والصلاة والسلام على سيدنا محمد واله الاطهار وصحبه الابرار ومن تبعهم باحسان وبعد :
لقد كان لهذا الكتيب على وجازته صدى استحسان في نفوس القراء وذلك للمنهج الذي اختطه هذا الكتاب اكثر منه للكتاب نفسه لوضوح ان مضمون الكتاب ليس من الضخامة بحيث يشكل رقما فريدا بل هو بضعة وريقات ربما احسن فيها التعبير وحسن الاختيار والالتفات لمواطن ذات وقع خاص بالنفوس ذلك مضافا للمنهج ، وكان من المؤشرات على اقبال القراء عليه نفاذ نسخ الطبعة سريعا مع اننا لم ننوه عنه في صحيفة او دعاية بل طرح في السوق بصورة عادية . ان هذه الظاهرة تشجعنا على الكتابة في امثال هذا الموضوع مما هو محل اخذ ورد بين فرق المسلمين لا لزيادة الركام بل لصهره حتى يذوب على ان يكون من وراء الكتابة في هذه المواضيع روح مؤمن ينشد وجه الله تعالى ويتوخى ازالة الضباب عن طريق المعالم المشتركة بين المسلمين في مختلف ابعاد الحضارة الاسلامية مما هو في حكم شرعي او عقيدة اسلامية او تاريخ مسلم ، ولعل من نافلة القول ان ننوه بان ثمرات الاقلام النظيفة من الوسائل الناجعة لخدمة المسلمين ومن الطرق الصحيحة لتفاهم المسلمين .
هذا بالاضافة الى ان ذلك يقطع الطريق على الاقلام المأجورة التي ترتزق
هوية التشيع
4
باشعال النار وبث الالغام في المجتمع المسلم مما نراه عند كثير من المأجورين بين آونة واخرى حيث يزيد ذلك من قناعتنا بان وراء ذلك اصابع تقليدية ما برحت تمارس لعبتها الخبيثة كلما سنحت لها الفرص .
واكرر ما سبق ان اشرت اليه في الطبعة الاولى عن وجود شيء من التشنج في التعبير مما قد يعتبر كاشفا عن ضغن او حقد ـ معاذ الله ـ في حين لا يعدو ان يكون غضبة ايمانية من روح حساس ازاء كل ما يمس وحده المسلمين وقد يبرره تصور بفاعلية هذا الاسلوب عن غيره .
ولما كان الكمال لله وحده والانسان محل النقص كانت محاولة الازدياد في التكامل من الامور المحبوبة . ومن هذا المنطلق قمت بشيء من التهذيب والاضافات التي اراها متممة لمواضيع الكتاب . واملي بالقارئ الكريم ان يرى في الكتاب صورة من صور النقد الموضوعي البناء . وصرخة في وجه بعض هواة الشتائم الذين ينبزون غيرهم بامر هو عندهم قبل كونه عند خصومهم ولكن الهوى يعمي ويصم . وما اروع ما قيل من ان شخصا قيل له : لماذا تبدلون حرف الذال بالزاء والقاف بالغين في نطقكم ؟ فقال : كلا (نحن لا نقول ذلك) وفي نهاية هذه السطور ادعو القارئ الكريم ان يوجهني بالتنبيه على ما في الكتاب من عيب او شطحات فالمؤمن مرآة المؤمن . هدانا الله لما يحب ويرضى والحمد لله اولاً وآخراً .
المؤلف
هوية التشيع
5
مقدمة الطبعة الاولى
بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على محمد واله الطاهرين وصحبه المنتجبين وبعد :
هناك امور لا غنى لقارئ هذا الكتاب عن الالمام بها قبل الدخول في صلب الموضوع لانها تتضمن الاجابة لما قد يعن للقارئ من سؤال خلال قراءته للكتاب كما انها ستجعل القارئ يفهم الكتاب في حدود عناوينه لئلا يكبر العنوان على المعنون او العكس . وتتلخص هذه الامور في الاتي :
1ـ قد يتبادر الى ذهن القارئ من عنوان الكتاب ـ هوية التشيع ـ ان الكتاب سيبحث كل ما للتشيع من سمات وخواص واء كانت من المقومات او من السمات التي اضيفت اليه . ولكي ابعد القارئ عن هذا التصور : الفت نظره الى اني لم استوعب كل ما للتشيع من نعوت وصفات انما تعرضت هنا لامور تكفي لايضاح هوية التشيع وفي الوقت ذاته يدور حولها نزاع بين مختلف الفرق الاسلامية من جانب وبين الامامية من فرق المسلمين وما يزال الجدل يحتدم حولها برغم ما كتب حولها وبرغم اشباعها بالبحث منذ ازمنة طويلة وهي تتناول من التشيع جوانب عرقية وجوانب فكرية .
