|
|
 |
| موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الاول |
|
229 |
|
 |
عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا) قال: فأعادها مراراً ، ثمّ رفع رأسه ، فقال: (اللّهم هل بلّغت؟ اللّهم قد بلّغت؟) - قال ابن عباس: فوالذي نفسي بيده إنّها لوصيته إلى أمته - فليبلّغ الشاهدُ الغائب ، لا ترجعوا بعدي كفّاراً يضرب بعضكم رقاب بعض » (1).
25- أخرج ابن كثير نقلاً عن أحمد وأبي داود بسنديهما عن ابن عباس: « انّ رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) طاف بالبيت وهو على بعير واستلم الحجر بمحجن كان معه ، قال: وأتى السقاية فقال: (اسقوني) ، فقالوا: إنّ هذا يخوضه الناس ولكنّا نأتيك به من البيت ، فقال: (لا حاجة لي فيه ، اسقوني ممّا يشرب الناس) » (2).
26- أخرج ابن كثير نقلاً عن أحمد بسنده عن ابن عباس أنّه قال: « جاء النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلى زمزم فنزعنا له دلواً فشرب ثمّ مجّ فيها ، ثمّ أفرغناها في زمزم ، ثمّ قال: (لولا أن تغلبوا عليها لنزعتُ بيدي) » (3).
27- أخرج المحدث الثقة عليّ بن إبراهيم القمي عن عبد الله بن عباس قال: « حججنا مع رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) حجة الوداع فأخذ بحلقة باب الكعبة ثمّ أقبل علينا بوجهه فقال: (ألا أخبركم بأشراط الساعة؟) وكان أدنى الناس منه يومئذ سلمان (رحمه الله) فقال: بلى يا رسول الله فقال (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (انّ أشراط القيامة اضاعة الصلاة واتباع الشهوات ، والميل إلى الأهواء ، وتعظيم أصحاب المال ، وبيع الدين بالدنيا ، فعندها يذوب قلب المؤمن في جوفه كما يذاب الملح في الماء ممّا يرى من المنكر فلا يستطيع أن يغيّره) .
|
(1) نفس المصدر 4/388.
(2) نفس المصدر 4/385.
(3) نفس المصدر 4/386.
|
 |
| موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الاول |
|
230 |
|
 |
قال سلمان: وإنّ هذا لكائن يا رسول الله؟ قال (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (إي والّذي نفسي بيده ، يا سلمان عندها تليهم أمراء جورة ، ووزراء فسقة ، وعرفاء ظلمة ، وأمناء خونة).
قال سلمان: وإنّ هذا لكائن يا رسول الله؟ قال (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (إي والّذي نفسي بيده ، يا سلمان إنّ عندها يكون المنكر معروفاً والمعروف منكراً ، ويؤتمن الخائن ويخون الأمين ، ويصدّق الكاذب ويكـّذب الصادق).
قال سلمان: وإنّ هذا لكائن يا رسول الله؟ قال (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (إي والّذي نفسي بيده ، يا سلمان فعندها تكون إمارة النساء ، ومشاورة الإماء ، وقعود الصبيان على المنابر ، ويكون الكذب طُرفاً ، والزكاة مغرما ، والفيء مغنما ، ويجفو الرجل والديه ، ويبرّ صديقه ، ويطلع الكوكب المذنّب).
قال سلمان: وإنّ هذا لكائن يا رسول الله؟ قال (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (إي والّذي نفسي بيده ، يا سلمان وعندها تشارك المرأة زوجها في التجارة ، ويكون المطر قيظاً ، ويغيظ الكرام غيظاً ، ويحتقر الرجل المعسر فعندها تقارب الأسواق ، إذا قال هذا لم أبع شيئاً وقال هذا لم أربح شيئاً فلا ترى إلاّ ذاماً لله).
