ادب الطف ـ الجزء الاول 296


ولـو قلدوا الـمـوصـى اليه زمامها لزمـت بـأمـون عـلى العثرات
اخي خـاتم الرسل المصفى من القذى و مفترس الابطـال فـي الغمرات
فإن جـحـدوا كـان الغـديـر شهيده وبدر واحد شامـخ الـهـضـبات
وآي مـن الـقرآن تتـلى بـفضـله وإيـثاره بالـقوت فـي اللزبـات
وغـر خـلال ادركـتـه بـسبـقها مناقـب كانـت فيـهـا مؤتنفات
مناقـب لم تـدرك بكـيد ولـم تـنل بشيء سوى حد القنا الـذربـات
نجـي لـجبـريـل الامـيـن وانـتم عكوف على العزى مـعا و مناة
بكيـت لرسـم الدار مـن عـرفـات وأذريـت دمـع العـين بالعبرات
وفك عرى صبري و هـاجت صابابتي رسوم ديار قـد عفـت وعـرات
مـدارس أيـات خـلت مــن تلاوة ومنزل وحي مقـفـر العرصات
لآل رسـول الله بـالخـيف من منى وبالبيت والتـعريف والـجمرات
ديار لعبـد الله بالخيــف مـن منى وللسيد الداعـي الـى الصـلوات
ديـار علـي والحســين وجعـفر وحمزة والسجـاد ذا الثـفـنـات
ديـار لـعـبد الله و الفـضل صنوه نجي رسول الله فـي الـخـلوات
وسبطـي رســول الله وابني وصيه ووارث عـلـم الله و الحـسنات
مـنازل وحـي الله يـنـزل بيـنها على أحمد المذكور فـي السورات
منـازل قــوم يهـتـدى بـهداهم فتوئمـن منـهـم زلـة العثرات
منـازل كـانــت للـصلاة وللتقى وللصوم و التطـهير والحـسنات
منـازل لا فـعل يـحـل بـريعها ولا ابـن فـعال هاتك الحرمات
ديـار عفـاها جـور كـل مـنابذ ولم تعف للايـام والـسـنـوات
فـيا وارثـي عـلـم الـنبـي وآله علـيكم سـلام دائـم النـفـحات
لقـد آمنت نفسـي بكم فـي حياتها واني لارجـو الأمن بعـد مماتي
قفـا نسأل الـدار التي خـف أهلها متى عهدها بالصوم والصـلوات
وايـن الاولى شطت بهم غربةالنوى أفانين في الافات(الاقطار)مفترقات
هـم أهل ميراث النبي اذا اعـتزوا وهم خير سـادات وخـير حماة
اذا لـم ننـاج الله في صلـواتـنا باسمائـهم لم يقبل الـصلـوات


ادب الطف ـ الجزء الاول 297


مطاعيم في الاقتار(الاعسار) في كل مشهد لقد شـرفوا بالفضل و البركات
وما الـناس إلا غـاصـب و مـكـذب ومضطـغن ذو إحنـة وتـرات
اذا ذكـروا قـتـلـى بـبـدر وخـيـبر ويوم حنين أسـبـلوا العـبرات
فكيف يـحـبـون الـنـبي و رهـطـه وهـم تركـوا أحشاءهم وغرات
لقد لاينوه فـي الـمقـال و أضـمـروا قـلوبـا علـى الاحقاد منطويات
فـان لـم تـكـن إلابـقـربـي محمد فهاشـم أولـى مـن هن وهنات
سـقى الله قبـرا بـالـمديـنة غـيثـه فقـد حـل فـيه الأمن بالبركات
نبـي الهدى صـلى عـلـيـه ملـيكه وبـلـغ عنا روحـه الـتحفات
وصـلى علـيـه الله مـا ذر شـارق ولاحت نجـوم الـليل مبتدرات
* * *
افاطم لـو خـلت الـحسين مجدلا وقد مـات عطشانا بشط فرات
إذا لـلطـمت الخد فـاطـم عنده وأجريت دمع العين في الوجنات
أفاطم قومي يا ابنـة الخير واندبي نجـوم سـماوات بارض فلاة
قبور بكـوفـان واخـرى بطيبة واخرى بفخ نـالـها صلـواتي
واخرى بأرض الجوز جان محلها وقبر ببا خـمري لدى الغربات
وقبـر ببـغـداد لنـفس زكـية تضمنها الرحـمن في الغرفات
فقال الرضا عليه السلام: افلا أُلحق لك ببيتين بهذا الموضع بهما تمام قصيدتك فقال بلى يابن رسول الله، فقال الرضا عليه السلام ـ:
وقبر بطوس يالـهـا من مصيبة الحت على الاحشاء بالزفرات
الى الحشر حتى يبعث الله قائما يفرج عنا الغم و الكـربـات
فقال دعبل: هذا القبر الذي بطوس قبر من؟ قال الرضا عليه السلام: هو قبري.