2ـ وعلى وجه القطع هناك كثيرون كتبوا في موضوع الشيعة والتشيع كتبا اكثر عمقا واوفى استيعابا واطول نفسا مما كتب هنا ولكني اتصور اني عالجتها هنا بنمط واسلوب يختلف عن الانماط الاخرى ، ولست اريد ان افضل هذا النمط
هوية التشيع
6
الذي اخترته على الانماط الاخرى ولكني اعتقد انه اوصل الى نفس القارئ من غيره فان كان ذلك هو الواقع فهو المطلوب والا فلست باول من اجتهد واخطأ وما اكثرهم على امتداد تاريخنا .
3ـ وسيجد القارئ في ثنايا هذا الكتاب بعض الالتهابات التي سببتها الجروح المزمنة في تاريخ المسلمين وسيجد ما يتبع الالتهابات من الم وتشنج مما هو ظاهرة طبعية لا طبيعية يسببها افلات الزمام احيانا بالرغم من ترويض الاعصاب وقسرها على التحمل ، وكل من مارس الكتابة في امثال هذه المواضيع يعلم مقدار الحرج والمشقة في ضبط الاعصاب هنا لما يرى ـ ومع الاسف الشديد ـ من مناولات بين فرق المسلمين فيها كثير من عدم الموضوعية وفقدان الشعور بمسؤولية الكلمة واهميتها الامرالذي تكون معه على مر الايام خزين وركام من التركة الخطرة والوباء الاسود الذي يعمد بين الاونة الاخرى جماعة ممن هم ليسوا ببعيدين عن الشبهات الى اثارته والاصطياد خلال اجوائه المظلمة وسوف يبقى هذا الوضع خطرا ما دام هذا الركام موجودا على متناول ايدينا دون ان نعمل على تصفية وتسليط الاضواء عليه وتعريته تعرية كاملة لنصل الى رأي في وجوده واثاره . واعود لاقول ان ضبط الاعصاب في مثل هذا الموقف امر ليس بالهين بداهة ان الانسان مسير باموره النفسية اكثر ما هو مسير باموره العقلية الا من عصمه الخلق وهذبه الدين والله المسؤول ان يجعلنا منهم .
4ـ وقد يقول قائل : انه مع ما ذكرت انفا فما هي جدوى الكتابة في امثال هذه المواضيع ؟ ونحن نجد اصرارا عجيبا على طرحها كل مرة كما هي كانها لم تعالج ولم يكثر حولها الاخذ والرد ولم تحصل الاجابة على مضامينها في اكثر من مورد ومورد . ان هذه الوضعية تكاد تجعل الانسان يقتنع بعدم جدوى علاج امثال هذه الامور والحريص على الوقت من ان يهدر في امثال هذه الميادين ، وللاجابة على ذلك اقول : ان افتراض ان الباب موصد في وجه
هوية التشيع
7
الاصلاح هو انهزامية امام التحدي . وما كانت الفتوح في اي ميدان الا مقابلة التحدي بمثله . ان الباحثين عن الواقع لم يخل منهم عصر من العصور ، وان الذين غلبت عليهم شبهات تاهوا فيها ليسوا بالقليلين وترك امثال هذين بدون التعاون معهما امر ليس مما يستسيغه من يحمل رسالة في دفع الحياة الى الافضل كما انه ليس من الدين في شيء . ان تمكين الاقلام المشبوهة من نفوس المسلمين وافكارهم لتتخذ منها فرائس هو اسهام بشكل واخر مع تلك الاقلام فيما تجترحه من اثام . اننا مدعوون لكنس هذا الركام عن طريق المسلين حتى يكون الدرب سمحا لا حبا امام خطاهم . وكل نتائج تحرز في هذا الميدان هي فتح وانسجام مع دعوة الاسلام للجهاد بالقلم والفكر وليس من المنطق في شيء ان نترك المريض يصارع الداء بدون ان تعطيه جرعة دواء ونحن نملك القدرة فيما نظن على ذلك . وكم من انسان عاش دهرا طويلا فريسة لعجز اوعصبية ثم رجع الى الموضوعية نتيجة الحاح الاقلام على تنقية الاجواء خصوصا اذا استطاعت الاقلام ان تسافر بنا عبر دنيانا الى فجرنا الاصيل الذي شع بالتسامح ورفت فيه نسائم من نقاء الروح وطهر الضمير وطبعت الحياة فيه على مزاج الاسلام الطهور .
