موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الاول
166
فقد أخرج ابن حجر في الإصابة عن الزبير بن بكار وغيره انّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: « الأخوات الأربع مؤمنات: أم الفضل ، وميمونة ، وأسماء ، وسلمى » (1) ، وفي رواية البلاذري: « قال (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أحبهنّ لإيمانهنّ » (2).
وأخرج أيضاً عن الواقدي بسنده عن كريب: « ذكرت ميمونة وأم الفضل وأخواتها لبابة - وهي بكر - وعزة ، وأسماء ، وسلمى فقال رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) إنّ الاخوات مؤمنات » (3).
وهذه الاخوات مع اخت سابعة لهن اسمها حميدة ، هن اللواتي ترحم عليهن الإمام أبو جعفر محمّد بن عليّ الباقر (عليه السلام) فيما أخرجه الشيخ الصدوق محمّد بن عليّ بن بابويه في كتابه الخصال بسنده عن أبي بصير - والسند صحيح- قال سمعته - يعني الباقر- يقول: رحم الله الأخوات من أهل الجنة ، فسماهنّ: أسماء بنت عميس الخثعمية ، وكانت تحت جعفر بن أبي طالب (عليه السلام) ، وسلمى بنت عميس الخثعمية ، وكانت تحت حمزة بن عبد المطلب ، وخمس من بني هلال: ميمونة بنت الحارث ، كانت تحت النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ، وأم الفضل عند العباس- وأمها هند- والعصماء أم خالد ، وعزة كانت في ثقيف عند الحجاج بن علاط ، وحميدة لم يكن لها عقب(4). وكفى بشهادة النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وشهادة ابنه وحفيده الإمام الباقر (عليه السلام) في حق تلكم الأخوات دليلاً على حسن حالهن ، وعلو مقامهنّ ، فرحمهنّ الله تعالى برحمته.
(1) الاصابة 8/276.
(2) أنساب الأشراف (ترجمة أبي طالب) /44.
(3) الاصابة لابن حجر 8/276 ، ومعجم الطبراني 11/327 ، ومجمع الزوائد 9/260 ، وقال: رواه الطبراني بإسنادين ورجال أحدهما رجال الصحيح ، ورواه الحاكم في المستدرك 4/32 ـ 33 وصححه على شرط مسلم ووافقه الذهبي.
(4) الخصال (باب السبعة) /332 ـ ط الحيدرية.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الاول
167
وقد روت أم الفضل عن النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) الحديث ، فقد أخرج لها البخاري ومسلم والترمذي والنسائي ومالك في الموطأ وابو داود وابن ماجة كلهم في كتاب الصلاة عن أم الفضل انها سمعته - النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) - وهو يقرأ والمرسلات عرفاً ، وفيه: انها لآخر ما سمعت النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يقرأ بها في المغرب(1).
وأخرج لها البخاري في الحج والصوم والاشربة ، ومسلم في الصوم ، وأبو داود في الصوم ، ومالك في الموطأ في الحج حديث: « انّ الناس تماروا عندِها يوم عرفة في صيام رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) فأرسلت إليه بقعب من لبن وهو واقف فشربه » (2).
وأخرج لها مسلم في النكاح ، والنسائي وابن ماجة فيه أيضاً حديث: « لا تحرم الرضعة والرضعتان » (3).
وأخرج لها أبو داود في الطهارة ، وابن ماجة فيه وفي الرؤيا حديث: « كان الحسين بن عليّ في حجر النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فبال عليه » (4).
ولفظه لابن ماجة في الرؤيا: « قالت أم الفضل: يا رسول الله رأيت كأن في بيتي عضواً من أعضائك ، قال: خيراً رأيتِ ، تلد فاطمة غلاماً فترضعيه ، فولدت حسيناً أو حسناً ، فأرضعته بلبن قثم ، قالت: فجئت به إلى النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فوضعته في حجره فبال ، فضربت كتفه ، فقال النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم): أوجعت ابني رحمك الله » (5).
وهذا الحديث أخرجه الحاكم في المستدرك بلفظ أوفى ولفظه: « بسنده عن شداد بن عبد الله عن أم الفضل بنت الحارث انها دخلت على رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)
(1) ذخائر المواريث في الدلالة على مواضع الحديث للنابلسي 4/286.
(2) نفس المصدر 4/286.
(3) نفس المصدر.
(4) نفس المصدر.
