تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 531



فصل

في ذكر فضل كربلاء


بالاسناد عن محمد بن جعفر القرشي (1) الرزاز، عن محمد بن الحسين ابن أبي الخطاب [عن أبي سعيد، عن بعض رجاله، عن أبي الجارود] (2)، قال: قال علي بن الحسين عليه السلام: اتخذ الله كربلاء (3) حرماً آمناً مباركاً قبل أن يخلق أرض الكعبة ويتخذها حرماً بأربعة وعشرين ألف عام، وانه إذا زلزل الله تبارك وتعالى الأرض وسيرها رفعت كما هي بتربتها صافية (4) فجعلت في أفضل (5) مسكن في الجنة لا يسكنها إلا النبيون والمرسلون ـ أو قال: واولوا العزم من الرسل ـ وانها لتزهر (6) بين رياض الجنة كما يزهر الكوكب الدري بين الكواكب لأهل الأرض يغشي نورها أصحاب الجنة (7)، وهي تنادي: أنا أرض الله المقدسة الطيبة المباركة التي تضمنت سيد الشهداء وسيد شباب أهل
(1) كذا الصحيح ، وفي الأصل: بالاسناد المتقدم عن أبي القاسم جعفر القرشي، وهو تصحيف.
(2) من الكامل.
(3) في الكامل: أرض كربلاء.
(4) في الكامل: نورانية صافية.
(5) في الكامل: أفضل روضة من رياض الجنة، وأفضل مسكن...
(6) كذا في الكامل، وفي الأصل: لتزهو، وكذا في الموضع الآتي.
(7) في الكامل: يغشي نورها أبصار أهل الجنة جميعاً.
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 532

الجنة.(1)
وبالاسناد قال: حدثنا محمد بن جعفر الرزاز، عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، عن الحسن بن محبوب، عن إسحاق بن عمار، قال: سمعت أبا عبدالله عليه السلام يقول: إن لموضع قبر الحسين عليه السلام حرمة معروفة، من عرفها واستجار بها اجير.
قلت: فصف [لي] (2) موضعها، جعلت فداك.
فقال: امسح من موضع قبره اليوم خمساً وعشرين ذراعاً من ناحية رجليه، [وخمساً وعشرين ذراعاً مما يلي وجهه،] (3) وخمساً وعشرين ذراعاً من خلفه، وخمساً وعشرين ذراعاً من ناحية رأسه، وموضع قبره منذ [يوم] (4) دفن روضة من رياض الجنة، ومنه معراج يعرج فيه بأعمال زواره إلى السماء، فليس ملك [ولا نبي] (5) في السماوات ولا في الأرض إلا وهم يسألون الله عزوجل [أن يأذن لهم] (6) في زيارة قبر الحسين عليه السلام، ففوج ينزل وفوج يعرج. (7)
وقال الصادق عليه السلام: حريم قبر الحسين عليه السلام خمس فراسخ من أربعة جوانب القبر. (8)
(1) كامل الزيارات: 268 ح 5، كتاب عباد العصفري: 17 (ضمن كتاب الاصول الستة عشر)، عنهما البحار: 101/108 ح 10 ـ 12.
(2 و 3 و 4 و 5 و 6) من الكامل.
(7) كامل الزيارات: 272 ح 4، عنه البحار: 101/110 ح 19 ـ 22 وعن مصباح المتهجد: 731، ومصباح الكفعمي: 508، والكافي: 4/588 ح 6، وثواب الأعمال: 120 ح 42.
(8) كامل الزيارات: 272 ح 3.
وأخرجه في البحار: 101/111 ح 25 ـ 28 عن ثواب الأعمال: 120 ح 43، ومصباح المتهجد: 731، والكامل.
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 533

