الزيارة والتوسل 22

وأم سلمة. وحديث بريدة حديث حسن صحيح(1). ولكلام الترمذي تتمة تأتي في محلّها.
وفي قوله صلى الله عليه وآله وسلم : «أُذِن لمحمّدٍ في زيارة قبر أمّه» ثمَّ حثه على زيارة القبور، دليل صريح على جواز قصد قبر معين بالزيارة.
2 ـ أخرج الحاكم عن بريدة، قال: زار النبي صلى الله عليه وآله وسلم قبر أمّه في ألف مقنّع، فلم يُرَ باكياً أكثر من يومئذ(2).
قال الذهبي: صحيح على شرطهما ـ أي البخاري ومسلم ـ .
ومثله عن أبي هريرة: زار النبي صلى الله عليه وآله وسلم قبر أمّه فبكى وأبكى من حوله(3).
3 ـ من حديث طلحة بن عبيدالله، قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يريد قبور الشهداء حتى إذا أشرفنا على حرّة واقم، فلمّا تدلينا منها وإذا قبور ممحية، قلنا: يا رسول الله، أقبور إخواننا هذه؟ قال: «قبور أصحابنا» فلما جئنا قبور الشهداء، قال: «هذه قبور إخواننا».
الحديث رواه أبو داود في (السنن)(4)وفيه دلالة صريحة على الخروج بقصد زيارة قبور بعينها، لمنزلة اختصت بها، وليس لاَجل التذكير بالآخرة فقط، وإلاّ لكانت الزيارة لاَقرب المقابر في المدينة وافية بالغرض، أو لوقف صلى الله عليه وآله وسلم عند القبور الاَولى التي قال فيها «قبور أصحابنا»، والحديث كله صريح بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان قاصداً زيارة قبور الشهداء، وراء حرّة واقم، وهي في طرف

(1) سنن الترمذي 3 : 370/1054.
(2) المستدرك 1 : 531/1389.
(3) المستدرك 1 : 531/1390.
(4) سنن أبي داود 2 : 218/357 ـ كتاب المناسك ـ باب زيارة القبور.
الزيارة والتوسل 23

المدينة الشرقي.
وحرّة واقم هذه هي التي حصلت فيها وقعة الحرّة سنة 62هـ، بين أهل المدينة المنورة وكلهم من الصحابة وأبنائهم، وبين جيش الحاكم الفاجر يزيد بن معاوية.
4 ـ ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنّه كان يخرج مراراً إلى البقيع لزيارة قبور المؤمنين المدفونين هناك، أخرج مسلم من حديث عائشة، أنّها قالت: كلما كان ليلتها من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يخرج من آخر الليل إلى البقيع، فيقول: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين..» الحديث(1).
5 ـ أخرج ابن أبي شيبة: أنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يأتي قبور الشهداء بأُحد على رأس كل حول، فيقول: «السلام عليكم بما صبرتم، فَنِعْمَ عقبى الدار»(2).
6 ـ وفاطمة في حياة أبيها: ثبت في الصحيح عن فاطمة الزهراء البتول عليها السلام انّها كانت في حياة أبيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تخرج في كل جمعة لزيارة قبر عمها حمزة بن عبد المطلب، فتصلّي وتبكي عنده.
أخرجه البيهقي، والحاكم(3)، وقال الحاكم معقباً على الحديث: هذا الحديث رواته عن آخرهم ثقات، وقد استقصيت في الحث على زيارة القبور تحرياً للمشاركة في الترغيب، وليعلم الشحيح بذنبه أنها سنّة مسنونة، وصلى الله على محمد وآله أجمعين(4).

