|
|
 | |
تسلية المُجالس وزينة المَجالس ـ ج 1 | | 101 |
|
 |
يوسف ، ودخل بها فوجدها بكراً ، ولمّا دخل بها قال : أو ليس هذا خيراً من ذاك ؟ وولدت له افراثيم(1) وميشا .(2)
ثمّ انّ يعقوب وبنيه أصابهم ام أصاب الناس فجمعهم أبوهم ، وقال : يا بنيّ ، بلغني انّ الطعام يباع بمصر ، وانّ صاحبه رجل صالح فاذهبوا إليه فإنّه يحسن إليكم ، فتجهّزوا وساروا حتى أتوا مصر فدخلوا على يوسف «فعرفهم وهم له منكرون»(3) وكانوا عشرة ، وأمسك يعقوب بنيامين أخا يوسف لاُمّه ؛ قيل : كان بين أن قذفوه في الجبّ وبين أن دخلوا عليه أربعون سنة ، فلذلك أنكروه لأنّهم رأوه ملكاً جالساً على السرير ، عليه ثياب الملوك ، ولم يخطر ببالهم أنّه يصير إلى تلك الحال ، وكان يوسف ينتظر قدومهم عليه وكان اثبت له ، فلمّا نظر إليهم وكلّمهم بالعبرانيّة ، قال لهم : من أنتم ؟ وما أمركم ؟ فإنّي اُنكر شأنكم .(4)
[فلمّا جهّزهم وأعطاهم وأحسن إليهم في الكيل قال لهم : من أنتم ؟](5)
قالوا : نحن قوم من أرض الشام رعاة أصابنا الجهد ، فجئنا نمتار .
فقال : لعلّكم عيون جئتم تنظرون إلى عورة بلادي ؟
فقالوا : لا والله ، ما نحن بجواسيس ، وإنّما نحن إخوة من أب واحد وهو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن ، ولو تعلم بأبينا لكرمنا عليك ، فإنّه نبيّ الله ، وابن أنبيائه ، وإنّه لمحزون .
|
(1) في المجمع : افرائيم .
(2) مجمع البيان : 3 / 243 ، تفسير القمّي : 1/ 357 .
(3) سورة يوسف : 58 .
(4) مجمع البيان : 3 / 245 ، عرائس المجالس : 129 .
(5) من المجمع .
|
 | |
تسلية المُجالس وزينة المَجالس ـ ج 1 | | 102 |
|
 |
قال : وما الذي أحزَنه ، فلعلّ حزنه كان من قبل سفهكم وجهلكم ؟
قالوا : أيّها الملك ، لسنا بسفهاء ، ولا جهّال ، ولا أتاه الحزن من قبلنا ، ولكنّه كان له ابن أصغرنا(1) سنّاً ، وإنّه خرج يوماً معنا إلى الصيد فأكله الذئب ، فلم يزل بعده حزيناً باكياً .
فقال لهم يوسف : كلّكم من أبٍ واُمٍّ ؟
قالوا : أبونا واد ، واُمّهاتنا شتّى .
قال : فما حمل أباكم [على](2) أن سرّحكم كلّكم ؟ ألا حبس واحداً منكم يستأنس به ؟
قالوا : قد فعل ، وإنّما حبس واحداً منّا وهو أصغرنا لأنّه أخو الذي هلك من اُمّه ، فأبونا يتسلّى به .
قال : فمن يعلم أنّ الذي تقولونه حقّ ؟
قالوا : أيها الملك ، إنّا ببلاد لا يعرفنا أحد .
فقال يوسف : فائتوني بأخيكم الذي من أبيكم إن كنتم صادقين فأنا أرضى بذلك .
قالوا : إنّ أبانا يحزن على فراقه وسنراوده عنه .
قال : فدعوا عندي رهينة حتى تأتوني بأخيكم الذي من أبيكم ، فاقترعوا بينهم فأصابت القرعة شمعون ؛ وقيل : إنّ يوسف اختار شمعون لأنّه كان
|
(1) في المجمع : كان له ابن كان أصغرنا .
(2) من المجمع .
|
 | |
تسلية المُجالس وزينة المَجالس ـ ج 1 | | 103 |
|
 |
أحسنهم رأياً فيه ، فجعلوه(1) عنده .