وروى الحسن بن محبوب، عن الحسين بن بنت أبي حمزة الثمالي قال (1): خرجت من الكوفة قاصداً زيارة الحسين عليه السلام في آخر زمان بني مروان وقد أقاموا مشايخ من أهل الشام على الطرقات يقتلون من ظفروا به من زواره، فأتيت إلى القرية التي عند حائره عليه السلام فأخفيت نفسي إلى الليل، ثم أتيت إلى الحائر الشريف، فخرج منه علي رجل فقال: يا هذا، ارجع من حيث أتيت، عافاك الله، فإنك لا تقدر على الزيارة في هذه الساعة، فرجعت إلى مكاني، فلما ذهب من الليل شطره أقبلت لزيارة عليه السلام، فخرج علي ذلك الرجل وقال: يا هذا، ألم أقل لك إنك لا تقدر على زيارة الحسين هذه الليلة؟
فقلت: وما يمنعني من ذلك وأنا قد أقبلت من الكوفة على خوف من أهل الشام أن يقتلوني.
فقال: يا هذا، اعلم أن إبراهيم خليل الله وموسى كليم الله ومحمد حبيب الله عليهم السلام استأذنوا الله في هذه الليلة أن يزوروا قبر الحسين عليه السلام فأذن لهم، فهم عنده من أول الليلة في جمع من الملائكة لا يحصى عددهم يسبحون الله ويقدسونه إلى الصباح.
فقلت له: وأنت من تكون، عافاك الله؟
قال: أنا من الملائكة الموكلين بقبره صلوات الله عليه، فكاد يطير عقلي مما دخلني من الرعب، ورجعت إلى مكاني متفكراً في ذلك حتى انفجر عمود الصبح فأتيت فلم أر أحداً، فصليت وزرت وانصرفت على خوف من أهل
(1) كذا في الكامل، وفي الأصل: وروى الحسين بن بنت الحسن بن محبوب قال، وهو تصحيف:
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 534

الشام. (1)
وبالاسناد المتقدم عن الحسين بن عبيدالله، عن الحسن بن علي [بن أبي عثمان، عن عبدالجبار النهاوندي، عن أبي سعيد، عن الحسين] (2) بن ثوير بن أبي فاختة، قال: قال أبوعبدالله عليه السلام: يا حسين، من خرج من منزله يريد زيارة الحسين عليه السلام إن كان ماشياً كتبت له بكل خطوة حسنة، وحط بها عنه سيئة، حتى إذا صار في الحائر كتبه الله من المفلحين المنجحين حتى إذا قضى مناسكه كتبه الله من الفائزين، حتى إذا أراد الانصراف ناداه (3) ملك فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله [يقرئك السلام و] (4) يقول لك: استأنف العمل فقد غفر الله لك ما مضى. (5)
وبالاسناد عن الحسن بن علي الكوفي، عن علي بن حسان الهاشمي، عن عبدالرحمان بن كثير مولى أبي جعفر عليه السلام، قال: قال أبوعبدالله عليه السلام: لو أن أحدكم دهرة ثم لم يزر الحسين عليه السلام لكان تاركاً حقاً من حقوق رسول الله صلى الله عليه وآله [لأن حق الحسين عليه السلام فريضة من الله واجبة على كل مسلم] (6). (7)
وبالاسناد عن محمد بن إسماعيل، عن صالح بن عقبة، عن بشير الدهان، عن أبي عبدالله عليه السلام قال: إن الرجل ليخرج إلى قبر الحسين
(1) كامل الزيارات: 111 ح 2 باختلاف، عنه البحار: 101/59 ح 29.
(2 و 4) من الكامل والثواب.
(3) في الكامل والثواب: أتاه.
(5) كامل الزيارات: 132 ح 1 ، ثواب الأعمال: 116 ح 31، تهذيب الأحكام: 6/43 ح 89.
(6) من الكامل.
(7) كامل الزيارات: 122 ح 4، تهذيب الأحكام: 6/42 ح 87، عنهما البحار: 101/3 ح 10 و 11.
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 535

