الزيارة والتوسل 105

صحيح الكتاب، وإذا حدّث من حفظه ربّما أخطأ.. وقال أبو أحمد الحاكم: ليس بالحافظ عندهم..(1)وهكذا اختلفوا فيه اختلافاً كثيراً، يظهر منه أن الغالب عليه الضعف والخطأ في الحفظ، لكنه لم يتهم بوضع وكذب.
والنتيجة أنّ هذا الحديث لم يرد بطريق صحيح، فلا معنى لاحتجاج ابن تيمية به وهو يرد أحاديث الزيارة بدعوى أنها لم ترد بطرق صحيحة.
وعند قبول الحديث لكون رواته غير متهمين بالوضع، مع أنه ورد في أكثر من طريق وان اختلف اللفظ يسيراً، فلا يصح تفسيره منفرداً عن الاَحاديث الاَخرى المتعلقة بموضوع زيارة قبره الشريف وزيارة سائر القبور، فالاِجتزاء سيؤدي إلى تشويه الحقيقة، وظهورها بمظاهر متعددة، والحكم الموضوعي يقتضي النظر والتدبر في ما يتعلق بموضوع البحث من حديث وأثر للخروج بالتصور الجامع للموضوع وأبعاده، عندئذٍ لا يصح تفسير «العيد» هنا بمطلق الوفود او اجتماع الناس عند القبر لقصدهم زيارته، مع وجود الاَحاديث التي تحث على الزيارة، وتأييد ذلك بالاَثر الثابت.. وقد تقدم الجمع بين بعض هذه الاَحاديث والآثار عند مناقشة الخبر الوارد عن الاِمام علي بن الحسين عليهما السلام بهذا الشأن.
ولهذا أيضاً أورد بعض العلماء تفاسير أُخرى للمراد بقوله صلى الله عليه وآله وسلم : «لا تجعلوا قبري عيداً»..
ـ أن يكون المراد الحث على كثرة زيارة قبره صلى الله عليه وآله وسلم وأن لا يهمل حتى لا يزار إلاّ في بعض الاَوقات، كالعيد الذي لا يأتي في العام إلاّ مرّتين.. ويؤيده ما جاء في الحديث نفسه: «ولا تجعلوا بيوتكم قبوراً» أي لا تتركوا الصلاة في بيوتكم

(1) تهذيب التهذيب 6 : 46 ـ 48/99.
الزيارة والتوسل 106

حتى تجعلوها كالقبور التي لا يصلّى فيها.
ـ أو أن يكون المراد لا تتخذوا له وقتاً مخصوصاً لا تكون الزيارة إلاّ فيه، كما هو الحال في بعض المشاهد التي جعل الناس يوماً معيناً لزيارتها، وزيارة قبره صلى الله عليه وآله وسلم ليس فيها يوم بعينه، بل أي يوم كان.
ـ أو أن يكون المراد أن لا يجعل كالعيد في العكوف عليه والاجتماع وغير ذلك مما يُعمل في الاَعياد، بل لا يؤتى إلاّ للزيارة والسلام والدعاء ثمَّ ينصرف عنه(1).
ـ أو أن الحديث في غير ذلك، إذ إنّ الذي جاء في حديث الحسن المثنّى: «لا تجعلوا بيتي عيداً» ولم يذكر القبر، والقرينة على ذلك ما جاء بعده «ولا تجعلوا بيوتكم قبوراً»(2).
ولاَجل التناقض بين ما يفهم من حديث الحسن المثنى وهو الفهم الذي اعتمده المنكرون للزيارة، وبين ما ورد في الزيارة من الحديث والاَثر، علّق الذهبي على حديث الحسن السابق الذكر قائلاً:
ما استدلّ حَسَنٌ في فتواه بطائل من الدلالة، فمن وقف عند الجمرة المقدّسة ذليلاً، مُسَلِّماً مصلياً على نبيه، فيا طوبى له، فقد أحسن الزيارة، وأجمل في التذلّل والحب، وقد أتى بعبادة زائدة على من صلّى عليه في أرضه أو في صلاته، إذ الزائر له أجر الزيارة وأجر الصلاة عليه، والمصلّي عليه في سائر البلاد له أجر الصلاة فقط، فمن صلّى عليه واحدة صلى الله عليه عشراً، ولكنّ من زاره ـ صلوات الله عليه