(1) صحيح مسلم 2 : 363/102 ـ كتاب الجنائز ـ ، وسنن ابن ماجة 1 : 485/1546.
(2) أخرجه الاَميني في الغدير 5 : 258 عن ابن عابدين في ردّ المختار على الدر المختار 1 : 604 ـ 605.
(3) السنن الكبرى للبيهقي 4 : 78، المستدرك على الصحيحين 1 : 533/1396.
(4) المستدرك على الصحيحين 1 : 533/1396.
الزيارة والتوسل 24

أهداف الزيارة:

ماذا يجد الزائر في سريرته وهو يزور القبور، أو يتوجه لزيارتها؟! ما هي الدوافع التي تحركه صوب هذا الفعل؟ وعلى نحوٍ أكثر تحديداً، هل عرّف التشريع شيئاً من الاَهداف التي يرجى تحققها من خلال زيارة القبور، أو زيارة قبر بعينه؟
هذا بدوره إن وجد سيكشف عن فضائل الزيارة وما يرتجى منها من ثمرات في دنيا المرء وأُخراه.
إنّ كل الاَهداف المتعلقة بالزيارة هي مستفادة بشكل مباشر من السنّة النبوية المطهرة، ومن ذلك يمكن أن نجمل هذه الاهداف بما يلي:
1 ـ الخشوع وتذكّر الموت والآخرة، وهذه أهداف لا غنى لمؤمن عنها، ومهما كان عليه أن يستحضرها في كثير من أوقاته، غير أنّ أشياء بعينها ذات أثر مباشر في استحضار هذه المعاني، ستكون لها أهميتها الكبيرة بحسب مقدار ما تحققه من ذلك.. ولا شك في أن الوقوف بين القبور بتأمّل، أو عند قبر خاص، له أكبر الاَثر في إحياء تلك المعاني في القلوب، وعلى نحو ربّما لا يضاهيه فيه فعل آخر، إلاّ تشييع جنازة ميت والوقوف عنده ساعة دفنه.
وفي تحقق هذه المعاني من وراء الزيارة جاء حديث نبوي كثير، منه:ـ قوله صلى الله عليه وآله وسلم : «إنّي نهيتكم عن زيارة القبور، فمن شاء أن يزور قبراً فليزره، فإنّه يُرقُّ القلب، ويُدمع العين، ويذكّر الآخرة.. ولا تقولوا هُجراً».
أخرجه أحمد والبيهقي، وصححه الحاكم والذهبي(1).

(1) مسند أحمد 4 : 119/13075، 140/13203، السنن الكبرى 4 : 77، المستدرك1 : 532/1393.
الزيارة والتوسل 25

ـ قوله صلى الله عليه وآله وسلم : «فزوروا القبور فإنّها تذكّر ـ أو تذكركم ـ الموت».
أخرجه مسلم وأحمد وابن ماجة وأبو داود والنسائي والحاكم وغيرهم(1).
ـ وقوله صلى الله عليه وآله وسلم : «زُر القبور تذكر بها الآخرة».
صححه الحاكم في المستدرك(2).
ـ وقوله صلى الله عليه وآله وسلم : «إنّي نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها فإن فيها عبرة».
أخرجه أحمد والبيهقي، وصحَّحه الحاكم والذهبي(3).
ـ قوله صلى الله عليه وآله وسلم : «كنتُ نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها فإنّها تزهّد في الدنيا، وتذكّر الآخرة».
أخرجه ابن ماجة(4).
2 ـ الدعاء للميت: هذا السلوك الاَخلاقي الرفيع، الذي يحفظ كرامة المسلم في مجتمعه حتى بعد موته، ويربّي في المسلمين روح الاخاء والحب والمودة وأداء حقوق الآخرين التي لا تنقطع برحيلهم من الدنيا، لهو واحد من الجوانب التربوية والاجتماعية الراقية التي تميز بها نظام الاَخلاق في الاِسلام.
ويشغل الدعاء للموتى عند زيارتهم المساحة الاَكبر في أدب الزيارة،

