اني اتوجه بحديثي اليك واسالك انت ، ايتها الام التي قبلت ان تحملي هذا الاسم المقدس وتقبلت مسؤولية الامومة التي هي مسؤولية مقدسة ايضا ، كيف تتصرفين وتتعاملين مع اولادك ؟ وكيف تتكلمين معهم ؟ وكيف تقومين بتربيتهم ؟ . . .
الرسالة : . . . ماذا اقول ؟! اني ادعو عليهم بالسوء من الصباح وحتى المساء . اني اعرف بانه لا يجب ان اتفوه بكلام بذيء ويجب ان لا ادعو على اولادي بدعاء سوء ولكني افقد اعصابي وتخرج هذه الكلمات النابية من فمي بصورة لا ارادية . لقد تعودت على هذا الاسلوب ، ماذا افعل ؟! . . . اني اتالم من اجل اولادي واخشى ان يتحقق دعاء السوء الذي ادعو به عليهم فيشقون وتتدمر حياتهم ومستقبلهم . وهناك سؤال مهم جدا بالنسبة لي وهو : هل دعاء السوء على شخص ما له اثر على ذلك الشخص ؟ .
ايتها الاخت الكريمة ! ان العداء بالسوء والتفوه بكلام النابي والبذيء لا يليق بك كام . فالسب والكلام البذيء هو ذنب كبير يورث الكراهية ويجعل الابناء يحقدون على والديهم .
فحذار ان يؤدي هذا السب والكلام البذيء الى غضب الرحمن وعندها ستتحول حياتك الى جحيم ورماد . هل تريدين ايتها الاخت الكريمة ان يكتب ابنك
العلاقات الزوجية
305
او ابنتك عنك مثل هذه الرسالة التي نقرأها معا فيما يلي والتي بعثت بها الينا احدى الاخوات :
الرسالة : . . . والداي من ذوي الاخلاق السيئة جدا وهما يسيئان الظن بي وهما يوجهان لي ولشقيقتي باستمرار السباب والشتائم والكلام البذيء ويثيران النزاع والشجار لاتفه الاسباب عندما اريد العودة الى البيت من المدرسة اتصور كاني اريد الدخول الى جهنم . ان والدي يحقرانني ويهينانني باستمرار ويدعوان لي بالسوء والشر واني اخشى ان يستجاب دعاؤهما فتصبح حياتي وحياة شقيقتي كلها شقاء وجحيم . فماذا افعل ؟ ارجو ان تقولوا شيئا لوالدي في برنامجكم «اسس التعامل الاخلاقي بين افراد الاسرة» عندما اعود الى البيت عصرا ، اقول في نفسي لعل والدي قد تغيرا ولكني عندما اعود ارى ان شيئا لم يتغير حيث اواجه نفس المشاكل والشجار والنزاع والكلام البذيء لا ادري ماذا افعل ؟! . . .
ايتها الاخت الكريمة ! انني واثق بانك لا تريدين لاولادك حياة الشقاء والتشتت والضياع ولا تريدين ان يكون اولادك كئيبين ومعنوياتهم محطمة ولا ترغين بان يكتبوا عنك مثل هذه الرسالة ويقولوا فيها بان البيت هو بمثابة جحيم بالنسبة لهم وانهم يخافون من العودة اليه . حبذا لو اصغيت الى كلام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في هذا المجال حيث يقول : (لا تدعوا على انفسكم بالسوء ولا تسبوا انفسكم ولا ابناءكم ولا اموالكم) (1) وقال صلى الله عليه وآله وسلم : (عندما تسمع الملائكة صوت المسلم وهو يسب فانها تقول : ما اسوأك ! كف عن السب !) (2) .
(1) كنز العمال 8172 .
(2) وسائل الشيعة ج2 باب 53 .
العلاقات الزوجية
306
الفصل (70)
ابذلوا كل ما في وسعكم لتربية ابنائكم تربية صالحة
ان الشيطان ينصب شباكه ويكمن لكم ويتحين الفرص ليوقع بابنائكم ويخدعهم ويجعلهم يعانون من الضعف والمرض في اجسامهم وفي انفسهم ايضا . نعم ان الشيطان يترصد ابنائكم وينصب لهم شباك مكره وخداعه ليقضي على سعادتهم في الدنيا وفي الاخرة ويضيع بالتالي مستقبلهم ويجرهم نحو البؤس والشقاء وعذاب جهنم . فكيف بامكانكم ان تساعدوا ابناءكم وتخلصوهم من شرك الشيطان ومصائده ؟.