ادب الطف ـ الجزء الاول 298


علي بن موسى ارشد الله أمره وصلى عليه أفضل الصلوات
* * *
فأمـا الـمـمضـات التي لست بالغا مبالـغهـا منـي بـكنه صفات
قبور بجنب النـهر مـن أرض كربلا مـعرسـهم فيها بشـط فـرات
توفوا عطاشى بـالفـرات فـليتـني توفـيت فيهـم قبـل حين وفاتي
الى الله اشكو لوعـة عنـد ذكرهـم سقتني بكأس الثـكل والفظـعات
أخـاف بـأن ازدارهم فـتشـوقني مصـارعـهم بالجزع فالنخلات
تقسمهم(تغشاهم)ريب المنون فما نرى لهم عقوة مغـشية الـحـجرات
خـلا إن مـنهـم بـالمدينة عصبة مدينين انضاء مـن الـلزبـات
قـلـيـلـة زوار سـوى أن زورا من الضبع والعقبان والرخـمات
لهم كل يوم تربـة بـمـضـاجـع ثوت في نواحي الارض مفترقات
تـنكـب لأواء الســنين جوارهم ولا تصطليهم جمـرة الجـمرات
وقد كان منهم في الحجاز و أرضها مغاوري نحارون في الازمـات
حمى لم تزره المـدنـيـات وأوجه تضيء لدى الستار في الظلمات
اذا وردوا خـيـلا بـسمر من القنا مساعير حرب اقحموا الغمرات
وان فخـروا يـوما اتوا بـمحـمد وجبريل والفرقان ذي السورات
وعدوا عليا ذا الـمـناقـب والعلى وفـاطـمة الـزهراء خير بنات
وحمزة والعباس ذا الهـدي والـتقى وجعفرا الطيـار فـي الحجبات
ولائك لا منتوج(ملتوج) هند وحزبها سمية من نوكى ومـن قـذرات
سـتـسأل فعـل عـنهم وفعيلـها وبيـعتهـم مـن أفجر الفجرات
وهم منـعوا الآباء عن أخذ حقـهم وهم تـركوا الابناء رهن شتات
وهم عدلـوها عن وصـي محـمد فبـيعتـهم جاءت على الغدرات
ولـيـهم صفـو النـبـي محـمد ابو الحـسن الـفـراج للغمرات