عليه السلام فله إذا خرج من أهله بأول خطوة مغفرة ذنوبه، ثم لم يزل يقدس [بكل خطوة] (1) حتى يأتيه، فإذا أتاه ناجاه الله فقال: عبدي سلني اعطك، ادعني اجيبك، اطلب مني اعطك، سلني حاجة اقضيها لك.
قال أبو عبدالله عليه السلام: وحق على الله أن يعطي ما بذل. (2)
وبالاسناد عن سيف بن عميرة ومنصور بن حازم قالا: سمعناه صلوات الله عليه يقول: من أتى عليه حول ولم يزر قبر الحسين عليه السلام نقص من عمره حول، ولو قلت: إن أحدكم ليموت قبل أجله بثلاثين سنة لكنت صادقاً، وذلك لأنكم تتركون زيارته عليه السلام، فلا تتركوها يمد الله في أعماركم وأرزاقكم، فتنافسوا في زيارته ولا تدعوا ذلك، فإن الحسين بن علي شاهد لكم عند الله وعند رسوله وعند أمير المؤمنين وفاطمة عليهم السلام. (3)
وبالاسناد عن سلمة بن الخطاب، عن إبراهيم بن محمد، عن علي بن المعلى، عن إسحاق بن زياد (4)، قال: أتى رجل أبا عبدالله عليه السلام فقال: إني قد ضربت على كل شيء لي ذهباً وفضة، وبعت ضياعي، فقلت أنزل مكة.
فقال: لا تفعل، فإن أهل مكة يكفرون بالله جهرة.
(1) من الكامل والثواب.
(2) كامل الزيارات: 132 ح 2 و ص 152 ح 2، ثواب الأعمال: 117 ح 32، عنهما البحار: 101/24 ح 21 ـ 23.
(3) كامل الزيارات: 151 ح 2، عنه البحار: 101/47 ح 11.
ورواه في تهذيب الاحكام : 6/ 43 ح 91 ، وفيه : سيف بن عمير ة ، عن منصور بن حازم .
(4)كذا في الكامل ، وفيه: يزداد ـ خ ل ـ ، وفي الأصل والتهذيب: داود، وفي التهذيب: إبراهيم بن محمد بن علي بن المعلى.
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 536


قال (1): ففي حرم رسول الله صلى الله عليه وآله؟
قال: هم شر منهم.
قال (2): فأين أنزل؟
قال: عليك بالعراق الكوفة، فإن البركة منها على اثني عشر ميلاً هكذا وهكذا (3)، وإلى جانبها قبر ما أتاه مكروب قط ولا ملهوف إلا فرج الله عنه. (4)
وبالاسناد عن هشام بن الحكم، عن الفضيل بن يسار، قال: قال أبو عبدالله عليه السلام: إلى جانبكم لقبراً ما أتاه مكروب إلا نفس الله كربته، وقضى حاجته (5) ـ يعني قبر الحسين عليه السلام ـ . (6)
ولو أردنا الاستقصاء في فضل زيارته لضاق الوقت وعزت الطوامير.
وأما كرامته صلوات الله عليه وما يظهر على تعاقب الزمان من العجائب والغرائب لدى ضريحه الشريف إلى يوم الناس هذا ما هو مشهور بتجدد الأعوام والأيام، ويظهر للخاص والعام، من إجابة الدعاء، وشفاء المرضى والزمنى قد بلغ حد التواتر وطار في الآفاق ذكره، وشاع على الاطلاق أمره.
(1) كذا في الكامل، وفي الأصل: فقلت.
(2) كذا في الكامل، وفي الأصل: قلت.
(3) قال المجلسي رحمه الله: يحتمل أن يكون عليه السلام أشار إلى جانبي الغري وكربلاء لا إلى جميع الجوانب، ويحتمل أن يكون أشار إلى جميع الجوانب، وإنما ذكر الراوي مرتين اختصاراً.
(4) كامل الزيارات: 169 ح 9، عنه البحار: 99/377 ح9 ، وج 100/ 404 ح60.
ورواه في تهذيب الاحكام : 6/ 44ح 92.
(5) قال المجلسي رحمه الله: يحتمل أن يكون المراد به قبر أميرالمؤمنين عليه السلام.
وعبارة «يعني قبر الحسين عليه السلام» ليست في الكامل والبحار.
(6) كامل الزيارات: 167 ح 1، عنه البحار: 101/45 ح 1.
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 537