(1) صحيح مسلم 2 : 365/106 ـ كتاب الجنائز ـ ، مسند أحمد 3 : 186/9395، سنن ابن ماجة 1 : 501/1572، سنن أبي داود 3 : 218/3234، سنن النسائي 1 : 654/2161، المستدرك 1 : 531/1388.
(2) المستدرك 1 : 533/1395.
(3) مسند أحمد 3 : 427/10936، السنن الكبرى 4 : 77، المستدرك 1 : 530/1368.
(4) سنن ابن ماجة 1 : 492/1571.
الزيارة والتوسل 26

كما هو ملاحظ في النصوص المأثورة في زيارة القبور.
ـ فكثيراً ما كان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يقف عند قبور المسلمين فيقول: «السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنّا إن شاء الله بكم لاحقون» ويأمر أصحابه بذلك متى مرّوا بالقبور أو قصدوها بالزيارة(1).
ـ وقال صلى الله عليه وآله وسلم مؤكداً هذا المعنى: «نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها، واجعلوا زيارتكم لها صلاةً عليهم واستغفاراً لهم»(2).
ـ وكثيراً ما جمع صلى الله عليه وآله وسلم بين الهدفين: السلام على الميت، والعبرة، ومنه قوله المشهور والوجيز المذكور أولاً في هذه الفقرة: «السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنّا إن شاء الله بكم لاحقون».
ـ ومنه قوله صلى الله عليه وآله وسلم : «ألا فزوروا إخوانكم، وسلّموا عليهم، فإنّ فيها عبرة»(3).
ـ وفي المأثور عن أمير المؤمنين عليه السلام الجمع بين الغرضين، فقد كان عليه السلام إذا دخل المقبرة قال: «السلام عليكم يا أهل الديار الموحشة، والمحالّ المقفرة، من المؤمنين والمؤمنات.. اللّهم اغفر لنا ولهم، وتجاوز بعفوك عنّا وعنهم.. الحمد لله الذي جعل لنا الاَرض كفاتاً، أحياءً وأمواتاً، والحمد لله الذي منها خلقنا.. وإليها معادنا، وعليها يحشرنا.. طوبى لمن ذكر المعاد، وعمل

(1) انظر: صحيح مسلم /102 و103 ـ كتاب الجنائز ـ ، مسند أحمد /8661، سنن الترمذي 3 : 370/1053، سنن البيهقي 4:79.
(2) المعجم الكبير/ الطبراني 2 : 94/1419، مجمع الزوائد 3 : 58.
(3) مجمع الزوائد 3 : 58.
الزيارة والتوسل 27

الحسنات، وقنع بالكفاف، ورضي عن الله عزّوجلّ»(1).
3 ـ أداء حقوق الموتى: وهذا ما نلحظه بوضوح في فحوى الخطاب في الحديث النبوي الشريف الآنف الذكر: «ألا فزوروا إخوانكم، وسلّموا عليهم» ففيه إشارة في غاية الوضوح إلى أن لاخواننا الموتى حقوقاً علينا، ينبغي علينا أداؤها بزيارتهم والتسليم عليهم، ولمزيد من الترغيب في ذلك يذكّرنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأن ذلك سيعود علينا أيضاً بالنفع الكبير: «فإنّ فيها عبرة».
ولا شك في أنّ لبعض الموتى حقوقاً خاصةً على البعض، تتأكد معها الزيارة، وكلّما تعاظمت الحقوق أصبح لهذه الزيارة شأن أكبر ومرتبة أرفع.. ولا شك في أنّ للنبي صلى الله عليه وآله وسلم على أبناء أمّته أثبت الحقوق وأعظمها، الاَمر الذي يجعل قصد أحدهم زيارته صلى الله عليه وآله وسلم من القربات المهمّة في حياته.
وهذا ما أكّده حديث أهل البيت عليهم السلام في هذا الشأن:
فعن الاِمام الرضا عليه السلام : «إنّ لكلِّ إمام عهداً في عنق أوليائهم وشيعتهم، وإنّ من تمام الوفاء بالعهد وحسن الاَداء، زيارة قبورهم..» الحديث(2).
4 ـ قصد القربى والثواب: القربى والثواب، المترتبان قطعاً، مع خلوص النية وصحة الفعل، على الزيارة التي يؤدّيها المسلم تحت أي واحد من العناوين المتقدمة، قد يكون هو الآخر بنفسه غرضاً للزيارة وعنواناً لها، فيقصد المسلم التقرب إلى الله تعالى ونيل الثواب بزيارة قبور المؤمنين، أو قبر واحد بعينه. وذلك لما انطوت عليه الزيارة من فضائل ومستحبات لا تنفصل عنها.