قال سلمان: وإنّ هذا لكائن يا رسول الله؟ قال (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (إي والّذي نفسي بيده ، يا سلمان فعندها يليهم أقوام إن تكلموا قتلوهم ، وإن سكتوا أستباحوهم ، ليستأثرونَّ بفيئهم ، وليطؤنّ حرمتهم ، وليسفكنَّ دماءهم ، ولتملأنَّ قلوبهم دغلاً ورعباً ، فلا تراهم إلاّ وجلين خائفين مرعوبين مرهوبين).
قال سلمان: وإنّ هذا لكائن يا رسول الله؟ قال (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (إي والّذي نفسي بيده ، يا سلمان إنّ عندها يؤتى بشيء من المشرق وشيء من المغرب يلون أمتي ،
 |
| موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الاول |
|
231 |
|
 |
فالويل لضعفاء أمتي منهم والويل لهم من الله ، لا يرحمون صغيراً ، ولا يوقـّرون كبيراً ، ولا يتجاوزون عن مسيء ، جثثهم جثث الآدميين وقلوبهم قلوب الشياطين).
قال سلمان: وإنّ هذا لكائن يا رسول الله؟ قال (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (إي والّذي نفسي بيده ، يا سلمان وعندها تكتفي الرجال بالرجال والنساء بالنساء ، ويغار على الغلمان كما يغار على الجارية في بيت أهلها ، وتشبه الرجال بالنساء ، والنساء بالرجال ، ويركبن ذوات الفروج السروج فعليهنّ من أمتي لعنة الله).
قال سلمان: وإنّ هذا لكائن يا رسول الله؟ قال (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (إي والّذي نفسي بيده ، يا سلمان إنّ عندها تزخرف المساجد كما تزخرف البيع والكنائس ، وتحلّى المصاحف ، وتطول المنارات ، وتكثر الصفوف بقلوب متباغضة وألسن مختلفة).
قال سلمان: وإنّ هذا لكائن يا رسول الله؟ قال (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (إي والّذي نفسي بيده ، يا سلمان وعندها تحلّى ذكور أمتي بالذهب ، ويلبسون الحرير والديباج ، ويتخذون جلود النمور صفاقاً).
قال سلمان: وإنّ هذا لكائن يا رسول الله؟ قال (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (إي والّذي نفسي بيده ، يا سلمان وعندها يظهر الزنا ، ويتعاملون بالغيبة (بالعينة خ ل) والرُشا ، ويوضع الدين وترتفع الدنيا).
قال سلمان: وإنّ هذا لكائن يا رسول الله؟ قال (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (إي والّذي نفسي بيده ، يا سلمان وعندها تظهر القينات والمعازف ويليهم شرار أمتي).
قال سلمان: وإنّ هذا لكائن يا رسول الله؟ قال (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (إي والّذي نفسي بيده ، يا سلمان وعندها تحج أغنياء أمتي للنزهة ، وتحج أوساطها للتجارة ، وتحج فقراؤهم للرياء والسمعة ، فعندها يكون أقوام يتعلمون القرآن لغير الله ويتخذونه
 |
| موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الاول |
|
232 |
|
 |
مزامير ، ويكون أقوام يتفقهون لغير الله ، ويكثر أولاد الزنا ، ويتغنّون بالقرآن ويتهافتون بالدنيا).
قال سلمان: وإنّ هذا لكائن يا رسول الله؟ قال (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (إي والّذي نفسي بيده يا سلمان ، ذاك إذا انتهكت المحارم ، وأكتسبت المآثم ، وسلّط الأشرار على الأخيار ، ويفشوا الكذب ، وتظهر اللجاجة وتفشوا الحاجة ، ويتباهون في اللباس ، ويمطرون في غير أوان المطر ، ويستحسنون الكذبة والمعازف ، وينكرون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، حتى يكون المؤمن في ذلك الزمان أذل من الأمة ، ويظهر قراؤهم وعبّادهم فيما بينهم التلاوم ، فأولئك يدعون في ملكوت السماوات الأرجاس الأنجاس).
قال سلمان: وإنّ هذا لكائن يا رسول الله؟ قال (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (إي والّذي نفسي بيده ، يا سلمان عندها لا يخشى الغني إلاّ الفقر ، حتى أنّ السائل ليسأل فيما بين الجمعتين لا يصيب أحداً يضع في كفه شيئاً).