وسأذكر من ذلك نازلة نزلت بي وعظم لواقعها خطبي، وتزلزل لقارعتها قلبي، وذلك أن الله سبحانه كان قد من علي في سنة تسعمائة من الهجرة بكتاب «تذكرة الفقهاء» في فقه الخاصة، من مصنفات الشيخ الكامل العالم العامل أبي منصور الحسن جمال الدين بن يوسف بن المطهر الحلي أفاض الله على ضريحه شآبيب رحمته، وحشره في زمرة نبيه وعترته، وكنت كلفاً به، ملازماً له، مثابراً على حصر فوائده، أستأنس به في خلوتي، وأستكشف بمطالعته غمتي، إلى أن تقلبت الامور، وتغيرت الدهور، واستبدل الله بقوم قوماً، وبرجال رجالاً، وقضى الله لي وأحسن القضاء بجوار سيدالشهداء، إمام الثقلين، وسبط سيد الكونين، أبي عبدالله الحسين، وملازمة حضرته الشريفة ليلاً ونهاراً، إلى أن دخلت سنة ثماني عشرة وتسعمائة حضر في المشهد الشريف رجل من بلدة شيراز يدعى بالسيد شريف، وكان له قرب من السلطان، ثم نقم عليه وعزله.
وكان المذكور يظهر التشيع ويدعي الاحاطة بأكثر العلوم، وفي الباطن زنديقاً يتدين بمذهب الحكيم، وإنما أظهر التشيع تقرباً إلى السلطان رياء وسمعة، فلما حضر في المشهد الشريف وكان قد أنهى إليه أمر الكتاب فطلب من الفقير شراءه منه وبذل له عنه ثمناً، فأبى الفقير عليه، فأغلظ للفقير في الكلام لأنه كان من السفاهة والوقاحة والكبر والغلظة على جانب عظيم، فأجابه الفقير بأعظم من جوابه وأعان الله عليه.
فمضى المذكور ثانياً إلى باب السلطان، فوثب صدر الدولة وفوض إليه أمر الحضرات والأوقاف والامور الشرعية في سائر البلاد، فأظهر من الظلم والعسف والعدوان ما لا مزيد عليه، وولي على الحضرات الشريفة في بلاد

تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 538

العراق نائباً من قبله مشابهاً له في الكبر والغلظة والظلم، وفوض إليه أمر بلدة الحلة وغيرها من البلاد المتعلقة بالحضرات الشريفة ـ حضرات الأئمة عليهم السلام ـ ، وأمره أن لا يجعل له بعد وصوله دأباً ولا همة إلا أخذ الكتاب قهراً، وكتب على يده رسالة تتضمن التهديد والاغلاض في الكلام.
فحين وصل إلى المشهد الشريف أوصل الرسالة إلى العبد وأمره بإحضار الكتاب بسرعة من غير تعلل، فرأى الفقير ان الامتناع لا يجدي نفعاً، فسلم الكتاب جميعه وعدته سبع مجلدات إلى النائب المذكور، وفوض الأمر إلى الله سبحانه، ورأى أن ليس لكربته وغمته وظلامته كاشفاً إلا الله والتوسل إليه بوليه أبي عبدالله الحسين عليه السلام وآبائه الطاهرين وذريته الأكرمين.
وألقى الله على لسان الفقير كلمات ـ نثراً وشعراً ـ سماها بـ «استغاثة المظلوم اللهيف على الظلوم المسمى بشريف» فكتبها الفقير وحفظها، ثم صلى صلاة الحاجة عند رأس الضريح المقدس، ثم دعا بالاستغاثة المذكورةبعد أن تلاما تيسر من كتاب الله، ووضع الاستغاثة المذكورة على الضريح وتوسل إلى الله بأبي عبدالله الحسين ـ بعد تلاوتها ـ وبأبيه وجده وأخيه وبالأئمة التسعة من بنيه.
فرأى تلك الليلة في المنام إبراهيم بن سليمان الخطي القطيفي (1) المجاور بمشهد سيدنا ومولانا أميرالمؤمنين صلوات الله وسلامه عليه كأن الفقير قد حظر تحت القبة الشريفة ووضع أوراقه على الضريح المقدس، وألح في المسألة والتضرع إلى الله وإلى أبي عبدالله عليه السلام، فبينا هو يتوسل إذا
(1)هو الشيخ أبي إسماعيل إبراهيم بن سليمان، المتوفى بالغري، المعاصر للمحقق الكركي، صاحب كتاب « الفرقة الناجية ». انظر في ترجمته: أمل الآمل: 2/8، رياض العلماء: 1/151.
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 539