ان ابناءكم لا يستطيعون لوحدهم ان يتخلصوا من مصائد وكمائن الشيطان الخفية وينقذوا انفسهم من مكائده ودسائسه وفي هذه الحالة يجب على الاب والام ان يساعدا ابناءهما ويراقبا تصرفاتهم ونشاطاتهم بكل دقة ويبذلا كل ما في وسعهما لتاديبهم وتربيتهم وابعادهم عن اماكن الخطر ومواقع الانزلاق والسقوط . فالله تبارك وتعالى يقول في محكم كتابه العزيز : «يا ايها الذين امنوا قوا انفسكم واهليكم نارا» (1) .
ويقول الامام الصادق عليه السلام : (ابذلوا ما في وسعكم لتربية ابنائكم) (2) .
اذا لم يؤد الوالدان اهم وظيفة ملقاة على عاتقهما وهي وظيفة تامين سلامة ابنائهم وتربيتهم وتنميتهم جسميا وروحيا وتركاهم وشانهم دون حسيب او رقيت
(1) سورة التحريم اية 6 .
(2) تحف العقول .
العلاقات الزوجية
307
فقد يقعون في مصائد الشيطان .
وسؤالي لكم هو : كم تخصصون من وقتكم يوميا للاهتمام بابنائكم ومراقبة تصرفاتهم وتوجيههم وتربيتهم ؟ هل تبذلون ما في وسعكم لتربية ابنائكم وتنمية قدراتهم الجسدية والروحية والمعنوية ؟ ام ان مشاكل الحياة ومشاكلها تلهيكم عن القيام بهذه المهمة ؟ الا يحتاج ابناؤكم الى الارشاد والتوجيه والمراقبة والمساعدة من قبلكم ؟ هل ابناؤكم في مامن من شباك ومصائد الشيطان هل هم في مامن من الخطر الذي واجهه هذا الشاب الذي بعث الينا بالرسالة التالية والمشكلة التي وقع فيها ؟ من اجل ان نفهم بشكل افضل ضرورة مراقبة تصرفات الابناء لا باس ان تقراوا رسالة هذا الشاب المتالم وتفكروا فيها لتجنبوا ابناءكم مثل هذه الحوادث المؤسفة .
الرسالة : . . . هذه سادس رسالة اكتبها اليكم ، لعلكم تتعجبون وتقولون في انفسكم : اذاً لماذا لم يرسل الرسائل الخمس السابقة الينا ؟ الجواب هو اني في كل مرة كنت اكتب فيها رسالة واستعد لارسالها اليكم ، كنت اقول في نفسي : حقا ستقراون رسالتي ؟ هل ستردون عليها ؟ وبعد ذلك كنت اقول في نفسي : لا اعتقد ان رسالتي هذه تجدي نفعا فكنت امزق الرسالة وارمي بها في سلة المهملات . . . واخيرا قلت : كلا ! سيردون على رسالتي بكل تاكيد ، ولهذا قررت ان اكتب اليكم واطلب منكم العون .
لاتتصوروا باني اطلب منكم ان تهدئوا من روعي وتخففوا من الامي بل كل ما اريده منكم ان تساعدوني فكريا ومعنويا . اسمحوا لي ان اتحدث اولا عن والدي : فهو رجل طيب القلب وحازم في نفس الوقت ، ويعمل موظفا بسيطا في التربية والتعليم . اتذكر عندما كان يعود عند الظهر الى البيت ، لم يكن يرد على سلامنا عليه ولم يكن يطيق اي صوت او ضوضاء من شدة التعب والارهاق . كان يجب ان يسود الصمت المطلق في البيت حتى يتمكن من تناول الطعام ويستريح قليلا ويستعيد نشاطه لتوجه بعد الظهر الى المكتب حيث يبدا عمله الثاني حتى ساعة متاخرة من الليل . . . ولا يزال والدي رجلا نشطا وكادحا على صعيد تامين النفقات المعيشية
العلاقات الزوجية
308
للبيت والاسرة ولكنه كان قليل الاهتمام بموضوع تربية اولاده . وفيما يتعلق بوالدتي اقول : ان والدتي تهتم كثيرا بملابسها ومظهرها وتحب الخروج من البيت وتبادل الزيارات والدعوات والولائم مع الاهل والاقارب واتذكر انها كانت تقول لوالدي دائما : اريد نقودا . لدي نفقات كثيرة اريد شراء ملابس ووو. . وهي لا تزال تحتفظ بعاداتها وتصرفاتها تلك . وعندما كنت اعود من المدرسة لم يكن يحدث ان شاهدت والدتي في البيت فهي تكون ذاهب اما الى دعوة او وليمة واما الى السوق ونكون نحن الاطفال المساكين وحيدين في البيت او تائهين في بيت الجيران ننتظر مجيئها .