(5) سنن ابن ماجة 2/237 ط الأولى بمصر سنة 1313.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الاول
168
فقالت: يا رسول الله إني رأيت حلماً منكراً الليلة ، قال: وما هو؟ قالت: انّه شديد ، قال: وما هو؟ قالت: رأيت كأن قطعة من جسدك قطعت ووضعت في حجري ، فقال رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم): رأيت خيراً ، تلد فاطمة إن شاء الله غلاماً فيكون في حجرك ، فولدت فاطمة (عليها السلام) الحسين (عليه السلام) فكان في حجري كما قال رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) ، فدخلت يوماً على رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) فوضعته في حجره ثم حانت مني التفاتة ، فاذا عينا رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) تهريقان من الدموع ، قالت: فقلت يا نبي الله ، بأبي أنت وأمي مالك؟ قال: أتاني جبريل فأخبرني أنّ أمتي ستقتل ابني هذا ، فقلت: هذا؟ فقال: نعم ، وأتاني بتربة من تربته حمراء قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين » (1).
وأخرج أحمد في المسند(2) ، وابن ماجة في السنن(3) ، وابن سعد في الطبقات(4) ، وابن عساكر كما في تهذيب تاريخه(5) ، والمتقي الهندي في كنز العمال هذا الحديث بالفاظ متقاربة(6). وعندهم: خيراً رأيتِ ، تلد فاطمة غلاماً وترضعينه ، فتكفلينه بلبن ابنك قثم. وكانت أم الفضل في مدة رضاعها الحسين (عليه السلام) ترقصه وهي تقول:
يا ابن رسول الله
يا ابن كبير الجاه
(1) مستدرك الحاكم 3/176 وأخرجه في 179 بصورة أخصر ، كما أخرج الحديث بصورته الأولى في مشكاة المصابيح كما في ينابيع المودة /382 ط الحيدرية ، وتهذيب ابن عساكر 4/313 ، وتذكرة الخواص /232 ، وكفاية الطالب /418.
(2) مسند أحمد 6/339.
(3) سنن ابن ماجه /ح 3923.
(4) طبقات ابن سعد 8/304 ط بيروت.
(5) تاريخ مدينة دمشق 4/316.
(6) كنز العمال /ح 41465.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الاول
169
فرداً بلا اشبـاه
أعـاذه إلـهـي
مــن أمـــم الدواهـــــي(1)
وكانت هي مع النساء في بيت النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في مرضه الذي توفي فيه.
فقد روى الشيخ المفيد بسنده إلى زيد بن عليّ بن الحسين (عليه السلام) قال: « وضع رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) في مرضه الذي توفي فيه رأسَه في حجر أم الفضل وأغمي عليه فقطرت قطرة من دموعها على خدّه ففتح عينيه وقال: ما لك يا أم الفضل؟ قالت نعيتَ الينا نفسَك وأخبرتنا أنك ميت ، فإن يكن الأمر فينا فبشرنا ، وان يكن في غيرنا فأوص بنا قال فقال لها النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم): أنتم المقهورون والمستضعفون من بعدي » (2).
وروى نحو هذا مرة أخرى بسند آخر ينتهي إلى أم الفضل بن العباس قالت: « لمّا ثقل رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) في مرضه الذي توفي فيه أفاق إفاقة ونحن نبكي حوله فقال: ما الذي يبكيكم؟
قلنا: يا رسول الله نبكي لغير خصلة: نبكي لفراقك إيانا ، ولانقطاع خبر السماء عنا ، ونبكي للأمة من بعدك فقال (صلّى الله عليه وآله وسلّم): أمّا إنكم المقهورون والمستضعفون من بعدي » (3).
وتوفيت أم الفضل بعد زوجها العباس(4). ومن الغريب أنّ الحصري القيرواني ذكر في كتابه زهر الآداب قال: يقال أنّ امرأة العباس عم النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قالت ترثي بنيها:
(1) المناقب لابن شهر اشوب 3/159 ط الحيدرية ، وكتاب قمقام لفرهاد ميرزا /30. ومر عن النووي ان قثم بن العباس كان أخاً للحسين من الرضاعة.
(2) أمالي المفيد /112 ط الحيدرية سنة 1367 هـ.
(3) نفس المصدر /188.
