موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الاول 247

الصورة الأولى:

ما روي عن الإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام):
أخرج ابن سعد في طبقاته قال: « أخبرنا حفص بن عمر الحوضي عن عمر بن الفضل العبدي عن نعيم بن يزيد عن عليّ بن أبي طالب انّ رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) لمّا ثقل قال: (يا عليّ إئتني بطبق أكتب فيه ما لا تضل أمتي بعدي) ، قال: فخشيت أن تسبقني نفسه ، فقلت: إنّي أحفظ ذراعاً من الصحيفة.
قال: فكان رأسه بين ذراعي وعضدي ، فجعل يوصي بالصلاة والزكاة وما ملكت أيمانكم.
قال: كذلك حتى فاضت نفسه ، وأمر بشهادة أن لا اله إلاّ الله وأنّ محمّداً عبده ورسوله حتى فاضت نفسه ، من شهد بهما حُرّم على النار » (1).
أقول: أخرج هذه الصورة أحمد في مسنده: « عن بكر بن عيسى الراسبي عن عمر بن الفضل وإلى قوله: وما ملكت أيمانكم » (2). ورواها البخاري في الأدب المفرد(3). وهذه الصورة كما تراها مهلهلة الجوانب ، تخفق فيها رياح الأهواء ، فرسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) يأمر عليّاً باحضار طبق ليكتب فيه ما لا تضل أمته بعده ، وعليّ (عليه السلام) لا يمتثل خشية أن تسبقه نفس النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)؟! وجعل رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) يوصي بالصلاة والزكاة وما ملكت أيمانكم ، حتى فاضت نفسه؟!

(1) طبقات ابن سعد 2 ق 2/36.
(2) مسند أحمد 1/90.
(3) الأدب المفرد /9.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الاول 248

وأمر بشهادة أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمّداً عبده ورسوله حتى فاضت نفسه؟(1)
أيّ نفس هذه بعد أن سبق وأن فاضت نفسه أوّل مرّة - كما مرّ - فهل عادت إليه ثانياً فجعل يأمر بالشهادتين حتى فاضت نفسه ثانياً؟!
الجواب عن ذلك عند الرواة. غير إني أنبّه القارئ إلى أنّ مارواه الإمام (عليه السلام) ليس هذا ، بل هو عين ما رواه عبد الله بن عباس كما صرّح بذلك الحسن البصري وهو من سادة التابعين فأقرأ ما يأتي:


الصورة الثانية:

أخرج أبو محمّد عبد السلام بن محمّد الخوارزمي في كتابه سير الصحابة والزهّاد والعلماء العبّاد فقال: « حدّثني محمّد بن عليّ قال سمعت أبا أسحاق يزيد الفراء عن الصّباح المزني عن أبان بن أبي عياش قال سمعت الحسن بن أبي الحسن قال: سمعت عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) - ثمّ سمعته بعينه من عبد الله بن عباس بالبصرة وهو عامل عليها ، فكأنّما ينطقان بفم واحد ، وكأنّما يقرآنه من نسخة واحدة ، والّذي عقلته قول ابن عباس ، والمعنى واحد غير أنّ حديث ابن عباس أحفظه - قال: سمعته يقول: إنّ رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال في مرضه الّذي قبض فيه: (إيتوني بكتف أكتب لكم كتاباً لا تضلون بعدي أبداً) ، فقام بعضهم ليأتي به ، فمنعه رجل من قريش(؟) وقال: إنّ رسول الله يهجر.

(1) أخرجه المتقي الهندي في منتخب كنز العمال بهامش مسند أحمد 3/114.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الاول 249

فسمعه رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) فغضب وقال: (إنّكم تختلفون وأنا حيّ! قد أعلمت أهل بيتي بما أخبرني به جبرئيل عن ربّ العالمين ، إنّكم ستعملون بهم من بعدي ، وأوصيتهم كما أوصاني ربّي ، فأصبُر صبراً جميلاً) » .
فبكى ابن عباس حتى بلّ لحيته. ثمّ قال: « لولا مقالته لكتب لنا كتاباً لم تختلف أمته بعده ولم تفترق... اهـ » (1).