قال سلمان: وإنّ هذا لكائن يا رسول الله؟ قال (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (إي والّذي نفسي بيده ، يا سلمان عندها يتكلم الرويبضة).
فقال سلمان: وما الرويبضة يا رسول الله فداك أبي وأمي؟ قال (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (يتكلم في أمر العامة من لم يكن يتكلم ، فلم يلبثوا إلاّ قليلاً حتى تخور الأرض خورة فلا يظن كلّ قوم إلاّ انها خارت في ناحيتهم ، فيمكثون ما شاء الله ثمّ يمكثون في مكثهم ، فتلقي لهم الأرض أفلاذ كبدها ، قال ذهب وفضة - ثمّ أومى بيده إلى الأساطين - فقال: مثل هذا ، فيومئذٍ لا ينفع ذهب ولا فضة) » .
 |
| موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الاول |
|
233 |
|
 |
قال عليّ بن إبراهيم: « فهذا معنى قوله تعالى: « فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا » » (1).
وإلى هنا نوقف متابعة أحاديث ابن عباس عن رحلة العودة من حجة الوداع (حجة الإسلام)(2) ، حيث سنقرأ شيئاً منها في حديثه عن بيعة الغدير. والّذي ذكرناه منها يصلح أن نسميه منسكاً يكاد أن يكون متكاملاً لأهمّ أعمال الحجّ من فروض وسنن ، ولا يعني ذلك أنا نلتزم بصحة جميع معانيه ، بل عهدة ما ورد فيه على راويه ، على أنا نشك في سلامة بعض ممّا وصل إلينا من الأحاديث المروية عن ابن عباس في هذا المقام وفي غيره ، وسيأتي مزيد بيان عن ذلك في حياته العلمية ، حيث سنذكر ما طالت عليه الأيدي الأثيمة وتناولته بالحذف والإضمار.
ومن اللافت للنظر حقاً فيما ذكرناه في هذا المقام ، خلّوه عن ذكر خطبتي الرسول الكريم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في عرفة وفي ثاني أيام التشريق. إذ لا يعقل إهمال ابن عباس لهما ، وهو الحريص على متابعة جميع ما كان يصدر عن النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في حجته تلك من أقوال وأفعال ، حتى ورد عنه روايته عن أخيه الفضل بن العباس ما قاله النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) للناس حين دفعوا من المزدلفة ، إذ لم يكن هو حاضراً ، بل لأنّه قدّمه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مع أغيلمة بني عبد المطلب وضعفة أهله فدفعوا بليل وأوصاهم أن لا يرموا الجمرة حتى تطلع الشمس. فروى عن أخيه الفضل أنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال للناس: عليكم بالسكينة ، وهو كافّ ناقتَه حتى دخل محسّرا - وهو من منى - قال: عليكم بحصى الحذف الّذي يُرمى به الجمرة ، قال: ولم يزل رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) يلبّي حتى رمى الجمرة .
|
(1) تفسير علي بن إبراهيم القمي (تفسير سورة محمّد)ـ حديث خطبة النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم.
(2) السيرة النبوية 4/376.
|
 |
| موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الاول |
|
234 |
|
 |
فمن كان بهذه المثابة من الحرص على أن لا يفوته شيء من أقوال النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأفعاله ، كيف يفوته سماع الخطبتين وروايتهما بتمامهما ولو عن غيره. أليس هو القائل لسعيد بن جبير وقد سأله عن اختلاف قومه - قريش - في مناسك حجته (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فقال ابن عباس: إني لأعلم الناس بذلك. ولا مماراة في ذلك حتى شهدت له بذلك بعض أمهات المؤمنين فقالت أم سلمة: هو أعلم بالمناسك ، وقالت عائشة: هو أعلم بالسنّة ، هو أعلم بالمناسك(1).