قيل : وكان يوسف أمر ترجماناً يعرف العبرانيّة أن يكلّمهم ، وكان لا يكلّمهم بنفسه ليشبه عليهم ، فإنّهم لو عرفوه لهاموا في الأرض حياء من أبيهم ، فكان في معرفتهم إيّاه مفسدة ، «وقال لفتيانه اجعلوا بضاعتهم في رحالهم» أي قال لعبيده وغلمانه : اجعلوا ثمن طعامهم وما كانوا جاؤا به في أوعيتهم ؛ ,قيل : كانت بضاعتهم النعال والادم «لعلّهم يعرفونها إذا انقلبوا إلى أهلهم لعلّهم يرجعون»(2) بعد ذلك لطلب الميرة مرّة اُخرى ، وإنّما فعل ذلك ليعلموا أنّ يوسف ما فعل ذلك الا إكراماً لهم .
وقيل : إنّه عليه السلام رأى لؤماً(3) أن يأخذ ثمن الطعام من أبيه وإخوته مع حاجتهم إليه ، فردّه عليهم من حيث لا يعلمون تفضّلاً وكرماً .(4)
«فلمّا رجعوا إلى أبيهم قالوا يا أبانا مُنع منّا الكيل»(5) ؛ قيل : إنّهم لمّا رجعوا إلى يعقبو سلّموا عليه سلاماً ضعيفاً ، قال لهم : يا بنيّ ، مالكم تسلّمون سلاماً ضعيفاً ؟ ومالي لا أسمع منكم(6) صوت شمعون ؟
قالوا : يا أبانا ، جئناك(7) من عند أعظم الناس ملكاً ، ولم ير الناس مثله حكماً وعلماً وخشوعاً وسكينة ووقاراً ولئن كان له شبيه في الدنيا فإنّه يشبهك ،
|
(1) في المجمع : فخلّفوه .
(2) سورة يوسف :62 .
(3) كذا في المجمع ، وفي الأصل : يوماً .
(4) مجمع البيان : 3 / 245 ـ 246 .
(5) سورة يوسف : 63 .
(6) في المجمع : فيكم .
(7) في المجمع : إنّا جئناك .
|
 | |
تسلية المُجالس وزينة المَجالس ـ ج 1 | | 104 |
|
 |
ولكنّا أهل بيت خلقنا للبلاء(1) ، انّه اتّهمنا وزعم أن لا يصدقنا حتى ترسل معنا بنيامين برسالة منك تخبره عن(2) حزنك ، وما الذي أحزنك ؟ وعن سرعة الشيب إليك ، وذهاب بصرك ، وقوله : «مُنع منّا الكيل» في المستقبل والا فهم كانوا قد اكتالوا ، أي منع منّا في المستقبل إن لم نأته بأخينا لقوله : «فلا كيل لكم عندي ولا تقربون»(3) فأرسل معنا ، فإن لم ترسله معنا منعنا الكيل فأرسله معنا «فإنّا له لحافظون»(4) من أن يصيبه سوء أو مكروه .
«قال ـ يعقوب : ـ هل آمنكم عليه الا كما أمنتكم على أخيه من قبل» ، وإنّما قرعهم عليه السلام ليحثّهم على حفظه وكلاءته والا فإنّه كان يعلم أنّهم في هذه الحال لا يفعلون ما لا يجوز ، ثم قال : «فالله خير حافظاً وهو أرحم الراحمين»(5) ، يرحم ضعفي ، وكبر سنّي ، ويردّه عليّ .
روي في الخبر أن الله سبحانه قال : فبعزّتي وجلالي لأردّنّهما إليك بعد أن توكّلت عليّ ، «ولمّا فتحوا متاعهم» يعني أوعية الطعام «وجدوا بضاعتهم رُدّت إليهم قالوا يا أبانا ما نبغي» أي أيّ [شيء](6) نطلب بعد هذا ؟ كال لنا ، وردّ علينا بضاعتنا ، أرادوا أن تطيب نفس يعقوب ، ويرسل معهم أخاهم ، أي فلا ينبغي أن نخاف على أخينا ممّن قد أحسن إلينا هذا الاحسان ، فأرسله معنا فإنّا نحفظه ، ونردّه سالماً ، «ونزداد كيل بعير»(7) لأنّ يوسف عليه السلام كان لا
|
(1) كذا في المجمع ، وفي الأصل : شيه في الدنيا إنّه ليشهد له .