(1) راجع شفاء السقام :80.
(2) هامش المحقق في/ شفاء السقام :187 ـ الطبعة المحققة.
الزيارة والتوسل 107

ـ وأساء أدب الزيارة، أو سجد للقبر، أو فعل ما لا يُشرع، فهذا فعل حسناً وسيئاً، فيُعَلَّم برفق، والله غفور رحيم.
فوالله ما يحصل الانزعاج لمسلم والصياح وتقبيل الجدران وكثرة البكاء إلاّ وهو محب لله ولرسوله، فحبّه المعيار الفارق بين أهل الجنّة وأهل النار.
فزيارة قبره من أفضل القُرَب، وشدّ الرحال إلى قبور الاَنبياء والاَولياء، لئن سلّمنا أنّه غير مأذون فيه لعموم قوله صلوات الله عليه: «لا تُشد الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد» فشدّ الرحال إلى نبيّنا مستلزم لشدّ الرحل إلى مسجده، وذلك مشروع بلا نزاع، إذ لا وصول إلى حجرته إلاّ بعد الدخول إلى مسجده، فليبدأ بتحية المسجد، ثمَّ بتحية صاحب المسجد، رزقنا الله ذلك وإيّاكم، آمين(1).

الشبهة الثالثة: إنّ الزيارة تفضي إلى الشرك


قد يجاوز بعض الجهلاء الحد حين يغلبه الوجد، ولا فقه له ولا علم، فيسجد للقبر، وهذا أمر منكر لا يقرّه أحد بأي عذر، والواجب تعليم الجاهل وزجره عن هذا ونظائره من الاَفعال التي لا تستقيم مع الشرع، ولا مع أدب الزيارة، ولهذا ونظائره أوجب الله تعالى الاَمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأوجب على العالم أن يظهر علمه، وإلاّ لعنه الله وأبعده عن ساحة رضاه.
أما ابن تيمية فقد جعل هذا ذريعة إلى تحريم الذهاب إلى قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقصد الزيارة حتى من قرب، قائلاً: إن من أصول الشرك بالله اتخاذ القبور مساجد، كما قال طائفة من السلف في قوله تعالى: « وقالوا لا تذرنّ آلهتكم ولا تذرُنّ وُدّاً ولا

(1) سير أعلام النبلاء 4 : 484 ـ 485 ترجمة الحسن المثنى.
الزيارة والتوسل 108

سُواعاً ولا يغَوث ويعوقَ ونسرا » قالوا: هؤلاء كانوا قوماً صالحين في قوم نوح، فلمّا ماتوا عكفوا على قبورهم ثمَّ صوّروا على صورهم تماثيل، ثمَّ طال عليهم الاَمد فعبدوها... قال: وقد ثبت عنه في الصحيح أنّه قال: « إنّ من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإنّي أنهاكم عن ذلك ». واحتجّ أيضاً بحديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم : « لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ».
وعلى هذا قال: كان السلف من الصحابة والتابعين إذا سلّموا عليه وأرادوا الدعاء، دعوا مستقبلي القبلة ولم يستقبلوا القبر(1).
وهذا ممّا لا يحتجُّ به ذو معرفة، فهل كان على الله تعالى أن لا يبعث نبياً، سدّاً للذرائع، إذا كانت أمة سالفة قد عبدت نبيّها وألَّهته؟! أم عليه تعالى إذا بعث نبيّاً ألاّ يُميته؟! وإذا أماته أن يرفعه إلى السماء لئلاّ يُدفن بين أمّته فيتخذون قبره مسجداً؟!
لقد بيّنت الشريعة التوحيد وحدوده، والشرك وحدوده، وحتى الشرك الاَصغر، ليجتنبه الناس ولا يخلطون بعباداتهم، وطاعاتهم وأعمالهم ومعتقداتهم شيئاً ممّا يدخل تحت عنوان الشرك، ليبقى الواجب واجباً، والمندوب مندوباً، والمباح مباحاً، كلٌّ على صورته المشروعة، وما يظهر من بدع في طريق الناس وأساليبهم يردّ عليهم، كما قال صلى الله عليه وآله وسلم : «مَن أدخل في أمرنا ما ليس منه فهو ردّ».
وقد أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم المؤمنين بزيارة قبور إخوانهم، فهل يعني أنه أباح لهم إقامة الاَوثان عليها والسجود لها؟

