تسلية المُجالس وزينة المَجالس ـ ج 189

فأخبرهما انّه رسول الله ، وانّه سبحانه علّمه ذلك .
وكان يوسف قبل ذلك في السجن لم يدعهم إلى الله لأنّهم كانوا يعبدون الأصنام ، فلمّا رأى إقبالهم عليه وتوجّههم إلى قبول قوله وحسن اعتقادهم فيه رجا منهم القبول فأظهر انّه نبيّ ودعاهم إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة .
وروي أنّ أهل السجن قالوا له : قد أحببناك حين رأيناك .
فقال : لا تحبّوني ، فوالله ما أحبّني أحد الا دخل عليّ من حبّه بلاء ، أحبّتني عمّتي فنسبت إلى السرقة ، وأحبّني أبي فاُلقيت في الجبّ ، وأحبّتني امرأة العزيز فاُلقيت في السجن .(1)
ثم أقبل عليهم بالدعاء إلى الله سبحانه ، فقال : «يا صاحبي السجن أأرباب متفرّقون ـ أي متباينون من حجر وخشب لا تضرّ ولا تنفع ـ خيرٌ أم الله الواحد القهّار»(2) الذي إليه الحشر والنشر(3) ، وبيده النفع والضرّ ، أهو خير أم هذه الأصنام التي تعبدونها «ذلك ـ الذي بيّنت من توحيد الله(4) وعبادته وترك عبادة غيره هو ـ الدين القيّم»(5) أي المستقيم الذي لا عوج فيه .
ثمّ عبّر عليه السلام رؤياهما ، فقال : أمّا العناقيد الثلاثة فهي ثلاثة أيّام تبقى في السجن ، ثمّ يخرجك الملك في اليوم الرابع وتعود إلى ما كنت عليه ، وأمّا الآخر فقال له : أنت تصلب وتأكل الطير من رأسك ، فقال : ما رأيت شيئاً
(1) مجمع البيان : 3 / 232 ـ 233 .
(2) سورة يوسف : 39 .
(3) في المجمع : الخير والشرّ .
(4) كذا في المجمع ، وفي الأصل : الذي يثبت من توحيد الله .
(5) سورة يوسف : 40 .
تسلية المُجالس وزينة المَجالس ـ ج 190

وكنت ألعب ، فقال يوسف : «قُضي الأمر الذي فيه تستفيتيان»(1) ، وما قلته لكما فإنّه نازل بكما ، «وقال للذي ظنّ ـ أي تحقّق ـ أنّه ناجِ منهما» ـ وهو الساقي ـ اذكرني عند ربّك»(2) أي اذكرني عند الملك انّي محبوس ظلماً ، فأنسى الشيطان الساقي أن يذكر يوسف عند ربّه حتى لبث في السجن سبع سنين .
وعن النبي صلى الله عليه وآله قال : عجبت من أخي يوسف عليه السلام كيف استعان(3) بالمخلوق دون الخالق ؟!
ولولا كلمته ما لبث في السجن طول ما لبث يعني قوله : «اذكرني عند ربّك» .
وروي عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام قال : جاء جبرئيل عليه السلام إلى يوسف فقال : يا يوسف ، من جعلك أحسن الناس ؟
قال : ربّي .
قال : فمن حبّبك إلى أبيك دون إخوتك ؟
قال : ربّي .
قال : من ساق إليك السيّارة ؟
قال : ربّي .
قال : فمن صرف عنك الحجارة ؟
قال : ربّي
(1) سورة يوسف : 41 .
(2) سورة يوسف : 42 .
(2) في المجمع : استغاث .
تسلية المُجالس وزينة المَجالس ـ ج 191

