موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الاول
78
وكنيته بأبي العباس ، كانت شائعة الاستعمال ، فقد وردت في جملة من الآثار دعاه بها سيد أهله الإمام أمير المؤمنين كما في قوله: (يا أبا عباس إذا صليت العشاء الآخرة فالحقني إلى الجبانة...)(1) ، ودعاه الناس أيضاً بها.
فعن مجاهد قال: « كان ابن عباس لا يدري ما فاطر السموات؟ حتى جاءه اعرابيان يختصمان في بئر فقال أحدهما: يا أبا عباس بئري وأنا فطرتها؟ فقال: خذها يا مجاهد ، فاطر السموات » (2).
وفي حديث خالد بن المهاجر بن خالد المخزومي أخبر: أنّه بينما هو جالس عند ابن عباس جاءه رجل ، فاستفتاه في المتعة ، فأمره ابن عباس بها ، فقال له ابن أبي عمرة الأنصاري: مهلاً يا أبا عباس ، فقال ابن عباس: ما هي والله لقد فعل- نكاح المتعة- في عهد إمام المتقين(3).
وخاطبه بها عمر بن الخطاب حين قال له: « يا أبا عباس قد طرأت علينا أقضية عضل فأنت لها ولأمثالها » (4).
وخاطبه بذلك معاوية في حديثه معه بعد وفاة الإمام الحسن (عليه السلام) فقال له: « آجرك الله أبا عباس في أبي محمّد الحسن بن عليّ » (5).
(1) سعد السعود لابن طاووس /285.
(2) الكنى والاسماء للدولابي 1/82 ط حيدر آباد سنة 1322.
(3) المعرفة والتاريخ 1/373 وسيأتي الحديث عن فتياه في المتعة في فقهه.
(4) فضائل الصحابة لأحمد بن حنبل برقم 1913ط مؤسسة الرسالة 1403.
(5) البيان والتبيين 4/71 تحـ. هارون ، وسيأتي ذكر ما جرى في ذلك المجلس في محاوراته واحتجاجاته.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الاول
79
وفي حديث آخر له فقال: « يا أبا العباس هل تكون لكم دولة؟ » (1).
كما سيأتي في حديث خروج الحسين من مكة إلى العراق وممانعة ابن عباس في ذلك قال له الحسين: « أبا العباس إنك شيخ قد كبُرت » (2) ، وفي حديث أبي الزبير عن طاووس قال: « ... فقلت: يا أبا عباس » (3).
أمّا ألقابه فكثيرة تتفاوت ظهوراً وخفاءً في شياع الاستعمال وعدمه ، ولعل أشهرها هو لقبه (حبر الأمة) اللقب الذي كان يلقبّه به جماعة من الصحابة والتابعين ، أمثال أبي بن كعب وهو احد أصحاب القراءات ، ومحمد بن الحنفية التابعي الجليل ، وأبي نجيح أحد علماء التابعين ورواتهم ومن تلاميذ ابن عباس ، وغيرهم.
وربما كان سبب شهرته ما أضفي عليه من قداسته ، حيث روى البلاذري في كتابه أنساب الأشراف في أول ترجمته (عبد الله بن عباس) رواية عن ولادته في الشعب ومباركة النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) له عندما أتاه عمه العباس بوليده ، وأنه قال: (يا عم هذا عن قليل (حبر أمتي) وفقيهها والمؤدي لتأويل التنزيل)(4) ، وسواء صحت هذه الرواية أم لا فإنّ معناها قد حصل وكان ابن عباس (حبر الأمة) وفقيهها والمؤدي لتأويل التنزيل.
(1) المعرفة والتاريخ 1/535 ، والبداية والنهاية 6/ 245 و 10/50 ، وسيأتي ذكر ما جرى في صفحات احتجاجاته.