5ـ ومما يهون الخطب ان مواطن الخلاف بين فرق المسلمين منذ كانت لم تصل الى الاصول وانما هي في نطاق الفروع وان حاول كثيرة كنهم ان يوصلها الى الاصول عن طريق عناوين ثانوية ولوازم تحاول الدخول من ابواب خلفية . ولكنها وبشيء من التأمل والتحليل ترتد عن الاصول الى الفروع وما دام الاسلام في روحه الكريمة يفترض الصحة في فعل المسلم ابتداءا فعلينا معالجة هذه الامور بوحي من هذا الروح . وما دامت العقول متفاوته والمدارك مختلفة فمن المنطق ان نقول ان الاختلاف في مسائل الفكر سنة الكون وسجية النفوس وخاصة العقول وانما يحمل على نسيان هذه الحقائق الافق الضيق والعصبية الرعناء والتسرع في الاندفاع وما اجدرنا بالابتعاد عنها .
هوية التشيع
8
6ـ ولما كانت مواضيع الكتاب ومسائله مختلفة فسوف لا يجد القارئ وحده في الموضوع وتبعا لذلك فسيختلف اسلوب المعالجة ونمط التناول والمزاج الذي يمليه الموقف . مع ادراكنا ان هذه المسائل يجمعها عنوان العقائد ولكن اجزاء هذا العنوان متنوعة . ونحن ندرك ان تسمية كثير مما يحمله الانسان المسلم وينتحله عقيدة فيه كثير من التجوز ، فقد لا يعتقد ولا يدين بما يحمله من افكار احيانا وانما هو مجرد شعار تمليه مصلحة او تحتمه عصبية او تفرضه تقاليد درج عليها الانسان . وهذا هو سر تمسك بعض الناس بافكار يعلم بطلانها سلفا ولكنه التمذهب الايديولوجي الناتج من مختلف الاسباب والذي هو من مصائبنا التي نرجو ان يعافينا الله منها .
7ـ وكل الذي ارجوه من القارئ ان لايسمي بعض معالجات هذا الكتاب دعوة للطائفية عن طريق الدعوة الى ترك الطائفية مما هو من قبيل المصادرة على المطلوب . ذلك لان منطق المقارعة احيانا من طرق تصحيح المسار فان مبضع الجراح لا يريد الانتقام وان سبب الما . وان وضع السيف امام السيف قد لا يكون دعوة الى القتال بل دعوة الى تركه وان الحمل على شرب الدواء ليس عن بغض وان كان الدواء مرا . وستبقى الاهداف دائما وراء الاعمال تحدد هوياتها وتشكل مبررا لما قد يكون في وسائلها من قسوة شريطة ان لا تنزل الوسائل الى المستويات الملوثة وما دام الهدف كبيرا فسوف تستساغ بعض الوسائل في حالات كثيرة كما يمليها العقل ويقرها الواقع .
8ـ وبعد ذلك كله فاني ومن منطلق كوني اماميا ادعو كل قارئ ان يتلبس الادوار التي مرت بالشيعة والظروف والملابسات التي اكتنفتهم وجودا واستمرارا ثم يتصور ما تفرزه تلك الحالات من مظاهر سلوكية حتى تكون معيارا بين يديه يفسر خلال اجوائها المعاشة كثيرا من مظاهر السلوك الفكري والاجتماعي عند الشيعة بذلك يبتعد عن الشطط في الحكم عليهم . فاذا رآهم يشددون على فكرة التقية فليعلم انهم لم يخرجوا بها عن نطاق واقع مر
هوية التشيع
9
تكيفوا معه ضمن مقاييس الشرع ، اذا راى ان ردود الفعل عند بعضهم في بعض المواقف عنيفة فلا ينسى عنف الفعل ذاته وهكذا ليكن الانسان نفسه مقياسا للاخرين وميزانا يزن به سلوك غيره .