الصورة الثالثة:

ما روي عن عمر بن الخطاب:
أخرج ابن سعد في طبقاته قال: « أخبرنا محمّد بن عمر حدّثني هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر بن الخطاب قال: كنا عند النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وبينـنا وبـين النساء حجاب ، فقال رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (أغسلوني بسبع قِرب ، وائتوني بصحيفة ودواة أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده أبداً).
فقال النسوة: إئتوا رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) بحاجته. قال عمر: فقلت: اسكتنّ فإنكنّ صواحبه ،إذا مرض عصرتنّ أعينكم ، وإذا صحّ أخذتنّ بعنقه ، فقال رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (هنّ خير منكم) » (2).
وأخرجه عنه المتقي الهندي في منتخب كنز العمال المطبوع بهامش مسند أحمد عن ابن أبي شيبة بتفاوت يسير(3).

(1) قال كاتب جلبي في كشف الظنون 2/1013 ط المعارف التركية سير الصحابة والزهاد والعلماء العبّاد ، لأبي محمّد عبد السلام بن محمّد الخوارزمي الأندرسقاني المتوفى سنة... أخذه من مائة مجلد ، ووردت ترجمته في هدية العارفين 1/569. (أقول) وطريقنا إليه (غاية المرام في حجة الخصام عن طريق الخاص والعام) للسيد هاشم البحراني طبعة حجرية سنة 1272 هـ والحديث المشار إليه أعلاه في ص 598.
(2) طبقات ابن سعد 2 ق 2/37.
(3) كنز العمال المطبوع بهامش مسند أحمد 2/173 ، و 3/114.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الاول 250

الصورة الرابعة:

ما روي عن عمر بن الخطاب ، وهي تقرب من الثالثة إلاّ أنّها أتم ولفظها كما يلي:
أخرج النسائي في السنن الكبرى والهيثمي في مجمع الزوائد قال: « وعن عمر بن الخطاب قال: لمّا مرض النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: (ادعوا لي - ائتوني - بصحيفة ودواة أكتب لكم كتاباً لا تضلون بعدي) ، فكرهنا ذلك أشد الكراهية ثمّ قال: (ادعوا لي بصحيفة أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده أبداً) ، فقال النسوة من وراء الستر: ألا تسمعون ما يقول رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) فقلت: إنّكنّ صواحبات (صواحب) يوسف إذا مرض رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) عصرتنّ أعينكنّ ، وإذا صحّ ركبتنّ عنقه ، فقال رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (دعوهنّ فإنّهنّ خير منكم) » (1).
قال الهيثمي: رواه الطبراني في الأوسط وفيه محمّد بن جعفر بن إبراهيم الجعفري ، قال العقيلي: في حديثه نظر ، وبقية رجاله وثقوا وفي بعضهم خلاف...أهـ.
أقول: لا يهمني قول العقيلي في محمّد بن جعفر بن إبراهيم الجعفري - وهذا منتظر منه في الرجل وأمثاله - ما دام الحديث رواه أصحاب الصحاح ومنهم البخاري ، ولا كلام للعقيلي في رجاله.
لكن الّذي يهمّني تنبيه القارئ على ما مرّ في الصورة الثالثة من حذف قول عمر: « فكرهنا ذلك أشدّ الكراهية » لماذا كرهوا ذلك أشدّ الكراهية؟

(1) السنن الكبرى 3/433 ط العلمية ، ومجمع الزوائد 9/34.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الاول 251