(2) طبقات ابن سعد (ترجمة الحسين (عليه السلام)) تحـ الطباطبائي ط مؤسسة آل البيت ، و ص 450 (ترجمة الحسين (عليه السلام)) الطبقة الخامسة من الصحابة تحـ محمّد صامل السلمي ط الأولى سنة 1414هـ.
(3) الكنى والأسماء للدولابي 1/82.
(4) الانساب ، نسخة مصورة بمكتبة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) العامة في النجف وعنها مخطوطة بمكتبتي.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الاول
80
ومن ألقابه: (حبر العرب) ويقال: إنّ أول من لقـّبه به هو جرجير ملك المغرب بافريقية ، وسيأتي تفصيل ذلك في حضور الحبر غزاة أفريقية.
وقد جرى عليه هذا اللقب حتى كان أخص تلامذته يعبر به عنه أحياناً. فقد أخرج البخاري في صحيحه بسنده عن سعيد بن جبير قال: « سألني يهودي من الحيرة أيّ الأجلين قضى موسى (عليه السلام)؟ قلت: لا أدري حتى أقدم على حبر العرب فأسأله ، فقدمت فسألت ابن عباس ، فقال: قضى أكثرهما وأطيبهما ، إنّ رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) إذا قال فعل » (1). وقال الجاحظ: « وكان يُسمّى البحر وحبر قريش » (2).
وقد اختلف اللغويون في ضبط (الحبر) فقال بعضهم: بالكسر: حِـبر ، وقال بعضهم: بالفتح: حَبر ، ومهما كان اختلافهم فانهم لا يختلفون في أنّه الرجل العالم.
قال أبو عبيد: « والذي عندي انه الحَبر: بالفتح ، ومعناه العالم بتحبير الكلام والعلم وتحسينه ، وقال: وهكذا يرويه المحدثون كلهم بالفتح » (3).
ومن ألقابه (ترجمان القرآن) وهو أشرف ألقابه نسبة وأفضلها معنى ، وثانيها شهرة ، وإن صح ما رواه بعض المؤرخين من « انّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) سماه به أيضاً يوم مولده في الشعب » (4) فإنّ ذلك يضفي عليه نوعاً من القداسة ، لأنّ تسمية الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إن صحت ، لا تخلو من نبوءة وفراسة.
(1) صحيح البخاري 3/181.
(2) البيان والتبيين 1/331.
(3) تاج العروس 3/117 (حبر).
(4) أخرجه الديار بكري في تاريخ الخميس 1/167 نقلاً عن الطائي.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الاول
81
ومهما كان نصيب الرواية من الصحة ، فقد كان هذا اللقب لابن عباس معروفاً بين الصحابة امتدحه به غير واحد منهم: منهم الخليفة عمر بن الخطاب الذي كان يكثر من قول: « نعم ترجمان القرآن ابن عباس » (1) ، ومنهم الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود الذي كان يطريه بقولـه: « نعم ترجمان القرآن » (2) ، « لو أدرك أسنانا ما عاشره منا أحد » (3) وفي لفظ ما عشـّره منا أحد(4) وفسروه: أي ما بلغ علمنا معشار علمه. وسيأتي العديد من شواهد ذلك.
ومن ألقابه (البحر) كما مرّ عن الجاحظ قريباً ، وقال الصفدي: « وكان يسمى البحر لكثرة علومه » (5) ، وقد ورد التعبير به في بعض الأحاديث ، فهذا الحكم بن عمرو الغفاري يقول في حديث له: « ولكن أبى ذلك البحر ، يريد به ابن عباس » كما في كتاب الذبائح آخر باب لحوم الحمر الانسية من صحيح البخاري(6).
وهذا جابر بن زيد يقول: « سألت البحر عن لحوم الحمر » (7) ، وهذا مجاهد يقول: « كان عبد الله بن عباس يسمى البحر لكثرة علومه » (8) ، وهذا عطاء كان يقول: « قال البحر كذا. يعني ابن عباس » (9).