(4) في كثير من المصادر أنها توفيت قبل زوجها العباس وذلك في زمن خلافة عثمان ولكن سيأتي في الحديث عن شأن الناكثين لبيعة الإمام (عليه السلام) بعد مقتل عثمان وما أجتمع عليه رأيهم بمكة من اعلان العصيان ، ان أم الفضل كانت بمكة وعلمت بذلك فاستأجرت رجلاً من جهينة اسمه ظفر وكتبت معه عن نية القوم ، وأمرته أن يسرع في ايصال كتابها إلى الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) بالمدينة. وعلى هذا فهي كانت باقية حيّة إلى زمن خلافة الإمام (عليه السلام).
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الاول
170
دعوا من المجد اكنـافاً إلى أجـل
حتى إذا كملت اظماؤهم وردوا
ميت بمصر وميت بالعراق وميــ
ــت بالحـجــاز منايا بينـهم بـدد
كانت لهـم هـمم فرقـنّ بينـهم
إذا القعاديد عن امثالهم قعـدوا
بث الجميل وتفريج الجليل واعطـــ
ــاء الجزيل الذي لم يعطه أحد(1)
أقول: من الغريب انه لم يعقب على ذلك بشيء ، من حيث القبور. فان بني العباس وإن كانوا كما قال أبو صالح صاحب التفسير: ما رأينا بني أم أبعد قبوراً من بني العباس لأم الفضل(2).
إلاّ أنّ في البيت الثاني قوله: وميت بالعراق فمن هو يا ترى ذلك الميت؟!
على أنّ الأبيات المذكورة أوردها أبو عليّ القالي في أماليه منسوبة لأم معدان الأنصارية بزيادة في أولها وهي:
لا يـبعد الله فتـياناً رُزئتهـم
بانوا لوقت مناياهم فقد بعـدوا
أضحت قبورهم شتى ويجمعهم
زوّ المنون(3) ولم يجمعهم بلد
ثم الأبيات الأربعة السابقة باختلاف في الترتيب(4).
فرحمة الله على أم الفضل وأخواتها المؤمنات.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الاول
171
الفصل الثاني
فترة عهد النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله)
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الاول
172
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الاول
173
في عهد النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم):
تبدأ شخصية حبر الاُمة بالظهور المتلأليء في عهد ابن عمه صاحب الرسالة (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وتحتل بفضل نبوغها المبكّر مكانتها اللائقة بمثله ، بفضل ما حصلت عليه ، ممّا صار يغبطه عليها- بعد ذلك- كثير من أبناء الصحابة ، بل وحتى من الصحابة الّذين فاقهم بأستعداده الفطري ، وحسن تلقـّيه ، وشدة ذكائه ، ما جعله متميزاً- بفضل ما لديه من الموروث والمكتسب - فكان حرياً بأن يوليه النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وهو مربّيه عنايته التامة ، ويغدق عليه من فضل معارفه ، ما أكسبه أن يكون بحق (حبر الاُمة) بالرغم من قصر تلك الفترة الّتي حظي فيها بصحبته. وإن تكن الروايات الّتي تحدثت عن فترة صحبته للنبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لم تخل من مزايدات مناقبية عباسية البصمات ، كما لم تسلم من مفارقات أموية الطابع ، فكانت مثار بعض الشبهات ولكن عكست آثارها على المروي عنه وفيه ، وبالرغم من دس هذه وتلك ، فإنّه يسع الباحث أن يستخلص من بين أكداس الشوائب ما يصحّ له فيتحدّث عنه. وذلك من خلال سلامة الرواية طريقاً واتفاق الأنصار والخصوم على روايته.
وإذا رجعنا إلى تاريخ بدء هجرته ونهاية صحبته فلا تتجاوز تلك الفترة أعوامها الثلاثة ، فقد مرّ بنا أنّه كان مع أبيه في هجرته في أواخر عام ثمان من
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الاول
174
الهجرة والتقوا بالنبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ومعه المسلمون في طريقهم إلى مكة وذلك في شهر رمضان فكانوا معه. وانتهت تلك الفترة بالتحاق النبيّ الكريم بالرفيق الأعلى في صفر أو ربيع الأوّل عام أحد عشر فهي لم تتجاوز الثلاثة أعوام. وإذا أردنا تحديدها بدقة فلنأخذ بما قاله الذهبي في كتابه: « صحب النبيّ صلّى الله عليه (وآله) وسلّم نحواً من ثلاثين شهراً وحدّث عنه بجملة صالحة » (1) ، وهو تحديد قريب من الواقع. ومهما يكن عمر تلك الصحبة طولاً وقصراً فقد كانت غنية بالعطاء ، مليئة بالبركات ، فضلت صحبة كثير ممّن طالت صحبتهم ولم ينتفعوا بها فلم تغن عنهم شيئاً.