وعلى ضوء ما ذكرته عن والدي ووالدتي فاننا ومنذ الطفولة لم يكن لدينا من يتولى تربيتنا ويتابع دراستنا ويسالنا عن اوضاعنا في المدرسة ولم يكن امامنا سبيل لطرح مشاكلنا النفسية والفكرية اني لا اريد ان استهين بوالدي واتجرأ عليهما ولكني اتساءل : اليس من واجب الاب والام ان يراقبا تصرفات ابنائهما ويهتما بدراستهم ويطلعا على وضعهم الدراسي ؟ . . . على اي حال رغم كل ذلك وبكثير من العناء والشقاء حصلت على شهادة الثانوية العامة . ولكن نظرا لانه لم تكن لي ام ترعاني ولا اب يراقب تصرفاتي ويرصد رواحي ومجيئي فقد اقمت علاقات مع اصدقاء السوء ولم يكن هناك من يسالني : الى اين تذهب ؟ ما تفعل ؟ لماذا تاخرت في العودة الى البيت ؟ . . .
والان فاني ابتليت بمرض اتمنى معه ان تنشق الارض وتبتلعني حتى لا اظل اعاني من العذاب والتالم والخجل . حقا من هو الذي يجب ان اعتبره مقصرا في هذا الصدد ؟ . . . والان ماذا افعل لكي انقذ نفسي ؟
من هو المقصر ؟ :
هل اقول بانك انت المقصر ؟ ام اقول اولا : ان والدك هو المقصر ؟ هذا الوالد الذي تخلى عن ادارة البيت ورعاية الاسرة والعائلة وترك الزوجة والابناء
العلاقات الزوجية
309
يتصرفون كما يشاؤون ويروحون ويجيئون دون رقيب او حسيب ولم يهتم الا بعمله وتامين معاش الاسرة وبالتالي يعود الى البيت منهك القوى كئيبا ومتوتر الاعصاب الى درجة انه لا يطيق حتى الرد على سلام ابنائه وافراد اسرته . في حين ان الاسلام يؤكد على ان الاب عندما يدخل الى البيت عليه ان يبدا بالسلام وحتى لو لم يكن هناك احد في البيت .
يقول امير المؤمنين عليه السلام : (اذا دخل الرجل منكم بيته فان كان فيه احد يسلم عليهم وان لم يكن فيه احد فليقل : السلام علينا من عند ربنا) (1) .
لأن السلام هو تحية طاهرة ومبادلة من قبل الله . كيف لا يدري والدك وهو معلم ، «بان السلام اذا كان مستحبا فان رد السلام واجب» (2) .
وكيف لا يدري بان النبي الاكرام صلى الله عليه وآله وسلم كان يسلم على الاطفال والصبيان لكي تقتدي الاجيال القادمة بهذه السنة المحمدية . واذا كان والدك يعرف هذه الامور ، فلماذا لم يكن يعمل بها ؟ وحبذا لو نعرف بان «السلام هو تحية اهل الجنة» واذا ما التزمت الاسر بهذه السنة المحمدية والفردوسية وجللتها وعظمت مكانتها فسوف تكتسب شيئا فشيئا اخلاق وسجايا اهل الجنة .
2ـ هل اقول ان والدتك هي المقصرة في مجال تربيتك ؟ ان الجميع يعلم بان التضحية والايثار هما من افضل الصفات التي يمكن ان تتمتع بها الام . وعادة فان الام تفضل سعادة وصلاح ونجاح اولادها على سعادتها ومصلحتها . فالام تقتر وتضيق على نفسها من اجل ان يعيش اولادها في سعادة ورفاه وراحة وهذه التضحية هي من اعظم الصفات الانسانية . ولكني لا ادري لماذا حرمت والدتك ـ كما ذكرت في رسالتك ـ من هذه الصفة الجميلة .
لو كانت والدتك امراة عاقلة ومضحية لكانت قد عاشت حياتها بقناعة وتدبير . فالامام امير المؤمنين عليه السلام يقول : (القناعة حياة طيبة يبحث عنها جميع الناس) (3) .