(2) في المجمع : ليخبره من .
(3) سورة يوسف : 60 .
(4) سورة يوسف : 63 .
(5) سورة يوسف : 64 .
(6) من المجمع .
(7) سورة يوسف : 65 .
|
 | |
تسلية المُجالس وزينة المَجالس ـ ج 1 | | 105 |
|
 |
يزيد الرجل يأتي من الآفاق على وقر بعير .
فلمّا رأى يعقوب عليه السلام ردّه البضاعة ، وتحقّق عنده إكرام الملك إيّاهم وعزم على إرسال ابن يامين ، «قال لن أرسله معكم حتّى تؤتون موثقاً من الله لتأتُنّني به» أي لتردّنّه إليّ .
قال ابن عبّاس : حتى تحلفوا بحقّ محمد خاتم النبيين صلى الله عليه وآله وسيد المرسلين الا تغدروا بأخيكم ، ولتأتنّني به «الا أن يحاط بكم» أي تغلبوا عليه ، والمعنى الا أن يحال بينكم وبينه بيد عالية ، فحلفوا له بحقّ محمد ومنزلته من ربّه .
«قال ـ يعقوب : ـ «الله على ما نقول وكيل»(1) أي شاهد حافظ ، وإنّما أرسل يعقوب ابن يامين معهم لأنّه علم أنّهم لمّا كبروا ندموا على ما [كان](2) فرط منهم في أمر يوسف ، ولم يصرّوا على ذلك ، ولهذا وثق بهم ، وإنّما عيّرهم بحديث يوسف حثّاً لهم على حفظ أخيهم .(3)
ولمّا تجهّزوا للمسير قال يعقوب : «يا بنيّ لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرّقة»(4) خاف عليهم العين لأنّهم كانوا ذوي جمال وهيئة وكمال وهم إخوة أولاد رجل واحد .
وقيل : خاف عليهم حسد الناس لهم ، وأن يبلغ الملك قوّتهم وبطشهم فيحبسهم أو يقتلهم خوفاً على ملكه ، والأوّل أصح ، لأنّه ورد في الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنّ العين حقّ ، والعين تستنزل الحالق ، والحالق :
|
(1) سورة يوسف ك 66 .
(2) من المجمع .
(3) مجمع البيان : 3 / 247 ـ 248 .
(4) سورة يوسف : 67 .
|
 | |
تسلية المُجالس وزينة المَجالس ـ ج 1 | | 106 |
|
 |
المكان المرتفع من الجبل وغيره ، فجعل صلى الله عليه وآله العين كأنّها تحطّ ذروة الجبل من قوّة أخذها ، وشدّة بطشها .(1)
وروي أنّه صلى الله عليه وآله كان يعوّ الحسن والحسين عليهما السلام ، فكان يقول : اُعيذكما بكلمات الله التامّة ، من كلّ شيطان وهامة ، ومن كلّ عين لامّة .(2)
وروي أنّ إبراهيم عليه السلام عوّذ ابنيه ، وأنّ موسى عوّذ بني(3) هارون بهذه العوذة .
وروي أنّ بني جعفر كانوا غلماناً بيضاً فقالت أسماء بنت عميس : يا رسول الله ، إنّ العين إليهم سريعة أفأسترقي لهم من العين ؟
فقال صلى الله عليه وآله : نعم .(4)
وروي أنّ جبريل رقى رسول الله صلى الله عليه وآله وعلّمه هذه الرقية : بسم الله أرقيك ، من عين كلّ حاسد ، الله يشفيك .(5)
|
(1) أخرجه في البحار : 63 / 17 ح 5 عن زبدة البيان (انظر حاشية مصباح الكفعمي : 220) .
(2) أخرجه في البحار : 63 / 18 ح 7 عن دعائم الاسلام : 2 / 139 ح 488 .
وفي ج 94 / 196 ح 4 عن مجموعة الشهيد ودعوات الراوندي : 85 ح 217 .
(3) في المجمع : ابني .
(4) أورده في مجمع البيان : 5 / 341 .
وأخرجه في البحار : 63 / 26 ح 30 ، وج 95 / 132 ح 10 عن جامع الأخبار : 443 .
(5) أخرجه في البحار : 18 / 268 ح 30 ، وج 95 / 30 ح 14 عن أمالي الطوسي : 2 / 252 .