(1) تاريخ بغداد 1/185.
(2) الاستيعاب 3/935 ، وطبقات ابن سعد الطبقة الخامسة 1/148 تحـ محمّد صامل السُلمي ، ومقدمة تفسير الطبري 1/40 من عدة طرق ، ومستدرك الحاكم 3/537 وصححه.
(3) مستدرك الحاكم 3/537 ، والاصابة ترجمة ابن عباس.
(4) طبقات ابن سعد 2ق2/120 ، المعرفة والتاريخ 1/495 ، عيون الأخبار لابن قتيبة 1/229.
(5) الوافي بالوفيات 17/122.
(6) صحيح البخاري 7/96 ط مصر سنة 1314.
(7) الاصابة 4/148 تحـ البجاوي ، والمعرفة والتاريخ 1/496 ، وتاريخ بغداد 1/174.
(8) نفس المصدر.
(9) أنساب الأشراف (ترجمة ابن عباس) 1ق 2/271 أ مصور بمكتبة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) العامة.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الاول
82
ومن ألقابه: (رباني الأمة) ، قال الثعالبي: « ربّاني الأمة: هو عبد الله بن العباس ابن عبد المطلب كان يقال له: ربانيّ الأمة ، وحبرها ، وترجمان القرآن » (1) ، وقد سماه بذلك كل من محمّد بن الحنفية وعمرو بن دينار(2).
والآن فقد رأينا مداليل ألقابه كلها مشعرة برفعة المسمّى وسمّوه فكان أولها أشهرها وآخرها أشرفها ، فإن معنى الرباني هو المتأله العارف بالله تعالى كما عن الثعالبي والفيروزأبادي ، وشديد التمسك بدين الله وطاعته ، كما في الكشاف وغيره ، أو هو الذي يربّي أمور الناس بتدبيره واصلاحه ، كما ذكره الطبرسي ، وقال ثعلب: إنّما قيل للفقهاء الربانيون ، لأنهم يربّون العلم أي يقوّمونه(3).
ابن عباس في خَلقِه وخُلُقِه:
ما دامت صفات الإنسان - الخَلقِـية والخُلقية - فيها دلالة على تمامية التعريف ، فلا بد لنا إذن من الإلمام بشيء من صفات الحبر ابن عباس (رضي الله عنه) بما تيسر لنا من معرفته ، فانها تحكي لنا بعض مميزاته وخصائصه ، وقد قال ابن عباس (رضي الله عنه): « الناس يتفاضلون في الدنيا بالشرف والبيوتات والإمارات والغنى والجمال والهيئة والمنطق ، ويتفاضلون في الآخرة بالتقوى واليقين ، فأتقاهم أحسنهم يقيناً ، وأزكاهم عملاً ، وأرفعهم درجة » (4).
(1) ثمار القلوب /113.
(2) ستجد هذه الكلمات منسوبة إلى مصادرها فيما يأتي بعنوان ـ جمل الثناء والإطراء.
(3) ثمار القلوب /113 ، وتفسير الكشاف ، ومجمع البيان في تفسير قوله تعالى: « كُونُوا رَبَّانِيّ » آل عمران 79 ، والقاموس (ربب).
(4) المحاسن والأضداد للجاحظ /123 ، والمحاسن والمساوي للبيهقي 1/76.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الاول
83
وقد حاز ابن عباس تلك المفاخر الدنيوية في شرفه الرفيع وبيته المنيع ، كما حاز الإمارة وأوتي من الغنى فضلاً كثيراً ، وكل ذلك سنقرأه في سيرة حياته.