والجواب: سيأتيك بالأخبار من لم تزوّد. فانتظر ما سوف يأتي من تعقيب على الصور والأسانيد من أقوال علماء التبرير ، فستجد هناك من التحوير والتزوير ، وعجائب بل وغرائب من التفكير والتصوير.
ثمّ إنّ قول النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (أدعوا لي بصحيفة أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده أبداً). فقال النسوة... قد حذف وهذا يكشف عن التواطؤ العملي بين الرواة على تعمية الصورة ، بكلّ ما أمكنهم من حول وطول.
فقد حذفوا دعوة النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ثانياً بإحضار الصحيفة ، ممّا يدل على تصميم النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) على تنفيذ أمره ، كما يدل على إصرار المعارضة على رفضه. وسيأتي في حديث جابر ما يدل عليه.
وقد شوّشوا على تدخل العنصر النسوي في تلك المعركة الكلامية الحادّة بعد دعوة النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ثانية لهم باحضار الكتاب. ممّا يدل على مدى الصخب والجدال حتى كانت المرأة كالرجل في ذلك اليوم. وسيأتي مزيد إيضاح عن ذلك في حديث طاووس عن ابن عباس (الصورة 14 ، 15) وحديث عكرمة عن ابن عباس (الصورة 17).


الصورة الخامسة:

ما روي عن جابر بن عبد الله الأنصاري:
أخرج ابن سعد في الطبقات بسنده عن محمّد بن عبد الأنصاري عن قرّة بن خالد عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: « لمّا كان في مرض رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) الّذي توفي فيه دعا بصحيفة ليكتب فيها لأمته كتاباً لا يَضِلـّون

موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الاول 252

ولا يُضِلـّون ، قال: فكان في البيت لغط وكلام وتكلم عمر بن الخطاب. قال: فرفضه النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) » (1).
وبهذا النص ورد في نهاية الإرب للنويري(2) ، ورواه البيهقي في سننه باب كتابة العلم في الصحف وبتره عند قوله: وتكلم عمر فتركه(3).
وأخرج ابن سعد أيضاً بسنده عن محمّد بن عمر عن إبراهيم بن يزيد عن أبي الزبير عن جابر قال: « دعا النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عند موته بصحيفة ليكتب فيها كتاباً لأمته لا يَضِلوا ولا يُضلَـَوا فلغطوا عنده حتى رفضها النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) » (4).
أقول: وأخرج هاتين الروايتين الهيثمي في مجمع الزوائد إلاّ أنّه قال في آخر الأولى: « فرفضها رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم). وقال: رواه أبو يعلى. وعنده في رواية: يكتب فيها كتاباً لأمته قال: لا يَظلمون ولا يُظلمون. ثمّ قال: ورجال الجميع رجال الصحيح » (5) ، ثمّ أخرجها ثانياً وقال: « رواه أحمد وفيه ابن لهيعة وفيه خلاف » (6).
أقول: وسند أحمدكما في مسنده عن موسى بن داود عن ابن لهيعة عن أبي الزبير عن جابر(7) ، ونحن لا يهمنا الخلاف في ابن لهيعة بعد ما مرّ عن ابن سعد بإسنادين ليس فيهما ابن لهيعة ويأتي عن ابن حبّان كذلك ، لكن الّذي يهمّـنا هو التحريف عنده في آخر الرواية الأولى!

(1) طبقات ابن سعد 2 ق 2/36.
(2) نهاية الإرب 18/375.
(3) سنن البيهقي 3/435 ط بيروت سنة 1411.
(4) طبقات ابن سعد 2 ق 2/37.
(5) مجمع الزوائد 4/214.
(6) نفس المصدر 9/33.
(7) مسند أحمد 1/324.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الاول 253