بيد قد خرجت من الضريح الشريف مشيرة إلى الفقير بثلاث أصابع، وإذا بقائل يقول: لا تجزع قد بقي من عمر ظالمك ثلاثة.
فأخبر الشيخ المذكور حفدته صبيحة ذلك اليوم بذلك.
فبعد مدة اجتمعت بالمذكور، فسألته عن ذلك، فأخبرني بصحته، فقلت: يمكن أن الثلاثة ثلاثة أعوام، أو ثلاثة أشهر، وفوضت الأمر إلى الله، واستشعرت لباس الصبر، وتأسيت بالنبي ووصيه وأهل بيتهما.
فما مضت مدة يسيرة إلا أقبلت عساكر الروم كالجراد المنتشر، فكان المذكور زعيم الراية العظمى، فحين التقى الجمعان وولى المذكور دبره لا متحرفاً لقتال ولا متحيزاً إلى فئة، بل فراراً وجبناً، واقتدى بالتيمي وابن صهاك في الهزيمة يوم خيبر، فلم يغن عنه الفرار من الله شيئاً، وأتاه الموت من كل مكان، فصار قتيلاً بدار غربة، طريحاً في منزل وحشة، مخضباً بدم الوريد قوتاً لكل خامعة وسيد (1)، وكان بين الدعاء وقتله ثلاثة أشهر لا ينقص ولا يزيد.
وكان النائب المذكور قد تأخر في إرسال الكتاب إليه رجاء أن يمضي هو بنفسه مستصحباً للكتاب لينال الزلفى عنده بذلك، وكان مقيماً ببلدة بغداد منتظراً للأخبار، فأتاه خبر سيده فصار بعد العز ذليلاً، وبعد الامارة مأموراً، فمضى ولدي طاهر إلى الغاصب المذكور وأخذ الكتاب منه قهراً، وأتى به.
فالحمد لله الذي جبر كسري، واستجاب دعائي، ولم يشمت بي أعدائي، وإنما أوردت هذه الاستغاثة في كتابي هذا تيمناً وتبركاً بها، وإظهار الفضيلة للإمام الشهيد أبي عبدالله الحسين، مضافة إلى مناقه السالفة في حياته
(1) الخامعة، جمعها خوامع، وهي الضبع لأنها تخمع، أي تضلع في مشيها.
والسيد: الذئب.
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 540

وبعد موته صلوات الله وسلامه عليه وعلى آبائه الطاهرين، وأبنائه المعصومين، صلاة زاكية نامية إلى يوم الدين.

[الاستغاذة]

وهذه الاستغاثة التي توسلت واستعنت إلى الله بها.
اللهم يا من عرشه مجيد، وبطشه شديد، وأخذه مبيد، وعدله مديد، ويا قاصم كل جبار عنيد، وهاضم كل ختار مريد، ويا ناصراً من استنصر بعزيز سلطانه، ويا قاهراً من تجبر ... (1) وعدوانه، ويا جابراً قلوباً كسرتها عوامل المسرفين من أعدائه، ويا رافعاً نفوساً خفضتها مواضع المتجبرين على أوليائه، ويا من فتح باب الدعاء لمن وجه مطايا حوائجه إليه، ويا من تكفل بإجابة من توكل في كشف حوائجه عليه، أو يضام أولياؤك ولك الخلق والأمر؟ أم يهظم أصفياؤك وبيدك الحكم والقهر؟ أم تتجرى كفرة كتابك على المنقطعين إليك؟ أم تتجرى فجرة عبادك أذى من ألقى كله عليك؟
حاشا مجدك الذي لا يضام، وجدك الذي لا يرام، وبطشك الذي لا يطاق، وملكك الذي لا يحاق، أن تغلق أبواب فضلك عمن أم ذراك، أو تقطع أسباب عدلك ممن لم يجد له سواك، أو أن تفكك أنامل رجاء من استمسك بمتين حبلك، أو أن تخيب دعاء من التزم بوثيق عدلك، وأن تجبه بالود من بذل ماء وجهه لمسألتك، وأن تقنط بالمنع من وصف ظلامته لعالي حضرتك.
سبحانك خلقت طاغوتاً من عبادك (2)، وممدت له مداً، وآتيته من كل
(1) حذف من الأصل مقدار كلمة واحدة نتيجة ترميم للنسخة، وتقديرها: ببطشه، أو ببغيه، أو ...
(2) وردت في «ح» هذه الأبيات:
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 541