ادب الطف ـ الجزء الاول 299


مـلامك في آل الـنبـي فانـهـم أحــباي مادامواو اهل ثقاتي
تخـيـرتـهم رشـدا لنـفسي انهم علـى كل حال خيرة الخيرات
نبـذت الـيـهم بـالمودة صـادقا وسـلمت نـفسي طائعا لولاتي
فيارب زدني في هـواي بـصيرة وزد حبـهم يارب في حسناتي
سأبكـيهـم مـا حـج لله راكـب وما فاح قمري على الشجرات
واني لمـولاهـم وقـال عـدوهم واني لمـحزون بـطول حياتي
بنفـسي أنـتم مـن كهور وفـتية لفك عـناة او لحمـل ديـات
وللخيل لما قيد الـمـوت خـطوها فاطلقتـم منهـن بـالذريـات
احب قصي الرحم من أجل حـبكم واهجر فيكم أسـرتي و بـناتي
واكتم حبيـكم مـخافـة كـاشـح عنيد لأهل الحق غـير مـواتي
فيا عين بكيهم وجـودي بعـبـرة فقد آن للتـسكـاب والهمـلات
لقد خفت في الجنيا وايـام سـعيها وإني لأرجو الأمن بـعد وفاتي
ألم ترانـي مـن ثـلاثون حـجة أروح وأفدو دائم الـحسـرات
أرى فيأهـم فيـغيرهم مـتقـسما وأيديهم من فيئـهـم صفـرات
فكيف أداوي من جوي لي والجوى امية أهل الفـسـق والنـبعات
وآل زياد في(الـقـصور) مصونة وآل رسول الله فـي الـفلوات
سأبكـيكم ما ذر في الارض شاهق ونادى منادي الخير بالصلوات
وما طلبـع شمـس وحان غروبها وبالليل أبكـيـكم وبالغـدوات
ديـار رسول الله اصبحـن بلـقعا وآل زياد تسكن الـحجـرات
وآل رسـول الله تـدمى نحورهم وآل زياد آمنـوا السـربـات
وآل رسول الله تسبـى حـريمهم وآل زياد ربـة الـحجـلات
اذا وتـروا مـدوا الى واتريـهم أكفا عن الاوتـار مـنقبضات
فلولا الذي اردوه في اليوم او غد تقطع نفسي إثرهـم حـسراتي
خروج إمـام لامـحـالة خارج يقوم على اسم الله و البـركات
يمـيز فينـا كـل حق و بـاطل ويجزي على النعماء والنقمات


ادب الطف ـ الجزء الاول 300


فيا نفس طيبي ثم يا نفس ابشري فـغير بعيد كل مـا هو آتي
ولا تجزعي من مدة الجور إنني أرى قوتـي قـد آذنت بثبات
فان قرب الرحمن من تلك مدتي وأخر من عمري ووقت وفاتي
شفيت ولم أترك لنفـسي غصة ورويت منهم نصـلي وقناتي
فاني من الرحمن أرجـو بحبهم حياة لدى الفردوس غير ثبات
عسى الله ان يرتاح للـخلق انه الى كل قـوم دائـم اللحظات
فان قلت عرفـا أنكـروه بمنكر وغطوا على التحقيق بالشبهات
تقاصر نفسـي دائما عن جدالهم كفاني ما أرقى مـن العبرات
احوال نقل الـصم عن مستقرها واسماع احجار من الـصلدات
فحسبي منهـم ان أبـوء بغصة تردد في صدري وفي لهواتي
فيمن عارف لم ينـتفـع ومعاند تميل به الاهواء للشـهـوات
كأنك بالاضلاع قد ضاق ذرعها لما حملت من شدة الـزفرات
قال ابو الفرج في الأغاني قصيدة دعبل:
مدارس آيات خلت من تلاوة ومنزل وحي مقفر العرصات
من احسن الشعر و فاخر المدائح المقولة في اهل البيت عليه السلام قصد بها على بن موسى الرضا عليه السلام بخراسان، قال دخلت على علي بن موسى الرضا عليه السلام فقال لي انشدني فأنشدته(مدارس آيات) حتى انتهيت الى قولي:
اذا وتروا مدوا الى واتريهم اكفا عن الاوتار منقبضات
بكى حتى اغمي عليه، وأومأ الخادم كان على رأسه: ان اسكت فسكت، فمكث ساعة ثم قل لي اعد. فأعدت حتى انتهيت الى هذا البيت ايضا فأصابه مثل الذي اصابه في المرة الاولى وأومأ الى الخادم الي: ان اسكت فسكت وهكذا ثلاث مرات فقال لي احسنت - ثلاث مرات ثم أمرلي بعشرة

