مصباح الأنظار509

ولا يدري أنه يقع فيه قال : اغتنم ركعتين زلفا إلى الله إذا كنت فارغا مستريحا وإذا هممت بأمور الباطل فاجعل مكانه تسبيحا .
قال الوافد : كيف التواضع ؟
قال العالم : عجبا ممن خلقه الله من نطفة ، ورزقه من غير كلفة ، كيف لا يلزم التواضع والعفة ، وعجبا ممن خلق من ماء مهين ، كيف يغتر بمال وبنين ، وعجبا ممّن أصله من التراب والطين ، كيف لا يتواضع للفقراء والمساكين ، كيف يضحك ويعجب ، ويلهو ويطرب ، ويفتخر ويلعب ، والقبر منزله ، والتراب وسادته لا يعتبر ولا يستغفر ، بعد الغنى الفقر ، وبعد العمارة الخراب ، كيف من أوّله من تراب ، وأوسطه ريح في جراب ، وآخره ميتة في خراب ، كيف يفرح بالمنى من هو عرض للفناء ، كيف يطمع بالسرور من تعجّلته المنية للقبور ، وكيف يفرح بمضاجعة النواهد من يضاجع الدود غدا في الملاحد .
أيها المتعجب بالدنيا وشبابه ، المختال في مراكبه وثيابه ، المفتخر بأهله وأصحابه ، انظر إلى المنقول من أترابه إلى ظلمة اللحد وترابه ، أيها المفتخر برجاله وأمواله ، المعتجب بأحواله واشغاله ، انظر المقبور وتفكر في حاله ، أيها المتطاول بعشايره وأحبابه ، المسرور بعلمه وآدابه ، انظر إلى المنغص في شبابه المختطف من بين أحبابه ، هل منع عنه حجابه ، أو تبعته أصحابه .
أيها الجامع أنواع العلوم ، هل تعلم ما سبق لك في المعلوم ، أتدري مقبول أنت أم محروم ، محمود عند ربك أم مذموم ، يا صاحب العلم والافادة . أمعك خبر من الشقاوة والسعادة ، أيها الناظر في الدقايق ألك أمان من البوايق ، هل علمت بالحقايق ، حتى رضي منك الخالق ، ما حيلتك إن هتك سترك غدا ففي هذا شهد الخلايق .
قال الوافد : اخبرني (من ظ) المكين في ذلك اليوم ؟
قال العالم: المكين في ذلك اليوم من أخذ من هذا اليوم لذاك اليوم العظيم ، المكين من اتى الله بقلب سليم ، المكين من عرف الحق المبين ، القوي الشجاع من عرف الملك المطاع .
قال الوافد : فمن الحقير في ذلك اليوم ؟
قال العالم : الحقير من كان من رحمة الله فقير ، ومن هو للذنوب أسير ، الخاسر البائس

مصباح الأنظار510

من هو من رحمة الله ايس ، السقيم من هو في النار مقيم ، الحزين من كان له الشيطان قرين ، يا صاحب الحسن والجمال ، والذخاير والأموال يا كثير الاشتغال كأني بقلبك كم هذا العجز والضلال ، كيف تطيق السلاسل والاغلال ، ما أسوأ حالك إذا لم تقدم لنفسك في حياتك ، يا صاحب الاموال الكثيرة ، كأني بك قد صرت فقيرا ، يا ذا العز والمملكة كيف بك في دار المهلكة ، يا ذا العساكر والجنود كيف تصنع بنار الوقود .
قال الوافد : من المالك في ذلك اليوم الهويل ؟
قال العالم : من رضي عنه الجليل ، الطريف من هو عن الحرام عفيف ، العاقل من لم يكن عن الله غافل يستقبح من المؤمن كبره ويستحسن من المؤمن فقره حقيق بالتواضع من يموت ، وبالبذل ما يقوت ، والمؤمن من دنياه تقوت ومعاشه قوت ، قال في ذلك شعر يقول بعد الصلاة على الرسول :
صنيع مليكنا حسن جميل فما أرزاقنا عنـا تفـوت
وشعر آخر
فيا هذا سترحل عن قريب إلى قـوم كلامهم السكوت