وليس من شك كان له من العناية الآلهية التوفيق خير مساعد على درك ما اكتسب ، حين توفرت له أسباب النجاح ، فكان حفظه عن تعقل وبفضل ما عليه من استعداد في نفسه للتلقي وإعداد من ابن عمه في الإفاضة ، فكان يرعاه ويوليه عنايته ، فأصبح بفضل تلك المواهب والعناية (حبر هذه الاُمة) ، وما حفظه المحكم من القرآن وهو ابن عشر سنين- كما حدث بذلك- إلاّ دليل نبوغه المبكّر وشدة ذكائه. وليس حفظ المحكم- وهو من سورة محمّد إلى آخر القرآن- سهلاً على من كان في مثل سنّه ، وبل وحتى على من كان أكبر منه.
ألم نقرأ عن آخرين من الصحابة وفيهم من نيّف على الأربعين وأكثر من عمره لم يستطع تعلم سورة من القرآن إلاّ بعد جهد ، وكان بعضهم نحر جزوراً عندما ختم سورة البقرة في أثنتي عشرة سنة(2).
(1) سير أعلام النبلاء 4/439.
(2) لاحظ شرح الموطأ للزرقاني 2/194جاء فيه: وأخرج الخطيب في رواية مالك عن ابن عمر قال: تعلم عمر في أثنتي عشرة سنة فلمّا ختمها نحر جزوراً ، وقارن ربيع الأبرار للزمخشري 2/77 ط الأوقاف ببغداد ، ولاحظ أيضاً شرح الموطأ للزرقاني 2/194 ، وذخائر المواريث 2/101عن مالك في الموطأ ـ في الصلاة ـ قال مالك: بلغني أن عبد الله بن عمر مكث على سورة البقرة ثمان سنين يتعلمها.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الاول
175
وسيأتي في مستقبل تأريخه أنّه صار يقريء جماعة من الصحابة ، وجاء عند البخاري وغيره ذكر عبد الرحمن بن عوف منهم(1) وعمر بن الخطاب(2) ، فحفظه للمحكم في أوائل سنيّ صحبته دليل على حسن تلقـّيه ومدى أستعداده. ولم يكن تلقـّيه مجرد حفظ آيات وسور ، بل لابدّ أن يكون قد تلقـّى التأويل كما تلقـّى التنزيل من أبن عمه صاحب الرسالة ومن فلـَقِ فيه (صلّى الله عليه وآله وسلّم). وإذا صح ما يروى أنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) هو الّذي لقبه بـ (ترجمان القرآن)(3) ففي ذلك دلالة على أنّه وجد فيه ما يؤهله لأن يكون كذلكَ بفضل ما تعلـّمه منه تنزيلاً وتأويلاً.
وزاد حرص حبر الأمة على طلب المزيد ، كثرة متابعته للرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ، فكان ملازماً له ما وسعه ، ذلكَ وساعده على استزادة فرص تلك الملازمة ، وجود خالته أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث عند النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ، فكان يدخل بيتها ويبيت أحياناً عندها ، ليتابع معرفة أحوال النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في بيته ، وحاله في نومه ويقظته ، وربما دعاه النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلى المبيت عند خالته كما سيأتي.
ولنقرأ عن ذلك:
(1) المصنف لعبد الرزاق 5/439 ، صحيح البخاري بشرح فتح الباري 12/121.
(2) ذكر ذلك المحب الطبري في ذخائر العقبى /233.