قال : فمن أنقذك من الجبّ ؟
قال : ربّي .
قال : فمن صرف عنك كيد النسوة ؟
قال : ربّي .
قال : فإنّ ربّك يقول : ما دعاك إلى أن تنزل(1) حاجتك بمخلوق دوني ؟ البث في السجن بضع سنين بما قلت .
قال : فبكى يوسف حتى بكى لبكائه الحيطان ، فتأذّى أهل السجن لبكائه ، فصالحهم على أن يبكي يوماً ويسكت يوماً ، فكان في اليوم الذي يسكت أسوأ حالاً ، والقول في ذلك : [انّ](2) الاستعانة بمخلوق في دفع المضارّ والتخلّص من المكاره جائز غير منكر ولا قبيح ، بل ربّما يجب ذلك ، وكان نبيّنا صلى الله عليه وآله يستعين بالمهاجرين والأنصار وغيرهم فيما ينويه . ولو كان قبيحاً لم يفعله صلى الله عليه وآله ، وإنّما عوتب يوسف عليه السلام في ترك عادته الجميلة في الصبر والتوكّل على الله سبحانه في كلّ اُموره .
وإنّما كان يكون قبيحاً لو ترك التوكّل على الله سبحانه في كلّ اُموره أو اقتصر على غيره ، وفي هذا ترغيب في الاعتصام بالله تعالى والاستعنة به دون غيره عند نزول الشدائد ، وأكثر المفسّرين قالوا : إنّ مدّة إقامة يوسف في السجن كانت سبع سنين ، وهذه السبع سوى الخمسة التي كانت قبل تعبير الرؤيا للساقي وصاحب الطعام .
وروي عن ابي عبد الله عليه السلام قال : علّم جبرئيل عليه السلام يوسف
(1) كذا في المجمع ، وفي الأصل : تقول .
(2) من المجمع .
تسلية المُجالس وزينة المَجالس ـ ج 192

عليه السلام وهو في السجن ، فقال : قل في دبر كلّ صلاة فريضة : اللهم اجعل لي فرجاً ومخرجاً ، وارزقني من حيث أحتسب ومن حيث لا أحتسب .
وروى شعيب(1) العقرقوفي عنه عليه السلام قال : لمّا انقضت المدّة وأذن الله ليوسف في دعاء الفرج وضع عليه السلام خدّه على الأرض ، ثم قال : اللهم إن كانت ذنوبي قد أخلقت وجهي عندك فإنّي أتوجّه إليك بوجوه آبائي الصالحين إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ففرّج الله عنه .
قال شعيب : فقلت : جعلت فداك ، أندعو نحن بهذا العداء ؟
فقال : ادعوا بمثله ، اللهم إن كانت ذنوبي قد أخلقت عندك وجهي فإنّي أتوجّه إليك بنبيّك(2) نبيّ الرحمة ، وعليّ وفاطمة والحسن والحسين والأئمّة عليهم السلام .(3)
ثم لمّا أذن الله بالفرج رأى الملك الرؤيا التي هالته وهي التي ذكرها الله سبحانه في كتابه وهي «وقال الملك ـ يعني الوليد بن الريّان ـ إنّي أرى سبع بقرات»(4) إلى آخر الآيات ، فلمّا قصّ رؤياه على خواصّه «قالوا ـ : هذه ـ أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين»(5) وكان جهلهم(6) سبب نجاة يوسف عليه السلام ، لأنّ الساقي تذكّر حديث يوسف فجثا بين يدي الملك ،
(1) كذا في المجمع ـ وهو الصحيح ـ ، وفي الأصل : أبو شعيب ، راجع في ترجمته ؛ معجم رجال الحديث : 9 / 34 رقم 5740 .
(2) في المجمع : بوجه نبيّك .
(3) مجمع البيان : 3 / 234 ـ 235 .
وانظر : تفسير القمّي : 1 / 344 ـ 345 .
(4) سورة يوسف : 43 .
(5) سورة يوسف : 44 .
(6) أي بتأويل رؤيا الملك .
تسلية المُجالس وزينة المَجالس ـ ج 193