ثمّ إنّ ما روي عنه من خطبة يوم النحر هو الآخر لم يسلم من مسّ اليد الأثيمة ، فلم يصل إلينا بتمامه ، والفجوات فيه بيّنة ولا نحتاج في إثباتها إلى بيّنة. ألا يكفينا مؤشّراً واضحاً قوله المعترض في وسط الخطبة: « فوالّذي نفسي بيده إنّها لوصيته إلى أمته » .
ومن أراد أن يعرف مقدار ما لعبت به رواة السوء من تغيير أو حذف أو إضمار ، فليقارن بين ما روي عنه وبين ما رواه غيره من الصحابة الّذين شهدوا الخطبة فرووها ، ليدرك مدى التفاوت ، وإلى القارئ إشارة عابرة إلى جانب من ذلك.
خذ مثلاً حديث الثقلين المستفيض أستفاضة تكاد تبلغ حد التواتر ، فإن من موارد ذكره كان في خطبة يوم النحر. وقد روى الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) خطبة النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في ذلك اليوم وفيها قوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (يا أيها الناس إنّي تركت فيكم الثقلين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: الأكبر منهما كتاب الله ، والأصغر عترتي أهل بيتي ، وإن اللطيف الخبير عهد إليّ أنهما لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض كهاتين - أشار
|
|
(1) البداية والنهاية 8/301.
|
 |
| موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الاول |
|
235 |
|
 |
بالسبّابتين - ولا أنّ أحدهما أقدم من الآخر ، فتمسكوا بهما ، لن تضلوا ، ولا تقدّموا منهم ، ولا تخلّفوا عنهم ، ولا تعلّموهم فإنّهم أعلم منكم)(1).
وابن عباس من رواة الحديث المذكور في موارده الأخرى ، كيف يعقل أن يروي الخطبة وهو من شهودها ، ثمّ يغفل رواية الحديث المذكور. وهكذا نبقى في دوامة الشك والريبة ، من مدوّني السيرة والحديث ، وفي قنواتهم المتصلة بابن عباس ، وغفلوا عن انّ حبل الكذب قصير ، والناقد بصير ، وفاتهم انّ قول ابن عباس: « فوالّذي نفسي بيده إنها لوصيته إلى أمته » إنّما يناسب حديث الثقلين شكلاً ومضموناً دون باقي فقرات الخطبة النبوية ، لكن رواة السوء كتموا ما لم يرق لهم ولأوليائهم روايته ، ودوّنوا لهم ما شاؤا ، وبذلك ضيّعوا الأمانة ، فأستحقـّوا الإدانة.
ويزيدنا بصيرةً بمراد ابن عباس (رضي الله عنه) في قوله: « فوالّذي نفسي بيده إنّها لوصيته إلى أمته » ما رواه (رضي الله عنه) عن النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال قال: (من سره أن يحيى حياتي ، ويموت مماتي ، ويسكن جنة عدن غرسها ربي فليوال عليّاً من بعدي ، وليوال وليه ، وليقتد بالأئمّة من بعدي ، فإنهم عترتي ، خلقوا من طينتي ، ورزقوا فهماً وعلماً ، ويل للمكذبّين بفضلهم من أمتي ، القاطعين فيهم صلتي ، لا أنالهم الله شفاعتي)(2).
|
(1) أنظر ينابيع المودة /34 ط أستانبول.
(2) حلية الأولياء 1/86 ، فرائد السمطين 1/53.
|
 |
| موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الاول |
|
236 |
|
 |
 |
| موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الاول |
|
237 |
|
 |
|
ثانياً: بيعة الغدير
|
|
|
 |
قال ابن عباس: « لمّا اُمر النبيّ صلّى الله عليه (وآله) وسلّم أن يقوم بعليّ بن أبي طالب المقام الّذي قام به ، فانطلق النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلى مكة فقال: رأيت الناس حديثي عهدٍ بكفر بجاهلية ، ومتى أفعل هذا به ، يقولوا صَنع هذا بابن عمه ، ثمّ مضى حتى قضى حجة الوداع ، ثمّ رجع حتى إذا كان بغدير خم أنزل الله (عزّ وجل) « يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ » (1) الآية.