(1) مجموع فتاوى ابن تيمية 27 : 184 ـ 192، ونحوه في/ زيارة القبور والاستنجاد بالمقبور :29 ـ 30.
الزيارة والتوسل 109

لقد أمرهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بها بعد أن علَّمهم آدابها وسننها، ونهاهم عن المحرم فيها، وهذا هو الاَصل في الزيارة في غيرها.
ولقد كان النصارى حتى قبل ظهور نبينا صلى الله عليه وآله وسلم يشركون بالله في صلواتهم فيجعلونه ثالث ثلاثة، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، فهل من واجب الموحِّد فيهم أن ينهاهم عن الصلاة لما خالطها من شرك!! أم الواجب عليه تبيين حدودها وآدابها ونفي كل ما خالطها من بدع وضلالات؟ أم كان على خاتم الاَنبياء أن يحرِّم الصلاة سدّاً للذرائع؟!
هذا مما لا يقوله عاقل.. غير أن عادة ابن تيمية التهويل في الاَمور، وإغراء الناس بالاِيهام والمغالطة والتلبيس، وقد يسوق هذا إلى الكذب والافتراء، وكثيراً ما وقع فيهما!! وها هو الآن يرتكبهما في قوله: (كان السلف من الصحابة والتابعين إذا سلّموا عليه وأرادوا الدعاء دعوا مستقبلي القبلة ولم يستقبلوا القبر). وافترى على مالك بن أنس وكذّب فيه المالكية كلّهم، ومذهبم قائم على هذا، وقد نقلوه عن إمامهم مالك بأسانيدهم العالية عن أوثق أصحابه وأكثرهم معرفة به.. وحتى لو صح مدّعاه، ولا يصح، فإنّما هو عليه، لا له، ففيه شهادة بزيارتهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم والدعاء عنده، ولا يضرّ في ذلك استقبال القبر عند الدعاء او استدباره واستقبال القبلة. وقد قدمنا على الهيئتين كثيراً من أثر السلف.
ويغض ابن تيمية الطرف عن كل ما لا يوافق هواه من أثر السلف.. وحين يختلف من السلف اثنان يتمسك هو بمذهب المروانية منهم ويهجر من خالفه، ولو كان من أشرف الصحابة، وأكثرهم علماً..
فلقد وقع النزاع في شيء من هذا عند القبر الشريف بين مروان بن الحكم وبين

الزيارة والتوسل 110

أبي أيوب الاَنصاري:
أقبل مروان بن الحكم، فإذا رجل ملتزم القبر، فأخذ مروان برقبته، ثمَّ قال: هل تدري ما تصنع ؟
فأقبل عليه، فإذا هو أبو أيوب الاَنصاري رضي الله عنه ، فقال: نعم، إنّي لم آتِ الحَجَر، إنّما جئت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
ثمَّ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: « لا تبكوا على الدين إذا وليه أهله، ولكن ابكوا على الدين إذا وليه غير أهله»!
أخرجه أحمد في مسنده، وصحَّحه الحاكم والذهبي(1).
نعم ، صدق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :
لا تبكوا على الدين إذا وليه أهله..
ولكن ابكوا عليه إذا وليه غير أهله..
ومن غريب اختلاقات ابن تيمية هنا قوله: فهم دفنوه في حجرة عائشة خلاف ما اعتادوه من الدفن في الصحراء، لئلاّ يصلّي أحد عند قبره ويتخذه مسجداً، فيُتَّخذ قبره وثناً!
وهذا تهويل وافتراء، فما كان شيء من هذا يدور في خلد أحدهم وإنَّما دفنوه هناك لقولهم إن الاَنبياء يُدفنون حيث قبضوا، بل رفعوا القول إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم نفسه؛ قال المؤرخون: لمّا توفِّي النبيُّ اختلفوا في موضع دفنه؛ فقال قائل: في البقيع، فقد كان صلى الله عليه وآله وسلم يكثر الاستغفار لهم.. وقال قائل: عند منبره.. وقال قائل: في مصلاّه.. فجاء أبو بكر فقال: إنّ عندي من هذا خبراً وعلماً، سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم

(1) مسند أحمد 5 : 423، والمستدرك 4 : 560/8571.
الزيارة والتوسل 111

يقول: «ما قُبض نبيٌّ إلاّ دُفِن حيث تُوفِّي»(1).
هذه رواية ابن إسحاق والواقدي، أمّا في رواية أبان بن عثمان الاَحمر فإنّ قائل ذلك هو عليٌّ عليه السلام ؛ قال أبان: وخاض المسلمون في موضع دفنه، فقال عليٌّ عليه السلام : «إنّ الله سبحانه لم يقبض نبيّاً في مكان إلاّ وارتضاه لرمسه فيه، وإنّي دافنه في حجرته التي قُبض فيها» فرضي المسلمون بذلك(2).
وأياً كان القائل، فإنّ ما ذكره ابن تيمية لم يكن ليخطر ببال أحدهم على الاطلاق، ناهيك عمّا تنطوي عليه كلمته من تصوّر الاِجماع أو ما هو قريب به!!
تلك هي شبهاتهم، لا تقوم إلاّ على الذوق الخاص الذي لا يستقيم مع منطقٍ متجرِّدٍ، ولا يسنده دليل..

(1) انظر: السيرة النبوية/ ابن هشام 4 : 256، السيرة النبوية/ الذهبي 2 : 481، والنص منه.
(2) إعلام الورى/ الطبرسي 1 : 27.
الزيارة والتوسل 112




الزيارة والتوسل 113


القسم الثاني
التوسُّـل
أقسامه وأدلّته


الزيارة والتوسل 114




الزيارة والتوسل 115

مدخل:
التوسُّل لغةً واصطلاحاً

توسَّل إلى الله بوسيلةٍ: إذا تقرّب إليه بعمل.
ووَسَّل فلانٌ إلى الله وسيلةً: إذا عمل عملاً تقرّب به إليه.
وتوسّل إليه بكذا: تقرّب إليه بحرمةِ آصرةٍ تُعطفه عليه.
والوسيلة: القُربة.. والدرجة.. والمنزلة عند الملك.
وفي حديث الآذان: «اللهم آتِ محمداً الوسيلة» هي في الاَصل ما يُتَوصَّلُ به إلى الشيء ويُتَقَرّب به، والمراد به في الحديث: القرب من الله تعالى، وقيل: هي الشفاعة يوم القيامة. وقيل: هي منزلة من منازل الجنّة. هكذا قال ابن منظور(1).
وقال الراغب: الوسيلة: التوصّل إلى الشيء برغبة، وهي أخصّ من الوصيلة بتضمّنها لمعنى الرغبة، قال تعالى: «وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَة».
وحقيقة الوسيلة إلى الله تعالى ـ كما قال الراغب ـ مراعاة سبيله بالعلم والعبادة، وتحرّي مكارم الشريعة، وهي كالقربة(2).
وقد ورد لفظ «الوسيلة» في القرآن الكريم في موضعين:
الاَول: في قوله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون»(3).

(1) لسان العرب (وسل).
(2) معجم مفردات ألفاظ القرآن (وسل) :560 ـ 561.
(3) سورة المائدة: 5/35.
الزيارة والتوسل 116

قال أهل التفسير: أي اطلبوا إليه القربة بالطاعات، فكأنّه قال: تقرّبوا إليه بما يرضيه من الطاعات(1).
قال الرازي: الوسيلة، فعيلة، من وَسَل إليه إذا تقّرب إليه. قال لبيد الشاعر:
أرى الناسَ لا يدرون ما قدَّ أمرهم ألا كل ذي لبٍّ إلى الله واسِلُ

أي متوسل. فالوسيلة هي التي يُتَوسَّل بها إلى المقصود(2).
واستنتج السيد الطباطبائي ممّا تقدَّم في معنى الوسيلة أنّها ليست إلاّ توصلاً واتصالاً معنوياً بما يوصل بين العبد وربّه ويربط هذا بذاك، ولا رابط يربط العبد بربّه إلاّ ذلّة العبودية، فالوسيلة هي التحقق بحقيقة العبودية وتوجيه وجه المسكنة والفقر إلى جنابه تعالى، فهذه هي الوسيلة الرابطة، وأمّا العلم والعمل فإنّما هما من لوزامها وأدواتها كما هو ظاهر، إلاّ أن يطلق العلم والعمل على نفس هذه الحالة.
وفي الترابط بين المفردات الثلاثة: «تقوى الله» و«ابتغاء الوسيلة» و«الجهاد في سبيله» الواردة في الآية عرض السيد الطباطبائي صورةً رائعة متماسكة، خلاصتها أنّ الاَمر بابتغاء الوسيلة بعد الاَمر بالتقوى، ثمَّ الاَمر بالجهاد في سبيل الله بعد الاَمر بابتغاء الوسيلة، هو من قبيل ذكرالخاص بعد العام اهتماماً بشأنه(3).
فابتغاء الوسيلة إذن وهو التماس ما يقرّب العبد إلى ربّه، أخص من التقوى العامة في اجتناب المعاصي والعمل بالطاعات.