(1) بحار الانوار ج 76 ص 3 .
(2) بحار الانوار ج 76 ص 10 .
(3) نهج البلاغة ، الحكمة 229 مضمون حديث امير المؤمنين عليه السلام .
العلاقات الزوجية
310
ويقول عليه السلام ايضا : (القناعة هي اهنأ حياة) (1) .
فلو كانت والدتك قد انتهجت سبيل القناعة في الحياة ، وبدل ان تشتري ملابس جديدة كل عام اشترت تلك الملابس مرة واحدة كل عامين ولو انها خصصت وقتها لرعاية ابنائها والاهتمام بهم وبتربيتهم بدل ان تمضي وقتها في التسوق وتبادل الزيارات والاهتمام فقط بنفسها وملابسها ، لما كان وضعك بهذا الشكل الماساوي المؤلم . ولو كانت والدتك امراة قنوعة ومدبرة ومقتصدة في نفقاتها ونفقات البيت والاولاد لما كانت تضغط على والدك وتطلب منه المزيد من المال والنقود ولما اضطر والدك ونتيجة لضغوط والدتك لارهاق نفسه بالعمل الاضافي وبالتالي كان بامكانه ان يعود الى البيت مبكرا حيث كان لديه الوقت الكافي للتحدث مع ابنائه والاهتمام بدروسهم وقضاياهم ومتابعة مشاكلهم ومراقبة تصرفاتهم ورواحهم ومجيئهم . ان كل هذا التاكيد على القناعة في الحياة وعدم الاسراف والتبذير حيث يؤكد القران الكريم على هذا الموضوع ويصف في احدى اياته الكريمة المبذري بانهم اخوان الشياطين كما اوصى النبي صلى الله عليه وآله وسلم والائمة عليهم السلام بالقناعة . قال علي عليه السلام : (القناعة كنز لا يفنى [مال لا ينفد)] وقال عليه السلام : [عز من قنع وذل من طمع] .
نقول ان الهدف من التاكيد على القناعة هو ان نجنب انفسنا الاعباء والاعمال غير الضرورية ونخفف عن كاهلنا لنهتم بالامور التي هي اكثر اهمية في حياتنا اليومية .
نعم ، علينا ان نقلل من الاهتمام بجمال المظهر لنتمكن من الاهتمام بجمال الروح والنفس وبتربية الاولاد والمحافظة على جوهرة السلامة والعفة . فالامام امير المؤمنين عليه السلام يقول : (اقنعوا بالقليل من مال الدنيا لكي تحافظوا على دينكم) (2) .
3ـ هل اقول بانك انت المقصر ؟
لقد جعل الله تبارك وتعالى الانسان مخيرا في اعماله وتصرفاته فهو يستطيع
(1) غرر الحكم ، مضمون حديث امير المؤمنين عليه السلام .
(2) غرر الحكم .
العلاقات الزوجية
311
ان يختار طريق الحق القويم او ان يسير في طريق الباطل وينتهج سبيل الضلال ويضيع سعادته واخرته ، الم يكن بامكانك انت ان تحفظ نفسك وتبتعد عن اصدقاء السوء ؟ لم يكن باستطاعتك ان . . . ؟ . . . ؟
ولكن الفرصة لم تفتك بعد ، لتكن ثقتك بالله قوية راسخة ، اقطع علاقتك باصدقاء السوء وتعرف على احد علماء الدين واطلب منه ان يساعدك . اني اعرف عالم دين فاضل في مدينتك وهو امام جماعة مسجد . . . وهو محط ثقة واحترام الجميع وهو الطبيب الذي يعالج امراض الروح . فاتصل به وتعرف عليه واقم علاقات معه حيث نامل من خلال مصارحتك له وطرحك لمشكلتك عليه ان تستفيد من مساعدته وتوجيهاته وبالتالي تنقذ نفسك من الوضع الذي انت فيه . اطلب العون من الله .
. . وفقك الله
العلاقات الزوجية
312
الفصل (71)
قوموا بتربية انفسكم وابنائكم
يقول الامام امير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام : «ادبوا انفسكم وخلصوها من العادات والاخلاق السيئة المذمومة ولا تلقوا حبلكم على غاربكم وحثوا انفسكم على الالتزام بالاخلاق الفاضلة والسلوك الحسن لان الانسان يميل بطبيعته الى الرذائل» (1) .