فعن ابن سعد والنويري: « وتكلم عمر بن الخطاب فرفضه النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) » ، بينما في روايته الثانية: « فتكلم عمر بن الخطاب ، فرفضها رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) » ، وفي تغيير الضمير في الرفض ما يستحق التأمل فيه.
أمّا عن ابن لهيعة فليس يهمنا فعلاً الدفاع عنه بعد ما روي الحديث بأسانيد ليس فيها ابن لهيعة كما مرّ عن ابن سعد ، ورواه أيضاً ابن حبّان في كتابه الثقات بسند ليس فيه ابن لهيعة ، فقد روى عن إبراهيم بن خريم عن عبد بن حميد عن عثمان بن عمر عن قرة بن خالد السدوسي عن أبي الزبير عن جابر: « انّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) دعا بصحيفة عند موته فكتب لهم فيها شيئاً لا يَضلـّون ولا يُضلون ، وكان في البيت لغط ، وتكلم عمر فرفضها... ا هـ » (1).
وبالمقارنة بين رواية ابن حبّان وما سبقها ، يدرك القارئ مدى التحريف المتعمد كما هو عند الهيثمي ، إلاّ أنّ الجديد في رواية ابن حبّان هي قوله: (فكتب لهم فيها شيئاً...) ، فما هو الشيء الّذي كتب لهم؟ ثمّ لماذا كان اللغط؟ وممّن كان؟ وأخيراً لماذا تكلم عمر؟ ثمّ من ذا رفضها؟ أهو عمر؟ أم النبيّ؟
كلّ هذا يجد القارئ الإجابة عليه في قول عمر لابن عباس: « أراده - يعني عليّاً - للأمر فمنعت من ذلك » ، وقوله الآخر وقد مرّ: « فكرهنا ذلك أشد كراهية » (راجع الصورة 4).
ولم يكن ما تقدم من اختلاف في صورة حديث جابر مقتصراً على ما مرّ ، بل له صورة أخرى أخرجها البلاذري في جمل أنساب الأشراف من حديث

(1) الثقات 4/212 ط دار الكتب العلمية.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الاول 254

جابر ، فقال: « حدّثني روح ثنا الحجاج بن نصير عن قرة بن خالد عن أبي الزبير عن جابر أنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) دعا بصحيفة أراد أن يكتب فيها كتاباً لأمته فكان في البيت لغط فرفضها » (1).
والآن وقد انتهينا من عرض خمس صور للحديث بروايتها عن الإمام أمير المؤمنين وعن الخليفة عمر وعن جابر بن عبد الله ، فلنعد نقرأ باقي الصور بكلّ أشكالها واختلاف رجالها برواياتهم عن ابن عباس.

(1) أنساب الأشراف 2/236.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الاول 255

ولإيضــاح العــرض ، ووضـــوح المقــارنة بين الصـور ، نقدّم جدولاً يتضمن أسماء الرواة عن ابن عباس ومن روى عنهم حتى آخر المصادر الّتي ذكرت الحديث ، ليعرف القارئ مدى التلاعب في هذا المضمار:

موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الاول 256 - 261


موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الاول 262

الصورة السادسة:

ما رواه عليّ بن عبد الله بن عباس عن أبيه:
قال: « لمّا حضرت رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) الوفاة وفي البيت رجال منهم عمر بن الخطاب ، قال: قال رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (إيتوني بدواة وصحيفة أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده) ، فقال عمر: كلمة معناها إنّ الوجع قد غلب على رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) ، ثمّ قال: عندنا القرآن ، حسبنا كتاب الله ، فاختلف مَن في البيت وأختصموا ، فمن قائل يقول القول ما قال رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) ومن قائل يقول: القول ما قال عمر ، فلمّا كثر اللغَط َواللغو والاختلاف ، غضب رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) فقال: (قوموا إنّه لا ينبغي لنبيّ أن يختلف عنده هكذا) ، فقاموا. فمات رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) في ذلك اليوم.
فكان ابن عباس يقول: الرزية كلّ الرزية ما حال بيننا وبين كتاب رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) » يعني الاختلاف واللغط.
أخرج هذه الصورة أبو بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري في كتابه (السقيفة) عن الحسن بن الربيع عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عليّ ابن عبد الله بن العباس. ورواها عن كتاب الجوهري ابن أبي الحديد في شرح النهج.
ثمّ قال ابن أبي الحديد: « قلت: هذا الحديث قد خرّجه الشيخان محمّد بن إسماعيل البخاري ومسلم بن الحجاج القشيري في صحيحهما ، واتفق المحدثون كافة على روايته » (1).