ادب الطف ـ الجزء الاول 301


الاف درهم مما ضرب باسمه ولم تكن دفعت الى احد بعد ، وامر لي من منزله بحلى كثير اخرجه الي الخادم فقدمت العراق فبعت كل درهم منها بعشرة دراهم اشتراها من الشيعة فحصل لي مائة الف درهم فكان اول مال اعتقدته.
وروي ان دعبلا استوهب من الرضا عليه السلام ثوبا قد لبسه ليجعله في اكفانه فخلع جبة كانت عليه فاعطاه اياه وبلغ اهل قم خبرها فسالوه ان يبيعهم اياها بثلاثين الف درهم فلم يفعل فخرجوا عليه في طريقه فأخذوها منه غصبا ، وقالوا له : ان شئت ان تاخذالمال فافعل والا فانت اعلم ، فقال لهم : اني والله لااعطيكم اياها طوعا ولا تنفعكم غصبا واشكوكم الى الرضا ، فصالحوه على ان اعطوه الثلاثين الف درهم و فرد كمًٍ من بطانتها فرضي بذلك فاعطوه فرد كمٍّ فكان في اكفانه .
وكتب قصيدته على ثوب واحرم فيه وامر بان يكون في اكفانه.
قال ابن الفتال في الروضة وابن شهرا شوب في المناقب : وروى ان دعبل انشدها الامام عليه السلام من قوله : مدارس آيات . فقيل له لم بدات بمدراس ايات فقال : استحيت من الامام عليه السلام ان انشده التشبيب فانشدته المناقب.
وقال :
تأسفت جـارتي لـما رات زوري وعدت الحلم ذنبا غيـر مـغـتفر
ترجو الصـبا بعدما شابت ذوائبها وقد جرت طلقا فـي حلبـة الكبر
اجارتي ! ان شـيب الرأس ثقلني ذكر المعاد وارضـانـي عن القدر
لو كنت اركن للدنـيا وزيـنـتها اذن بكيت على الماضين من نفري
اخنى الزمان على اهلي فصدعهم تصدع القعب لاقى صـدمة الحجر
بعض اقام وبعض قـد اهاب به داعي المنية والـباقي علـى الاثر


ادب الطف ـ الجزء الاول 302


امـا المقـيم فـاخـشى ان يفارقني ولسـت اوبـة مـن ولى بمنتظر
اصـبحت اخبرعن اهلي وعن ولدي كـحـاكـم قـص رؤيا بعد مدكر
لولا تـشـاغل نفسي بالاولى سلفوا مـن اهـل بيت رسول الله لم اقر
وفي مـواليـك للـمحـزون مشغلة من ان تبيت لمفـقـود علـى اثر
كم مـن ذراع لهم بـالـطف بـائنة وعارض من صعيد الترب منـعفر
انسـى الحسين ومسراهم لمـقـتله وهم يقولون : هـذا سيـد البـشر!
يا امـة السوء ما جازيت احمد عن حسن البلاءعلى التنـزيل والـسور
خلفتمـوه على الابـناء حين مضى خلافة الذئـب في ابقـار ذي بـقر
وليـس حـي مـن الاحـياء تعلمه من ذي يمان ومـن بكر ومن مضر
الا وهـم شـركاء فـي دمائـهـم كما تشـارك ايسـار على جزر(1)
قتلا واســرا وتـحريقا ومـنهبة: فعل الغـزاة بـارض الروم والخزر
ارى امية مـعـذوريـن ان قـتلوا ولا ارى لبـني العباس مـن عـذر
ابناء حـرب ومـروان واسـرتهم بنو معـيـط ولاة الحـقد والـوغر
قوم قتلتـم علـى الاسـلام اولهـم حتى اذا استمكنوا جازوا على الكفر
اربع بطوس على قبر الزكي بـهـا ان كنت تـربع من دين على وطر
قبران في طوس :خير الخلق كلـهم وقبر شرهم هـذا مـن الـعـبـر
ما ينفع الرجس من قرب الزكي وما على الزكي بقرب الرجس من ضرر
هيهات كل امـرئ رهـن بما كسبت له يـداه فخذ ما شـئـت او فـذر
حدث ميمون بن هارون قال : قال ابراهيم بن المهدي للمامون في دعبل يحرضه عليه ، فضحك المامون و قال : انما تحرضني عليه لقوله فيك :
يا معشر الاجناد لا تقطنوا وارضوا بما كان و لا تسخطوا


(1) الياسر : الذي يلي قسمة الجزور ، والجزور الناقة المجزورة.
ادب الطف ـ الجزء الاول 303