9ـ اضمن هذه الوريقات دعوة الى كل فرق المسلمين ان يدرسوا بعضهم البعض بروح عملية وان يتبينوا هذه الخلفيات المشبوهة التي لعبت دورا كبيرا وما زالت في تمزيق المسلمين ثم ليقيموا نتائج هذا الوضع ليروا من هو الذي يقطف الثمار من وراء هذا الوضع وبعد ذلك كله نحن مدعوون الى وضع التاريخ في ساحة الاتهام وبالحروف الكبيرة لنحاكمه وننتهي الى التخلص من كثير من مآسيه التي نعيشها فالتاريخ فاعل في داخلنا وان بعد العهد بيننا وبين مواده ومكوناته نسأل الله تعالى العون على مسيرتنا في درب الحياة الوعر واضاءة طريقنا بنور منه والحمد لله اولاً وآخراً .
هوية التشيع
10
هوية التشيع
11
تمهيد
التشيع لغة
هو المشايعة اي المتابعة والمناصرة والموالاة (1) .
فالشيعة بالمعنى اللغوي هم الاتباع والانصار وقد غلب هذا الاسم على اتباع علي عليه السلام حتى اختص بهم واصبح اذا اطلق ينصرف اليهم .
وبهذا المعنى اللغوي استعمل القران الكريم لفظة الشيعة كما في قوله تعالى : « وان من شيعته لابراهيم »83 الصافات وكقوله تعالى ـ « هذا من شيعته وهذا من عدوه » 15 القصص .
التشيع اصطلاحا
هو : اعتقاد باراء وافكار معينة وقد اختلف الباحثون في هذه الافكار والاراء كثرة وقلة وسيمر علينا ذلك مفصلا فالتشيع بالمعنى الثاني اعم منه بالمعنى الاول . وبينهما من النسب عموم وخصوص مطلقا والعموم في جانب التشيع بالمعنى الثاني لشموله لكل منهما .
وانطلاقا من كون التشيع اعتقاد باراء معينة ذهب العلماء والباحثون تبعا لذلك الى تعريفه على اختلاف بينهم في سعة مدى هذه التعاريف وضيقه واليك نماذج من تعريفاتهم
(1) صحاح الجوهري جـ 3 ص 156 ، وتاج العروس ولسان العرب مادة شيع .
هوية التشيع
12
1ـ الشهيد الثاني في كتابه شرح اللمعة قال :
«والشيعة من شايع عليا ـ اي اتبعه وقدمه على غيره في الامامة وان لم يوافق على امامة باقي الائمة ، فيدخل فيهم الامامية والجارودية من الزيدية والاسماعيلية غير الملاحدة منهم والواقفية والفطحية» (1) .
2ـ الشيخ المفيد في كتاب الموسوعة كما نقله عنه المؤلف قال :
«الشيعة هم من شايع عليا وقدمه على اصحاب رسول الله صلوات الله عليه واله واعتقد انه الامام بوصية من رسول الله او بارادة من الله تعالى نصا كما يرى الامامية او وصفا كما يرى الجارودية» .
وقد نقل هذا المضمون نفسه كامل مصطفى الشيبي في كتابه الصلة (2) .
3ـ الشهرستاني في الملل والنحل قال :
«الشيعة هم الذين شايعوا عليا وقالوا بامامته وخلافته نصا ووصاية اما جليا واما خفيا واعتقدوا ان الامامة لا تخرج من اولاده وان خرجت فبظلم يكون من غيره او بتقية من عنده» (3) .
4ـ النوبختي في كتابه الفرق قال :
«الشيعة هم فرقة علي بن ابي طالب المسمون بشيعة علي في زمن النبي ومن وافق مودته مودة علي» (4) .
5ـ محمد فريد وجدي في كتابه دائرة معارف القرن العشرين قال :
«والشيعة هم الذين شايعوا عليا في امامته واعتقدوا ان الامامة لا تخرج عن اولاده ويقولون بعصمة الائمة من الكبائر والصغائر والقول بالتولي والتبري
(1) شرح اللمعة جـ 2 ص 228 .