قال الوافد : كيف هنأنا بالعيش في هذه الدنيا ، وهذا أفعالها في أهلها .
قال : بناؤنا للخراب ، وأعمارنا للذهاب ، ودهرنا إلى انقلاب ، والموت يتبدد الاحباب ، ويفرق الاصحاب ، وينزل الملوك من القصور والقباب إلى القبور والتراب كل ما عملنا معدود عليه حفظه أعمالنا محفوظة ، وأنفسنا مقبوضة ، وسيئاتنا على عقولنا معروضة ، لنا من كاسات الموت شراب ، ولنا من بعده سوء الحساب .
طوبى لمن له في الطاعة اكتساب حتى ينال في الآخرة الثواب ، والويل لمن له العقاب والحساب والعذاب الموت يدخل باب أخرجه الموت فردا إذ لم يكن له باب ، اه واغفلتاه من اكتساب الخيرات ، ولم نستعد للممات ، لا بد لنا من الحساب ، لا بد لنا من العقاب ، لا بد لنا من العرض على ملك الجبار .
غفلنا عن الانتخاب ، غفلنا عن الاكتياب ، غفلنا عن الازقة ، غفلنا عن الواقعة ، غفلنا عن القارعة ، لم نذكر الندامة ، لم نذكر القيامة ، لم نخف الطامة ، ما أغفلنا عن الزلزلة ، ما أجرأنا على الخالقة ، ما اكفرنا بالرازق ، يا ويل كل منافق ، انا راجعون ومسؤولون وموقوفون ،

مصباح الأنظار511

فهل لنا مفر ، هل لنا مستقر ، لا ملجأ لنا من الله ، لا مهرب لنا من الله ، العاقل يترك الهوى وفي ذلك يقول بعد الصلاة على الرسول :
لو ان عينا و همتهما نفسها‏‎ ان المعاد مصوّر لم يطرف
حتم الفناء على البرّية كلهم و الناس بين مقدم ومخلـف

قال الوافد : صف لي الراغب ؟
قال العالم : أقل الراغب ، واترك الواجب ، ما لله طالب ، ولا للعباد راهب ، ولا طالب في ثوابه راكب ، ولا عن الذنوب تائب ، ولا فتى نفسه لله واهب ، بل مدمع كاذب ، فانك للخلق مجانب ، مهمل السنة والواجب ، معانق الخلايق مواهب ، اما البكاء على أمثالنا فواجب ، قبل الوقوع في العذاب الواصب ، بين الحيات والعقارب نفس عن الباب طريد ، وقلب من النشاط يريد ، وعمل من المريد بعيد ، كان الفؤاد صخرة أو حديد ، أيها القلب الشريد ؛ أما يكفيك الزجر والتهديد ، أما سمعت الوعد والوعيد ، ليلك عطالة ، ونهارك غفلة ، ودهرك مهلة ، ليس لك من الجهل نقلة أما تخاف موقف الذلة ، أما عرفت فعلك كله ، أي ليلة لك ، أي يوم لك ، أي صلاة لك أي صوم لك ، إلى كم الغفلة والنوم ، إلى كم تتبع عادات القوم ، إلى كم تحوم في المعاصي حوم ، كأني وقد أوقفت في موقف الكوم ، على أي عهد أوفيت ، على أي وعد الله قمت ، على أي توبة وصلاح لله رمت ، هل صليت لله مخلصا أو صمت ، هل قعدت في رضاء الله أو قمت .
كأني بك قد ندمت على بطالتك ، وتأسّفت على ترك طاعتك ، وبكيت عند هجوم ساعتك ، وخسرت في تجارتك وبضاعتك ، ولم تنتفع بفصاحتك وبراعتك ، وذهب منك قوتك وشجاعتك .
قال الوافد : وعدنا الله الرحمة في كتابه .
قال العالم : رحمة الله قريب من المحسنين إذا عملت بالرضا عفى عنك ما مضى وحرم لحمك على الدود والنار ، إذا نظر ستر ، وإذا رحم غفر ، عظيم فضله ، صادق قوله ، عليم رحيم بالكرم موصوف ، وبالرحمة معروف ، العبد ينشره ، والرب يستره ، يكافي ويعافي ويشفي عبده ، ويوفي وعده ، كم قبيح فعلناه ستره ، وكم رزق لنا يسره أفرغ تحت جوابه ، إقرأ كتابه ، ارجع إليه يمن بالقبول ، واقرب إليه يحسن بالوصول .