أمّا الجمال والهيئة والمنطق فقد كان ابن عباس (رضي الله عنه) - كما يصفه المؤرخون-: أبيضاً مشرّباً بشقرة أو بصفرة(1) جسيماً ، يأخذ مقعد رجلين إذا جلس(2) وسيماً ، صبيح الوجه ، طلق المحيا ، فائق الحسن ، له وفرة ، يخضب بالحِناء ، إذ كان يصفـّر لحيته ، وقيل يخضبها بالسواد(3) حتى قال مسروق عنه: « أجمل الناس وأفصحهم » (4) ، وقال عطاء: « ما رأيت البدر إلا ذكرت وجه ابن عباس لحسنه وجماله وبهائه » (5) ، وشهد له عمر بأنه أصبح الفتيان وجهاً (6) ، وقال أبو إسحاق: « رأيت ابن عباس رجلاً جسيماً قد شاب مقدم رأسه وله جمة » (7) ، وكان طويلاً ، والطول من كمال الجسم وجمال البسطة فيه ، قال المبرّد: « والعرب تمدح بالطول وتضع من القِصَر » (8) ، وكان الطول في بني هاشم صفة غالبة ، حتى لقد
(1) قال ابن كثير في البداية والنهاية 8/306: ولما عمي أعترى لونه صفرة يسيرة أهـ ولا غرابة في ذلك لأنه عمي وهو في سن الشيخوخة ولكن من الغريب ما ذكره الجاحظ في رسالته: فخر السودان على البيضان (الرسالة الرابعة من مجموع رسائل الجاحظ /209 تحـ عبد السلام محمّد هارون) ان ابن عباس (رضي الله عنه) كان أدلم ضخماً ، والأدلم: الشديد السواد. وهذا ممّا انفرد به أبو عثمان الجاحظ فيما أعلم ، كما انفرد في قوله: وكان ولد عبد المطلب العشرة السادة دُلـُماً ضُخماً؟ وفي قوله: وآل أبي طالب أشرف الخلق ، وهم سودٌ وأدمٌ ودُلـُم؟
(2) البداية والنهاية 8/306.
(3) ولا منافاة بين الفعلين ، فربما كان يفعل هذا مرة وذلك أخرى ، وكل راوٍ حدث بما رأى. الاصابة 4/91.
(4) الاصابة 2/333.
(5) تاريخ الإسلام للذهبي 3/31.
(6) البداية والنهاية 8/299.
(7) أخرجه ابن أبي خيثمة في تاريخه كما في الاصابة 4/91.
(8) الكامل للمبرد 1/92 تحـ أبو الفضل إبراهيم والسيد شحاته.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الاول
84
ورد في حديث ولادة الزهراء (عليها السلام): (إنّ أمها خديجة لمّا أحسّت بالطلق فأرسلت إلى نساء من قريش فأبين الحضور وقلن لها أنتِ عصيتنا وتزوجت يتيم أبي طالب ، قالت: دخلت عليَّ أربع نسوة سمر طوال كأنهنّ من نساء بني هاشم)(1).
وفيما حدثت به تلك العجوز التي رأت عليّ بن عبد الله بن عباس يطوف وقد فرع الناس كأنه راكب وهم مشاة ، فقالت: من هذا الذي فرع الناس؟ فأعلمت ، فقالت: لا إله إلا الله انّ الناس ليرذلون عهدي بالعباس يطوف بهذا البيت كأنه فسطاط أبيض(2) ، ويروى أنّ عليّاً كان إلى منكب عبد الله ، وعبد الله إلى منكب العباس ، والعباس إلى منكب عبد المطلب(3).
وقد ذكر المبرد جماعة كانوا من مقبلي الظعن لطولهم ، فقد بذوا الناس طولاً وجمالاً ، وكان أحدهم يسعه أن يقبّل المرأة في هودجها لطوله وعد منهم العباس وابنه عبد الله(4).
ووصفه عليّ بن أبي طلحة قال: « كان عبد الله بن عباس مديد القامة ، جيّد الهامة ، مستدير الوجه جميله أبيضه ، وليس بالمفرط البياض سبط اللحية ، في أنفه قنا ، معتدل الجسم ، وكان أحسن عينا قبل أن يكفّ بصره ، وكفّ قبل موته بست سنين أو نحوها » (5).