فقام منادِ فنادى الصلاة جامعة ، ثمّ قام وأخذ بيد عليّ (رضي الله عنه) فقال: (من كنت مولاه فعلي مولاه ، اللّهم وال من والاه وعادِ من عاداه) » (2).
وقال في حديث آخر: « لمّا خرج النبيّ صلّى الله عليه (وآله) وسلّم إلى حجة الوداع ، نزل بالجحفة فأتاه جبرئيل (عليه السلام) فأمره أن يقوم بعليّ فقال: (أيها الناس ألستم تزعمون أني أولى بالمؤمنين أنفسهم؟) قالوا: بلى يا رسول الله قال: (من كنت مولاه فعلي مولاه ، اللّهم وال من والاه وعاد من عاداه ، وأحب من أحبّه ، وأبغض من أبغضه ، وأنصر من نصره ، وأعز من أعزّه ، وأعن من أعانه) ، قال ابن عباس: وجبت والله في أعناق القوم » (3).
|
(1) المائدة /67.
(2) أمالي الحافظ المحاملي وعنه الوصّابي الشافعي في كتابه الاكتفاء بفضائل الخلفاء. كما في الغدير 1/52.
(3) كتاب الولاية للحافظ السجستاني كما في الغدير 1/52.
|
 |
| موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الاول |
|
238 |
|
 |
وعنه قال: « لمّا كان يوم غدير خم ، قام رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) خطيباً ، ثمّ دعا عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) فأخذ بضبعيه ثمّ رفع يديه حتى رأى بياض إبطيهما وقال للناس: (ألم أبلّغكم الرسالة؟ ألم أنصح لكم؟) قالوا: اللّهم نعم ، قال: (فمن كنت مولاه فعلي مولاه ، اللّهم وال من والاه وعاد من عاداه) ، قال: ففشت هذه في الناس ، فبلغ ذلك الحرث بن النعمان الفهري فرحّل راحلته ، ثمّ أستوى عليها ، ورسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) إذ ذاك بالأبطح فأناخ راحلته ثمّ عقلها ثمّ أتى النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ثمّ قال: يا عبد الله إنّك دعوتنا إلى أن نقول لا إله إلاّ الله ففعلنا والقلب فيه ما فيه ، ثمّ دعوتنا إلى أن نقول إنّك رسول الله ففعلنا ، ثمّ قلت لنا صلوا فصلينا ، ثمّ قلت صوموا فصمنا ، ثمّ قلت حجوا فحججنا ، ثمّ قلت لنا من كنت مولاه فعلي مولاه اللّهم وال من والاه وعاد من عاداه ، فهذا عنك أم عن الله؟
فقال له: (بل عن الله) ، فقالها ثلاثاً ، فنهض وإنه لغضِب وانه ليقول: اللّهم إن كان ما يقول محمّد حقاً فأمطر علينا حجارة من السماء تكون نعمة في أولنا وآية في آخرنا ، وان كان ما يقوله محمّد كذباً فأنزل به نقمتك ، ثمّ أثار ناقته واستوى عليها ، فرماه - الله - بحجر على رأسه فسقط ميتاً ، فأنزل الله تبارك وتعالى: « سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ * لِلْكَافِرينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ * مِنْ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ » (1) » (2).
وبنحو ما مرّ وردت عنه أحاديث أخر تلتقي مع ما مرّ مضموناً ، فلا نطيل بذكرها ، ويكفينا ممّا ذكرناه تعقيبه على بعض ما رواه وحدّث به بقوله: « وجبت والله في أعناق القوم » (3) يعني بيعة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام).
|
(1) المعارج /1- 3.
(2) تفسير محمّد بن العباس بن ماهيار كما في غاية المرام /92 ط الحجرية ، وفي تفسير الشربيني 4/364 قال أختلف في هذا الداعي فقال ابن عباس هو النضر بن الحرث وقيل هو الحرث بن النعمان.