مصباح الأنظار512

ما ضاع من قصده ، وما جاع من عبده ، ولا خاب من أمله ، ولا خسر من عمل له ، بابه لا يغلق ، وحكمه لا يسبق ، وجاره لا يغرق ، القلوب من خوفه تبرأ ، والصدور من هيبته تقلق ، والرجاء بعفوه يعلق .
من ناجاه انجاه ، ومن اتقاه وقاه ، من التجأ إليه نصره ، ومن استغنى به ستره ، ومن قصده قبله ، ومن طلبه وجده ، ومن عبده فضله ، ومن تاجره اربحه ، ومن امده فرحه ، ومن سأله منحه ، ومن شكره ذكره ، ومن استهداه وفقه ، ومن توكل عليه رزقه ، ومن ساله أعطاه ، ومن توالاه والاه ، ومن استأنس لذكره لم يخب ومن تخلى لطاعته نال ما يحب ، إليه المفر ، وعنده المستقر ، من للفقير والغني ، والضعيف والقوي ، من للذليل والعزيز ، من للعبد إلا سيّده ، وأين يوجد إلا عنده .
قال الوافد : كأني بالقيامة قد قامت .
قال العالم : كأني بالشاب المليح ، وهو بالنار يصيح ، طريح بمقامعها ، كم شيخ كبير في العذاب المستطير لم ترحم شيبته ، ولم تكشف ولم تقبل معذرته ، قد اطعم الضريع وسقي الحميم ، وعري وجاع وقرب للعذاب ومدد ، وضرب بالمقامع وهدد ؛ وغلق بالسلاسل وجلد ، ونزل في ادراك النار واقرد ، واطرد من الرحمة وبعد ، وسطل في النار ومهد ، وغلظ عليه العذاب وجدد .
فويل له من توابيت النيران ، وغضب مالك الغضبان ، هذا جزاء من زينت وعصيت ، وأخطأت وتعدّيت وتوانيت ، ألم تنته من العيب ، ألم تتعظ بالثيب ، بالمعاصي جاهدت ، وبنفسك خاطرت ، ما صلاح أظهرت ، وللفساد والنفاق أسررت .
هذا جزاء من أساء وظلم العباد ، هذا جزاء من ترك صلاته وأطال الرقاد ، هذا جزاء من أضاع الصلاة ولم يهتم بها في الاوقات ، هذا جزاء من تركها وتبع الشهوات هذا جزاء من عصى في الخلوات .
قال الوافد : كيف يستريح بالدنيا من وعد بهذه المصائب ؟
قال العالم : من ارتكب المحارم واكتسب المآثم دخل هذه الدار وخلّد في عذاب النار ، يا من عصى الملك العلام ، واختلى بالمعاصي في الظلام ، يا من ذنوبه لا تحصى ، وعيوبه لا تنسى ، وذنبه لا يعفى ، اخسأ فيها يا مطلوب لا مكروب ، يا كثير الذنوب ، افسدت في الدنيا