شيء، وعددت له عداً، لم تؤته ما أتيته ليكفر نعماك، ولم تعطه ما أعطيته ليغبط آلاءك، بل ليقيم شعائر شريعة دينك القويم، ويحيي معالم سنة رسولك الكريم، وأن يحفظ نبيك في ذريته، ويخفض جناحه لامته.
فغرته الحياة الدنيا بزينتها، وفتنته الدار الفانية بزهرتها، فنسي ميثاقك المأخوذ عليه، ونبذ كتابك المنزل إليه، وتقوى برزقك على ظلم عبادك، واستعان ببرك على الافساد في بلادك، واتخذ أموالك دولاً، وعبادك خولاً، واباح الأموال المحرمة، وأراق الدماء المحترمة، ولم يترك لنبيك رحماً إلا قطعها، ولا وصية إلا ضيعها، ولا مؤمناً إلا آذاه، ولا مجرماً إلا آواه.
يتنمس بالاسلام والالحاد دينه، ويندلس بالايمان والنفاق قرينه، ... (1) الأسفار بين يديه رياء وسمعة، قد أعمى الله بصره ... (2)، يزعم أنه علامة زمانه بالكتاب والسنة، وهو عند التحقيق أضل من الحقة والمسنة، إذ لو عض على العلم بضرس قاطع، واستضاء من الحق بشهاب ساطع، لم يتخذ ظلم المؤمنين شعاراً، ولا أذى المتقين دثاراً، ولا الكبر جلباباً، ولا العجب نقاباً، ولا الفجرة أصحاباً، ولا الغدرة أبواباً، بل كانت الدنيا في عينه أهون من قمامة، وأحقر من قلامة.
=
قام الخليفة من بني العباس بخلاف أمر إلهه في الناس
ضاهى بهتك حريم آل محمد سفهاً فعال امية الأرجاس
والله ما فعلت امية فيهم معشار ما فعلوه بنو العباس
ما قتلهم عندي بأعظم مأثماً من حرقهم من بعد في الأرماس
وهذه الأفراد لهبة الله الشاعر.
(1) في الأصل بياض، وتقديره: يجعل.
(2) في الأصل بياض، وتقديره: وأصم سمعه.
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 542


لكن نفخ الشيطان في أنفه فصعر خده، ونفث على لسانه من قبل أن يبلغ أشده، وتلاعبت به دنياه كتلاعب الوليد بكرته، والسنور بفويسقته، لفرط جهله لا يخشى إله السماء، « إنما يخشى الله من عباده العلماء» (1).
فهو علوي لكن جده غير هاشمي، وفاطمي لكن امه ليست سيده الفواطم، سيفه حلمه، قليل علمه، شديد مكره، عتيد غدره، كثير طيشه، خبيث عيشه، قلبه بين فكيه، وعجبه رداء عطفيه، يزهر ببزته، ويتهادى في مشيته، ويصول على آل الرسول بظلمه، ويجور عليهم بحكمه، فهم منه بين خائف يترقب، وعازم بعد الهجرة أن يتعرب، خوفاً من فتنته، وفرقاً من بادرته، إذ هو إلى الشر أسرع من النجم الثاقب، أو السهم الصائب، ينسلخ من آيات الله كانسلاخ الحية من قشرها، ويخرج عن دين الله كخروج الفويسقة من حجرها، فهو بلعم زمانه، وطاغوت أوانه، قد أتبعه الشيطان فكان من الغاوين، « فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يهلث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون» (2).
اللهم إنه قد جعلنا هدفاً لانتقامه، ونصبنا غرضاً لسهامه، وساتحل ما حرمت من أموالنا، واستباح ما حظرت من أعراضنا، فنحن على وجل من بطشه، وخوف من طيشه، إذا هون سعيه في البغي الوجيف، وأطيب لفظه أنتن من الكنيف.
اللهم فكما آتيته زينة وأموالاً في الحياة الدنيا ليضل عن سبيلك، ومهدت
(1) سورة فاطر: 28.
(2) سورة الأعراف: 176.
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 243