(2) موسوعة العتبات المقدسة المدخل ص91 .
(3) الملل والنحل ص 107 .
(4) فرق الشيعة .
هوية التشيع
13
قولا وفعلا الا في حال التقية اذا خافوا بطش ظالم» (1) .
هذه النماذج من التعريفات انما قدمتها لنعرف ما هي مقومات التشيع في نظر الباحثين . وقد تبين من بعضها :
الاقتصار على وصف الشيعة بانم يقدمون عليا على غيره لوجود نصوص في ذلك او وجود صفات اختص بها ولم تتوفر لغيره والواضح من ذلك ان جوهر التشيع هو الالتزام بامامة علي وولده وتقديمه على غيره لوجود نصوص عندهم في ذلك وينتج من ذلك الالتزام بامرين :
الاول : بما ان الامامة وليدة النصوص فهي امتداد للنبوة يترتب عليها ما يترتب على النبوة من لوازم عدا الوحي فان نزوله مختص بالانبياء
والثاني : ان الامامة لا تتم بالانتخاب والاختيار انما بالتعين من الله تعالى فهو الذي ينص على الامام عن طريق النبي ، وانما يختاره لتوفر مؤهلات عنده لا توجد عند غيره .
اما الزيادة على ما ذكرناه والتي وردت في التعريفات التي نقلناها والتي قد توجد في كتب الشيعة الاخرى فهي مستفادة من اخبار وهي اعم من كونها من اصول المذهب او من اصول الاسلام كما سنرى ذلك فيما ياتي ان الغرض من هذه الاشارة هو القاء الضوء على نقطة يؤكد عليها الباحثون عند استعراضهم لذكر الشيعة وعقائدهم : الا وهي التاكيد على ادخال اراء اريد لها ان تكون خيوطا تصل بين التشيع واليهودية ، او النصرانية ، او الزندقة . ومحاولة ايصال التشيع لعرقيات معينة . وهي محاولة لا تخفى على اعين النقاد بانها غير موضوعية . ان هذه المحاولة تريد تصوير التشيع بانه تطور لا كما تتطور العقائد والمذاهب الاخرى . وفي التوسع وقبول الاضافات السليمة نتيجة تبرعم بعض الاراء وانما هو تطور غير سليم وغير نظيف افسد مضمون التشيع .
(1) دائرة المعارف جـ 5 ص 424 .
هوية التشيع
14
وساستعرض بعض هذه الاقوال لتكون مجرد مؤشر على هذا الاتجاه وساعقب عليها بما اراه :
تطور التشيع
1ـ رسم الدكتور عبد العزيز الدوري هذه التطور عن طريق تقسيمه للتشيع الى روحي بدأ ايام النبي عليه الصلاة والسلام وسياسي حدث بعد مقتل الامام علي ، وقد استدل لذلك بان التشيع بمعناه البسيط دون باقي خواصه الاصطلاحية قد استعمل في صحيفة التحكيم التي نصت على شيعة لعلي وشيعه لمعاوية مما يعطي معنى المشايعة والمناصرة فقط دون باقي الصفات والابعاد السياسية التي حدثت بعد ذلك (1) .
2ـ محمد فريد وجدي في دائرة المعارف قال :
«الشيعة هم الذين شايعوا عليا في امامته واعتقدوا ان الامامة لاتخرج عن اولاده ويقولون بعصمة الائمة من الصغائر والكبائر والقول بالتولي والتبري قولا وفعلا الا في حال التقية اذا خافوا بطش ظالم وهم خمس فرق : «كيسانية وزيدية وامامية وغلاة واسماعيلية» وبعضهم يميل في الاصول الى الاعتزال وبعضهم الى السنة وبعضهم الى التشبيه» (2) .
ان هذه المقتطفة من فريد وجدي سبق ان ذكرت قسما منها في التعريف بالتشيع ، وذكرت هنا المقتطفة بكاملها ليتضح منها ان مضمونها يغطي التشيع منذ ايامه الاولى حتى الان لان من الواضح ان هذه المضامين لم تولد دفعة واحده وانما دخلت لمضمون التشيع تدريجا . وقد خلط فريد وجدي فيها بين السمات والمقومات وجعل من ليس من الشيعة منهم ونسب لهم ما هم منه براء ولا اريد ان اتعجل الرد عليه فستمر علينا امثال هذه النسب والرد عليها في مكانها من الكتاب .
