضه لأذان


ادب الطف ـ الجزء الرابع 296


الشيخ مغامس بن داغر المتوفي حوالي سنة 850 هـ


شاعر طويل النفس بديع النظام حلو الانسجام ، أصله ـ كما في الحصون المنيعة ـ من احدى العشائر العربية القاطنة ضواحي الحلة ، استوطن الحلة حتى توفي فيها . قال الشيخ الخطيب اليعقوبي في (البابليات) وقفتُ أخيراً على قصائد للمترجم في أهل البيت عليهم السلام ذكرها الشيخ عبد الوهاب بن الشيخ محمد علي الطريحي ـ أخو فخر الدين صاحب المجمع والمنتخب ـ في مؤلف له كتبه بالحلة سنة 1076 وكله في مراثي آل الرسول (ص) ومديحهم وهو من بقايا مخطوطات كتب آل طريح ولكنه طالما عبّر فيه عن المترجم بـ البحراني فيمكن أن يكون أصله من البحرين وهبط العراق وسكن الحلة للحصول على الغاية التي أشرنا إليها . وقد استظهر العلامة الاميني في ج 7 من الغدير بأنه خطيب أديب وابن خطيب أديب . من قوله في إحدى قصائده النبوية
فتارة انظـم الاشعـار ممتـدحاً وتارة انثر الاقوال في الخطـب
أعملت في مدحكم فكري وعلمني نظم المديح وأوصاني بذاك أبي

ويوجد في المجاميع القديمة المخطوطة وبعض المطبوعات كالمنتخب والتحفة الناصرية شيء كثير مما قاله في الأئمة وقد جمع منها العلامة الشيخ محمد السماوي ديواناً باسم المترجم يربو على 1350 بيتا عدا الذي عاثت به أيدي الشتات .

ادب الطف ـ الجزء الرابع 297


ومما قاله ابن داغر الحلي
حيّـا الاله كتـيبـة مـرتـادهـا يطوي له سهـل الفـلا ووهادها
قصدت أميـر المـؤمنيـن بقـبّة يبني على هام السماك عمـادهـا
وفدت على خير الأنـام بحضـرةٍ عنـد الإله مـكـرّم وفـادهــا
فيها الفتى وابن الفتـى وأخو الفتى أهل الفتـوة ربهـا مقـتـادهـا
فلـه الفخار قـديمـه وحـديثـه والفاضلات طريفهـا وتـلادهـا
مولى البرية بعـد فقـد نبيـهـا وإمامها وهمامهـا وجـوادهــا
وإذا القـروم تصادمت في معرك والخيل قد نسـج القتام طرادهـا
وترى القبائـل عند مختلـف القنا منه يحذّر جمـعـهـا آحـادهـا
والشوس تعثـر في المجال وتحتها جرد تجذ الى القتـال جيـادهـا
فكأن منتشـر الرعال لدى الوغى زجل تنشّر في البلاد جـرادهـا
ورماحهم قـد شظّيت عيـدانهـا وسيوفهم قد كسّرت أغـمـادهـا
والشهب تغمد في الرؤس نصولها والسمرتصعد في النفوس صعادها
فتـرى هنـاك أخـا النبي محمّد وعليه من جهـد البلاء جلادهـا
متردياً عنـد اللقـا بحسـامـه متصديـاً لكمـاتهـا يصطـادها
عضد النبـي الهـاشمـي بسيفه حتى تقطّع في الـوغا أعضادها
واخاه دونهـم وسـدّ دويـنـه أبـوابهـم فتـّاحهـا سـدادهـا
وحباه في (يوم الغديـر) ولايةً عام الوداع وكلـهـم أشهـادها
فغدا به (يوم الغديـر) مفصـّلا بركاته ما تنتـهـي أعـدادهـا
قبلت وصية أحمد وبصـدرهـا تخفـى لآل محمـد أحقـادهـا
حتى إذا مات النبـي فأظهـرت أضغانها في ظلمهـا أجنـادهـا
منعوا خـلافـة ربهـا ووليهـا ببصائر عميت وضـل رشـادها