وقد روي في الأمالي بهذا اللفظ : بسم الله اُرقيك ، من كلّ شيء يؤذيك ، من شرّ كل نفسٍ أو عين حاسد ، والله يشفيك ، بسم الله اُرقيك .
|
 | |
تسلية المُجالس وزينة المَجالس ـ ج 1 | | 107 |
|
 |
وروي عن النبي صلى الله عليه وآله [أنّه قال](1) : لو كان شيء يسبق القدر لسبقته العين .(2)
«ولمّا دخلوا ـ مصر ـ من حيث أمرهم أبوهم»(3) أي من أبواب متفرّقة ؛ قيل : كان لمصر أربعة أبواب فدخلوا من أبوابها الأربعة متفرّقين .(4)
ثمّ دخلوا على يوسف مجتمعين وقالوا : هذا أخونا قد جئنا به كما أمرتنا ، فقال : أحسنتم ، ثمّ أنزلهم وأكرمهم ، ثم صنع لهم ضيافة وقال : ليجلس كلّ ابني(5) اُمّ على مائدة ، فجلسوا فبقي ابن يامين قائماً . فقال له يوسف : مالك لا تجلس ؟
قال : أيّها الملك [إنّك قلت :](6) ليجلس كلّ ابني اُم على مائدة وليس لي فيهم ابن اُمّ .
فقال له يوسف : فما كان لك ابن اُمّ .
قال : بلى .
قال : فما فعل ؟
قال : زعم هؤلاء أنّ الذئب أكله .
قال : فما بلغ من حزنك عليه ؟
|
(1 و6) من المجمع .
(2) أخرجه في البحار : 63 / 26 ح 27 ، وج 95 / 131 ح 9 عن مكارم الأخلاق : 414 ، الا أنّ فيهم : عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام .
(3) سورة يوسف : 68 .
(4) مجمع البيان : 3 / 249 ، عنه البحار : 63 / 6 ـ 7 .
(5) في المجمع : بني . وكذا في الموضع الآتي .
|
 | |
تسلية المُجالس وزينة المَجالس ـ ج 1 | | 108 |
|
 |
قال : ولد لي أحد عشر ابناً كلّهم اشتقت له اسماً من اسمه .
قال يوسف : اراك شممت النساء وعانقتهنّ ، وشممت الولد من بعده ؟
قال : إنّ لي أباً صالحاً وقد قال لي : تزوّج لعلّ الله يخرج منك ذرّيّة تثقل الأرض بالتسبيح .
فقال له يوسف ك تعال فاجلس معي على مائدتي .
فقال إخوة يوسف : لقد فضّل الله يوسف وأخاه حتى أجلسه الملك على مائدته .
فلمّا نهضوا بعد أن أكلوا قال : دعوا أخاكم يبيت عندي ، فبات عند يوسف ، فقال له يوسف : أتحبّ أن أكون أخاك بدل أخيك الهالك ؟
فقال : من يجد ـ أيّها الملك ـ أخاً مثلك ، لكن لم يلدك يعقوب ولا راحيل ، فبكى يوسف ، وقام إليه واعتنقه ، وقال له : أنا أخوك يوسف ، فلا تحزن على ما صنعوا بنا فيما مضى ، فإنّ الله قد أحسن إلينا ، وجمعنا على خيرٍ ، ولا تعلمهم بذلك ، وأنا لا اُفارقك .
فقال : يا أخي ، تعلم اغتمام والدي بي .
فقال : لا سبيل إلى ذلك الا انّ السبيل إلى ما لا يحمل .
قال : لا اُبالي .
قال : افعل ما بدا لك .
فقال : إنّي اُدسّ صاعي في رحلك ، ثمّ اُنادي عليك بأنّك سرقته ليتهيّأ لي ردّك بعد تسريحك معهم .