(1) مجمع البيان 3 : 293.
(2) تفسير الرازي 6 : 225 ـ 226.
(3) الميزان 5 : 328.
الزيارة والتوسل 117

والموضع الثاني: في قوله تعالى: «أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً»(1).
والآية هنا في معرض الردِّ على أقوام يعبدون الملائكة، أو يؤلهون المسيح وعزيراً عليهما السلام ، فقالت الآية انّ أولئك الذين تدعونهم من ملائكة وأنبياء إنّما هم في أنفسهم يبتغون إلى ربِّهم الوسيلة ويرجون رحمته ويخافون عذابه(2).
والوسيلة هنا لم تخرج عن معناها الاَول، فهي التوصل والتقرّب. وربّما استعملت بمعنى ما به التوصّل والتقرّب، ولعلّه الاَنسب بالسياق(3).
ومن كل ما تقدّم يُعلَم أنّ التوسُّل إنّما هو اتخاذ الوسيلةالمقصود، ومعه يكون الاَنسب في معنى الوسيلة أنّها ما يتم به التوصّل والتقرّب.
هذا هو التوسُّل في معناه اللغوي الجامع.
أمّا التوسُّل إلى الله تعالى في معناه الاصطلاحي، فهو أن يتقرّب العبد إلى الله تعالى بشيء يكون وسيلة لاستجابة الدعاء ونيل المطلوب(4). وهو ما جاء به قوله تعالى: «وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرَوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّاباً رَحِيماً» فهم بعد استغفارهم يتّخذون من استغفار الرسول لهم وسيلة لنيل توبة الله عليهم ورحمته إيّاهم. وهذا توسُّل بدعاء الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في حياته.

(1) سورة الاِسراء: 17/57.
(2) انظر تفسير الرازي 10 : 233 ـ 234، والميزان 13 : 128.
(3) الميزان 13 : 130.
(4) انظر: التوسل/ جعفر السبحاني :18، معاونية التعليم والبحوث الاِسلامية، بدون تاريخ ورقم طبعة.
الزيارة والتوسل 118

ولم ينحصر أُسلوب التوسُّل المأمور به شرعاً، أو الآخر الذي أباحته الشريعة، بهذا اللون بل تعدَّدت أساليبه بتعدُّد الوسائل المعتمدة فيه، كما سيأتي في مبحث أقسام التوسُّل.
ومن هنا يمكن ملاحظة أكثر من مصطلح آخر قد يكون مرادفاً للتوسُّل بهذا المعنى، منها:
1 ـ الاستشفاع: أو التشفّع، وهو اتخاذ الشفيع إلى الله تعالى لاستجابة الدعاء ونيل القرب والرضا.
وقد كان الاستشفاع بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وبدعائه في حياته ثابت في سلوك المسلمين وثقافتهم، كما هو ثابت أيضاً بعد وفاته، والاِجماع قائم على تحقّق شفاعته صلى الله عليه وآله وسلم لاَمّته يوم القيامة.
والشفيع بمثابة الوسيلة في الدعاء وطلب القربى.
2 ـ الاستغاثة: وهي طلب الاِغاثة من المستغاث به، إلى المستغاث والمغيث وهو الله تعالى.
3 ـ التوجّه: وهو التوجّه إلى الله تعالى بما له وجه عنده.
4 ـ التجوّه: وهو مثل التوجّه، فهو سؤال الله تعالى بما له وجاهةٌ عنده.
فالوسيلة في التوسُّل، هو الشفيع في الاستشفاع، وهو المستغاث به في الاستغاثة، وهو المتوجَّهُ به في التوجّه، والمتجوّه به في التجوّه. ولا عبرة في اختلاف الاَلفاظ أو الاختلاف فيها، ما دام المعنى واحداً، وهو سؤال الله تعالى بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أو بغيره ممّا له عند الله تعالى منزلة مقطوع بها.