فسوف تعطون حنينية يلتذها الامـرد والاشـمط
والمعبديـات لـقوادكم لا تدخل الكيس ولا تربط
وهكذا يـرزق قـواده خليفة مـصحفـه البربط
حدث ابو ناجية قال : كان المعتصم يبغض دعبلا لطول لسانه ، وبلغ دعبلا انه يريد اغتياله وقتله فهرب الى الجبل وقال يهجوه:
بكـى لشتات الـدين مكـتئب صب وفاض بفرط الدمع من عينه غرب
قـام امـام لـم يـكـن ذا هـديـة فليس لـه ديـن وليـس له لـب
ومـا كانت الانـباء تـاتـي بـمثله يملك يوما او تديـن لـه الـعرب
ولكـن كما قال الـذيـن تتـابعـوا من السلف الماضين اذاعظم الخطب
مـلوك بني العباس في الكتب سبعة ولم تاتـنا عـن ثـامـن لهم كتب
كـذلك اهل الكهف في الكهف سبعة خيار اذا عدوا وثامـنـهـم كـلب
وانـي لأعلي كـلبهـم عـنك رفعة لانـك ذو ذنـب وليـس لـه ذنب
لقد ضاع ملك الـناس اذ ساس ملكهم وصيف واشناس وقد عظم الكـرب
وفـضل ابـن مـروان يثـلم ثلـمة يظل لـها الاسلام ليس لـه شـعب
وحدث ميمون بن هارون قال: لما مات المعتصم قال محمد بن عبد الملك الزيات يرثيه:
قد قلت اذ غيبوه وانصرفوا في خير قبر لخير مدفون
لن يجـبـر الله امة فقدت مثلك الا بـمـثل هارون
فقال دعبل يعارضه:
قد قلت إذ غيبوه وانصرفوا في شر قبر لشر مدفون


ادب الطف ـ الجزء الاول 304


اذ هب الى النار والعذاب فما خلتك الا من شياطين
ما زلت حتى عقدت بيعة من اضر بالمسلمين والدين
ودخل عبد الله بن طاهر على المأمون فقال له المأمون : اي شي تحفظ يا عبد الله لدعبل، فقال احفظ ابياتا له في اهل البيت امير المؤمنين، قال :هاتها ويحك ، فانشده عبد الله قول دعبل:
سـقيا ورعيـا لايام الصبابات ايام ارفـل فـي اثـواب لذاتي
ايام غصـني رطيب من ليانته اصبو الى خـير جارات وكنات
دع عنك ذكر زمان فات مطلبه واقذف برجلك عن متن الجهالات
واقصد بـكل مـديح انت قائله نحو الهداة بني بـيت الـكرامات
فقال المأمون: انه قد وجد والله مقالا ونال ببعيد ذكرهم ما لا يناله في وصف غيرهم ، ثم قال المأمون : لقد احسن في وصف سفر سافره فطال ذلك السفر عليه فقال فيه:
الم يان للسفر الذين تحمـلوا الى وطن قبل الممات رجوع
فقلت ولم املك سوابق عـبرة نطقن بما ضمت عليه ضلوع
تبين فكم دار تفرق شمـلـها شمل شتيت عاد وهو جميـع
كذاك الليالي صرفهن كما ترى لكل انـاس جـدبـة وربيع
ثم قال: ما سافرت قط الا كانت هذه الابيات نصب عيني في سفري وهجيرتي ومسيلتي حتى اعود.
قال ابن قتيبه في «الشعروالشعراء» وهو القائل :
يموت رديء الشعر من قبل اهله وجيده يحيا وان مات قائله


ادب الطف ـ الجزء الاول 305


وهو القائل :
ان من ظن بالكنيف عن الضيف بغير الكنيف كيف يجـود
ما رأينـا ولا سـمعنا بـحـش قبل هـذا لبـابه إقـلـيد
ان يكن في الكنيف شـيء تخبا ه فعندي ان شئت فيه مزيد
وكان ضيفا لرجل فقام لحاجة فوجد باب الكنيف مغلقا ، فلم يتهيا فتحه حتى اعجله الامر.