(3) كتاب الولاية للحافظ السجستاني كما في الغدير 1/52.
|
 |
| موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الاول |
|
239 |
|
 |
ولا يقل عن ذلك أهمية في روايته ما حدّث به عن مشهد آخر شهده مع النبيّ الكريم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بعد رجوعه من حجة الوداع فقال: « لمّا رجعنا من حجة الوداع جلسنا مع رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) في مسجده ، قال: (أتدرون ما اقول لكم؟) قالوا المسلمون: الله ورسوله أعلم ، قال: (أعلموا أنّ الله (عزّ وجل) منّ على أهل الدين إذ هداهم بي ، وأنا أمنّ على أهل الدين إذ أهديهم بعليّ بن أبي طالب ابن عمي وأبي ذريتي ، ألا ومن أهتدى بهم نجا ، ومن تخلّف عنهم ضلّ وغوى.
أيّها الناس الله الله في عترتي وأهل بيتي ، فان فاطمة بضعة مني ، وولداها عضداي ، وأنا وبعلها كالضوء ، اللّهم ارحم من رحمهم ، ولا تغفر لمن ظلمهم) ، ثمّ دمعت عيناه وقال: (كأنّي أنظر إلى الحال) » (1).
وأهم مشهده شهده ابن عباس بعد ذلك من النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كان مشهد يوم الخميس ، وما أدراك ما يوم الخميس ، فكان إذا ذكره قال: « الرزية كلّ الرزية » .
ولنقرأ حديث الرزية ففيه كلّ الرزية ، فهو حديث ذو شجون ، ملؤه أسى ومرارة ، يبعث التحدث عنه في النفس الشجن ، ويترك العين ترمض بالقذى.
|
|
(1) بحار الأنوار 7 /43 ط حجر بتبريز نقلاً عن روضة الكافي وفضائل ابن شاذان.
|
 |
| موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الاول |
|
240 |
|
 |
 |
| موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الاول |
|
241 |
|
 |
|
ثالثاً: حديث الرزية
|
|
|
 |
حديث وأي حديث؟! حديث ترك الأمة تخبط في عشواء إلى يوم القيامة.
حديث وأي حديث؟! حديثٌ فتح باب الفرقة والاختلاف بين الأمة والنبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بعدُ بين ظهرانيهم ، يدعوهم لما يحييهم فلم يستجيبوا له ، بل كايدوه وعاندوه حتى أغمي عليه.
حديث وأيّ حديث بعده يؤمنون؟! حديث ما ذكره حبر الأمة عبد الله بن عباس (رضي الله عنه) إلاّ وبكى ، بكاءٌ وأيّ بكاء؟! بكاءٌ يبلّ دمعه الحصى ، بكاءٌ كأنّ دموعه حين تسيل نظام اللؤلؤ.
هكذا يصفه الرواة فلنقرأ ولنبك مع حبر الأمة ، ولنندب حظ الأمة العاثر حيث أضاعت تلك الفرصة الثمينة ، فرفضت ذلك العرض السخيّ المؤمِّن من الضلالة أبداً.
فلنقرأ ما يرويه ابن عباس (رضي الله عنه):
قال: « يوم الخميس وما يوم الخميس؟! يوم أشتد برسول الله وجعه فقال: (إيتوني بدواة وبياض اكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعدي أبداً). فتنازعوا - ولا ينبغي عند نبيّ تنازع - فقال عمر: إنّ النبيّ يهجر - وفي حديث آخر: « إنّه ليهجر » ، وفي ثالث: « إنّه هجر » - ثمّ قال: عندنا القرآن ، حسبنا كتاب الله ، فاختلف مَن في البيت ، وأختصموا فمن قائل يقول: القول ما قال رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) ،
 |
| موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الاول |
|
242 |
|
 |
ومن قائل يقول: القول ما قال عمر. فلمّا أكثروا اللغط واللغو ، وتمادى القوم في نزاعهم ، غضب رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) فقال: (قوموا عني ، لا ينبغي عند نبيّ تنازع) ، فقاموا.