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الاول
85
وكانت له عناية خاصة بمظهره ، فهو في تزيين جسمه يعنى بالخضاب حين تبدّى الشيب في كريمته ، فكان يخضب بالسواد(1) ، وبالحناء(2) ، وثالثة يصفـّر لحيته(3) ، وأظنه إنّما فعل ذلك لما أثر عنه في ذلك من الحديث: (من أنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مرّ عليه رجل قد خضب بالحناء فقال: ما أحسن هذا. ثم مرّ عليه آخر وقد خضب بالحناء والكتم فقال: ما أحسن هذا. ثم مرّ عليه آخر وقد خضب بالصفرة فقال: هذا أحسن من هذا كله)(4).
ويُعنى بالطيب حتى قال عكرمة مولاه: « كان يطلي جسده بالمسك » (5) ، حتى رآه بعضهم وقد أحرم والغالية على طلعته كأنها الربّ (6). وقالوا: أنه إذا مرّ في الطريق قلن النساء على الحيطان أمرّ ابن عباس أم مرّ المسك(7) ، وفي لفظ: « قال الناس: لطيمة مسك أو ابن عباس » (8).
وهو في ملبسه كان يُعنى ويتأنق حتى كان يلبس الرداء وقيمتـه ألف(9) ، وقالوا: كان يلبس المطرف الخز المنصوب الحوافي بمزالف(10) ، ويأخذه
(1) ذخائر العقبى /227.
(2) سير أعلام النبلاء 4/442.
(3) تهذيب الأسماء واللغات للنووي 1/275 ط المنيرية بمصر.
(4) المعجم الكبير للطبراني 11/20 برقم 10922 ، وأبو داود في سننه برقم /4193 ، وابن ماجة في سننه برقم /3627.
(5) عيون الأخبار لأبن قتيبة 1/304.
(6) نفس المصدر 1/303.
(7) نفس المصدر 1/304 ، وسير أعلام النبلاء للذهبي 4/442.
(8) غرر الخصائص للوطواط /40.
(9) عيون الأخبار لأبن قتيبة 1/298 ، وسير أعلام النبلاء 4/454.
(10) المزالف: المراقي.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الاول
86
بألف(1) ، وستأتي شواهد على ذلك في مستقبل تاريخه ، وكان يلبس الخز ويكره المصمت(2) وهو ضرب من الثياب والحرير الخالص ، وكان يلبس الأستبرق ، فدخل عليه المسور بن مخرمة يوماً فأنكر عليه فقال ابن عباس (رضي الله عنه): « إنّما كره ذلك لمن يتكبّر فيه ، فلمّا خرج المسور قال: انزعوا هذا الثوب عني » (3).
وقال: « لبست مرّة حلـّة فنظر إليّ الناس فقلت: ما تعيبون عليّ؟ لقد رأيت على رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم أحسن ما يكون من الحلل ، ورأيته مرّة لابساً جبّة مبطنّة ومرّة جبّة رومية ضيّقة الكمّين » (4).
ولقد رآه أبو الجويرية وعليه إزار إلى نصف ساقه أو فوق ذلك ، وعليه قطيفة رومية وهو يصلي(5).
وحدّث كريب مولاه قال: « رأيت أبن عباس يعتم بعمامة سوداء فيرخي شبراً بين كتفيه ومن بين يديه » (6).
وقال رجل لعطية: ما أضيق كمّك؟ قال: كذا كان كمّ ابن عباس وابن عمر(7).
ومهما يكن نصيب هذه الروايات من الصحة ، فإنها قد لا تخلو من مبالغة في الوصف ، خصوصاً في مسألة الطول وإلا فيلزم أن يكون عبد المطلب (رضي الله عنه) يناطح سقف البيت الحرام برأسه ، وهذا ما لم يحدث به أحد ، نعم انّه كان طويلاً مفرطاً فيه.