مصباح الأنظار513

دينك ، وضيّعت فيها حظك ، يا كثير القبايح ، يا كثير الرياء ، يا قليل الحياء ، يا مغبون يا مثبور يا من اطمأن بدار الغرور ، يا من قدم مغرور ما حجتك في يوم النشور ، ما تركن في صلاحك ، ما أغفلك عن أخذ زادك ، مهلا عن التفريط ، مهلا عن التخليط ، مهلا اقبل البين والفراق ، يوم التفت الساق بالساق قبل حمل ما لا يطاق .
قال الوافد : عجبا من هذه الدنيا ما امكرها ، ما أخدعها ، ما أجورها ، ما أدبرها ، ما أقل نفعها ، ما أكثر ضرّها إلى كم اغتر بمالي ما أغفلني عن أعمالي ، ما أقبح أفعالي ، إلى كم خوف ولا اخاف ، كم اغرق اصر على الذنوب ولا انصرف ، كم يمهلني ربي ولا اعتبر ، والى متى توبتي أسوف ، غفلت عن الطاعة ، وكفرت بالنعمة نسيت الجريمة واستعملت النميمة .
قال العالم : اعترف بذنبك ، وارجع إلى ربك ، واندم على فعلك ، ولا تستقل القليل ، ولا تنم الطويل ، فان أظلم الناس من ظلم نفسه ، وأضيع الناس من ضيّع يومه وأمسه وأسرف الناس من أسرف في «واسرق الناس من سرق عن ظ» صلاته ، وأبخل الناس من امنن بركاته ؛ اذل الناس من أساء عمله في خلوته ، أجد الناس من غلب شهوته ، اغفل الناس من ضيع حياته ، أندم الناس من ضيّع ساعته ، من أمل الله أعطاه ، من سأل الله بلغ سؤاله ، أحمد الناس من حمد ذكره ، وأكثر شكره ، من رضي بالقضاء ، تسلى عما مضى كيف لا يهتم ولا يغتم من لا يدري العمل بما يختم ، كيف يهنأ برقاده ، كيف يتوسد وساده كيف يسكن نفسه وفؤاده ، وهو لا يدري من أهل الشقاوة أم من أهل السعادة .
قال العالم : لا تقصر في عمل الأخيار ، ولا تسلك سبيل الفجار ، ولا تكسب الاوزار ، واطمع ربك بالليل والنهار ، ولا تجوع ولا تشبع وتورع ولا تطمع ، وخف واحذر ، فمنزلك القبر ، وثوبك الكفن ، كيف يلهو بالملاهي من بين يديه الدواهي ، كيف يكسب الآثام من وكل به الملائكة الكرام ، وكيف يفرح من غدا يصرح والدود والهوام يطرح ؛ كيف يفرح ويسر من يموت ويقبر .
قال الوافد : ما لي لا اخفف حملي ، ما لي لا احقق شغلي ، ما لي لا اترك جهلي ما لي لا اتبع عقلي ، ما لي لا اجتهد ، ما لي لا احذر ، ما لي لا أحرم إلى متى أقول غدا أو بعد غد ، اما أعلم أن مسكني اللحد ما اقسى فؤادي نسيت معادي ، ما أقل زادي ما اقرب سفري ، وكتب خطري .
الآن ينزل الموت ، الآن ينقطع الفوت ، الآن أسمع الصوت ، الآن يغلق الباب ، الآن

مصباح الأنظار514

افارق الاحباب ، الآن انقل إلى التراب ، الآن احضر إلى الحساب ، الآن اخطر الى البلاء ، ما لي لا انتهي عن الهوى ، ما لي لا اتبع الهدى ، لا بد من سفر ، لا بد من خطر ، لا بد من موت ، لا بد من فوت ، لا بد من عرض الملك الفرد ، لا بد من القبر ، لا بد من الحشر ، لا بد من النشر ، لا بد من حسرة ، لا بد من عبرة ، لا بد من زوال ، لا بد من ارتحال ، لا بد من الجزاء على الأفعال .
خنت بالعينين ، اصغيت بالاذنين ، أخذت الحرام باليدين ، مشيت إلى المعاصي بالرجلين ، حركت بالكذب الشفتين ، قطعت الرحم وعقت الوالدين ، أعرضت عن مولاي واتبعت هواي ونسيت ما بين يدي ، عطفت عما اساق إليه ، لم اذكر من أعرض عليه ، كأني وقد منعت الخطاب بلساني ، وسلبت القوى من اركاني ، ونزع روحي وادرجت في اكفاني فويل لي من ملائكة يشهدون عليّ بما ضيعت ، ويحفظون ما صنعت ، فيا كربتاه ، ويا غمتاه ، ويا حزناه ، واغصّتاه ، واسوأ حالتاه . وانشد يقول :
والصحيح اضحى يعـود سقيما‏‎ وهو ادنـى مـن الامور البعيد
‍‍‌‏‎وصبيّ مـن بعدهـم لحقـوهم ضل عنهم نزولهـم والصعـد
‍‍‌‏‎ايـن اهل الديـار من قوم نوح ثـم عـاد مـن بعدهم وثمود
‍‍‌‏‎بين ماهم على النمـارق والـد بابيج صاروا إلى تراب اللحود
ثم لـم ينقص الحديـث ولكـن بعد ذاك الوعـد ثـم الوعيـد