فقال : أيّها الملك إنّي قصت أنا وصاحب الطعام على رجل في السجن منامين فخبّرنا بتأويلهما ، وصدق في جميع ما وصف ، فإن أذنت مضيت اليه وأتيتك بتفسير رؤياك ، فأذن به الملك ، فأتى يوسف في السجن ، فقال : «أيّها الصدّيق أفتنا في سبع بقرات سمان»(1) إلى آخره لعلّي أرجع إلى الملك والعلماء الذين جمعهم لتعبير الرؤيا فعجزوا عنها ، فيعرفون فضلك ، ويخرجوك من السجن .
فقال يوسف في جوابه : أمّا السبع بقرات السمان والسبع العجاف والسبع السنابل الخضر والسبع اليابسات فإنّهنّ سبع سنين مخصبات يتعبهنّ سبع سنين مجدبات(2) ، فادأبوا في الزراعة في تلك السنين المخصبة بجدّ واجتهاد ، وكلّما تحصدونه ذروه في سنبله بغير دوس ولا تذرية «الا قليلاً ممّا تأكلون»(3) وإنّما أمرهم بذلك ليكون أبقى وأبعد من الفساد ، لأنّ السنبل إذا ترك بحاله لا يقع فيه السوس ولا يهلك وغن بقي مدّة من الزمان ، وإذا صفّي أسرع إليه الفساد ، «ثمّ يأتي من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدّمتم لهنّ»(4) وأضاف الأكل إلى السنين لأنّ الأكل يقع فيها أكثر .
وروي أنّ يوسف عليه السلام كان يقرّب زاد اثنين إلى واحد فيأكل نصفه فيشبع ويترك الباقي ، فلمّا كان أول السنين المجدبة قرّب طعام اثنين إلى واحد فأكله ، فقال : هذا أول السنين الشداد ، وكانت السبع المخصبات كثرت فيها الأمطار وفاض ماء النيل ، فلمّا انقضت أمسك الله المطر ولم يوف النيل فوقع
(1) سورة يوسف : 46 .
(2) في المجمع : قال يوسف في جوابه معبّراً ومعلّماً : أمّا البقرات السبع العجاف والسنابل السبع اليابسات فالسنون الجدبة ، وأمّا السبع السمان والسنابل السبع الخضر فإنّهنّ سبع سنين مخصبات .
(3) سورة يوسف : 47 .
(4) سورة يوسف : 48 .
تسلية المُجالس وزينة المَجالس ـ ج 194

القحط وكان ما قضاه الله سبحانه .
وهذا التأويل من يوسف إنّما كان ممّا أطلعه الله عليه بالوحي من عالم الغيب ليكون من آيات نبوّته عليه السلام .(1)
فلمّا رجع الرسول إلى الملك وقصّ عليه ما قال يوسف قال : «ائتوني به»(2) ، فاتاه الرسول ، وقال : اجب الملك ، فأبى أن يجيبه ، وأن يخرج معه حتى بتبيّن براءته ممّا(3) قذف به ، وقال للرسول : ارجع إلى الملك واسأله أن يفحص عن النسوة اللاتي قطّعن أيديهنّ ليعلم صحّة براءتي ولم يفرد امرأة العزيز حسن عشرة منه ورعاية أدب لكونها زوجة خليفة الملك(4) فخلطها بالنسوة .
ولو خرج يوسف مع الرسول من غير أن يعلم الملك براءته ما زالت في نفس الملك منه حالة(5) ، وكان يقول : هذا الذي راود امرأة وزيري وخليفتي فيراه الملك بعين مشكوك فيه فأحبّ أن يراه بعد إزالة الشك من قلبه .
فأمر الملك بإحضار النسوة ، فلمّا حضرن قال : ما شأنكنّ إذ راودتنّ يوسف عن نفسه ودعوتنّه إلى أنفسكنّ ؟
«قلن حاش لله ما علمنا عليه من سوء» وما فعل شيئاً ممّا نسب إليه ، واعترفن ببراءته ، وانّه حبس مظلوماً . فقالت امرأة العزيز من بينهنّ : «الآن حصحص الحقّ أنا راودته عن نفسه وإنّه لمن الصادقين»(6) في قوله : «هي
(1) مجمع البيان : 3 / 237 ـ 239 .
(2) سورة يوسف : 50 .
(3) كذا في المجمع ، وفي الأصل : وما .
(4) في المجمع : لكونها زوجة الملك أو زوجة خليفة الملك .
(5) في العرائس : حاجة .
(6) سورة يوسف : 51 .
تسلية المُجالس وزينة المَجالس ـ ج 195