(1) شرح النهج لابن أبي الحديد 6/51 ط دار احياء الكتب العربية ، تحقيق محمّد أبو الفضل إبراهيم.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الاول 263

أقول: كلام ابن أبي الحديد في هذا المقام تعوزه الدقة. فإن هذه الصورة من الحديث سنداً ومتناً لم ترد في الصحيحين ، ولم يتفق المحدّثون كافةً على روايتها بألفاظها. نعم اتفق المحدثون كافة على رواية مضمونها بألفاظ متفاوتة وأسانيد مختلفة ، كما سنقرؤها في الصور الآتية.


الصورة السابعة:

ما رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس فيما أخرجه أبو محمّد عبد السلام بن محمّد الخوارزمي في كتابه سير الصحابة والزهاد بسنده عن عبد الرحمن بن أبي هاشم عن عمرو بن ثابت عن أبيه عن سعيد بن جبير قال: « كان ابن عباس إذا ذكر ليلة الخميس بكى ، فقيل له: يابن عباس ما يبكيك؟ قال: أنّ رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: (يا بني عبد المطلب أجلسوني وسنّدوني أكتب لكم كتاباً لا تضلون بعدي أبداً) ، فقال بعض أصحابه: أنّه يهجر - قال: وأبى أن يسمي الرجل - فجئنا بعد ذلك ، فأبى رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) أن يكتبه لنا ، ثمّ سمعناه يقول: (عدى العدوي وسينكث البكري) » (1).


الصورة الثامنة:

ما رواه أيضاً سعيد بن جبير عن ابن عباس فيما أخرجه عنه ابن سعد في الطبقات بسنده عن يحيى بن حماد عن أبي عوانة عن الأعمش عن عبيد الله بن عبد الله عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: « اشتكى النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يوم الخميس فجعل - ابن عباس - يبكي ويقول: يوم الخميس وما يوم الخميس؟ أشتدّ

(1) أنظر غاية المرام /598 ط حجرية سنة 1272.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الاول 264

برسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) وجعه فقال: (إيتوني بدواة وصحيفة أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده أبداً؟) قال: فقال بعض من كان عنده: إنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ليهجر ، فقال: فقيل له ألا نأتيك بما طلبت؟ قال: (أو بعد ماذا؟!) ، قال: فلم يدع به » (1).
أقول: أخرج هذه الصورة الطبراني في معجمه الكبير بسنده عن عمر بن حفص السدوسي عن عاصم بن عليّ عن قيس بن الربيع عن الأعمش إلى آخر السند كما مرّ عن ابن سعد ، ومن دون تفاوت. لكن في المتن إثم وأختلاف كبير إذ قال: « لـمّا كان يوم الخميس ، وما يوم الخميس؟ ثمّ بكى فـقال: قال رسـول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (إيتوني بصحيفة ودواة أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده أبداً) ، فقالوا: يا رسول الله ألا نأتيك بعد؟ قال: (بعد ما)... اهـ » (2)ـأقول: فلاحظ حذف جملة: (فقال بعض من كان عنده ان نبيّ الله ليهجر) ، فمن ابتلعها من رواة السوء حين غصّ بذكرها! ودع عنك من تفاوت دون ذلك.


الصورة التاسعة:

مارواه سفيان بن عيينة عن سليمان الأحول عن سعيد بن جبير عن ابن عباس.
ويكاد ينعدم وضوح الرؤية في هذه الصورة ، إذ تنبعث منها عدة صور متشابهة مضموناً ، متفاوتة سنداً ومتناً ، وما ذلك إلاّ لأرتعاش أيادي المصورين ودمدمة المتمتمين - وهم المحدّثون والرواة طبعاً -.
فقد روى الحديث عن ابن عيينة خمسة عشر علماً من أعلام المحدّثين - فيما أحصيت - وربما كانوا أكثر ، ولكن لم نجد رواياتهم كلّها متفقة تماماً ،

(1) طبقات ابن سعد 2 ق 2/36.
(2) المعجم الكبير 11/352 ط الثانية بالموصل.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الاول 265