قال فاجابه العالم يقول بعد الصلاة على الرسول :
افنيـت عمـرك ادبـارا و اقبـالا‏‎ لا تتقي النفس تبغي الاهل و المالا
‍‍‌‏‎فالموت هول فكن ما عشت ملتمسا من هوله حيلة ان كنـت محتـالا
‍‍‌‏‎املت بالجهل عمرا ليـس تـدركه والعمر لابد ان يفنى ولـو طـالا
كم من ملوك مضاريب الزمان بهم فاصبحـوا عبـرا فينـا وامثـالا

قال الوافد : جد في الصلاة يرحمك الله .
قال العالم : الصلاة صلة بين العبد والرب ، وستر للعيب وكفارة للذنب ، الصلاة صلة بلا مسافة وطهارة كل خطيئة ، الصلاة مواصلة ومصافاة وامر ومناجاة المصلي يقرع باب الله ويطمع في ثوابه وهو على بساط الله عز وجل .

مصباح الأنظار515

إذا كبر العبد تكبيرة الاحرام تساقطت الأوزار ، واذا توجّه العبد إلى القبلة فقد بدا من نفسه الخضوع والذلة ، واتبع الشرع والملة ، واذا فرغ العبد من الصلاة كفر الله عنه سيئاته وخطيئته ، واجزل عطيته ، إذا خلص العبد من القراءة والتلاوة سطع في قلبه النور والحلاوة وإذا قرأ الفاتحة أدرك الصفقة الرابحة ، وإذا اتبعها بالسورة كثر في الآخرة سروره ، وكفاه الله محذوره ، وإذا انحنى للركوع فقد أظهر لله الخضوع ، وإذا قام للاعتدال نفى عنه الاشتغال ، وإذا هوى للسجود فقد خرج من الجحود ، واستحق من الله الجود ، وإذا انهدم على التمام سلمت عليه الملائكة الكرام وبشّروه بدار السلام .
الصلاة شرح الصدور وفرج من جميع الامور ، الصلاة نور في الفؤاد وسرور يوم المعاد ، الصلاة للقلوب منهاج وللارواح معراج ، الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ويؤمن صاحبها من نكير ومنكر ، الصلاة تغني الافلاس وتلبس العبد الاناس ، الصلاة قرة العين وجلاء الدين ، المصلي على بساط المولى يناجي الملك الاعلى .
الصلاة ضياء في الصدور ، وفسحة في القبور ، ورفيقه في الحشر والنشور ، الصلاة تجوز على الصراط وتورث صاحبها النشاط ، الصلاة تنزع فساد القلوب وتكفر الذنوب ، الصلاة تسهل العسير وتمحو الذنب الكبير ، الصلاة توسع الأرزاق وتطيب الاخلاق ، الصلاة تقرب العبد إلى المولى ويؤمن من البلوى ، من لزم المحراب قرع الباب ، ومن قرع الباب أتاه الجواب ، صحة الودادة ، لزوم المساجد للعبادة .
الصلاة تخفف الأوزار وتوقي صاحبها من النار ، أقرب ما يكون إلى ربه من سجده وقام ، وصلاه وصام ، لو علم المصلي لمن يناجي لما التفت في صلاته ، من سهى في صلاته فقد ضيّع أشرف أوقاته ، اخضع لربك في الصلاة ذليلا واذكر وقوفك في الحساب طويلا ، لو علمت بين يدي من تقوم ، كنت تلازم على بابه وتدوم .
عجبا لمن يناجي القاهر كيف يخطر في قلبه الخواطر ليس للمؤمن من صلاته إلا ما عقل ، وترد إذا غفل ، عفر وجهك في التراب فلعله يفتح لك الباب احضر في الصلاة باطنك كما تحضر ظاهرك ، طهر قلبك كما تطهر ثيابك .
عجبا ممّن يسأل الخلق وباب مولاه مفتوح لكل سائل . عجبا ممّن يتذلل للعبيد وله عند سيّده ما يريد ، من أطال القيام أزال الله عنه الأوزار والآثام ، من أخر الصلاة في الأوقات من غير علّة من العلات حرم الخيرات والصالحات ، من ترك الصلاة إلى الليل جل به الويل ، من