راودتني عن نفسي»(1) ، فلمّا ظهر أمر يوسف ، قال صلوات الله عليه : «وما اُبرّئ نفسي»(2) كره تزكية نفسه انقطاعاً إلى الله سبحانه .(3)
ولمّا تبيّن للملك براءته من السوء قال : «ائتوني به أستخلصه لنفسي»(4) ، فلمّا أتاه رسول الملك قال : قم ، إنّ الملك يدعوك ، فالق ثياب السجن عنك والبس ثياباً جدداً ، فأقبل يوسف ، وتنظّف من درن السجن ، ولبس ثيابه ، وأتى الملك وهو يومئذ ابن ثلاثين سنة .
وروي أنّ يوسف لمّا خرج من السجن تعلّق به أهل السجن وسألوه أن يدعو لهم ، فقال : اللهم اعطف عليهم بقلوب الأخيار ، ولا تعم عليهم الأخبار ، فلذلك يكون أهل السجن أعرف الناس بالأخبار في كلّ بلدة ، ولمّا خرج كتب على باب السجن : هذه قبور الأحياء ، وبيوت(5) الأحزان ، وتجربة الأصدقاء ، وشماتة الأعداء .
ولمّا وقف بباب الملك قال : حسبي ربّي من دنياي ، وحسبي ربّي من خلقه عزّ جاره وجلّ ثناؤه ولا إله غيره ، ولمّا دخل على الملك قال : اللهم إنّي أسألك بخيرك من خيره ، وأعوذ بك من شرّه وشرّ غيره ، ولمّا نظر إليه الملك سلّم عليه يوسف بالعربيّة ، فقال له الملك : ما هذا اللسان ؟
قال : لسان عمّي إسماعيل ، ثمّ دعا له بالعبرانيّة ، فقال له الملك : ما هذا اللسان ؟
(1) سورة يوسف : 26 .
(2) سورة يوسف : 53 .
(3) مجمع البيان : 3 / 240 ـ 241 .
(4) سورة يوسف : 54 .
(5) في المجمع : وبيت .
تسلية المُجالس وزينة المَجالس ـ ج 196

قال : لسان آبائي .
قيل : كان الملك يتكلّم بسبعين لساناً ، فكلّما كلّم يوسف بلسانٍ أجابه بذلك اللسان ، فتعجّب الملك من ذلك ، فقال : يا يوسف ، إنّي اُحبّ أن أسمع رؤياي منك شفاهاً من غير أن أتكلّم بها .
فقال يوسف : نعم ، أيّها الملك ، رأيتَ سبع بقرات سمان شهب غرّ حسان ، كشف عنهنّ النيل ، وطلعن عليك من شاطئه تشخب أخلافهنّ لبناً ، فبينا أنت تتعجّب من ذلك إذ نضب النيل فغار ماؤه ، وبدا يبسه ، فخرج من حمئه(1) ووحله سبع بقرات عجاف شعث مقلصات البطون ، ليس لهنّ ضروع ، ولهنّ أنياب وأضراس واكفّ كأكفّ الكلاب ، وخراطيم كخراطيم السباع ، فاختلطن بالسمان فافترسنهنّ افتراس السبع ، وأكلن لحومهنّ ، ومزّقن جلودهنّ ، فبينا أنت تنظر وتتعجّب إذا سبع سنابل خضر وسبع أُخر سود في منبت واحد عروقهنّ في الثرى والماء ، فبينا أنت تقول في نفسك : أنّى هذا وهؤلاء خضر مثمرات وهؤلاء سود يابسات والمنبت واحد واُصولهنّ في الماء ؟ إذ هبّت ريح فذرت الأرفات(2) من اليابسات السود على(3) المثمرات الخضر فاشتعلت فيهنّ النار وأحرقتهنّ وصرن سوداً متغيّرات ، فهذا آخر ما رأيت ، ثمّ انتبهت من نومك مذعوراً .
فقال الملك : ما شأن هذه الرؤيا بأعجب ممّا سمعته منك فما ترى في رؤياي أيّها الصدّيق ؟
فقال يوسف : ارى أن تجمع الطعام وتزرع زرعاً كثيراً في هذه السنين
(1) كذا في العرائس والمجمع ، وفي الأصل : جماده .
(2) في العرائس : فردّت أوراق السود اليابسات .
ومراده : الرُفات : وهو الحطام من كلّ شيء تكسّر .
(3) كذا في المجمع ، وفي الأصل : إلى .
تسلية المُجالس وزينة المَجالس ـ ج 197