(3) راجع ما مرّ في كنيته ولقبه.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الاول
176
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الاول
177
هجرته وبيعته:
انتشر الإسلام وخفقت رايته على ربوع الحجاز ، وظهر أمر الله وقريش له كارهون ، وكثر المسلمون بعد هجرة النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ، وقويت شوكتهم بعد موقعة بدر الكبرى ، حيث نصر الله نبيّه على قريش وأيّده بجنود لم يروها ، ومضت ستة أعوام على هجرته فيحنّ الرسول الكريم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلى أم القرى ، لزيارة بيت ربّه ، ومقام أبيه إبراهيم (عليه السلام) ، فيتهيأ ويدعو المسلمين ، ويخرج ومعه الف وستمائة رجل ، فذي ركائبهم تجوب البيداء القاحلة ، وذا هديهم معهم قد ساقوه حيث ساق الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ، وتخرج قريش عندما علمت بمقدمه فتصدّه عن دخول مكة ، فيقيم بالحديبية(1) يبعث إليهم إني ما خرجت أريد قتالاً ، وإنّما أردت زيارة هذا البيت ، فلم يقبلوا منه ، وواعدوه أن يخلوا له مكة من قابل ثلاثة أيام يزور فيها البيت ويؤدي مناسكه ، وتكتب بذلك وثيقة الصلح بين الفريقين ، وفيها اشترطوا: أن لا تؤذي قريش أحداً من المسلمين- وان كان بمكة- ولا من حلفائهم ، كما لا يؤذي المسلمون أحداً من قريش ولا من حلفائهم ، واتفقوا أن تكون مدة الصلح عشر سنين وجرت من بعض رموز الصحابة مواقف غير مُرضّية بل مدخولة وَمَرضية(2).
(1) مكان على تسعة أميال من مكة ممّا يلي طرف الحرم.
(2) قال عمر: مازلت أصوم وأتصدق وأصلي وأعتق من الّذي صنعت يومئذ ، مخافة كلامي الّذي تكلمت به ، حتى رجوت أن يكون خيراً (تاريخ الطبري 2/634 ط دار المعارف).
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الاول
178
فنحر فيها الرسول الكريم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) هديه ، وحلّ من احرامه ، ورجع إلى يثرب دار هجرته ، وبعد مضي عام على ذلك يخرج (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلى زيارة البيت ليعتمر عمرة القضاء ، وتخلي له قريش مكة ، ويبقى بها ثلاثاً ، ثمّ يخرج وفاءً بالشرط. ولم تمض برهة طويلة حتى كان تجاوز بني بكر- وهم حلفاء قريش- على خزاعة - وهم حلفاء الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) - لتراث بينهما ، ونصرت قريش بني بكر على خزاعة ، وبذلك نقضوا ما أشترطوه في عقد الصلح مع النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ، واستنجدت خزاعة بالنبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فأرسلت وفداً يضم أربعين راكباً بزعامة شاعرهـم عمرو بن سالم ، فدخلوا المسجد ، ووقف شاعرهم على رأس النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ينشده:
يا رب إني ناشد محمدا
حلف أبينا وأبيه الأتلدا(1)
كنت لنا أباً وكنّا ولدا
ثمة أسلمنا فلم ننزع يدا
فانصر رسول الله نصراً عتدا(2)
وادع عباد الله يأتوا مددا
فيهم رسول الله قد تجرّدا
إن سيم خسفاً وجهه تربّدا
في فيلق كالبحر يجري مزبدا
إن قريشا أخلفوك الموعدا
ونقضوا ميثاقك المؤكّدا
وجعلوا لي في كداء(3) رصدا
وزعموا أن لست أدعوا أحداً
وهم أذلّ وأقلّ عددا
(1) الأتلد: الأقدم.
(2) العَتدَ: من العتيد: بمعنى الحاضر المهيأ وفرس عتَدَ بفتحتين معدّ للجري والركوب.
(3) كداء: بالفتح والمد: ثنيّة بأعلى مكة عند المحصّب دار النبي (عليه السلام) من ذي طوى إليها (مراصد الاطلاع).
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الاول
179
هـم بيـّتونا بالوتـير(1)هُجّدا
وقتـّلـونا ركـّعا وسجّـداً(2)
فقال الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (لا نصرتُ إن لم أنصر بني كعب) (3)- يعني خزاعة- وأحلّ الله له نقض ما كان بينه وبين قريش ، حيث بدأوا بالنكث ، « فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ » (4).
ويخرج (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لنصرة خزاعة ، ومعه المسلمون وعدتهم يومئذ عشرة آلاف(5).
ولمّا وصل النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ومعه المسلمون إلى السقيا- قرية من أعمال الفرع- أو الجحفة - على بعد تسعة عشر ميلاً من السقيا وعلى ثلاث مراحل من م.كة - أو ذي الحليفة - على خمسة أميال من المدينة - التقى - فيما يقول أصحاب السيرة - عمه العباس بن عبد المطلب (رضي الله عنه) وقد جاء مهاجراً بأهله ورحله إلى المدينة دار الهجرة والإيمان.