(1) العقد الفريد 3 : 11، الغدير 5 : 249.
(2) تهذيب الاَحكام 6 : 78 ـ 79/3.
الزيارة والتوسل 28

فالزيارة وإن كانت بقصد القربى فإنّ مقاصدها الرئيسية الثلاثة متحققة فيها على أي حال؛ من العبرة، والدعاء للميت، وأداء حقّه.
أمّا زيارة قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم والاَنبياء والمرسلين والاَئمة الطاهرين فهي من القربات الاَكيدة، كما ستأتي في ذلك الاَحاديث الشريفة وكلمات الاَعلام من علماء المسلمين.
وفي (شفاء السقام) جعل الزيارة من حيث مقاصد الزائرين أربعة أقسام، فذكر الثلاثة الاَولى التي استفدناها نحن من الحديث الشريف مباشرةً، ثمَّ جعل الرابع: التبرك بأهلها إذا كانوا من أهل الصلاح والخير.. وقال: مقصودنا أنّ زيارة قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وغيره من الاَنبياء والمرسلين للتبرك بهم مشروعة، وقد صرّح به(1).

فضل الزيارة وعوائدها على الزائر والمَزور:

هكذا تعود الزيارة بفضائل جمّة على الفرد الزائر، وعلى المجتمع الذي تسود فيه هذه القربة، من خلال تحقيق فرصة لا غنى عنها في احياء القلوب بذكر الله تعالى، وبذكر الموت والآخرة، وعلى مستوى قد لا يحققه شيء آخر إلاّ نادراً.. وفي هذا المعنى جاء حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : «ما رأيت منظراً إلاّ والقبر أفظع منه»(2).
وتحقق، من ناحية أخرى، روح احترام حقوق المؤمنين، بعضهم لبعض،

(1) شفاء السقام 86 ـ 87.
(2) المستدرك على الصحيحين 1: 526/1373.
الزيارة والتوسل 29

أحياءً وأمواتاً، وأدائها. ولهذا ما لا يخفى من الآثار الايجابية على الفرد والمجتمع.
ومن ناحية ثالثة فإنّ زيارة الاَنبياء والاَئمة والصالحين تزيد وتعمّق أواصر الارتباط بهم، وتجدد في النفوس روح الاقتداء بهم، وإحياء آثارهم الجليلة على الانسانية، وأعمالهم الصالحة، ومكارم أخلاقهم.. وقد لا ينهض أي عمل آخر بما تنهض به الزيارة من تقوية شعور الزائر بقربه من المزور، وما يوفره ذلك من مقدمات الاقتداء التام، وإحياء الذكر على الدوام .
ومن ناحية رابعة فإنّ تعهد أضرحة الانبياء والصالحين بالزيارة سيضمن الاعتناء بهذه الاَضرحة وعمارتها، وبالاِضافة إلى ما يحققه ذلك من ذكرى في القلوب، فإنّه يعد علامة واضحة على حياة الاَمّة وعمق اتصالها بقادتها الذين بذلوا حياتهم في صناعة مجدها وماضيها، وهذه من المعالم الحضارية المهمة التي تعنى بها سائر الاَمم.
هذا غير الثواب الجزيل الذي يعود على الزائر من زيارته التي يرعى فيها السنن والآداب التي وضعها الاِسلام لهذه القربة:
عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: «مَنْ مرَّ على المقابر فقرأ قل هو الله أحد إحدى عشر مرّة، ثمَّ وهب أجرها للاَموات، أُعطي من الاَجر بعدد الاَموات»(1).
وعنه صلى الله عليه وآله وسلم : «مَنْ زار قبر أبويه أو أحدهما كلَّ جمعةٍ غُفِر له»(2).
وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن البصري أنّه قال: من دخل المقابر، فقال: «اللهم ربّ هذه الاَجساد البالية، والعظام النخرة التي خرجت من الدنيا وهي بك