المخصبة وتبني الأهراء(1) والخزائن ، فتجمع الطعام فيها بقصبه(2) وسنبله [ليكون قصبه وسنبله](3) علفاً للدوابّ ، وتأمر الناس فيرفعون من طعامهم الخمس فيكفيك من الطعام الذي جمعته لأهل مصر ومن حولها ، ويأتيك الخلق من النواحي فيمتارون منك بحكمك ، ويجتمع عندك من الكنوز مالم يجتمع لأحد .
فقال الملك : ومن لي بهذا ؟ ومن يجمعه ويبيعه ويكفي الشغل فيه ؟
فقال يوسف : «اجعلني على خزائن الأرض إنّي حفيظ عليم»(4) أحفظ الشيء أن يجري فيه خيانة ، عليم بمن يستحقّ منها شيئاً أولا يستحقّ ؛ وقيل : عليم بالألسن ، وذلك انّ الناس يفدون(5) من كلّ ناحية ، ويتكلّمون بلغات مختلفة .
وفي هذا دلالة على انّ الانسان يجوز له أن يظهر فضله عند من لا يعرفه ؛ وقيل : إنّ الملك الأكبر فوّض إليه أمر مصر ودخل بيته وأغلق بابه .(6)
وروى [أحمد بن](7) محمد بن عيسى ، عن الحسن بن علي بن بنت إلياس قال : سمعت الرضا عليه السلام يقول : وأقبل يوسف على جمع الطعام ، فجمع في السبع السنين المخصبة وكبسه في الخزائن ، فلمّا مضت تلك السنون وأقبلت السنون المجدبة أقبل يوسف على بيع الطعام .
(1) الهُريُ : بيت كبير ضَخم يُجمع فيه طعام السلطان ، والجمع أهراء . «لسان العرب : 15 / 361 ـ هرا ـ » .
(2) كذا في المجمع والعرائي ، وفي الأل : بنصبه .
(3 و7) من المجمع .
(4) سورة يوسف : 55 .
(5) كذا في المجمع ، وفي الأصل ،: يبدون .
(6) مجمع البيان : 3 / 242 ـ 243 ، عرائس المجالس : 126 ـ 127 .
تسلية المُجالس وزينة المَجالس ـ ج 198

فباعهم في السنة الاولى بالدراهم والدنانير حتى لم يبق بمصر وما حولها دينار ولا درهم الا صار في ملك(1) يوسف .
وباعهم في السنة الثانية بالحلي والجواهر حتى لم يبق بمصر وما حولها حلي ولا جواهر الا صار في ملكه(2) .
وباعهم في السنة الثالثة بالدوّاب والمواشي حتى لم يبق بمصر وما حولها دابّة ولا ماشية الا صارت في ملكه .
ثم باعهمه في السنة الرابعة بالعبيد والإماء حتى لم يبق بمصر وما حولها عبد ولا أمة(3) الا صار في ملكه .
وباعهم في السنة الخامسة بالدور والعقار حتى لم يبق بمصر وما حولها دار ولا عقار الا صار في ملكه .
ثم باعهم في السنة السادسة بالمزارع والأنهار حتى لم يبق بمصر وما حولها نهر ولا مزرعة الا صار في ملكه .
ثمّ باعهم في السنة السابعة برقابهم حتى لم يبق بمصر وما حولها عبد ولا حرّ الا صار عبداً ليوسف عليه السلام ، فملك أحرارهم وعبيدهم وأموالهم ، وقال الناس: ما سمعنا ولا رأينا بملك أعطاه الله من الملك مثل ما أعطى يوسف .(4)
وقيل : إنّ الملك لمّا أراد توليته دعاه فتوجّه وردّاه وقلّده سيفه ، وأمر بأن يوضع له سرير من ذهب ، مكلّل بالدرّ والياقوت ، ويضرب عليه كلّة(5) من
(1) في المجمع : مملكة .
(2) في المجمع : مملكته ، وكذا في سائر المواضع الآتية .
(3) كذا في المجمع ، وفي الأصل : دابّة ـ وهو تصحيف ـ .
(4) مجمع البيان : 3 / 244 .
(5) في العرائس : قبّة .
تسلية المُجالس وزينة المَجالس ـ ج 199