قال ابن عباس: فجئناه بعد ذلك بصحيفة ودواة ، فأبى أن يكتبه لنا ، ثمّ سمعناه يقول: (بعد ما قال قائلكم: عدى العَدَوي وسينكث البكري) ، ثمّ قال: (ما أنا فيه خير ممّا تدعوني إليه) ، ثمّ أوصى بثلاث فقال: أحفظوني في أهل بيتي ، وأخرجوا المشركين من جزيرة العرب ، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم به(1)) » .
فكان ابن عباس (رضي الله عنه) بعد ذلك يقول: « الرزية كلّ الرزية ما حال بين رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب ، لولا مقالته - يعني مقالة عمر - لكتب لنا كتاباً لم تختلف أمته بعده ولم تفترق » .
هذه إحدى صور الحديث الآتية ، وأعتقد أنّ القارئ يستفزه مثل هذا الحديث ويتسرّع إلى الحكم بوضعه ، لشدة صدمته ، وقد تذهب به المذاهب في الحكم على أولئك الصحابة الّذين شاقـّوا الله ورسوله ، فنسبوا الهجر إلى نبيّ أصطفاه الله لأداء رسالته إلى الناس كافة ، فكان سفيره في خلقه ، وأمينه على وحيه ، ورسوله المسدّد « وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحَى » (2).
لكني أعتقد أيضاً أنّ القارئ سيظهر له من متابعة صور الحديث الآتية ، وما يتبعها من أقوال العلماء في توجيهه ، اعتذاراً عن المعارضة ، أنّ الحديث صحيح وأنهُ حديث رزيّة وأيّ رزيّة ، ولم يكن ابن عباس (رضي الله عنه) مبالغاً حين قال ذلك فيه ،
|
(1) نلفت نظر القارئ إلى أن في الفقرات الثلاث اختلاف في النقل ، كما سيجده واضحاً فيما يأتي من ذكر صور الحديث فليلاحظ.
(2) النجم /3 - 4.
|
 |
| موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الاول |
|
243 |
|
 |
لأنّ فيه الردّ على الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وهو عين الرد على الله تعالى ، أوليس الردّ على الله وعلى الرسول من موجبات الكفر فالله سبحانه يقول: « مَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا » (1).
والمعارضة تردّ على الرسول ما طلب ، وتصرّ على الامتناع من تلبية طلبه.
والله سبحانه يقول: « وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحَى » (2).
والمعارضة تقول: إنّه يهجر.
والله سبحانه يقول: « يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إذا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ » (3).
والمعارضة: تأبى ذلك وترد عليه بعنف وقسوة.
والله سبحانه يقول: « وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ » (4).
والمعارضة تأبى ذلك.
والله سبحانه يقول لنبيّه: « يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ » (5).
والمعارضة تشاكسه في التبليغ ، وتردّ عليه بعنف وسوء أدب ، وكأنّهم لم يسمعوا جميع تلكم الآيات الكريمة ولم يسمعوا الله سبحانه يقول في كتابه: « ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ » (6).
أليس هذا هو الضلال البعيد؟ أليس هذا هو الخسران المبين؟
|
(1) الحشر /7.
(2) النجم /3 - 4.
(3) الأنفال /24.
(4) الأحزاب /36.
(5) المائدة /67.
(6) الأنفال /13.
|
 |
| موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الاول |
|
244 |
|
 |
أليس هذا هو الظلم والجفاء؟ أليس هذا هو الغباء والشقاء؟
أيّ غباء فوق هذا يتركون طريق التأمين على السلامة إلى الأبد ، ويرتطمون أوحال الجهالة!؟
يا لله لقد سبق أن آذوا رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) في نفسه وآله ، حتى وبّخهم القرآن الكريم في آية « وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ » (1) ، وآذوه الآن في قدسه وعصمته ، منتهكين بذلك حرمته في أداء رسالته.
وهل يعني ذلك غير ردّهم: إنّه يهجر؟.