ان صفة العناد والتهكم والتمرد العنف والتشدد وسائر الصفات القبيحة ، تكون موجودة ومتاصلة في ذات كل انسان لم يتلق تربية صحيحة ولم يحصل على التزكية اللازمة . وعليه فان النزعة الى الشر موجودة في ذات كل انسان ولكن اذا تعرف الفرد على طبائعه وعلى هذه الصفات السيئة الكامنة في داخله وتمكن من كبح جماحها والسيطرة عليها وتحلى بحسن الادب والصفات الحسنة فانه يصل الى الخير والصلاح ، اما اذا ترك حبله على غاربه واهمل تلك الصفات والنوازع السيئة الكامنة فيه واطلق لها العنان فانه يصبح من اسوا الحيوانات واخطرها . ولكن هذه النفس المتمردة وهذا الحيوان القوي المتوحش لا يمكن ترويضه ولا تاديبه وتربيته بهذه السهولة . ان العقل يحاول ان يتولى هو كبح جماح النفس الامارة بالسوء والغرائز الحيوانية ولكن النفس تتمرد ولا تستسلم وبالتالي فان الصراع والتنازع بين العقل والنفس الانسانية يبقى قائما ودائرا طوال الفترة التي يعيش فيها الشخص في هذه الدنيا . ومن اجل ان نتغلب على اهواء النفس علينا ان نجاهد ونكافح ونجد ونسعى . وحول ضرورة مجاهدة النفس ومحاربتها يقول النبي المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم :
(1) غرر الحكم ، مضمون كلام امير المؤمنين عليه السلام .
العلاقات الزوجية
313
[افضل الجهاد من جاهد نفسه التي بين جنبيه] (1) .
وقال صلى الله عليه وآله وسلم : [جاهدوا اهواءكم تملكوا انفسكم] (2) .
وقال علي عليه السلام : [جاهد نفسك على طاعة الله مجاهدة العدو عدوه ، وغالبها مغالبة الضد ضده ، فان اقوى الناس من قوي على نفسه] (3) .
وفي خضم هذا الصراع والمجاهدة اذا انتصر عقل الانسان فان النفس ستنكفئ وتبقى منعزلة وكامنة في اعماق الانسان تنتظر الفرصة المناسب . اما اذا انتصرت النفس الامارة بالسوء فانها تحطم منارة العقل وتطفئ ضياءه وتزيد الانسان تمردا وانحلالا خلقيا وتعنتا وحرصا وجشعا . وكذلك هو الحال بالنسبة للاب والام فهما اذا ما بادرا خلال السنوات التي يتقبل فيه الطفل الارشادات والتوجيهات التربوية ويستوعبها (اي من سن السابعة وحتى الرابعة عشرة) الى تاديب طفلهما المتمرد والمتعنت ومنعاه من القيام بالتصرفات الشائنة والخشنة والعنيفة ـ وهذه من طبيعة الاطفال خلال سنيهم الاولى ـ وعوداه وشجعاه على التصرفات الحسنة والجيدة فان الطفل سيصلح ويسير في طريق الهداية والصلاح . اما اذا تركاه وشانه فسوف يسير في طريق الضلال والانحراف مما يؤدي به في النهاية الى السقوط والانحطاط ، كما نلاحظ ذلك من خلال الرسالة التالية :
الرسالة : . . . عشت في اسرة كانت تعيش معنا زوجة والدي التي هي زوجته الاولى . زوجة والدي هذه امراة طيبة الى ابعد الحدود وكانت تحبني وتعطف علي اكثر من والدتي ولكن احيانا كان يحدث شجار او نزاع بين والدتي وزوجة ابي وبالطبع فان والدتي هي المقصرة وهي السبب في وقوع هذا الشجار . . . ونظرا لاننا كنا (انا واخوتي وشقيقاتي) صغار السن فقد كنا نقف الى جانب والدتي عندما كان يحدث مثل هذا النزاع وكنا نؤذي زوجة ابي . . . اما والدتي فما كانت تقول لنا شيئا بل كانت تشجعنا على ذلك وبالتالي فقد كنت حرة لافعل ما اريد . . . حتى بلغت من العمر اربعة
(1) وهج الفصاحة في ادب النبي ، ص 333 .
(2) مستدرك وسائل الشيعة ج 2 ص 270 .
(3) تنبيه الخواطر ص 362.