(1) مقدمة في تاريخ صدر الاسلام ص 72 .
(2) دائرة معارف قريد وجدي جـ 5 ص 424 .
هوية التشيع
15
3ـ الدكتور كامل مصطفى في كتابه الصلة قال :
«ويتضح بعد ذلك ان التشيع قد عاصر بدء الاسلام باعتباره جوهرا له ، وانه ظهر كحركة سياسية بعد ان نازع معاوية عليا على الامارة وتدبير شؤون المسلمين ويتبين بعد ذلك ان تبلور الحركة السياسية تحت اسم الشيعة كان بعد قتل الحسين عليه السلام مباشرة وان كانت الحركة سبقت الاصطلاح وبذلك يمكننا ان نلخص هذا الفصل في كلمة بيانها ان التشيع كان تكتلا اسلاميا ظهرت نزعته ايام النبي وتبلور اتجاهه السياسي بعد قتل عثمان واستقل الاصطلاح الدال عليه بعد قتل الحسين (1) . وواضح من هذا النص ان التشيع مر بادوار تطور فيها كما يقول كامل .
4ـ الدكتور احمد امين قال :
«ان التشيع بدأ بمعنى ساذج وهو ان عليا اولى من غيره من وجهتين : كفايته الشخصية وقرابته للنبي . ولكن هذا التشيع اخذ صيغة جديدة بدخول العناصر الاخرى في الاسلام من يهودية ونصرانية ومجوسية . وحيث ان اكبر عنصر دخل في الاسلام الفرس فلهم اكبر الاثر بالتشيع» (2) .
وواضح هنا مما ذكره احمد امين ان التشيع تطور لا بشيء من داخله وانما باضافات واسباغ من عناصر اخرى دخلت الاسلام واختارت التشيع فنقلت ما عندها من افكار وعقائد اليه حتى اصبحت جزءاً منه وان الفرس بالذات تركوا بصماتهم على المذهب اكثر من غيرهم كما يريد احمد امين ان يصوره . وهو زعم اخذه احمد امين من غيره وغيره اخذ من غيره وهكذا حتى اوشك ان يصبح من الامور المتسالم عليها عند الباحثين وقريبا ساوقفك على زيف هذه الدعوى والهدف من الاصرار على ربط التشيع بالفارسية شكلا ومضمونا .
5ـ الدكتور احمد محمود صبحي قال :
«ـ بعد ذكر الرواد من الشيعة ـ والتشيع بالنسبة للشيعة المتأخرين مثل الزهد في عصر الرسول والخلفاء الراشدين والفرق بينه وبين التصوف الذي شابته عناصر غنوصية وتاثر بتيارات فكرية متباينة كما عرف لدى محيي الدين ابي عربي والسهر وردي مثلا» (1) .
وبعد ان استعرضنا هذه الامثلة من اقوال الكتاب التي فرقوا بها بين التشيع في الصدر الاول وما تلا ذلك من عصور اود ان اعقب على ذلك بما يلي :
1ـ ان كمية الافكار والمعتقدات في المضمون الشيعي تتسع في الازمنة المتأخرة عما كانت عليه في الصدر الاول دون شك في ذلك ولكن هذه الزيادة ليست اكثر من المضمون الاصلي للتشيع وانما هي تفصيل وبيان لمجمله ، انها ليست باضافة اجزاء وانما هي ظهور جزئيات انطبق عليها المفهوم الكلي للتشيع وقد ظهرت هذه الجزئيات بفعل تطور الزمن . وكمثال لذلك : موضوع النصوص التي وردت على لسان النبي عليه الصلاة والسلام هل هي مجرد اشارة لفضل الامام علي ام انها على شكل يلزم المسلمين بالقول بامامته وعلى نحو الوصية له بالخلافة وتبعا لذلك هل ان هذه الامامة تقف عند حد المؤهلات ام ان الامام يجب ان يكون النموذج المثالي فيكون اشجع الناس واعلم الناس واعدل الناس وهكذا تبرعم موضوع العصمة وغيره . وكل هذه الامور داخلة في صلب موضوع الامامة وليست هي بامور زائدة على الموضوع بل اشتقاقات اولدها التطور الفكري وزيادة اعداد وانواع معتنقي المذهب .