(1) كنز العمال /42596 رواه الدارقطني، إتحاف السادة المتقين 10 : 371.
(2) مجمع الزوائد 3 : 59، كنز العمال /45486، 45487.
الزيارة والتوسل 30

مؤمنة، أدخل بها رَوحاً من عندك وسلاماً منّي» استغفر له كل مؤمن مات منذ خلق الله آدم.
وعن ابن أبي الدنيا أنّه من قال ذلك كُتب له بعدد من مات من ولد آدم إلى أن تقوم الساعة حسنات(1).
هذه بإيجاز صورة عن فضائل الزيارة وعوائدها على الزائر، وسيأتي لاحقاً حديث كثير في فضل زيارة النبي صلى الله عليه وآله وسلم والاَئمة الاَطهار، والتي من أبرزها نيل شفاعتهم يوم القيامة.. وأكبِر بها من عائدة.
أمّا عوائد الزيارة على الاَموات فهي من أهم ما أوصت به الشريعة أداءً لحقّهم، لما ينالهم منها من فضل وبركات. وقد تقدم حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يأمر أصحابه بزيارة قبور إخوانهم وأن يجعلوا زيارتهم دعاءً للاَموات واستغفاراً لهم، وقد كان هو صلى الله عليه وآله وسلم يفعل ذلك.
وفي حديث أنس بن مالك: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : «من دخل المقابر وقرأ سورة يس خفّف الله عنهم يومئذٍ العذاب، ورفعه».
وعن أنس أيضاً أنّه سأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا رسول الله إنّا نتصدّق عن موتانا، ونحجّ عنهم، وندعو لهم، فهل يصل ذلك إليهم؟ فقال: «نعم، لَيَصِل ذلك إليهم، ويفرحون به كما يفرح أحدكم بالطبق إذا أهدي إليه»(2).
ومن حديث عثمان بن عفان: مرَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بجنازة عند قبر وصاحبه يدفن، فقال صلى الله عليه وآله وسلم : «استغفروا لاَخيكم وسلوا الله له التثبيت، فإنّه الآن يُسأل»

(1) الغدير 5 : 257.
(2) أخرجها الاَميني في الغدير 5 : 257 عن مراقي الفلاح :121.
الزيارة والتوسل 31

صحّحه الحاكم والذهبي(1).
والحديث في هذا الشأن كثير وكثير، وهو يعطف بنا على موضوع مهم، موضوع ليس فيه خلاف بين أهل الاَديان قاطبة، ألا وهو موضوع الحياة بعد الموت، وما اصطلح عليه بالبرزخ.
والذي عليه اتفاق كلمة المسلمين أنّ الروح في البرزخ تعيش نصيبها من الآخرة، إمّا في نعيم، وإمّا في شقاء، وذلك منذ المساءلة بعد الموت، وحتى يوم البعث والنشور.
وقد تحدّث القرآن الكريم عن حقيقة حياة الشهداء بعد موتهم، فقال: «ولا تحسبنَّ الذين قُتِلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياءٌ عند ربِّهم يُرزقون * فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألاّ خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون»(2).
وقال تعالى: «ولا تقولوا لمَنْ يُقتَل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون»(3).
والنبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «ما من أحد منكم يُسلّم عليَّ إلاّ ردَّ الله عليَّ روحي حتى أردَّ عليه السلام»(4).
وليس الاَمر خاصّاً بالاَنبياء والشهداء، فالاَرواح من حيث هي أرواح سواء في ما تتعرض له من أسباب البقاء، والاَخبار متواترة في تعرضها للنعيم أو الشقاء