وفي معجم الادباء قال :(1)ومما يختار من شعر دعبل قصيدته العينية التي رثى بها الحسين عليه السلام قال:
راس ابن بنت محمد ووصيه ياللرجال على قـنـاة يـرفـع
والمسلمـون بمنظر وبمسمع لا جازع من ذا ولا متـخشـع
ايقظت اجفانا وكنت لها كرى وانمت عينا لم تكن بك تهـجع
كحلت بمنظرك العيون عماية واصم نعيك كل اذن تـسمـع
ما روضة الا تـمـنت انـها لك مضجع ولحظ قبرك موضع
ويمدح الامام امير المؤمنين ويذكر تصدقه بالخاتم في صلاته ونزول قوله تعالى « انما وليكم الله ورسوله والذين امنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون».
نطق القران بفضل ال محمد وولايةلعلـيـه لـم تـجحد
بولاية المختار من خير الذي بعد النبـي الصادق المتودد
اذ جاءه المسكين حال صلاته فامتد طـوعا بالذراع وباليد
فتناول المـسكيـن منه خاتما هبة الكريم الا جودين الاجود


(1) جزء 11ـ وفي الديوان ص232
ادب الطف ـ الجزء الاول 306


فاختصه الرحمن في تنزيله من حاز مثل فخاره فليـعدد
ان الاله وليكم ورسـولـه والمؤمنين فمن يشا فليـجحد
يكن الاله خصيمه فيها غدا والله ليس بمخلف في الموعد
وقول:
اتـسكب دمع الـعـين بالـعبرات وبت تقاسـي شـدة الـزفرات(1)
وتـبـكـى لاثـار لال محـمـد؟! فقد ضاق منك الصدر بالحسرات
الافـابكـهـم حـقـا وبل عليهـم عيونا لـريب الـدهر منسكبات
ولاتنس فـي يوم الطفوف مصابـهم وداهية مـن اعظـم النـكـبات
سقى الله اجداثا على ارض كربـلاء مرابيع امـطـار مـن المزنات
وصلى عـلى روح الحسين حبـيبه قتيلا لدى النهريـن بالـفـلوات
قتيلا بلا جـرم فجـعــنا بفـقـده فريدا ينادي :ايـن اين حمـاتي؟!
انا الظامىء العطشان في ارض غربة قتيلا ومظلوما بغـيـر تـراب
وقد رفعوا راس الحســين على القنا وساقوا نـساء ولهــا خفـرات
فقل لابن سعد : عــذب الله روحـه سـتلقى عذاب النـار باللـعنات
سأقنت طـول الدهـر ما هبت الصبا واقـنت بالاصـال والـغـدوات
على معشـر ضـلوا جـميعا وضيعوا مقال رسـول الله بـالـشبـهات

وقال :
ان كـنت محزونا فمالك ترقد هلا بكيت لمن بكاه محمد(2)
هلا بكيت على الحسين واهله؟ ان البكاء لمثلـهم قد يحمد
لتضغضغ الاسلام يوم مصابه فالجود يبكي فقده والسودد
فلقد بكـته فـي السماء ملائك زهر كرام راكعون وسجد


(1)الغدير ج2 ص 381
(2) الغدير ج2 ص382
ادب الطف ـ الجزء الاول 307


انـسيت اذ صـارت الـيه كتائب فيها ابـن سـعد والطغاة الجحد؟
فسقوه من جرع الحـتوف بمشهد كثر العداة به وقـل الـمسـعد
لم يحفظوا حـق الـنـبي محمد اذ جرعـوه حـرارة ما تبـرد
قتلوا الحـسين فـاثكـلوه بسبطه فالثكل من بـعد الـحسين مبرد
كيف القرار؟! وفي السبايا زينب تدعو بفرط حـرارة : يـا احمد
هذا حسـين بالـسيـوف مبضع متلطـخ بـدمـائـه مستـشهد
عار بلا ثـوب صريع في الثرى بين الحوافـر والسـنابك يقصد
والطيبـون بنـوك قتلـى حوله فوق التراب ذبـائـح لا تـلحد
يا جد قـد منـعوا الفرات وقتلوا عطشا فليـس لهم هـنالك مورد
يا جد من ثـكلى وطول مصيبتي ولما اعافـيـه اقـوم واقـعـد
وقال :
جاؤا مـن الشام المشومة اهلها للشـوم يـقـدم جندهم ابـلـيس
لعنوا وقد لـعـنوا بقتل إمامهم تركوه وهـو مـبضع مخمـوس
وسبوا فوا حـزني بنات محمد عبرى حواسر مالـهـن لـبوس
تبا لكـم يا ويلـكم ارضيـتم بالنار ؟ ذل هـنالك الـمحـبوس
بعتم بدنيا غيركـم جـهلا بكم عز الـحـيـاة وانـه لـنفـيس
اخـزي بـها مـن بيعة اموية لعنت وحـظ البـايعيـن خسيس
بؤسا لمن بايـعتـم وكـانني بامامكم وسط الجـحـيم حـبيس
يا ال احمد مـا لقـيـتم بعده؟ من عصبة هم في القياس مجوس
كم عبرة فاضت لكم وتقطعت يوم الطفوف على الحسين نفوس
صبرا موالينا فـسوف نديلكم يوما على ال اللـعيـن عبـوس
ما زلت متبعا لكـم ولامركم وعليه نفسي ما حيـيت اسـوس