2ـ ان مثل هذه التطور كمثل كل تطور حدث ، ومن ذلك تطور الاسلام بصفته مقسما للمذاهب . فالمسلمون منذ وجدوا كان من عقيدتهم الاعتراف بالله عز وجل ووجوده ووحدانيته واتصافه بصفات الكمال وتنزهه عن صفات النقص وكل ذلك على نحو الاجمال . وعندما اتسعت مجالات التفكير وانفتح العالم الاسلامي على امم وثقافات متنوعة . تبرعمت اسئلة وجدت افكار فرجع
(1) نظرية الامامة ص 35 .
هوية التشيع
17
المسلمون الى ما امنوا به اجمالا يبينون مجمله ويفصلون مختصره ، فنشأ من ايمانهم بان الله خلق كل شيء : النزاع باعطاء السبب الطبيعي صفة الخلق وذلك يؤدي الى تعدد الخالق كما تصوروا ، ام ان ذلك لا يقدح بانفراد الله تعالى بصفة الخالق : اذ ان لله تعالى جهة تاثير ليست من مقدورات المخلوقين وكل ما للمخلوقين انما هو من جهة اخرى ولا يقدح ذلك في كون الله تعالى احسن الخالقين . وتبرعمت عن هذه المسالة مسالة خلق افعال العباد وربط ذلك كله بالجبر والاختيار وهكذا .
ومثل اخر هو ايمان المسلمين منذ وجدوا بحجية ظواهر القرآن الكريم فنشأ من ذلك النزاع حول حجية ظواهر بعض الايات لان لازم ذلك نسبة ما لايصح الى الله تعالى وذلك مثل قوله تعالى : « وجوه يومئذ ناضرة الى ربها ناظرة »22/سورة القيامة . حيث ذهب اهل السنة الى جواز رؤية الله تعالى يوم القيامةاستنادا الى ظاهر الآية ، بينما ذهب الامامية الى استحالة رؤيته تعالى لاستلزام الرؤية الجسمية وبالتالي التركيب فالحاجة فالحدوث وانتهاء كل ذلك الى نفي الالوهية وقد اولوا النظر هنا بانه انتظار الرحمة كما يقول شخص لاخر ينتظر منه الرحمة انا انظر اليك والى عطفك وذلك شائع في لغة العرب وحضارتهم والقرآن نزل بلغة العرب وسلك منهجهم في المحاورات .
هذا بالاضافة الى ان الله تعالى نسب هنا النظر الى الوجوه وهي ليست من اعضاء النظر من قبيل قوله تعالى : « ما ينظرون الا صيحة واحدة تأخذهم وهم يخصمون » 49/ يس . ومثال اخر اذكره للتدليل على اتساع المضمون الاسلامي عما كان عليه في الصدر الاول فقد امن المسلمون منذ وجدوا بان الله تعالى لا يفعل العبث وجاءت ظواهر الايات تؤيد ذلك فقد جاء في قوله تعالى : « الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم »2/ سورة الملك . وجاء بقوله : « وما خلقنا السماوات والارض وما بينهما لاعبين» 38/ الدخان . فتنازع المسلمون بعد ذلك في ان افعال الله تعالى هل هي معللة ولازم ذلك نسبة النقص الى الله لان كل فاعل للعلة انما يحتاج لتلك العلة ، ام ان افعاله تعالى غير معللة ولازم ذلك ان فعله
هوية التشيع
18
عبث تعالى الله عن ذلك ، فذهب اهل السنة الى ان افعاله غير معللة ، وذهب الامامية الى انها معللة بدون حاجة منه تعالى للعلة وانما يعود نفع العلة للعباد انفسهم وبذلك يجمع بين الامرين من كونه تعالى لا يفعل العبث ومن كونه غنيا عن الحاجة . ومع جميع ما ذكرناه لا يقال ان المسلمين تطورت عقائدهم وزاد مضمون الاسلام عما كان عليه في الصدر الاول وانما الذي حدث ان المسلمين توسعوا في شرح الامور المجملة عندما اضطروا لذلك نتيجة تفاعلهم مع ثقافات مختلفة وافكار متنوعة فالمسلم في صدر الاسلام والمسلم في ايامنا مصدر تشريعه الكتاب والسنة ولكنه فيما مضى اخذهما مجملين والان احتاج الى التفصيل لوجود دواعي وجدت ولم تكن موجودة في الصدر الاول فاذا كان التطور المنسوب الى التشيع على هذا النحو الذي حدث في الاسلام نفسه فهو واقع بهذا المعنى لا نزاع في ذلك ، اما اذا كان استحداث اراء جديدة وبعيدة عن روح الاسلام فلا لان كل ما يأباه الاسلام يأباه التشيع بالضرورة ان التطور الذي حدث في الاسلام على الشكل الذي ذكرناه لم يشكل قدحا في عقائد فرق المسلمين ، واذا كان ما حدث في التشيع من تطور مثل ما حدث في الاسلام ككل فما له هنا يشكل قدحا في العقيدة ويثير شكوكا لا مبرر لها ؟ .