له تمهيداً فصدف عن طريق رسولك، وفتحت عليه أبواب كل شيء بما اوتي، وتقوى على ضعفنا ثقة بما اعطي، فجعله الشيطان عبداً له من دونك، وزين له سوء عمله فعدل عن دينك، وأرخى له عنان فجوره فجرى في ميدان كفره، وحمله على مطايا غروره فتاه في بيداء كبره، فهو عجز البغي وصدره، ويد الغي ونحره، فصل على محمد وآل محمد، واقطع دابره، واقمع سائره، واخسف بدره، واخفض قدره، واهدم بنيانه، وهد أركانه، واجعله عبرة لمن اعتبر، وتذكرة لمن يتذكر.
اللهم إنا قد ألجأتنا ظلمة ظلمه إلى الاستضاءة بعدلك، وساقنا سوط بغيه إلى الاعتصام بحبلك، وأجاءنا طوفان عدوانه إلى هضبة إنصافك، وفررنا من صولة سطوته إلى عزة أكنافك، فلا تغلق دوننا أبواب رجائك، ولا تمد منا الأيدي إلى سواك.
اللهم إنا قد استظللنا من هواجر ظلمه بأروقة منعك، واعتصمنا من عواصف هضمه بمعاقد دفعك، فصل على محمد وآل محمد، وأركل رياحه، وأطف مصباحه، واشغله بنفسه، وغيبه في رمسه، واجعل دائرة السوء عليه دائرة، وكواكب النحوس في افق مطالعه سائرة، وشمس دولته بأيدي الطوارق مكورة، وقضية وجوده بأداة المهالك مسورة، والعكوس إلى قضايا حكمه موجهة، والنحوس بذكر معايبه مفوهة، وخبث عقيدته لقبح سريرته بين الناس مشهورة، وصحائف ذنوبه برذائل عيوبه على مر الزمان منشورة، حتى تكون لعنة اللاعنين كالقلادة في جيده، وذم الذامين كالعلاوة من فوق حبل وريده.
اللهم أيم عياله، وأيتم أطفاله، وكدر زلاله، وخيب آماله، واقمع هامته،

تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 544

واستأصل شأفته (1).
اللهم إنك حمدت نفسك على هلاك الظالمين، ووعدت نصرك من انتصر بك من المظلومين، ولم تكن سبحانك لتحمد نفسك على ذلك إلا لأنه نعمة لا يحصى شكرها، ولا يستقصى ذكرها، فصل على محمد وآل محمد، واقض نعمتك على عبادك بإنزال عقابك بساحته، واكشف غمة أنامك وبلادك بصب سوط عذابك على هامته.
اللهم اشف صدورنا بمماته، وأذهب غيظ قلوبنا بوفاته، ولا تخرجنا من دار الفناء إلا بأفئده مسرورة بهلكه، وأنفس مطمئنة من فتكه.
اللهم إنه قد اقتدى في غصبنا وتكذيب صدقنا بعدوك الزنيم الأكبر، نجل صهاك الدلام الأفجر، إذ اغتصب ابنة نبيك تراثها، وحاز دونها ميراثها، ورفع عليها صوته، وقنعها سوطه.
اللهم فكما استجبت دعاءها عليه وخيبت ظنه، وأتحت له من بقر بمديته بطنه، ونقلته إلى دار نكالك، وقرى وبالك، وأصليته نارك الحامية، وعجلت بروحه إلى جحيمك الهاوية، وصببت على هامته مقامع الزبانية، ولعنته وشيعته الناصبة الغاوية، فصل على محمد وآل محمد، وأذقه ما أذقته
(1) وردت في «ح» هذه الأبيات:
عين تروم فراق شخصك ساعة كحلت بأميال العمر آماقها
نفس للحظك لم تكن مشتاقة ضربت بأسياف العدى أعناقها
* * *
عليك ابن خير المرسلين تأسفي وحزني وإن طال الزمان طويل
جللت فجل الرزء فيك على الورى كذا كل رزء في الجليل جليل
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 545