ادب الطف ـ الجزء الاول 308


الشاعر



ولد سنة 148 ومات سنة 246هـ وعاش سبعا وتسعين سنة97، قال ابو الفرج الاصبهاني توفي بقرية من نواحي السوس ودفن بتلك القرية وكان صديقا للبحتري ــ وابو تمام حبيب بن اوس قد مات قبله فرثاهماالبحتري بقوله:
قد زاد في كلفى واوقد لوعتي مثوى حبيب يوم مات ودعبل
جدث على الاهواز يبعد دونه مسرى النعي ورمة بالموصـل
كان دعبل شاعرا مفلقا مخلصا في ولاء اهل البيت عليهم السلام ، ومن محاسنه انه لا يرغب في مدح الملوك ولكثرة طعنه في اعداء اهل البيت اصبح مرهوب اللسان تخاف هجاءه الملوك . قال ابراهيم بن المدبر لقيت دعبل بن علي الخزاعي فقلت له انت اجسر الناس عندي واقدمهم حيث تقول :
اني من القوم الذين سيوفهـم قـتلت ابـاك وشـر فتك بمقعد
رفعوا محلك بعد طول خموله واستنقذوك من الحضيض الاوهد
ـ يشير الى قصة طاهر الخزاعي وقتله الامين اخا المأمون ـ فقال: يا ابا اسحاق انا احمل خشبي منذ اربعين سنة فلا اجد من يصلبني عليها. وذكر ابو الفرج الاصبهاني في الاغاني ج18 ص44 قال الجاحظ

ادب الطف ـ الجزء الاول 309


سمعت دعبل بن علي يقول : مكثت نحو ستين سنة ليس من يوم ذر شارقه الا وانا اقول فيه شعرا.
حدث محمد بن القاسم بن مهرويه قال كنت مع دعبل بالضميرة وقد جاء نعى المعتصم وقيام الواثق ، فقال لي دعبل: امعك شيء تكتب فيه فقلت نعم واخرجت قرطاسا فاملى علي بديها:
الحمد لله لا صبرو ولا جلب ولا عزاء اذا اهل البلا رقدوا
خليفة مات لم يحزن له احد واخر قام لم يـفـرج به احد
ولدعبل من هذا النوع كثير ولكنه ضاع ولم يبق الا القليل النادر ، قال عبد الحسيب طه : ولو وصلنا كله لورثنا ادبا قويا جريئا يمثل نفس دعبل وقوتهاوجراتها.

ادب الطف ـ الجزء الاول 310


الحسين بن الضحاك

ومما شجا قلبي واوكف عبرتي محـارم من ال النـبي اسـتحلت
ومهتوكة بالطف عنها سجوفها كعاب كقرن الشـمس لمـا تبدت
اذا حفزتها روعة مـن منازع لها المرط عاذت بالخضوع ورنت
وربات خدرمن ذوابـة هاشم هتفن بدعوى خـير حـي وميت
ارد يدا مني اذا مـا ذكـرته على كبـد حرى وقـلب مفـتت
فلا بات ليل الشامتين بغبظة ولا بلغت امـالهـا مـا تمـنت
وقوله من قصيدة كما في الطليعة:
هتكوا بحرمتك التي هتكت حرم الرسول ودونها السجف
سلبت معاجرهن واختلست ذات النقاب ونوزع الشـنف
قد كنت كهفا يسـتظل به ومضى فلا ظل ولا كهـف

قال السيد الامين في الاعيان : يمكن ان يستدل على تشيعه بما نسبه اليه جماعة انه قال في رثاء الحسين عليه السلام وقد ذكرناه نحن في الدر النضيد ولا ندري الان من اين نقلناه اقول والظاهر ان السيدنقله عن مثير الاحزان للشيخ ابن نما حيث قال : ويحسن ان نستشهد بشعر الحسين بن الضحاك : ومما شجا قلبي واوكف عبرتي الابيات.