3ـ ومع التنزل وافتراض دخول عضو اضافي على جسم التشيع كما يريد ان يثبته البعض اعتباطا وهو منفي فان مثل هذا الفرض يأباه الفكر الشيعي اذا كان مما لا يلتقي مع كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه واله والخطوط الاسلامية العامة ، ان مثل هذا الفرض هو رأي يرد الى نحر قائله فكل ما هو ليس من الاسلام فهو ليس من التشيع في شيء بداهة ان التشيع من عطاء فكر اهل البيت وهم عدل الكتاب وهم مثل سفينة نوح فعلى هذا يكون ما ينسب الى التشيع من هذا القبيل انما هو خلط بين التشيع والشيعة وكثير ممن ينعت بانه من الشيعة يرفضه الهيكل الشيعي فيما له من حدود وهو ما سنمر عليه ونذكر ادلته ، والشأن في ذلك شأن التفكير السني الذي ينفي عنه بعض المنتسبين اليه ممن ثبت انحرافهم عن خطوط الاسلام ولا يقدح وجود امثالهم عند اهل السنة ، ولا ينتزع من وجود
هوية التشيع
19
امثال هؤلاء حكم عام يعمم على اهل السنة .
على اسوأ الفروض لو وجدت افكار اضافية طارئة على جسم اي مذهب من المذاهب وزائدة على محتواه الاصلي كما هو الفرض ولكنها لا تشكل انكار ضرورية من ضروريات الدين ولا ردة ولا انحرافا فان امثالها لا يبرر رمي من وجدت عنده بالمروق عن الدين والخروج عن الاسلام وربطهم باليهودية والنصرانية وامثال ذلك من النسب التي لا يتفوه بها مسلم على اخيه وله ضمير وخلق مسلم يصدر في سلوكه عن تعاليم الاسلام .
فمتى كان القول بالوصاية مثلا وان لكل نبي وصيا وان الاوصياء يجب كونهم معصومين حتى يتحقق الغرض من نصبهم قادة للامة والاعتقاد بان المهدي حي وامثال ذلك من العقائد موجبا للخروج من الدين ومداعاة لشن حملات شعواء كانت وما تزال يجترها الخلف عن السلف دون ان يتبين ما هي مصادرها ودون ان يحللها ويناقشها .
ان صرف هذه الطاقات في ميادين التهريج اقل ما يوصف به انه عمل غير مسؤول بالاضافة الى امكان توجيه هذه الطاقات الى ميادين ايجابية في الخلق والابداع وفي جمع الشمل ولم الشعث وتنظيف الاجواء الاسلامية من الحقد والكراهية التي لا يفيد منها الا اعداء الاسلام . ان الذين يقفون وراء نعرات التشويش والفرقة قوم بعيدون عن روح الاسلام وجوهره وليسوا ببعيدين عن الشبهات خصوصا وان امثال هذه المواضيع يجب ان تبقى محصورة في نطاق العلماء فقط والا تنزل الى مستوى الاوساط من الناس فضلا عن العامة وذلك لان للعلماء مناعة تبعدهم عن النظرة المرتجلة والنعرة الجاهلية كما هو المفروض ان المفاعلات الطائفية في تصوري اخطر على الانسانية من المفاعلات النووية ، وحسب تاريخ المسلمين خلافات كانت وما تزال غصة في فم كل مؤمن بالله تعالى وبدينه وكل داع لرسالات السماء التي من اول اهدافها تأصيل الروح الانسانية في كل انماط السلوك عند البشر .