من عذاب الدنيا والآخرة بحق محمد وآل محمد العترة الطاهرة.
عبد لعز جلال مجدك يخضع بيد التذلل باب جودك يقرع
لولا زفير سعير لوعة وجده مما عراه لأغرقته المدمع
ضاقت به الدنيا فلا تهمله يا من جوده من كل شيء أوسع
إن تطرد العافي فمن ذا يرتجى؟ أو تمنح الراجي فمن ذا يمنع؟
أشكو إليك ظلامة من ظالم للبغي منه لدى الخلائق منبع
أضمى الحشا مني بأسهم ظلمه وأحل بي ما لم أكن أتوقع
فمن الذي أرجوه بعدك ناصراً؟ ومن الذي منه إليه أفزع؟
ومن الذي أدعوه في غسق الدجى فيرى مقامي في الظلام ويسمع؟
وبمن ألوذ من الردى وبمن أعوذ من العدى وبمجد من أتشفع؟
وبمن أرجى ناصراً ولكسر قلبي جابراً وبحق من أتضرع؟
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 546

يا من على العرش استوى يا من على الملك احتوى يا من يذل ويرفع
يا غافراً ساتراً يا جابراً يا كاسراً يا فاطراً يا مبدع
يا عالماً يا دائماً يا قائماً يا حاكماً يا قاهراً لا يدفع
يا من عليه توكلي وبه عليه توسلي وبلطفه لي مطمع
خذ لي بحقي من ظلوم لم يزل قلبي بسهم عناده يتقطع
كم ليلة من بغية أمسيت ذا كبد على حمر الغضا يتلوع؟
والفكر مني حائر والطرف ساه ساهر وحشاي وجداً ينجع
من يحر وافر ظلمه ومديده ليلي طويل فجره لا يطلع
فظ غليظ أحمق متجبر متكبر نذل دعي ألكع
لانت أسافله فقل حياؤه وغدت وقاحته عليه تشنع


تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 547

يا أيها المهدار والمنقار والختار والرجس اللئيم المبدع
بو خاسئاً من كل فضل عارياً وعليك من نسج الملامة أدرع
وعلى جبينك إن قبلت نصيحتي بدل العمامة للاءمة برقع
وعليك ألفا ألفي لعنة من ذي المعارج وصلها لا يقطع
ما فاه مظلوم بلعنة ظالم متهجد في ليلة متضرع (1)


المناجاة


اللهم لك الحمد إذ جعلت قلوبنا مجالس عرفانك، ومنحت نفوسنا نفائس رضوانك، وألهمتنا شكر فضلك وامتنانك، ووفقتنا له من عرفان عظيم شأنك، وأطلقت السنتنا بحسن الثناء على مجدك، وجبلت أفئدتنا بزلال صدق الوفاء لعهدك، وأفضت من شآبيب الايمان على قلوبنا ما ينقع غليلها، وأرسلت من سحائب الايقان على نفوسنا ما شفا غليلها، وفضلتنا على كثير ممن خلقت بالبيان الموضح، وشرفتنا على الجم الغفير باللسان المفصح،
(1) وردت في «ح» هذه الأبيات:
تأدب إن قدمت على اناس واجلس جلسة الرجل الأقل
فإن رفعوك كان الفضل منهم وإن وضعوك قل هذا محلي
تسلية المجالس وزينة المجالس جـ 2 548

مروق المجالس فيصح لفظنا، ويشوق المجالس صحيح وعظنا، ويشنف الأسماع بلآلىء، نثرنا، ويضرب الأمثال (1)...
وقد تم الفراغ من تحقيق هذا السفر الثمين في الحادي عشر من شهر ذي القعدة 1417 هـ . ق، سائليه تعالى أن يوفقنا لمرضاته، ويتقبل عملنا هذا بأحسن قبوله، إنه نعم المولى ونعم النصير. فارس حسون كريم قم المقدسة
(1) إلى هنا تنتهي النسخة الخطية المعتمدة ، ويبدو أن صفحة واحدة قد سقطت.

السابق السابق الفهرس