(1) مستدرك الحاكم 3/545.
(2) سير أعلام النبلاء 4/454. وثوب مصمت لا يخالط لونَه لونٌ ينسج من الابريسم الصرف.
(3) كشف الغمة للشعراني 1/195 ط مصر.
(4) نفس المصدر 1/196 ط مصر ، باب ما يحل ويحرم من اللباس.
(5) سير أعلام النبلاء 4/454.
(6) نفس المصدر.
(7) نفس المصدر.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الاول
87
وما أبعد هذا كله ممّا رواه المقدسي في كتابه: « إنّ العباس (رضي الله عنه) كان قصيراً » (1) ، ولعل مراده: كان قصيراً بالنسبة إلى أبيه حيث كان إلى منكبه كما تقدم ، وفات المقدسي التنبيه على ذلك.
وعلى أيّ فأنّ صفات الحبر ابن عباس (رضي الله عنه) الجسمية كانت موروثة عن آبائه فجلهم كان موصوفاً بالجمال والكمال لأنهم على حدّ ما جاء في الحديث الشريف المروي عن النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أنّه قال: (من أتاه الله وجهاً حسناً ، واسماً حسناً ، وجعله في موضع غير شائن له من الحسب ، فهو من من صفوة خلقه)(2) ، ولا شك أنّ بني هاشم هم الصفوة كما مرت الأشارة إلى ذلك ويأتي فابن عباس (رضي الله عنه) من سادات بني هاشم وقد حاز تلك الصفات الثلاث على النحو التالي:
فأمّا الوجه الحَسَن: فقد كان جميلاً مشرقاً حتى قال عطاء بن يسار: « ما رأيت البدر إلاّ ذكرت وجه ابن عباس (رضي الله عنه) لحسنه وجماله وبهائه » (3).
وأمّا الأسم الحَسَن: فقد كان أسمه عبد الله ، والذي سماه بذلك هو رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) كما مرّ في حديث ولادته ، والعبودية لله منتهى الفخر والشرف حتى قدّمت على الرسالة كما في ذكر التشهد في الصلاة وغيره.
وأمّا حسَبَهُ: فقد كان في موضع من الشرف لا يضاهيه فيه إلا مَن كان يماثله من أسرته. وناهيك به أنه من بني هاشم الذين أختارهم الله من خلقه كما قال رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (خير العرب مضر ، وخير مضر بنو عبد مناف ، وخير بني عبد
(1) البدء والتاريخ 5/105 ط أوربا ، وقد نسب إلى أبي سهل البلخي وهو للمقدسي.
(2) ربيع الأبرار (مخطوط) باب الخلق وصفاتها نسخة الرضوية والأوقاف ببغداد 1/850 ط بغداد.
(3) تاريخ الإسلام للذهبي 3/31 ، والبداية والنهاية 8/306 ، وخلاصة تهذيب الكمال /202 ، وتهذيب الأسماء واللغات للنووي وغيرها.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الاول
88
مناف بنو هاشم ، وخير بني هاشم بنو عبد المطلب. والله ما أفترق فرقتان منذ خلق الله آدم إلا كنتُ في خيرهما)(1) ، إذن فهو من صفوة خيار خلق الله سبحانه.
ولنعم ما قال الشيخ شمس الدين الأندلسي:
لقريش على الأنام فخار
وبنو هاشم فخار الفخار(2)
وزاد عليها غيره وأجاد وفيه لزوم ما لا يلزم:
فبالمصطفى قد علوا احمدا
فكان الفقار لأسنى الفخار
وبالمرتضى شيّدوا فخرهم
بصارمه ذي الفقار الفخار
وحاز الفخار لهم عصبة
أئمة حق رؤوس الفخار
فمن ذا يوازي لهم أحمدا
ومن ذا يسامي لهم بالفخار
ما عن بقية مكارم الأخلاق فهي كثيرة ، ولكن أصولها عشرة جمعها الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) فيما نسب إليه من الشعر ، فقال:
إن المكارم أخلاق مطـهرة
فالعقـل أولهـا والدين ثانيهـا
والعلم ثالثها والحلم رابعـها
والجود خامسها والفضل ساديها(3)
والبر سابعها والصبر ثامنها
والشكر تاسعها والليـن باقيهـا(4)
(1) الخصائص الكبرى للسيوطي 1/93 تحـ د. محمّد خليل هراس.