ادب الطف ـ الجزء الرابع 298


واعصو صبوا في منـع فاطم حقها فقضت وقـد شاب الحيـاة نكادها
وتوفّيـت غصصـاً وبعـد وفاتها قتل الحـسيـن وذبّحـت أولادها
وغدا يسب على المنـابـر بعلهـا في أمـّة ضـلـّت وطال فسادها
ولقد وقفت علـى مقـالـة حاذقٍ في السـالفين فـراق لي إنشادها
(أعلى المنابر تعـلنـون بسـبـه وبسـيفه نصبـت لكـم أعوادها)
ياآل بيـت محـمـد يـا سـادة سـاد البرية فضلهـا وسـدادها
أنتم مصابيـح الـظـلام وأنتـم خيـر الانام وأنتـم أمجـادهـا
فضلاءها علـمـاءهـا حلماءها حكـماءهـا عبـّادهـا زهّادها
أما العباد فـأنـتـم سـاداتهـا أما الحروب فأنـتـم آسـادهـا
تلك المساعي للبـرية أوضحت نهج الهدى وشـمـت به عبّادها
واليكـم من شـاردات (مغامس) بكراً يقرّ بفضـلهـا حسّـادهـا
كملت بـوزن كمـالكم وتزينت بمحاسن مـن حسنـكـم تزدادها
ناديتها صوتاً فمـذ أسمعـتـها لبّت ولم يصلد عـلـيّ زنـادها
نفقت لديّ لأنهـا فـي مـدحكم فلذاك لا يخشـى علـيّ كسادها
رحـم الاله ممـدّهـا أقـلامه ورجـاؤه أن لا يخيـب مدادها
فتشفّعـوا لكبـائـر أسلفتـهـا قلقت لها نفسي وقـلّ رقـادها
جرماً لو انّ الراسيـات حملنه دكّت وذاب صخورها وصلادها
هيهات تمنع عن شفاعة جدكم نفس وحب أبـي تـراب زادها
صلّى الاله عليكـم ما أرعدت سحبٌ وأسبل ممطـراً أرعادها

وقوله من قصيدة تناهز الاثنين والتسعين بيتا :
كيف السلامة والخطوب تنوب ومصائب الدنيا الغرور تصوبُ


ادب الطف ـ الجزء الرابع 299


إن الـبقـاء علـى اختـلاف طبائع ورجاء أن ينجـو الفتى لعصيب
العيـش أهـونه وما هـو كـائـن حتمٌ وما هـو واصـل فقـريب
والـدهـر أطـوار وليـس لأهلـه إن فكّروا فـي حـالتـيه نصيب
ليـس اللبيـب مـن استغـر بعيشه إن المفكر في الأمـور لبـيـب
يا غـافلاً والموت ليـس بغـافـلٍ عش ما تشاء فانـك المطلـوب
أبديـت لهـوك إذ زمانـك مقبـل زاهٍ واذ غضّ الشبـاب رطيـب
فمن النصير على الخطوب اذا أتت وعلا على شرخ الشباب مشيـب
علل الفتـى مـن علمـه مكفـوفة حتى الممـات وعمـره مكتـوب
وتراه يكدح فـي المعـاش ورزقه في الكائنـات مقـدّر محسـوب
إن اللـيالـي لا تـزال مـجـدّة فـي الخلـق أحداث لها وخطوب
من سـر فيهـا ساءهُ من صرفها ريـبٌ له طول الـزمـان مريب
عصفت بخير الـخلـق آل محمد نكبـاء إعصار لهـا وهبــوب
أما النبي فخانـه مـن قـومـه في أقربيه مجـانـب وصحـيب
من بعد ما ردوا علـيـه وصاته حتـى كـأن مقالـه مـكـذوب
ونسوا رعاية حقـه فـي حيـدر في «خم» وهو وزيره المصحوب
فأقام فيهم برهـة حتـى قضـى في الغيظ وهو بغيظهم مغضوب

ومنها قوله في رثاء الامام السبط عليه السلام :
بأبـي الامام المستظام بكربلا يدعـو وليس لما يقول مجيب
بأبي الوحيد وما له من راحم يشكـو الظما والماء منه قريب
بأبي الحبيب إلى النبي محمد ومحمـد عنـد الاله حبـيـب
يا كـربلاء أفيك يقتل جهرة سبـط المطهـر إن ذا لعجيب