مصباح الأنظار516

حافظ على الصلوات تتابعت إليه الخيرات ، ورفعت له الدرجات ، وصرفت عنه النقمات .
من لم تكن الصلاة من باله وعزمه ، لم يبارك له في رزقه ، وتركه الله بهمّه ، من ضيّع صلاته لم تقبل حسناته ، وكثرت عند الموت سكراته ، من غفل عن الصلاة والذكر ضيّق عليه في القبر ؛ الصلاة عماد الدين ، وتمامها صحة اليقين .
قال الوافد : ما للذي يقوم الليل صف لي ثوابه .
قال العالم : من قام الليل وسهر نجاه الله من الأمر العسير ، من خاف البليات لم تغلبه السيئات ، من حذر الحمام شرّد عنه المنام ، من اغتنم الليالي والأيام لم يقطعها بالبطالة والمنام ، من ألف الوطا والمهاد ، خرج إلى الآخرة بغير زاد ، من تعود للوسادة بحودّ «كذا» حق العبادة ، من خاف اللحد لم ينم على الخد ، من عصى مولاه كانت الجحيم مأواه ، من فزع من يوم القصاص تضرع إلى ربه بالاخلاص ، من علم ان الى ربه مرجعه هجر في الليل نومه ومضجعه ، من غلب على قلبه الحزن منع من عينيه الوسن ، من تحقق الافلاس شرد عنه النعاس ، من علم أن الله من يدعوه لم يزل يخافه ويرجوه ، فان الله تعالى يقول :
هل من داع فاجيب ، هل من مطيع فاثيب ، هل من متقرب فاني منه قريب ، هل من تائب فاني تائب عليه ، هل من متوكل فأسوق الرزق إليه ، هل من مستغفر فاغفر له ، هل من مستعين فأعينه ، هل من مستجير فأجيره .
يا اهل الليل ابشروا بالسرور والحمد يا أهل الليل كفيتكم جميع الأهوال يا أهل الليل تقر أعينكم عند انقضاء الاجال ، يا أهل الليل اكثروا التضرع والابتهال فقد اطلع عليكم الكبير المتعال ، يا أهل القرآن تهجدوا بالقرآن ، يا أهل القرآن معكم التنزيل والبيان ، من سهر بالليل وقام وتجوع وصام كان مقامه بالقيامة خير مقام .
يا أهل الليل قد غلقت الملوك أبوابها وطاف عليها حجابها ، وطلبت كل صحبة أصحابها ، وارخى أهل المعاصي استارها ، والملك الجبار يقول يا عبادي يا أهل ودادي ابشروا بودادي والثواب في معادي .
قال الوافد : ما اجرأ العباد على المعاصي فلم يخافوا الأخذ بالنواصي كم تغفل وتنام ، وتظلم الايتام ، كأني بك قد عجلك الحمام ، وأنت غافل في المنام يا من هو مقيم على القبائح والاثام ، أما تخاف انقطاع الايام وحلول الحمام ، وشهادة الملائكة الكرام .