ادب الطف ـ الجزء الاول 311


الشاعر :



هو ابو علي الحسين بن الضحاك بن ياسر الباهلي المعروف بالخليع او الخالع.ولد سنة 162 ومات سنة250 فيكون عمره 88 سنة وقيل بل عمر اكثر من مائة سنة، وكانت ولادته بالبصرة.
ونشأ بها ثم ارتحل الى بغداد واقام بها، وكانت تلك الاقامة في الاعوام الاخيرة في عهد هارون الرشيد المتوفي سنة 193 هـ، فقنع هذا الشاعر بمنادمة صالح بن هارون الرشيد ثم ارتقى الى منادمة اخيه الامين فلما تولى الامين الخلافة كان من ندمائه والمقربين اليه فاجزل عطاياه واسنى جوائزه .
وقال الحموي في معجم الادباء : الحسين بن الضحاك ،ابو علي. اصله من خراسان ، وهو مولى لولد سليمان بن ربيعة الباهلي الصحابي فهو مولى(1)لا باهلي النسب كما زعم ابن الجراح، بصري المولد والمنشأ ، وهو شاعر ماجن ولذلك لقب بالخليع، وعداده في الطبقة الاولى من شعراء الدولة العباسية المجيدين وكان شاعرا مطبوعا حسن التصرف في الشعر ،وكان ابو نؤاس يغير على معانيه في الخمر ، فاذا قال فيها شيئا نسبه الناس الى ابي نؤاس ، وله غزل كثير اجاد فيه ، فمن ذلك قوله:
وصف البدر حسن وجهك حتى خلت اني وما اراك اراكا
واذا مـا تنفس النرجس الغض توهمـته نـسـيم شذاكا
خدع للمـنى تعـلـلني فـيك باشراق ذا وبهجـة ذاكا
وقال الحسين بن الضحاك، وقد عمر:
اصبحت من اسراءالله من محتسبا في الارض نحو قضاء الله والقدر
ان الثمانين اذ وفـيـت عـداتها لم تبق باقـيـتة مـنى ولـم تذر
يقول الحموي : والاصل في قول الحسين بن الضحاك هذا ، الحديث الذي

(1)مولى : مملوك
ادب الطف ـ الجزء الاول 312


رواه ابن قتيبة في غريب الحديث قال . حدثنا ابو سفيان الغنوي حدثنا معقل ابن مالك عن عبد الرحمن بن سليمان عن عبيد الله بن انس عن انس عن النبي(ص) قال : اذا بلغ العبد ثمانين سنة فانه اسير الله في الارض ، تكتب له الحسنات وتمحى عنه السيئات.
اقول وجاء عن الامام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام : ان الله ليكرم ابناء السبعين ويستحي من ابناء الثمانين فيامر بان تكتب لهم الحسنات وتمحى عنهم السيئات ويقول هم اسرائي في الارض وما اجمل ما قيل:
وهت عزماتك عند المشيب وما كان من حـقها ان تهي
وانكرت نفسك لـما كبرت فلا هي انت ، ولا انت هي
ومن شعر ابناء الثمانين قول احدهم :
ضعفت ومن جاز الثمانين يضعف وينكر منه كلـما كـان يعرف
ويمشي رويدا كـالاسـير مقـيدا تداني خطاه في الحديد ويرسف
وقال الاخر :
قالت انينك طول الليل يزعجنا فما الذي تشتكي ، قلت الثمانينا
وقال الاخر :
ان الثمانين وبلغتها قد احوجت سمعي الى ترجمان
له ديوان شعر طبع في دار الثقافة ببيروت فمن قوله في قبيح الوجه (سابور) :
ويحك ما اخسك بل اخصك بالعيوب وجه قبيح في التبسم كيف يحسن في القطوب


السابق السابق الفهرس التالي التالي