الزيارة والتوسل 119

الفصل الاَول
أقسام التوسُّل

التوسُّل في معناه واحد، لا يمكن تقسيمه من هذا الوجه، غير أنّه من حيث تعيين المتوسَّل به ـ أي الوسيلة ـ يتعدّد بتعدّد الوسائل، فليس كل شيء يصلُح أن يكون وسيلةً إلى الله تعالى، وإنّما هناك وسائل أمر الشارع ببعضها وشرّع البعض الآخر على نحو الاِباحة أو الاستحباب.
وأقسام التوسُّل بهذا الاعتبار هي:

(1) التوسُّل بالله تعالى:

الله تبارك وتعالى أقرب إلى المرء من نفسه، وأعلم به من نفسه، وأرحم به من كل شيء، فهو «الرّحْمنُ الرَّحِيْم» وهو «أرْحَمُ الرَّاحِمِيْن»فجازالتوسُّل به تعالى إليه لنيل رضاه، وهو في نهاية اليقين به تعالى والوثوق به والاعتماد عليه.
وقد جاء في دعاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم عند النوم: «اللّهم إنّي أعوذ برضاك من

الزيارة والتوسل 120

سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك»(1).
وفي هذا الباب يدخل كل دعاء يكون الله جلَّ جلاله هو المخاطب فيه، فقولك: «اللهم اغفر لي ذنبي»، «اللهم ارحمني»، «اللهم انّي أسألك رضاك» وغير ذلك إنّما هو توسُّل بالله تعالى لنيل المغفرة، والرحمة، والرضوان.
ومن مفاتح هذا الباب: قوله تعالى: «وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُم»(2).
وقوله تعالى: «وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَان»(3).
ـ وممّا يظهر فيه معنى التوسُّل من هذا القسم، الدعاء المأثور: « اللهم إنّي أعوذ بك من زوال نعمتك، ومن تحوّل عافيتك، ومن فجـأة عقوبتك، ومن جميع سخطك »(4).
ـ وكم هي جلية عظمة هذا القسم من التوسُّل، لما يتميّز به من درجات اليقين بالله والاِحساس الاَكبر بالقرب منه، كما نلمسه في دعاء الاِمام زين العابدين عليه السلام : «لا شفيع يشفع لي إليك، ولا خفير يؤمِنني عليك، ولا حصنٌ يحجبني عنك، ولا ملاذ ألجأ إليه منك.. ولا أستشهد على صيامي نهاراً، ولا أستجير بتهجّدي ليلاً... ولست أتوسَّل إليك بفضل نافلة مع كثير ما أغفلتُ من

(1) خرّجه الحافظ العراقي في ذيل ( إحياء علوم الدين ) عن النسائي في « اليوم والليلة » / 1444 من حديث علي (ع) ـ الغزالي/ إحياء علوم الدين 1 : 554.
(2) سورة غافر: 40/60.
(3) سورة البقرة: 2/186.
(4) صحيح مسلم /2739 من حديث ابن عمر. كذا خرّجه العراقي في ذيل (إحياء علوم الدين) 1 : 546.
الزيارة والتوسل 121

وظائف فروضك... هذا مقام من استحيا لنفسه منك»(1).
فهو عليه السلام يستبعد الشفعاء بينه وبين بارئه الذي إليه مآبه، وينحّي كل وسيلة، رغم إمكان الاستشفاع والتوسل، كما هو واضح في قوله: «ولست أتوسَّل إليك بفضل نافلة مع كثير ما أغفلتُ من وظائف فروضك» فهو لفرط استحيائه من خالقه يستحي أن يقدّم طاعاته وسيلة بين يدي دعائه خشية أن يكون قد فرّط في أداء شيء من وظائف الفروض.
إنّه يجعل الله تعالى هو شفيعه وهو وسيلته إلى القرب منه ونيل رضاه.
ـ ومن دعائه عليه السلام : «وأشبه الاَشياء بمشيّتك، وأولى الاَمور بك في عظمتك، رحمة من استرحمك، وغوث من استغاث بك»(2).
ـ وله عليه السلام أيضاً: «وياغوثَ كل مخذول فريد، ويا عضد كل محتاج طريد»(3).
ـ وقوله عليه السلام أيضاً: «وبك استغاثتي إن كَرِثْتُ»(4).
ـ وقوله عليه السلام : «واستجير بك اليوم من سخطك، فصلِّ على محمّدٍ وآله وأجرني»(5).
ـ وقوله الذي يحقّق هذه المعاني كلها: «فناديتك يا إلهي مستغيثاً بك، واثقاً بسرعة إجابتك، عالماً أنّه لا يُضطَهَدُ من آوى إلى ظلِّ كنفِك، ولا يفزع من لجأ إلى معقِل انتصارك»(6).