(2) اُنظر ذيل التبر المسبوك /250.
(3) المراد سادسها ، ولكن للضرورة الشعرية قال: ساديها.
(4) ديوان عمدة المطالب لسيّدنا عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) ص 138 ط بمبيء سنة 1357 ، وأدب الدنيا والدين /11 ط دار إحياء التراث العربي ، والمستطرف 1/15 ، وجاء في تهذيب تاريخ دمشق 4/357: ذكر ابن اسحاق صاحب المغازي انه قال ذكر الزاهد عند أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) فقال:
ان المكارم أخلاق مطهرة
فالعقل أولها والبر ثانيها
قال الحافظ. يعني ابن عساكر. فذكر قصيدة عدد أبياتها اثنان وسبعون بيتاً ، وقال ابن بدران مهذب التاريخ: لم يذكر منها في الأصل سوى هذا البيت.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الاول
89
وعلى ضوء هذه المكارم العشرة المطهرة إذا أردنا أن نبحث عن صفات الحبر ابن عباس (رضي الله عنه) ومكارم أخلاقه ، فإنا نجد أنّ نصيبه منها هو الحظ الأوفر.
ولمّا كان ذكر الشواهد عليها استباق لما يأتي في غضون سيرته ، فسنكتفي هنا بايراد طائفة من أقواله ، فهي تحكي عن غرّ أفعاله ، فإنّ المرء مخبوٌّ تحت طيّ لسانه لا طيلسانه ، وكما قال الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): (المرء مخبوءٌ تحت لسانه)(1).
1- أمّا عن العقل: فقد قال (رضي الله عنه): « أساس الدين بني على العقل ، وفرضت الفرائض على العقل ، وربّنا يُعرف بالعقل ، ويتوسل إليه بالعقل ، والعاقل أقرب إلى ربه من جميع المجتهدين بغير عقل ، ولمثقال ذرة من برّ العاقل أفضل من جهاد الجاهل ألف عام » (2).
وقال: « مجالسة العقلاء تزيد الشرف » (3).
وقال: « مجامعة العاقل في الغل والوثاق ، خير من مجامعة الجاهل على السندس والاستبرق » (4).
2- وأمّا عن الدين: فقد قال (رضي الله عنه): « ملاك أمركم الدين ، وزينتكم العلم ، وحصون أعراضكم الأدب ، وعزّكم الحلم ، وحليتكم الوفاء » (5).
وقال وهو يوصي بعضهم: « عليك بالفرائض وما وظّف الله تعالى عليك من حقه ، وأستعن بالله على ذلك ، فإنه لا يعلم من عبدٍ صدق نيّة وحرصاً فيما عنده من حسن ثوابه إلا أخّره عما يكره ، وهو الملك يصنع ما يشاء » (6).
(1) شرح نهج البلاغة لمحمد عبده 3/189 الحكمة 148.
(2) روضة الواعظين /9.
(3) سراج الملوك للطرطوشي /135.
(4) غرر الخصائص الواضحة للوطواط /95 ط سنة 1299 هـ بمصر ، مشكاة الأدب 1/914.
(5) مجمع الأمثال 2/455 تحـ. محي الدين ط دار الفكر ، جمهرة خطب العرب 1/271.
(6) حلية الأولياء 1/326.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الاول
90
وقال: « لا يقبل الله صلاة أمريء وفي جوفه حرام » (1).