مصباح الأنظار517

وقال العالم : في الليل يقرع باب الوهاب في الليل خلوة الأبواب في الليل تقبل توبة من تاب ، في الليل يستغفر من كذب واغتاب ، في الليل يعمر القلب الخراب في الليل يأتي الجواب . الليل لأهل الصلاة والمحراب ، يا أهل الاسحار لكم الأنوار فاقبلوا على الاستغفار ، في صلاة الليل النجاة من الويل ، في المناجاة نجاة هلموا فهو ذو الاجابة ، اقبلوا فهو ذو الانابة ؛ اعملوا بالصواب ، يفتح لكم الباب .
اسألوا الأمان يا أهل الايمان ، تضرعوا إلى الحبيب فهو من المتضرعين قريب ارجعوا اليه يكن لكم من كل خير نصيب ، عليكم بالسهر فانكم على سفر الادلاج يا صاحب المنهاج ، البكور البكور ، يا من يريد السرور ، الاسحار يا كثير الاوزار .
قال الوافد : صف لي فضل الصيام والقل من الطعام .
قال العالم : من اكثر الصيام تقل عنه الآثام ، قال الطعام تسبق إلى القيام ، من شبع من الطعام غلب عليه المنام ، ومن غلب عليه المنام قعد من القيام ، الشبع يظهر الروح ، ويترك القلب مقروح الجايع عفيف خفيف ، والشبعان عاكف على الكنيف من كان شابعا كان للشيطان متابعا ، الشبع يكسب الوجع ، ويذهب الورع ،ويكثر الطمع ألا إن الصوم جنة من النار ، ورضاء للجبار ، من أطاع ضرسه أضاع نفسه التجوّع في الفؤاد نور ، وفي المعاد سرور ، من استعمل القصد استغنا عن الفصد ، من قنع شبع ، ومن شبع طمع ؛ من اشفق على نفسه لم يتبع ضرسه ، من اطاع اسنانه هدم اركانه ، كم من قناعة اتت بخير بضاعة ، لا مجاعة مع القناعة .
قال الوافد : صف لي المراقب ؟
قال العالم : من راقب الله في الخلوات أجاب له الدعوات ؛ بالمراقبة توثر المحاسبة ، راقب مولاك في الليل إذا دجاك ، وفي النهار إذا اضاك ، يعصمك عن هواك ، أكثر نظر الله اليك ولا تنس الطاعة عليك ، أما تعلم أن الرب إليك ناظر وعليك في كل الأمور قادر ، أما تعلم أن مولاك يراك ويسمع نداك ونجواك ، ويعلم منقلبك ومثواك ، أرخيت عليك الاستار ، واخفيت ذنوبك عن الجبار ، وبارزته بالمعاصي الكبار ، وجمعت الذنوب والاوزار ، وشهد عليك الليل والنار والملائكة الحضّار .
اما تخاف الخلود في النار إلى كم تستتر عن أعين الناظرين ويشاهدك أقدر القادرين ، كم تخاف من المخلوق وتستخفي ، ولا تخاف من الخالق ولا تستحيي كم تنقض العهود وتستخف

مصباح الأنظار518

بالسجود وتجتري على المعبود ، كم رآك الله على المعاصي وستر ، واطلع منك القبايح وما نشر ، وغطى عليك وما تشهر ، أما تذكر صالح أمرك أنسيت فضايح سرّك ، أما تخاف من ذنوبك ، أما تزدجر عن عيوبك ؛ أغفلت عن الداهية ، ولم تخف الهاوية ؛ أمنك من لا تخفى عليه خافية ، وقد اطلع عليك منارا ، واسبل عليك أستارا .
لو شاء لأمطر عليك الحجارة من الهواء ، وسلب منك العطاء ، وكشف عنك الغطاء وشهرك لعباده ، وضيق عليك بلاده ، وبدل اسمك ، وغير جسمك ، لكنه ستر عليك في الدنيا ، ماذا تعتذر إليه في الآخرة هب أنه تجاوز وعفى ، وقد نقضت ما عاهدك عليه ، ووفى ، ألم تستحيي من خالق الأرض والسماء ، ألم تستحيي من الحفظة الكرام ، ألم تخف من الإنصاف والايظام وفي ذلك يقول بعد الصلاة على الرسول :
يا من شكى حافظات خلوته حين خلاء العباد ما فطنوا
لهم يهتك الستر إذا خلوت به