ادب الطف ـ الجزء الرابع 300


مـا أنـت إلا كـربة وبـليـّة كـل الأنـام بهـولها مكـروب
لهـفي عليه وقـدهـوى متعفراً وبـه أوام فــادح ولـغــوب
لهفـي عليـه بالطفـوف مجدلا تسفـي عليـه شمـال وجنـوب
لهفي عليه والخيـول تـرضـه فلهـنّ ركـض حولـه وخبيـب
لهفـي لـه والـرأس منه مميز والشيب من دمه الشريف خضيب
لهفـي عليـه ودرعـه مسلوبة لهفـي عليـه ورحلـه منهـوب
لهفي على حرم الحسين حواسراً شعثاً وقد ريعـت لهـنّ قلـوب
حتـى إذا قطـع الكـريم بسيفه لم يثنـه خـوف ولا تـرعيـب
لله كم لـطمـت خـدود عنـده جزعاً وكطـم شقت عليه جيوب
ما أنـس إن أنـس الزكية زينباً تبكـي لـه وقنـاعهـا مسلوب
تدعو وتندب والمصـاب يكظها بين الطفوف ودمعهـا مسكـوب
ءاخي بعـدك لاحييـت بغبطةٍ واغتالني حتـف إلـيّ قـريـب
حزني تذوب له الجبـال وعنده يسلو وينسـى يـوسفـاً يعقوب

وقال في مدح النبي صلى الله عليه وآله وسلم :
عرّج على المصطفى يا سائق النجبِ عرّج على خيـر مبعـوث وخير نبي
عرج على السيد المبعـوث من مضر عرّج على الصادق المنعوت في الكتب
عرّج على رحمـة البـاري ونعمته عرّج على الابطحي الطاهـر النسـب
رآه آدم نــوراً بــيـن أربعــة لألاؤها فوق سـاق العـرش من كثب
فقال : يا رب مـن هـذا ؟ فقيل له قول المحب وما في القول مـن ريب
هم أوليـائـي وهم ذرّيـةٌ لـكمـا فقرّ عينـاً ونفـسـاً فيـهـم وطـب
أما وحـقـهـم لـولا مـكـانهـم منـي لما دارت الأفـلاك بـالقطـب

ادب الطف ـ الجزء الرابع 301


كلا ولا كـان من شمس ولا قمر ولا شهـابٍ ولا أفـق ولا حجـب
ولا سمـاءٍ ولا أرض ولا شجـرٍ للناس يهمـي عليه واكف السحـب
ولا جنـان ولا نـارٍ مـؤججـة جعلت أعداءهـم فيهـا من الحطب
وقال للمـلأ الأعلـى : ألا أحـد ينبي بأسمائهـم صـدقـاً بلا كذب
فلم يجيـبـوا فـأنبـا آدم بهـم لها بعلـمٍ مـن الجبـار مكتسـب
فقال للملأ الأعلى : اسجدوا كملاً لآدم واطيـعـوا واتقـوا غضبـي
وصيّـر الله ذاك النـور ملتمعـاً في الوجه منه بوعـد منه مرتقـب
وخاف نوح فناجـى ربـه فنجـا بهـم علـى دسـر الألواح والخشب
وفي الجحيم دعـا الله الخليل بهم فأخمدت بعـد ذاك الحـر واللهـب
وقد دعا الله موسى إذ هوى صعقاً بحقهـم فنجـا مـن شـدة الكـرب
فظـل منتقـلا والله حـافـظـه على تنـقّلـه مـن حـادث النـوب
حتـى تقسـم في عبد الاله معـاً وفي أبـي طالـب عـن عبد مطلب
فـأودع الله ذاك الـقسـم آمنـةً يوماً إلى أجـلٍ بالحمـل مقـتـرب
حتى اذا وضعته انهدّ مـن فـزع ركن الضلال ونادى الشرك بالحرب
وانشق أيوان كسرى وانطفت حذراً نـيـرانهـم وأقـرّ الكفـر بـالغلب
تسـاقطـت أنجـم الأملاك مؤذنةً بالـرجم فـاحتـرق الأصنام باللهب
حتى اذا حاز سـن الأربعيـن دعا ربـي به في لسـان الـوحي بالكتب
فقـال : لبيـك من داعٍ وارسلـه الـى البيـة مـن عجـم ومن عرب
فأظهر المعجـزات الواضحات لهم بالبـينـات ولـم يحـذر ولم يهـب
اراهم الآية الكبـرى فـوا عجبـا ما بـالهم خالفوا مـن أعجب العجب
رامت بنـو عمـّه تبييتـه سحراً فعـاذ مـنهـم رسـول الله بالهرب
وبات يفديه خيـر الخلق حيـدرة على الفـراش وفـي يمناه ذو شطب
فادبروا إذ رأوا غيـر الذي طلبوا وأوغلـوا لـرسـول الله فـي الطلب

السابق السابق الفهرس التالي التالي