(1) الوتير: بالفتح ثمّ الكسر: اسم ماء بأسفل مكة لخزاعة ، نفس المصدر.
(2) السيرة لإبن هشام 3/227 ط مصر سنة 1329 بالمطبعة الخيرية ، والسيرة الحلبية 3/71-78 ، والاستيعاب 2/533 ، والإصابة 2/529 ، وقد أحتج سعيد بن المسيب في مسجد النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بهذه المناشدة حين قال له عمران بن أبي كثير: يا أبا أن قبيصة بن ذؤيب جاء برجل من أهل العراق فأدخله على عبد الملك بن مروان فحدثه عن أبيه عن المغيرة بن شعبة أن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: (الخليفة لا يناشد) ، فرفع سعيد يده فضرب بها الأخرى فقال: قاتل الله قبيصة كيف باع دينه بدنيا فانية؟ والله ما من أمرأة من خزاعة قعيدة في بيتها إلا وقد حفظت قول عمرّو بن سالم الخزاعي لرسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): أفيناشد النبي(صلّى الله عليه وآله وسلّم) ولا يناشد الخليفة؟ قاتل الله قبيصة كيف باع دينه بدنيا فانية؟ (كتاب الغارات لإبراهيم بن محمد الثقفي 2/574).
(3) طبقات بن سعد 2/97 ط لبنان ، وتخريج الأحاديث والأثار للزيلعي 2/56ط دار خزيمة الرياض ، وفي الاستيعاب (ترجمة عمرو بن سالم): (لا نصر في الله إن لم أنصر بني كعب) ، وكذا في مجمع الزوائد 6/161 ، والمطالب العالية 4/241.
(4) الفتح /10.
(5) التنبيه والإشراف للمسعودي /231ط مصر.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الاول
180
وينزل الجميع ذلك المكان ، ويفرح كلٌ بلقاء الآخر ، ويعرف العباس نيّة النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في وجهه ذلك ، فيرسل بركائبه إلى المدينة وقد مرّ منا أنّه وصل إلى المدينة قبل خروج النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلى فتح مكة اعتماداً على حديث ابن عباس في الصوم في السفر(1) ومهما يكن فقد أنتظم هو وبعض بنيه في سلك النفر المجاهدين ، ويعود إلى مكة مع أبن أخيه قاصداً حرب قريش الّذين نكثوا العهد ونقضوا الأيمان ، فانقطعت العصمة فحلّ للرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أن يخرج إليهم بذلك الجيش.
وكان للعباس (رضي الله عنه) مقامه في جيش المسلمين ، وإن ذكر الصفوري: انّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عقد له راية سوداء كما أنّ راية الأنصار كانت في ذلك اليوم صفراء(2). ولا أكاد أصدقه في ذلك ، نعم كان النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يشاور عمه مع المشيرين وكان عبد الله بن عباس (رضي الله عنه) زعيم هذه السيرة في المسيرة من بين أخوته الّذين رجعوا مع أبيهم إلى مكة بصحبة الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ، وهو يومئذٍ بعدُ لم يبلغ الحلم ، إذ كان له من العمر أحد عشرة سنة. كما أنّ بيعته للنبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كانت في ذلك السنّ ، فقد ذكر أنّه لم يبايع النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) طفلٌ غيره وغير الحسنين عليهما السلام وغير ابن جعفر(3).
وعلى هذا يمكننا أن نعتبر أنّ اولى صفحات تاريخ حياته ذات الدلالة تبدأ من هذا الحين ، وإن سبق القول حكاية دخول الإسلام بيته بمكة ، إلاّ أنّه لم يكن قد رأى النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فأبتدأ يحضر عند الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ويشاهد مجالسه ، ومن ثَمّ يحدّث
(1) سيأتي في شواهد ومشاهد برقم 11.
(2) نزهة المجالس للصفوري 1/112.
(3) عمدة الطالب /36 ط النجف في ذكر عبد الله بن جعفر وقد وَهَم ابن ظفر المكي في كتابه أنباء نجباء الأبناء /81 ، فعدّ مكان ابن جعفر عبد الله بن الزبير ، ولم أجد فيما رأيت من المصادر فعلاً من ذكره ، والثابت المشهور ما ذكرناه.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الاول
181
عن مشاهدة ، ولا شك إن لعنصر المشاهدة قيمة في تسجيل الوقائع يفقده السماع وتعدّد الرواة.