(1) المستدرك على الصحيحين 1 : 526/1372.
(2) سورة آل عمران: 3/169 ـ 170.
(3) سورة البقرة: 2/154.
(4) مسند أحمد 2 : 527، السنن الكبرى للبيهقي 5 : 245.
الزيارة والتوسل 32

بعد الموت، تأنس إذا ذكرت بخير، ويعود عليها ما يهدى إليها من الاَعمال الصالحة بالنفع والبركة ـ والحديث في هذا كثير وكثير ـ نذكر غير ما تقدّم:
ـ قوله صلى الله عليه وآله وسلم : «ما مِنْ رجل يزور قبر أخيه ويجلس عنده إلاّ استأنس به»(1).
ـ وقوله صلى الله عليه وآله وسلم : «ما مِنْ أحد يمرُّ بقبر أخيه المؤمن كان يعرفه في الدنيا فيسلّم عليها إلاّ عرفه وردّ عليه السلام»(2).
ـ وعنه صلى الله عليه وآله وسلم وقد جاءه رجل فسأله: إنّ أبي مات وعليه حجة الاِسلام، أفأحجُّ عنه؟
قال صلى الله عليه وآله وسلم : «أرأيت لو أنّ أباك ترك دَيناً عليه، أقضيته عنه؟» قال: نعم. قال: «فاحجج عن أبيك»(3).
هكذا ينتفع موتانا بدعائنا واستغفارنا لهم، وما نهديه إليهم من ثواب الاَعمال الصالحة، ويستأنسون بالتسليم عليهم، وبقراءة القرآن عندهم، فما أحرى أن نذكرهم بذلك كله، ونحن المحتاجون إلى مثله في غد، ولا ندري لعله منّا قريب، ومهما بعُد عنّا فإنّنا سائرون إليه وإنّه لبالغنا، وإنّا لله وإنّا إليه راجعون.

(1) إتحاف السادة المتقين 10 : 365، كنز العمال /42601.
(2) إتحاف السادة المتقين 10 : 365، الحاوي للفتاوي/ السيوطي 2 : 302.
(3) سنن الدارقطني 2 : 260، السنن الكبرى/ البيهقي 4 : 256.
الزيارة والتوسل 33

الفصل الثاني
زيارة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وأهل البيت عليهم السلام في
الحديث الشريف

زيارة قبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم

إذا كان في زيارة الميِّت من تجديد العهد معه والاِحساس بالقرب منه ما لا يخفى من الاَثر، وإذا كان في زيارة العظماء إحياءً لروح التأسِّي والاقتداء.. فإنّ ذلك كلُّه أولى أن يكون مع سيِّد البشر وخاتم الاَنبياء صلى الله عليه وآله وسلم والاَئمة الهداة من أهل بيته الذين أمر بحبِّهم والاقتداء بهم..
وإذا كان في زيارة القبور عائدة ثوابٍ على الزائر، فإنّها في زيارة النبي وآله أكبر وأكبر.
وفي كلِّ هذه الاَبعاد جاء عنه صلى الله عليه وآله وسلم وعنهم عليهم السلام حديث كثير، يعلِّمون الاَمّة فيه شيئاً من آداب الاِسلام ومن مفاتح أبواب الخير.
وربَّما وقع الكلام في أسانيد بعض هذه الاَحاديث، ممّا اضطرنا إلى الاِطالة

الزيارة والتوسل 34

نسبياً في مناقشة أسانيد وطرق ما اعتمدناه هنا، حتى إذا حقَّقنا القدر الكافي من الدلالة على صحّة الاحتجاج بهذه الاَحاديث، مِلنا إلى الاختصار والتركيز.
ونبدأ هنا بما ورد عنه صلى الله عليه وآله وسلم في زيارة قبره الشريف:

الحديث الاَول:

قال صلى الله عليه وآله وسلم : «من زار قبري وجبت له شفاعتي»(1).
والكلام أولاً في سند الحديث:
قال الدارقطني: حدّثنا القاضي المحاملي، ثنا عبيد بن محمد الوراق، ثنا موسى بن هلال العبدي، عن عبيدالله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : الحديث..
وهذا الاِسناد صحيح، رجاله ثقات، بلا خلاف، وإنّما وقع الكلام في عبيدالله بن عمر، وهو ثقة أيضاً، غير أنّ بعضهم رواه عن عبدالله، أخي عبيدالله، وهو دون أخيه(2)، وبهذا تمسّك من ذهب إلى تضعيف الحديث.
غير أنّ الثابت في جميع نسخ سنن الدارقطني «عبيدالله» مصغّراً، وهكذا رواه الدارقطني في غير السنن أيضاً، وكذلك أورده أبو اليمن زيد ابن الحسن في كتابه ( إتحاف الزائر وإطراف المقيم المسافر في زيارة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ). وهكذا

(1) سنن الدارقطني 2 : 278/194، السنن الكبرى/ البيهقي 5 : 245، شعب الاِيمان/ البيهقي 3 : 49، الاَحكام السلطانية/ الماوردي: 109، نيل الاَوطار/ الشوكاني 5: 108.
(2) هو عبد الله بن عمر بن حفص، بن عاصم بن عمر بن الخطاب، أبو عبد الرحمن العمري، خرج مع محمد ذي النفس الزكية بن عبد الله بن الحسن المثنى في ثورته على المنصور، فحبسه المنصورأخرجه عنه، توفي سنة 171 وقبل 173هـ. ويأتي الكلام في أقوال أهل الجرح والتعديل فيه لاحقاً.. تهذيب التهذيب 5 : 285 ـ 286.
الزيارة والتوسل 35

رواه أيضاً الحافظ أبو الحسين القرشي في كتابه (الدلائل المبينة في فضائل المدينة). وهكذا أيضاً رواه الخلعيّ عن الدارقطني، وأورده ابن عساكر عن الخلعيّ، كلهم يذكرون «عبيدالله» مصغّراً. فاتفقت الرواية بهذا الاسناد عن «عبيدالله»(1).
وهكذا في رواية البيهقي بإسناده الذي يلتقي مع إسناد الدارقطني في عبيد بن محمد الوراق، وفيه «عبيدالله» المصغّر(2).
وعبيدالله هو عبيدالله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، من صغار التابعين، ولد بعد سنة 70 هـ ، سمع الحديث من سالم بن عبدالله بن عمر، والقاسم بن محمد بن أبي بكر، ونافع مولى عمر، وكان ملازماً له، وقد سئل أحمد ابن حنبل عن مالك بن أنس، وأيوب السختياني، وعبيدالله بن عمر، أيّهم أثبت في نافع؟ قال: عبيدالله أثبتهم وأحفظهم وأكثرهم رواية(3).
وقد ورد الحديث بنحو هذا اللفظ عن عبدالله بن عمر بن الخطاب من طريق آخر، أخرجه البزار في مسنده، قال: حدَّثنا قتيبة، ثنا عبدالله بن إبراهيم الغفاري، ثنا عبدالرحمن بن زيد، عن أبيه، عن ابن عمر، قال، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : «من زار قبري حلّت له شفاعتي».
قال الهيثمي: وفيه عبدالله بن إبراهيم الغفاري، وهو ضعيف(4).
والغريب من الحافظ ابن كثير وهو يتصدى لجمع المسانيد والسنن أنه لا

(1) انظر: شفاء السقام/السبكي :2 ـ الطبعة الثانية/حيدر آباد الدكن ـ 1402/1982.
(2) شعب الاِيمان/البيهقي 3 : 490.
(3) سير أعلام النبلاء 6 : 304 ـ 305.
(4) مجمع الزوائد 4 : 2.
الزيارة والتوسل 36