استبرق ، وأمره أن يخرج متوّجاً ؛ لونه كالثلج(1) ، ووجهه كالقمر ، يرى الناظر وجهه في صفاء وجهه(2) ، فانطلق فجلس على السرير ، ودانت له الملوك ، فعدل بين الناس فأحبّه الرجال والنساء ، وقال الناس : ما سمعنا ولا رأينا بملك أعطاه الله ما أعطى هذا الملك حكماً وعلماً .(3)
ثمّ قال يوسف للملك : ما ترى فيما خوّلني ربّي من ملك مصر وأهلها أشر عليّ برأيك فإنّي لم اُصلحهم لاُفسدهم ، ولم اُنجهم من البلاء لأكون بلاء عليهم ، ولكنّ الله تعالى أنجاهم على يدي .
قال له الملك : الرأي رايك .
قال يوسف : إنّي اُشهد الله واُشهدك أيّها الملك أنّي قد أعتقت أهل مصر كلّهم ، ورددت عليهم أموالهم وعبيدهم ، ورددت عليك أيّها الملك خاتمك وسريرك وتاجك على أن لا تسير وان لا تستولي ولا تحكم الا بحكمي .
قال له الملك : إنّ ذلك زني وفخري أن لا أسير الا بسيرتك ، ولا أحكم الا بحكمك ، ولولاك لما قويت عليه ، ولقد جعلت سلطاني عزيزاً ما يرام ، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله ، وأنّك رسول الله ، فأقم على ما ولّيتك إنّك لدينا مكين أمين(4) ، وكان يوسف لا يمتلئ شبعاً من الطعام في الأيّام المجدبة ؛ فقيل له : أتجوع وفي يدك خزائن الأرض ؟
(1) كذا في المجمع والعرائس ، وفي الأصل : كالبِلج .
وقيل : الأبلَجُ : الأبيضُ الحسنُ الواسعُ الوجه ... ويقال للرجل الطلِق الوجه : أبلَجُ وبَلجُ . «لسان العرب : 2 / 215 ـ بلج ـ » .
(2) في العرائس : يرى فيه من بياض وجهه الناصر صفاء لونه .
(3) مجمع البيان : 3 / 243 ، عرائس المجالس : 128 .
(4) إشارة إلى الآية : 45 من سورة يوسف .
تسلية المُجالس وزينة المَجالس ـ ج 1100

قال عليه السلام : أخاف أن أشبع فأنسى الجياع .(1)
وكان قطفير العزيز هلك في تلك الأيّام(2) ، وافتقرت امرأته زليخا واحتاجت حتى سألت الناس ، فقالوا لها : ما يضرّك لو قعدت للعزيز ـ وكان يوسف يسمّى بالعزيز ، وكلّ ملك كان لهم سمّوه بهذا الاسم ـ ؟
فقالت : أستحي منه ، فلم يزالوا بها حتى قعدت له ، فأقبل يوسف في موكبه(3) ، فقامت إليه زليخا ، فقالت : سبحان من جعل الملوك عبيداً بالمعصية ، والعبيد ملوكاً بالطاعة !
فقال لها يوسف : أأنت تيك(4) ؟
قالت : نعم ، فأمر بها فحوّلت إلى منزله ، وكانت هرمة ، فقال لها يوسف : ألست فعلت [بي](5) كذا وكذا ؟
قالت : يا نبيّ الله ، لا تلمني فإنّي بليت ببلاء لم يبل به أحد .
قال : وما هو ؟
قالت : بليت بحبّك ، ولم يخلق الله لك في الدنيا نظيراً ، وبليت بأنّه لم تكن في مصر امرأة أجمل منّي ، وبليت بزوج عنّين .
قال يوسف : فما حاجتك ؟
قالت : اسأل الله ليردّ عليّ شبابي ، فسأل الله فردّ عليها شبابها ، وتزوّجها
(1) مجمع البيان : 3 / 244 .
(2) أي في تلك السنين الجدبة .
(3) كذا في المجمع والقمّي ، وفي الأصل : مركبه .
(4) كذا في المجمع ، وفي القمّي : أنت هاتيك ؟ وفي الأصل : أنت منك ؟
(5) من المجمع والقمّي .

السابق السابق الفهرس التالي التالي