وهكذا كانت هجرة حبر الأمة وهجرة أبيه ، تمت بملاقاة النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) سواء في الطريق كما يقول أصحاب السيرة أو بعد الوصول إلى المدينة دار الهجرة والإيمان كما قلنا(1).
قال ابن كثير: « وهاجر مع أبيه قبل الفتح ، فأتفق لقياهما النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بالجحفة ، وهو ذاهب لفتح مكة ، فشهد الفتح وحنيناً والطائف عام ثمان » (2). ولمّا عاد مع أبيه ليشهد فتح مكة ، كان ذلك بداية ما كان يتحدث به بعد ذلك عن مشاهداته في ذلك الفتح. كما أنّه شهد أيضاً وقعة حنين والطائف ، ورويت عنه في ذلك بعض الأحاديث ، وكان جميع ذلك عام ثمان للهجرة النبوية ، وهو بداية حياته.
شواهد ومشاهد:
لقد كان لدى حبر الأمة وهو في سنّه تلك من قوة الحافظة ودقة الملاحظة ما جعلته يحفظ كلّ ما سمع وما رأى ، فكان حريصاً على متابعة الرسول الكريم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في أقواله وأفعاله ، حتى صار يحاكيه في شتى شؤونه الحياتية ففي العبادات مثلاً حين يصف وضوءه وصلاته وحتى قراءته وكيفية الركوع والسجود وأذكاره فيهما ، ويقول هكذا كان يفعل وهذا فعله وهكذا رأيته ، وحتى في سائر اوراده ونوافله وهو في بيته فلاحظ ما سيأتي عنه من وصفه الدقيق
(1) لايعدم الباحث وجود روايات مناقبية تذكر أن الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال لعمه يا عم ختمت بي النبوة وختمت بك الهجرة ، ولكنها لا تثبت على المحكّ ويبين زيفها ، وأنها ممّا وضعها الوضاعون تزلـّـفاً إلى أبنائه في أيام خلافتهم ، وما أكثر ما تقرّبوا به اليهم من هذا القبيل حتى ليعسر أحياناً تخليص الحقائق من بين أكداس الشوائب.
(2) البداية والنهاية 8/296.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الاول
182
لذلك ، حين يصف غطيطه وصفيره في نومه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وكيفية لباسه وستأتي شواهد كثيرة في تاريخه العلمي حين نذكر(فقهه) أمّا الآن فنكتفي بذكر بعضها:
1- عن عطاء بن يسار عن ابن عباس قال: « ألا أخبركم بوضوء رسول الله صلّى الله عليه (وآله) وسلّم فغرف بيده اليمنى ثمّ صبّ على اليسرى صبّة » (1).
2- عن عطاء بن يسار عن ابن عباس: أنّه توضأ فغسل كلّ عضو منه غسلة واحدة ثمّ ذكر أنّ النبيّ صلّى الله عليه (وآله) وسلّم كان يفعله(2).
3- أخرج البخاري عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى: « لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ » (3) قال: « كان النبيّ صلّى الله عليه (وآله) وسلّم يعالج من التنزيل شدة وكان يحرّك شفتيه ، فقال لي ابن عباس: أحرّكهما لك كما كان رسول الله صلّى الله عليه (وآله) وسلّم يحرّكهما - فقال سعيد: أنا أحرّكهما كما كان ابن عباس يحرّكهما - ،... قال - ابن عباس - فكان رسول الله صلّى الله عليه (وآله) وسلّم إذا أتاه جبريل (عليه السلام) أستَمَع فاذا أنطلق جبريل قرأه النبيّ صلّى الله عليه (وآله) وسلّم كما أقرأه » (4).
4- أخرج عبد الرزاق عن سليمان بن يسار: أنّه سمع ابن عباس وأبا هريرة ، ورأى أبا هريرة يتوضأ ثمّ قال يابن عباس أتدري من ماذا أتوضأ؟ قال: لا ، قال توضأت من أتوار(5) أقط أكلتها. قال ابن عباس: ما أبالي ممّا توضأت ، أشهد
(1) المصنف لعبد الرزاق 1/42.
(2) صحيح البخاري (باب الوضوء مرة مرة) 1/43 ، المصنف لعبد الرزاق 1/41 ، مسند أحمد 5/36.
(3) القيامة /16.
(4) صحيح البخاري 9/153ط بولاق.
(5) جمع تور وهي قطعة من الأقط وهو لبن جامد مستحجر.