هذه نبذة عن حديث الرزية ، بل نفثة حرّى جاش بها الصدر فباحا ، وما قدّمتها إلاّ لتنبيه القارئ على استعداده لقراءة ما سيقرأه من حديث الرزية وملابساته ، وما تبعه من أعذار واهية ، لا تزيد علماً ولا تغني عملاً ، سوى كشف صفحات - لولا حديث الرزية - لسنا بصددها والكشف عنها ، ولكنها جناية السلف ، وخيانة الخلف ، أودت باُمّة محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلى حافة الهاوية والتلف. ولئلا يصدمه عنف الردّ كما صدم الرسول الكريم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) حتى أغمي عليه ، فليستعد ويتدرع بالصبر من الآن.
لنقرأ (أوّلاً) صور الحديث في الصحاح والسنن والمسانيد وكتب التاريخ واللغة والأدب ، من ثمّ نتابع معه قراءتنا (ثانياً) في مصادر الحديث ، و(ثالثاً) مع العلماء في آرائهم حول الحديث .
 |
| موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الاول |
|
245 |
|
 |
وليقرأ القارئ كلّ ذلك بروحٍ موضوعية مع التجرد عن العاطفة والأبتعاد عن التعصب ، ونترك له الحكم في تلك القضية وبالأصح الرزية ، فعلى مَن تقع المسؤولية؟
ولا نريد أن نستبق الحكم في ذلك بل له ما سيؤديه نظره إليه من رأي حول رموز المعارضة أياً كانوا ومهما كانوا ، فهم أولاً وأخيراً إنّما نكنّ لهم الإحترام ، ما داموا في طاعة النبيّ وخدمة الإسلام. أما وقد نبذوا أمر الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ولم يكتفوا بذلك حتى نسبوا إليه الهجر « كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً » (1) ، فنحن في حلٍّ من حسابهم ، وهم كسائر الناس في خطأهم وصوابهم. فهم غير معصومين ، ولا نحن في حسابهم بملومين.
|
صور الحديـث
|
|
|
 |
لقد ورد الحديث بصور متعددة تبلغ الثلاثين أو تزيد ، وهذا رقم قد يبعث على الدهشة! حديث واحد عن واقعة واحدة ، يرويها أربعة من شهودها وهم:
1- الإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام).
2- الخليفة عمر بن الخطاب بطل المعارضة.
3- جابر بن عبد الله الأنصاري.
4- عبد الله بن عباس.
كيف يبلغ اختلاف الصور في رواياتهم إلى ذلك العدد!!
ولو كان العدد يتساوى فيه الشهود لهان الأمر ولا غرابة ، ولكن الغرابة أنّا سنقرأ الحديث عن كلّ من الإمام عليّ (عليه السلام) وعن الخليفة عمر ورد بصورتين ، وعن جابر بصورتين .
 |
| موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الاول |
|
246 |
|
 |
وباقي الصور كلّها تروى عن ابن عباس لماذا ذلك؟
سؤال يفرض نفسه ، ولابدّ من تلمّس الجواب عليه ، وهذا ما سنجده عند الوقوف على قائمة الرواة عنه ، ثمّ في باقي الطبقات من رجال الأسانيد بعدهم ، حتى نصل إلى مدوّنيه من أصحاب الصحاح والمسانيد والسنن والتاريخ وغيرهم.
وهؤلاء بذلوا جهداً كبيراً في التعتيم على رموز المعارضة ، فأحاطوه بهالة من التضبيب الكثيف ، تكاد أن تخفي معالمه ، حفاظاً على حق الصحبة ، وإن تم ذلك على حساب قدس صاحب الرسالة ، فانظر - أيها القارئ - تلكم الصور كما وردت في مصادرها الموثوقة عن أعيان شهودها.
ولنبدأ بما روي عن الإمام عليّ (عليه السلام) ، ثمّ بما روي عن الخليفة عمر ، ثمّ بما روي عن جابر ، وأخيراً بما روي عن ابن عباس. وهو المعني به في هذا التحقيق وهو صاحب الكتاب:
| |