قال الوافد : صف لي فضل الانفاق وقبح البخل .
قال العالم : ما لك من مالك إلا ما لبست فأبليت ، وأكلت فأفنيت ، وتصدّقت فأبقيت ، من حبس درهمه جمع في القلب همه ، البخل ادواء الداء والكرم انفع الدواء ، ما يثقل الميزان إلا الاحسان إلى الاخوان ، والنجاة في قراءة القرآن ، ما احبط العمل ، فمنكم التغافل والكسل ، من لزم السماحة لم يعدم الراحة ، البخيل في الدنيا مذموم ، وفي الآخرة محروم ، تملك البلاد بالفرسان ، وتملك القلوب بالاحسان ، من بذل ماله نال آماله ، من جاد بكسرته فقد بلغ مروته ، من أخرج فضل الأموال نجى في الآخرة من الأهوال .
قال الوافد : كيف أصنع بالنفس حتى ترجع عن شرّ عادتها ؟
قال العالم : لا ترجع النفس عن عادتها أبدا أبدا وليس منها اقلاع ولا رجوع إلا بالقهر والغلب والجهاد والخوف ، وبالعلم والمعرفة والزهد تحبس النفس عن شر عادتها ، ولا يدرك ذلك منها إلا بصدق الارادة والصبر والمعالجة وكثرة الخوف والعمل بالصواب ، فاذا ظفرت بها حتى تردها إلى طاعة الله ورضائه وقضيت لذلك فاشكر الله ، واعترف له بالطاعة إذ جعل ذلك بتوفيقه لك .
فينبغي لك من بعد ذلك أن تقطع عين الهوى وتصم اذنك وتخرج التخاليط والآفات من

مصباح الأنظار519

امكنه أهدى لها عنه وتغلب هواك وتحذر الغلط والنسيان ووسوسة الشيطان ، وتحذر التواني والعجز واعلم يقينا أنك لا تظفر بذلك من نفسك إلا بالقهر وتمنعها الرغبة والحرص والكبر والرياء والحسد والرياسة والبخل وطول الامل والتقلب في طلب الشهوات ومحبّة الدنيا ، والتصنّع للناس والمحمدة منهم واترك الغش والخيانة وخوف الفقر والطلب لما في أيدي الناس ، ولا تنسى الموت واترك الغفلة والشح والسفاهة .
فاذا ظفرت على ذلك واتقنته عن نفسك فاشكر الله كثيرا فقد شكر سعيك ، فعند ذلك تصح أعمالك غير أن النفس لا تصلح حتى تكدها وتقهرها وتجهدها لأنها أمارة بالسوء والفحشاء والشر والفتنة والآفات ، وهي خزانة إبليس منها خرج وإليها يعود ، وهي تريد لصاحبها تسعة وتسعين بابا من أبواب الطاعات تظفر به في كمال المأة فكيف يسد السبيل العريض من لا يغرق مجراه ، وكيف يعرف من ذلك من لا يعرف عدوه ودنياه ، وكيف يعرف عدوه ودنياه من لا يختلف إلى العلماء ، ولا يخاطب الحكماء ، ولا يجالس الصالحين .
فاذا اردت النجاة فتعلم العلم من العلماء ، وخذ الحكمة من الحكماء ، ولا تنشد على نفسك مرة وترجى اخرى ، ولكن اقبل إليها بعزم صحيح ، وورع شحيح ، وصبر ثخين ، واثر متين ، حتى تمنعها عن شهواتها ، وتردّها عن شر عاداتها .
ثم اجمع المرافك إلى وسط يعني القلب فان القلب يحكم على الجوارح ولا تحكم الجوارح على القلب ، ولا يتم لك عمل ولا يخلص لك إلا بهذه الصفة .
فالعين تغمضها عن الحرام فانها جاسوس القلب ، ثم الاذنان تمنعهما ان يوعيان الشر والخنا والنمايم والكذب ، ثم اللسان خاصة تنزهه عن الكذب والغيبة والمجادلة والفضول والمقاولة والشبهات فانها معدن أقذار النفس وهو ترجمان القلب . ثم البطن احفظها ان تدخلها الحرام والسحت والشبهة فان القلب نور وصفاه من طيب ذلك وأما الفرج فما دمت حابسا لبطنك من الامتلاء والشبع فانت قادر على حفظها .
قال الوافد : كيف يكون المزيد للعبادة .
قال : يكون يجوز في الملكوت الأعلى ثم يمنع نفسه عن شر عاداتها وشهواتها فان لم يكن كذلك فانه مغرور فيما هو فيه وعين يستحق لما يدعي ، ومحال أن يطير الطاير في الهوى وهو مربوط بحجر ثقيل ، كذلك القلب أن يصعد في الملكوت الأعلى وهو مربوط في الافات ،

السابق السابق الفهرس التالي التالي