وحبذا لو كان الخلاف يسيراً لهان الأمر ، ولكن بين مروياتهم من التفاوت مايبعث على الشك والريبة.
والآن لنمر عابرين على أسمائهم لنقارن بين مروياتهم ، ولندرك كم جنى التالون على ما رواه الأولون ، وهم:
1- يحيى بن آدم المتوفى في سنة 203 هـ.
2- عبد الرزاق بن همام المتوفى سنة 211 هـ.
3- قبيصة بن عقبة المتوفى سنة 215 هـ.
4- عبد الله بن الزبير الحَميدي المتوفى سنة 219 هـ.
5- الحسن بن بشر المتوفى سنة 221 هـ (1).
6 - محمّد بن سلام المتوفى سنة 225 هـ.
7- سعيد بن منصور المتوفى سنة 227 هـ.
8- محمّد بن سعد المتوفى سنة 230 هـ.
9- عمرو الناقد المتوفى سنة 232 هـ.
10- عليّ بن عبد الله المديني المتوفى سنة 234 هـ.
11- قتيبة بن سعيد المتوفى سنة 240 هـ.
12- أحمد بن حنبل المتوفى سنة 241 هـ.
13- أبو بكر بن أبي شيبة المتوفى سنة 235 هـ.
14- الحسن بن محمّد بن الصباح الزعفراني سنة 259 أو سنة 260 هـ.
15- أحمد بن حماد الدولابي المتوفى سنة 269 هـ.

(1) كما في صحيح مسلم بشرح النووي وط صبيح ، دون ط بولاق فليلاحظ بدقة.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الاول 266

وإلى القارئ استعراض رواياتهم:
أمّا رواية يحيى بن آدم - أوّل القائمة - فهي تتفق مع رواية أحمد بن حماد الدولابي - الخامس عشر من القائمة - كما أخرجها الطبري ، وإليك لفظه: « حدّثنا أبو كريب قال حدّثنا يحيى بن آدم... قال - ابن عباس -: يوم الخميس » قال الطبري - ثمّ ذكر نحو حديث أحمد بن حماد الدولابي ، والحديث المشار إليه كان قد ذكره قبل هذا ولفظه -: « قال- ابن عباس - يوم الخميس وما يوم الخميس؟! قال: أشتد برسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) وجعه فقال: (إيتوني أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعدي أبداً) ، فتنازعوا ولا ينبغي عند نبيّ أن يتنازع ، فقالوا: ما شأنه؟ أهجر أستفهموه؟ فذهبوا يعيدون عليه ، فقال: (دعوني فما أنا فيه خير ممّا تدعونني إليه) ، وأوصى بثلاث قال: (أخرجوا المشركين من جزيرة العرب ، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم ، وسكت عن الثالثة عمداً) ، أو قال فنسيتها. قال الطبري: في رواية يحيى بن آدم غير أنّه قال: ولا ينبغي عند نبيّ أن يُنازع... اهـ » (1).
فهذه رواية الطبري كفتنا مؤنة البحث عن مقارنة حديثين لراويين عن سفيان وهما يحيى بن آدم وأحمد بن حماد ، وهما أوّل القائمة وآخرها.
وأمّا رواية عبد الرزاق - الثاني من القائمة - فقد أخرجها في كتابه المصنف عن ابن عيينة بلا واسطة بينهما وهو لا يختلف في حديثه كثيراً عما أخرجه البخاري عن شيخه قبيصة ، إلاّ فيما جاء في آخره قال: « فأمّا أن يكون

(1) تاريخ الطبري 3/193 ط الحسينية بمصر.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الاول 267