وقال: « عهدت الناس وأهواءهم تبعٌ لأديانهم ، وإن الناس اليوم أديانهم تبعٌ لأهوائهم » (2).
وقال: « المروءه أن تحقق التوحيد ، وتركب المنهج السديد ، وتستدعي من الله المزيد » (3).
وقال: « لأن أرقـّع ثوباً فألبسه فيرفعني عند الخالق ، أحبّ إليّ من أن ألبس ثياباً تضعني عند الخالق وترفعني عند المخلوقين » (4).
وقال: « وأعمل عمل من يعلم أنه مجزيّ بالحسنات مأخوذ بالسيئات » (5).
وستأتي شواهد كثيرة عن إيمانه وورعه وتقواه وزهده في فصول سيرته.
3- وأمّا عن العلم: فقد قال رحمه الله: « العلم كثير فأرعوا أحسنه أما سمعتم قول الله تعالى: « فَبَشِّرْ عِبَاد ِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ » (6) » (7).
وقال: « العلم أكثر من أن يحاط به. وفي لفظ: يحصى ، وفي ثالث: يؤتى على آخره ، فخذوا من كل شيء أحسنه » (8) .
(1) الطبقات الكبرى للشعراني 1/22 ، منهاج العابدين للغزالي /35 ط سنة 1327 هـ بمصر.
(2) ربيع الأبرار للزمخشري (مخطوط) باب الشر والفجور نسخة الرضوية 2/494 ط الأوقاف ببغداد ، والمستظرف 1/155.
(3) محاضرات الراغب 1/145.
(4) اللمع لأبي نصر السراج الطوسي /187.
(5) مجمع الأمثال 2/455.
(6) الزمر /17- 18.
(7) محاضرات الراغب 1/22.
(8) الكهف /66.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الاول
91
وقال: « لو كان أحد مكتفياً من العلم لأكتفى منه موسى على نبيّنا وعليه السلام وَلـَما قال: « هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً » (1) » (2).
وقال: « معلم الخير يستغفر له ويشفع له كل شيء حتى الحيتان في البحر » (3).
وقال: « مثل علم لا يظهره صاحبه كمثل كنز لا ينفق منه صاحبه » (4).
وقال: « ما أوتي عالم علماً إلاّ وهو شاب » (5).
وقال: « العلماء فوق المؤمنين مائة درجة ما بين الدرجتين مائة عام » (6).
وقال: « ذللتُ طالباً فعززتُ مطلوباً » (7).
وقال: « ما سألني رجل إلاّ عرفت أفقيه هو أم غير فقيه » (8).
وقال: « تذاكر العلم بعض ليلة أحبّ اليّ من إحيائها » (9).
4- وأمّا عن الحلم: فقد قال رحمه الله: « ثلاث من كنّ فيه فقد استحق ولاية الله: حلم أصيل يدفع به سفه السفيه ، وورع يمنعه عن المعاصي ، وحسن خلق يداري به الناس » (10).
(1) البيان والتبيين 1/404 تحـ هرون ، وجامع بيان العلم 1/106 ، وأدب الدنيا والدين /32 ، والموشى 1/2 ، ورغبة الأمل 6/65.
(2) أدب الدنيا والدين /59.
(3) جامع بيان العلم 1/38.
(4) نفس المصدر 1/122.
(5) منية المريد /123.
(6) تذكرة السامع للكناني /5.
(7) جامع بيان العلم 1/117 ، عقد الفريد 1/264 ، عيون الأخبار لأبن قتيبة 1/122 ، ربيع الأبرار باب العلم والحكمة (مخطوط) نسخة الرضوية ، و 3/268 ط الأوقاف ببغداد ، تذكرة السامع /91 ، منية المريد.
(8) جامع بيان العلم 2/115.
(9) ربيع الأبرار باب العلم والحكمة نسخة الرضوية مخطوط ، جامع بيان العلم 1/24.
(10) نزهة المجالس 1/175.