(1) الصحيفة السجّادية/ الدعاء 32.
(2) الصحيفة السجّادية/ الدعاء 10.
(3) الصحيفة السجّادية/ الدعاء 16.
(4) الصحيفة السجّادية/ الدعاء 20.
(5) الصحيفة السجّادية/ الدعاء 48.
(6) الصحيفة السجّادية/ الدعاء 49.
الزيارة والتوسل 122

(2) التوسُّل بأسماء الله الحسنى وصفاته جلّ جلاله

قال تعالى: «وَللهِِ الاََْسْماءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا»(1).
وهو أمر صريح بدعاء الله تعالى بأسمائه الحسنى، وغالباً ما يأتي الدعاء بالاَسماء الحسنى على صيغة التوسُّل والاستغاثة، وهو إذ يؤكّد أنّ الدعاء هو توسُّل واستغاثة بالله تعالى إليه ولنيل المطلوب لديه، يضيف أُسلوباً جديداً من أساليب التوسُّل والاستغاثة.. قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : «لله تسعة وتسعون اسماً، من دعا الله بها استجيب له»(2).
ـ وقد جاء في دعائه صلى الله عليه وآله وسلم : «يا حيُّ يا قيّوم، برحمتك أستغيث».
ـ وفي قوله صلى الله عليه وآله وسلم يعلّم ابنته فاطمة عليها السلام أن تقول: «يا حي يا قيّوم، يا بديع السماوات والاَرض، لا إله إلاّ أنت، برحمتك أستغيث، أصلح لي شأني كلَّه، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين، ولا إلى أحدٍ من خلقك»(3).
ـ ومن حديثه صلى الله عليه وآله وسلم : «ما أصاب عبداً قطّ همٌّ ولا حزن، فقال: اللهم إنّي عبدك وابن عبدك وابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماضٍ في حكمك، عدل في قضائك.. أسألك بكل اسم هو لك سمّيت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علّمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك: أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني وذهاب همّي وغمّي؛ إلاّ أذهب الله

(1) سورة الاَعراف: 7/180.
(2) الشيخ الصدوق/ التوحيد: 195/9.
(3) أخرجهما ابن تيمية في كتابه زيارة القبور والاستنجاد بالمقبور :47 ـ 48.
الزيارة والتوسل 123

همّه وغمّه، وأبدله مكانه فرحاً».
قالوا: يا رسول الله، أفلا نتعلّمها؟ يريدون هذه الكلمات.
قال: «ينبغي لمن سمعها أن يتعلّمها»(1).
ـ وأخرج الترمذي من حديث بريدة: أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سمع رجلاً يقول: (اللهم إنّي أسألك بأنّي أشهد أنّك أنت الله لا إله إلاّ أنت الاَحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد) فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : «لقد سألت الله باسمه الاَعظم الذي إذا دُعي به أجاب، وإذا سُئل به أعطى»(2).
ـ وأخرج الترمذي أيضاً من حديث أنس بن مالك أنّه كان جالساً مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ورجل يصلّي، فدعا الرجل: (اللهم إنّي أسألك بأنّ لك الحمد لا إله إلاّ أنت المنّان، بديع السماوات والاَرض، يا ذا الجلال والاِكرام، يا حيّ يا قيّوم) فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : «تدرون بمَ دعا الله؟ دعا الله باسمه الاَعظم الذي إذا دُعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى»(3).
ـ ومن حديث محجم بن الادرع، أخرجه الحاكم: دخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المسجد، فإذا هو برجل قد صلّى صلاته وهو يتشهَّد ويقول: اللَّهم إنِّي أسألك بالله الاَحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، أن تغفر لي ذنوبي، إنَّك أنت الغفور الرحيم. فقال صلى الله عليه وآله وسلم : «قد غُفر له، قد غُفر، قد غُفر له» قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي(4) .

(1) مسند أحمد 1/391، وابن تيمية/ المصدر السابق :48 ـ 49.
(2) الجامع الصحيح للترمذي 5 : 515/3475.
(3) المصدر السابق /3544.
(4) المستدرك 1 : 400/985.

السابق السابق الفهرس التالي التالي