قال : افعل .
 | |
تسلية المُجالس وزينة المَجالس ـ ج 1 | | 109 |
|
 |
قال : وكانت الصاع اوّل مشربة للملك مصوغة من فضّة مموّهة بالذهب ؛ وقيل : كانت من ذهبٍ مرصّعة بالجواهر ، ثمّ لمّا وقع القحط جعلت مكيالاً يكال بها الطعام ، ثمّ انطلقوا راجعين إلى أبيهم ومعهم أخوهم ابن يامين ، فلمّا فصلوا عن مصر أرسل يوسف في أعقابهم رجاله ، فنادوا فيهم : «أيّتها العير إنّكم لسارقون»(1) ؛ قيل : إنّ يوسف أمر المنادي أن ينادي إنّكم لسارقون ولن ترد سرقة الصاع ، وإنّما عني به إنّكم سرقتم يوسف من أبيه ، وألقيتموه في الجبّ .
وأقبلوا أصحاب العير على أصحاب يوسف قائلين لهم : «ماذا تفقدون قالوا نفقد صواع الملك ـ أي : صاعه ومشربته(2) ـ ولمن جاء به حمل بعير»(3) ، فأجابهم إخوة يوسف : «تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض وما كنّا سارقين»(4) فإنّكم اطّلعتم على حسن سيرتنا مرّة بعد اُخرى ، فقد علمتم أنّ السرقة ليست من شأننا ؛ وقيل : إنّما قالوا ذلك لأنّهم ردّوا البضاعة التي وجدوها في رحالهم مخافة أن تكون وضعت بغير إذن الملك لأنّ من ردّ ما وجد لا يكون سارقاً ؛ وقيل : إنّهم لمّا دخلوا مصر في أوّل مرّة رأوهم قد شدّوا أفواه دوابّهم كي لا تتناول الحرث والزرع .
فردّوا العير بأجمعها إلى مصر ، فلمّا حضروا عند يوسف قيل لهم : إنّكم لسارقون .
قالوا : معاذ الله أن نكون سارقين .
|
(1) سورة يوسف : 70 .
(2) في المجمع : وسقايته .
(3) سورة يوسف ك 71 و72 .
(4) سورة يوسف : 73 .
|
 | |
تسلية المُجالس وزينة المَجالس ـ ج 1 | | 110 |
|
 |
فقال لهم الذين ناداهم : فما جزاء السارق عندكم «إن كنتم كاذبين»(1) في قولكم : إنّا لم نسرق ؟
«قالوا جزاؤه من وُجد في رحله فهو جزاؤه»(2) أي يسترق .
وقيل : إنّ السنّة كانت في بني إسرائيل انّ السارق يسترقّ بسرقته ، وفي دين الملك الضرب والضمان ، فلهذا قال لهم يوسف : ما جزاء السارق عندكم ؟
قالوا : يسترقّ بسرقته ، «فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه ـ لإزالة التهمة ـ ثم استخرجها من وعاء أخيه»(3) ، وإنّما بدأ بأوعيتم لأنّه لو بدأ بوعاء أخيه لعلموا أنّه هو الذي وضعها فيه ، فأقبلوا على بنيامين ، وقالوا له : فضحتنا وسوّدت وجوهنا ، متى أخذت هذا الصاع ؟
فقال : وضع هذا الصاع في رحلي الذي وضع الدراهم في رحالكم .(4)
فأقبلوا إخوة يوسف على يوسف قائلين : «إن يسرق ـ بنيامين ـ فقد سرق أخ له من قبل» فليست سرقته بأمر بديع فإنّه اقتدى بأخيه يوسف واختلف في السرقة التي أنبؤا بها يوسف ؛ فقيل : كانت منطقة إسحاق عليه السلام ، وكانت عند عمّة يوسف ، وكانت أكبر ولد إسحاق ، وكانوا يتوارثونها بالكبر ، وكانت تحضن يوسف وتربّيه بعد وفاة اُمّه ، وتحبّه حبّاً شديداً ، فلمّا ترعرع أراد يعقوب أن يستردّه منها ، فاحتالت وجاءت بالمنطقة وشدّتها على وسط يوسف وادّعت أنّه سرقها ، وكان من سنّتهم استرقاق السارق ، فحبسته بذلك السبب عندها .
|
(1) سورة يوسف : 74 .
(2) سورة يوسف : 75 .
(3) سورة يوسف : 76 .
(4) مجمع البيان : 3 / 251 ـ 253 ، عرائس المجالس : 131 ـ 132 .
|
 | |
تسلية المُجالس وزينة المَجالس ـ ج 1 | | 111 |
|
 |
قال : فأخفى يوسف تلك الكلمة التي قالوها «ولم يبدها لهم» ، بل «قال أنتم شرٌّ مكانا» في السرق لأنّكم سرقتم أخاكم من أبيكم «والله أعلم بما تصفون»(1) .