سعيد سكت عن الثالثة عمداً ، وأمّا أن يكون قالها فنسيها » (1). وهذا مرّ علينا نحوه في حديث البخاري عن شيخه محمّد بن سلام.
وأمّا رواية قبيصة - وهو الثالث من القائمة - فقد رواها عنه البخاري في كتاب الجهاد والسير ، في باب هل يستشفع إلى أهل الذمة ومعاملتهم(2).
قال: حدّثنا قبيصة حدّثنا ابن عيينة عن سليمان الأحول عن سعيد بن جبير عن ابن عباس (رضي الله عنهما) أنّه قال: « يوم الخميس وما يوم الخميس؟ ثمّ بكى حتى خضب دمعهُ الحصباء فقال: أشتد برسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) وجعه يوم الخميس فقال: (أئتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده أبداً) ، فتنازعوا ولا ينبغي عند نبيّ تنازع ، فقالوا: هجر رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) ، قال: (دعوني فالّذي أنا فيه خير ممّا تدعوني إليه) ، وأوصى عند موته بثلاث: أخرجوا المشركين من جزيرة العرب ، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم ، ونسيت الثالثة » (3).
ثمّ حكى البخاري تحديد جزيرة العرب ، وليس ذلك جزءاً من الحديث!
واعلم بأنّ البخاري لم تقتصر روايته لحديث سفيان على شيخه قبيصة عن سفيان ، بل رواه أيضاً عن شيخه الآخر محمّد بن سلام - وهو السادس في القائمة- في كتاب الجزية في باب اخراج اليهود من جزيرة العرب ، ولدى المقارنة بين الروايتين نجد تفاوتاً في اللفظ وزيادة في رواية محمّد بن سلام لم ترد في رواية قبيصة.

(1) المصنف 6/57 و 10/361 ط المكتب الإسلامي.
(2) عنوان الباب لا يدل عليه حديث الباب الّذي لم يذكر البخاري فيه غيره ، وقد أربك شرآح صحيحه في توجيه ذلك وأكثرهم جهداً ابن حجر في فتح الباري 6/510 ط البابي الحلبي ، فراجع.
(3) صحيح البخاري 4/69 ط بولاق.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الاول 268

وإليك اللفظ برواية محمّد بن سلام قال - بعد ذكر السند إلى سعيد بن جبير-: « سمع ابن عباس (رضي الله عنهما) يقول: يوم الخميس وما يوم الخميس؟ ثمّ بكى حتى بلّ دمعه الحصى ، قلت: يا ابن عباس ما يوم الخميس؟ قال: أشتد برسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) وجعه فقال: (ائتوني بكتف أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده أبداً) ، فتنازعوا ، ولا ينبغي عند نبيّ تنازع ، فقالوا: ما له أهَجَر ، أستفهموه ، فقال: (ذروني فالّذي أنا فيه خير ممّا تدعوني إليه) ، فأمرهم بثلاث: قال: أخرجوا المشركين من جزيرة العرب ، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم ، والثالثة خير ، إمّا أن سكت عنها ، وأمّا أن قالها فنسيتها » (1).
قال سفيان: هذا من قول سليمان.
وثمة رواية ثالثة للبخاري لحديث سفيان عن شيخه قتيبة - وهو الحادي عشر في القائمة - ذكرها في كتاب المغازي في باب مرض النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ووفاته ، وهي تتفاوت مع ما مرّ من روايتي قبيصة ومحمّد بن سلام تفاوتاً جزئياً ، وفيها: « فقالوا: ما شأنه أهجر أستفهموه فذهبوا يردون عليه » (2).
أقول: ومع ذلك فيبقى العجب من البخاري ، إذ هو يروي الحديث عن سفيان برواية ثلاثة من شيوخه وهم سمعوه من شيخهم سفيان ، ومع ذلك لم تتفق رواياتهم على نحو الدقة ، بل أنّ في بعضها زيادة على الأخرى كما مرّ في رواية محمّد بن سلام فراجع.
وفوق ذلك أنّ البخاري لم يعقـّب على الإختلاف بشيء ممّا يوهم أنّ ذلك من الرواة ، مع انّ المتتبع لأحاديث صحيح البخاري يجد كثيراً من نحو هذا ،

(1) نفس المصدر 4/99.
(2) نفس المصدر 6/9.

السابق السابق الفهرس التالي التالي