العلاقات الزوجية
314
عشر عاما فاصبحت فتاة لعوباً مدلعة عديمة التربية عنيدة ولجوجة ، وبقيت على هذا الحال حتى تزوجت . تصورت بان بيت الزوجية هو كبيت والدي واهلي فكل ما كنت اقوله وكل ما كنت افعله واقوم به كان ينم عن سوء الخلق واللجاجة والعناد والتعنت . . . فلو كان هناك من يوبخني ويحذرني من تصرفاتي عندما كنت في بيت والدي لما كان وضعي الان بهذا الشكل ولو كان هناك من ينهاني عن تصرفاتي تلك ويقول لي هذا العمل قبيح وغير لائق والتصرف الفلاني غير صحيح ويمنعني من القيام بتلك التصرفات الشائنة لما اصبحت هكذا اواجه حياة صعبة وقاسية في بيت زوجي . . .
ولكن زوجي منذ البداية كان رجلا وقورا رزينا وهادئا وفي نفس الوقت جادا ومتشددا . كان يقول كلمته ويقدم النصح والتوجيه ولكنه لم يستسلم ابدا لعنادي وكثر طلباتي وبالتالي فان تصرفه معي بهذا الشكل جعلني اتخلى شيئا فشيئا عن عادتي السيئة والشائنة والان اشعر بتحسن في طباعي واخلاقي عاماً بعد عام . . .
تلاحظ عزيزي القارئ . كيف ان الشخص الذي يترك وشانه دون تربية صحيحة ـ ولا سيما في مرحلتي الطفولة والمراهقة ـ يواجه في حياته المستقبلية عواقب وخيمة حيث تتحكم به العادات والصفات السيئة وتحيط بوجوده وكيانه انواع الحشائش الضارة وتعترض سبيله الكثير من المشاكل والعقبات ويحتاج الامر الى فلاح واع وقدير ليقتلع تلك الطفيليات ويجتث تلك الاغصان غير المثمرة ويزيل تلك العقبات والمشاكل قبل فوات الاوان .
الرسالة : . . . اشكر الله ، لان زوجي قد تحمل اخلاقي السيئة وعنادي ، فنصحني وتشدد تجاهي وبالنتيجة غير اخلاقي . واني اغتنم الفرصة لكي اعرب له عن شكري وتقديري وارجو منكم من خلال برنامج «اسس التعامل الاخلاقي بين افراد الاسرة» ان تقولوا لزوجي بان لا يذكر شيئا امام اولادي عن تصرفاتي السابقة وما كان يجري بيني وبينه من حديث ونقاش وقولوا له ثانياً بانه اذا اراد ان ينصح ابناءه فليذكر لهم عيوبهم واخطاءهم ولا
العلاقات الزوجية
315
يذكر تلك العيوب امام الاخرين لان ذلك يسيء الى كرامتهم وشخصيتهم . زوجي يقول لي ، لا تتدخلي في موضوع تربية الاولاد ! فهل علي ان لا اتدخل في امر تربية اولادي ؟هل زوجي على حق ام انا على حق ؟! . . .
1ـ ان اعرابك عن شكرك وتقديرك لزوجك ، هو في محله ، لان زوجك لو كان شخصا قليل الصبر والتحمل لكانت حياتك ـ على ضوء ما ذكرته في رسالتك ـ قد تحولت الى جحيم وكان من الممكن ان يطلقك زوجك خلال الاشهر الاولى من الزواج . فحري بك ان تقدمي المزيد من الشكر لله ولزوجك . فالامام امير المؤمنين عليه السلام يقول : [بالشكر تدوم النعم] (1) .
2ـ ان التحدث عن عيوب الاخرين والكشف عن مساوئهم في الماضي هو من الصفات التي لا تليق بزوجك العاقل الرزين . الاية الشريفة تقول ما مضمونه : «تجاوزوا عن اخطاء وعيوب الاخرين ، الا تريدون ان بتجاوز الله عن سيئاتكم ؟» لذلك فان على زوجك ان يتجاوز عن ماضيك وينساه وكان شيئا لم يحدث . يقول الامام امير المؤمنين عليه السلام : [استر عيوب الناس ليستر الله عيوبك] (2) .