والظاهر أنّه أسرّ هذا المقال في نفسه ، ثمّ جهر بقوله : «والله أعلم بما تصفون» فأقبلوا بالخضوع على يوسف والاستعطاف قائلين : «يا أيّها العزيز إنّ له أباً شيخاً كبيراً فخذ أحدنا مكانه» ، إنّما قالوا هذا لما علموا أنّه استحقّه فسألوه أن يأخذ عنه بدلاً شفقة على والدهم ، ورقّقوا(2) في القول على سبيل الاسترحام ومعناه كبيراً في السنّ ؛ وقيل : كبيراً في القدر ، فلا ينبغي ان يسترقّ ولده «إنّا نراك من المحسنين» .(3)
فأجابهم يوسف : «معاذ الله أن نأخذ الا من وجدنا متاعنا عنده»(4) أي نأخذ البريء بجرم السقيم ، ولم يقل : «من سرق» تحرّزاً من الكذب ، فلمّا استيأسوا من يوسف أن يجيبهم إلى ما سألوه انفردوا عن الناس من غير أن يكون معهم من ليس منهم يتناجون فيما يفعلون في ذهابهم لأبيهم بغير أخيهم وهل يرجعون أو يقيمون .
قال كبيرهم وهو روبيل ، وكان أسنّهم ، وكان ابن خالة يوسف ، وهو الذي نهى إخوته عن قتله : «ألم تعلموا أنّ أباكم قد أخذ عليكم موثقاً من الله» فذكّرهم بذلك «فلن أبرح الأرض» أي لا أزال بهذه الأرض ، ولا أزول عنها
|
(1) سورة يوسف : 77 .
(2) كذا في المجمع ، وفي الأصل : فرفّعوا .
(3) سورة يوسف : 78 .
(4) سورة يوسف : 79 .
|
 | |
تسلية المُجالس وزينة المَجالس ـ ج 1 | | 112 |
|
 |
«حتّى يأذن لي أبي»(1) في البراح والرجوع أو الموت فيكون ذلك عذراً إليّ عند أبي .(2)
«ارجعوا إلى أبيكم فقولوا يا أبانا إنّ ابنك سرق وما شهدنا الا بما علمنا» ؛ وقيل : وما شهدنا أنّ السارق يسترقّ الا بما علمنا انّ الحكم ذلك ، ولم نعلم أنّ ابنك سرق [أم لا](3) ؟ وإنّما قالوا ذلك الا لما قال لهم يعقوب عليه السلام : وما يدري الملك انّ السارق يؤخذ بسرقته [ويسترقّ](4) ، وإنّما علم ذلك بقولكم .
فقالوا : ما شهدنا الا بما علمنا «وما كنّا للغيب حافظين»(5) ، أي لا نعلم أسرق أم كذبوا عليه ؟ وإنّما نعلم منه ما كان يحدث في حضورنا معه ، فإذا غاب لا نعلم ما يصنع(6) «واسأل القرية» أي أهل القرية ، واسأل أهل العير ، معناه : وسل من شئت من أهل مصر عن هذا الأمر ، فإنّ هذا أمر شائع فيهم يخبرك به من سألته ، وكان معهم جماعة من أهل مصر صاروا إلى الناحية التي كان فيها يعقوب ، واسأل العير «التي أقبلنا فيها»(7) أي القافلة التي أقبلنا فيها ، وكانت القافلة م نأرض كنعان ، وكانوا يمتارون في مصر ، وإنّما قالوا ذلك لأنّهم كانوا متّهمين عند يعقوب ، فقال لهم يعقوب : ما عندي ان الأمر كما تقولونه ، «بل سوّلت لكم أنفسكم أمراً فصبر جميل» أي سأبر صبراً جميلاً «عسى الله أن يأتيني بهم جميعا» أي بيوسف وابن يامين وروبيل أو شمعون [أو لاوي أو
|
(1) سورة يوسف : 80 .
(2) مجمع اليان : 3 / 254 ـ 255 .
(3 و4) من المجمع .
(5) سورة يوسف : 81 .
(6) يعنون انّه سرق ليلاً وهم نيام ، والغيب هو الليل .
(7) سورة يوسف : 82 .
|
| |