يروي هذا الحديث في مسند ابن عمر إلاّ من هذا الطريق، طريق عبدالله بن إبراهيم الغفاري، ويترك الطريق الذي اعتمده الدارقطني، والآخر الذي اعتمده البيهقي(1)، أما محقق كتاب ابن كثير، هذا، فلم يزد على أن أورد تعليقة الهيثمي في تضعيف الغفاري، دون أن يذكر طريقاً آخر للحديث(2).
وأما صاحب (موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف) فقد أخرج الحديث بلفظه عن سنن الدارقطني، و(الكنى والاسماء) للدولابي، و(مجمع الزوائد) للهيثمي، و(تلخيص الحبير) لابن حجر، و(الدر المنثور) للسيوطي، و(إتحاف السادة المتقين) للزبيدي، و(كنز العمال) للمتقي الهندي، و(تذكرة الموضوعات) للفتني، و(الدرر المُنتثرة في الاَحاديث المشتهرة) للسيوطي، و(الكامل في الضعفاء) لابن عدي(3). ولم يشر إلى رواية البيهقي في (السنن الكبرى) ولا في (شعب الاِيمان) المؤيدة لرواية الدارقطني، وهما من مصادر كتابه(4).
الحديث بلفظ آخر


وقد جاء بإسناد آخر، وبلفظ مقارب جداً للاَول، وفيه «عبيدالله» المصغر أيضاً:
قال السبكي: ورواه عن موسى بن هلال جماعة، منهم: جعفر بن محمد البزوري:
قال العقيلي في كتابه: ثنا محمد بن عبدالله الحضرمي، ثنا جعفر بن محمد

(1) انظر: جامع المسانيد والسنن 28 : 130/244.
(2) جامع المسانيد والسنن 28 : 130.
(3) موسوعة أطراف الحديث 8 : 286.
(4) انظر: المصدر نفسه 1 : 21 رقم 145 و 146.
الزيارة والتوسل 37

البزوري، ثنا موسى بن هلال البصري، عن عبيدالله، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : «من زار قبري فقد وجبت له شفاعتي» قال السبكي: هكذا رأيته في نسخة «عبيدالله»(1).
غير أنّ الطبعة المحقَّقة من كتاب العقيلي (الضعفاء الكبير) قد جاء فيها «عبدالله» مكبّراً، دون أن يشار إلى النسخة التي فيها «عبيدالله»(2).
وقد روى بعضهم هذا النصّ عن «عبدالله»، وفيها: «محمد بن إسماعيل بن سَمُرة الاَحمسي، ثنا موسى بن هلال العبدي، عن عبدالله ابن عمر» بالتكبير، فردّه جماعة، منهم الحافظ يحيى بن علي القرشي، وذكر أن الصواب «عبيدالله». ومنهم: الحافظ ابن عساكر، قال:المحفوظ عن ابن سَمُرة «عبيدالله»(3).
ويشهد لذلك كله رواية مسلمة الجهني عن عبيدالله العمري «المصغّر»:
أخرج الطبراني عن مسلمة بن سالم الجهني:حدّثني عبيدالله بن عمر، عن نافع، عن سالم، عن ابن عمر، قال، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :«من جاءني زائراً، لا تُعمله حاجة إلاّ زيارتي، كان حقّاً عليّ أن أكون له شفيعاً يوم القيامة»(4).
وذكره آخرون بهذا الاِسناد، منهم:يحيى بن علي القرشي، عن الخلعيّ. وصححه سعيد بن السكن(5). وحديث مسلمة الجهني أخرجه ابن كثير وذكر فيه «عبدالله» بدل عبيد الله(6).

(1) شفاء السقام:6.
(2) الضعفاء الكبير 4 : 170 ترجمة موسى بن هلال، وشفاء السقام ـ الطبعة الرابعة (محققة) :70.
(3) شفاء السقام :8.
(4) المعجم الكبير/ الطبراني 12 : 255/13149.
(5) انظر:شفاء السقام :16 ـ 20 الحديث الثالث.
(6) جامع المسانيد والسنن 28 : 259/513.

السابق السابق الفهرس التالي التالي