3ـ ان زوجك بما يتمتع به من رزانة وجدية وحزم بامكانه ان يكون مربيا جيدا لابنائك شريطة ان يخفف من شدته ويستخدم اسلوباً اكثر مرونة وودية في تربيتهم . كما ان نصائح وتوجيهات الوالدين للابناء تعتبر ضرورية وهي افضل واثمن هدية يمكن ان يقدمها الوالدين لابنائهما ويجب على الابناء ـ الذين هم في طبيعتهم مشاكسون متمردون قليلو الفهم والادراك لحقائق الامور ـ ان يحيوا وينتعشوا بهذه النصائح والمواعظ وان يعوا ويهتدوا بها . ولكن رغم ان النصيحة والمواعظة هي كالماء مفيدة تؤدي الى النمو والتكامل وتبعث على الحياة ، لكن يجب ان لا ننصح الشخص امام الاخرين لان مثل هذه النصيحة ستكون بمثابة تحقير للشخص وتشويه لسمعته . فالامام امير المؤمنين عليه السلام يقول : [توجيه
(1) غرر الحكم ودرر الكلم .
(2) غرر الحكم ودرر الكلم .
العلاقات الزوجية
316
النصح لشخص امام الاخرين هو بمثابة اهانة وتحقير له] (1) والشخص الذي يحقر بهذه الطريقة يساء الى كرامته وتتحطم شخصيته وتحدث لديه ردود فعل تجعله يرفض التوجيهات التربوية وبالتالي لا يتجه نحو التكامل والاصلاح .
(1) غرر الحكم ودرر الكلم .
العلاقات الزوجية
317
الفصل (72)
عندما تريدون تربية ابنائكم فعليكم ان تنموا
فيهم العادات الجميلة والمحببة
كيف تتصرفون مع ابنائكم الصغار ؟ انتم الذين تحرصون على تقدم ابنائكم وتشعرون بالمسؤولية حيال مستقبلهم وتعربون عن قلقكم ازاء ذلك ، كيف تقومون بتربيتهم ؟ وكيف تعاملونهم لكي يصبحوا قادرين ومستعدين للدخول في خضم الحياة المستقبلية بعزة وشموخ ؟ . . . هل تعلمون بان افضل فترة يكون فيها الشخص مستعداً لتقبل واستيعاب والتوجيهات التربوية هي فترة سني الطفولة ، حتى سن السابعة ؟ هل تعرفون ان نجاح ابنائكم والنجاحات التي يحققونها في حياتهم المستقبلية هي رهن بالصفات والعادات التي يكتسبونها ولا سيما خلال فترة الطفولة ؟ اذا ارادت زوجتك ان تصف اسلوبك وطريقتك في تربية ابنائك فماذا يمكن ان تكتب حوال ذلك ؟ هل ما ستكتبه سيكون مخلتلفا عما جاء في رسالتك هذه ؟ ماهي اوجه الاختلاف بين الرسالتين ؟
الرسالة : . . . ماذا اقول ؟ زوجتي تتمتع بالكثير من الصفات والخصال الجيدة فهي ربة بيت ونظيفة ونشطة وواعية وعاقلة وتحب الضيوف وتكرمهم . . . لها ذوق جيد ولكن فيها عيب واحد وهو عيب كبير جدا لانها عصبية المزاج الى ابعد الحدود فهي تثور وتفقد اعصابها لادنى تصرف من قبل الاطفال وبالتالي فهي تنهال عليهم بالضرب . . . وعندما انبهها الى ذلك وامنعها من ضربهم تقول لي : اذا لم نقف بوجه الاطفال الان وهم في سن الثالثة
العلاقات الزوجية
318
والرابعة فانهم سوف يتعودون على التصرفات السيئة وعندها سافقد السيطرة عليهم . . . فزوجتي تعتقد بان الضرب والتهديد والعنف هو السبيل الوحيد لتربية الاطفال وتقول : «ان الضرب منشؤه من الجنة ، فهي ترى بان الطفل يجب دائما ان نقول له افعل كذا ولا تفعل كذا ويجب حسب رايها استخدام العنف والشدة مع الاطفال لجعلهم يلتزمون الصمت والهدوء ويجب منعهم من اللعب والحركة وممارسة نشاطاتهم الجسمية . . .
توضيح ورد : ايها الاخ الكريم ! استنتجت من رسالتك بانك ايضا انسان منصف وعاقل وواع ، لانك اشرت الى الصفات الجيدة في زوجتك قبل ان تنتقد تصرفاتها حيال الاطفال والاسلوب الذي تتبعه في تربيتهم وهذا دليل على انصافك وسلامة تفكيرك .
ليتنا كنا جميعا مثلك نذكر الجوانب والتصرفات والصفات الايجابية في الشخص الذي ننتقده ونقدر فيه تلك الصفات الحسنة والجيدة . اما فيما يتعلق بوجهات نظر زوجتك واسلوبها في تربية اطفالها فيجب ان اقول :
أـ ان زوجتك على حق عندما تقول يجب ان لانجعل الطفل يتعود على التصرفات الشائنة غير الصحيحة وبالتالي يجب ان يمنع من هذه التصرفات . لان الطفل اذا قام بعمل ما مرة ومرتين ولم يمنع من القيام به فانه يكرره وتكون النتيجة ان هذا العمل او التصرف يترسخ في وجودة ويتاصل في كيانه ويتعود عليه ويصبح هو الاساس في تصرفاته وخلقه ومستقبله . فالانسان ـ صغيرا كان ام كبير السن ـ يسير في اطار التصرفات والممارسات التي تعود عليها بسهولة اكثر ورغبة اكثر ايضاً . حيث ان اعضاء جسمه وذهنه وروحه وفكره تبدي كلها مرونة اكثر واستجابة اكبر للتصرفات التي كررها في حياته وهذا هو معنى التعود. لذلك يجب على كل منا ان يراقب نفسه ويجب على الام ان تراقب التصرفات والممارسات الاولى التي يقوم بها طفلها وعليها ان تمنعه من تكرار التصرفات غير الصحيحة والخاطئة ، لكي لا تتاصل في وجوده عادة الشر والسوء . وعلى العكس من ذلك عليها ان تشجعه على اعمال وصفات الخير لكي يتعود على الخير والصلاح . فالامام امير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام في وصية لابنه الحسن عليه السلام يقول : «انما قلب
العلاقات الزوجية
319
الحدث كالارض الخالية ما القي فيها من شيء قبلته» (1) .
حيث ان قلب الطفل تربه خصبة للصفات الحسنة الجيدة اي يتعود على الاعمال والتصرفات الحسنة ومن الممكن ايضا ان تجعل قلب هذا الطفل منبتا للحشائش الضارة والاشواك الجارحة المؤذية ، اي تجعله يتعود على اعمال السوء والشر ، والمهم هنا هو دور المربي ، وما اذا كان يسمح للطفل باكتساب الصفات الحسنة او يجعله يكتسب الصفات السيئة ويتعود على الممارسات والتصرفات القبيحة . التصرفات والعادات الجميلة تجعل خلق الانسان وطباعه جميلة ، اما التصرفات والعادات السيئة فانها تجعل وجود الانسان كله في نهاية الامر سيئا . فالاسلام يامرنا على لسان النبي صلى الله عليه وآله وسلم والائمة الأطهار عليهم السلام ان نعود انفسنا على العمال والتصرفات الحسنة والجميلة ومكارم الاخلاق وتحمل الصعوبات ومشاكل الحياة والسعي والعمل والايثار والحلم عند الغضب ، يقول علي عليه السلام : «عوداوا انفسكم على التصرفات الحسنة ومكارم الاخلاق وتحمل المشاق والسعي والعمل والايثار والحلم» (2) . وعلينا ان نتجنب القيام باي تصرف او عمل لا نرغب به او نستطيع الاستمرار فيه حتى لو كان قيامنا بذلك التصرف قد تم للمرة الاولى . لان الانسان يتعود على تصرف ما بمجرد ان يقوم به ويمارسه للمرة الاولى .
عن حبة العرني قال : اتي امير المؤمنين عليه السلام بخوان فالوذج فوضع بين يديه ونظر الى صفائه وحسنه فوجى باصبعه فيه حتى بلغ اسفله ثم سلها ولم ياخذ منه شيئا وتلمظ اصبعه وقال : ان الحلال طيب وما هو بحرام ولكني اكره ان اعود نفسي ما لم اعودها ، ارفعوه عني فوفعوه (3) .
اذن علينا قبل كل شيء ان نمنع انفسنا وابناءنا عن الممارسات والتصرفات الشائنة حتى لو كنا نريد القيام بذلك التصرف او العمل الشائن للمرة الاولى . فالامام علي بن ابي طالب عليه السلام يقول : [العادة عدو تملك] (4) .
(1) نهج البلاغة ص 529 خطبة رقم 269 ، ط . الاعلمي ـ بيروت .
(2) ميزان الحكمة ج7 ، مضمون كلام امير المؤمنين عليه السلام .
(3) وسائل الشيعة ج 16 باب 10 ح 4 .
(4) غرر الحكم ودرر الكلم .