مصباح الأنظار498

والعافية ، والعلم ، والقدم ، والقدرة ، فتنظر إلى اثبات عقلك وتمام خلقك فتحمد الله على ذلك كثيرا .
ثم تنظر إلى الملك كم من زوج غيره الله والله مالك كل شيء وأنت مالك فتحمد الله على ذلك كثيرا .
ثم تنظر إلى مالك وولدك وطعامك وشرابك ولباسك ونومك وإيقاظك ، وتنظر إلى اختلاف الليل والنهار كيف يقربان البعيد ويقلبان الجديد ، ثم تنظر إلى العافية وإلى كل شيء تخاف على نفسك في ليلك ونهارك مما تراه ومما لا تراه أنه لا يدفع ذلك ولا يصرفه ولا يكفيك ما تراه وما لا تراه إلا الله سبحانه وتعالى فتحمد الله على ذلك كثيرا .
ثم تنظر إلى المصائب التي تصيب بها الناس في ابدانهم المركبة عليهم فتعلم أن تركيبك مثل ما في تركيبهم فتحمد الله الذي ستر عليك مما ظهر على غيرك من العلل والآفات .
ثم تنظر إلى من كان من قبلك وإلى من هو كاين في دنياك وآخرتك .
ثم تنظر إلى القدم فتعلم أنه قديم لم يزل ولا يزول ، ثم تنظر إلى القدر فتعلم أنه قادر سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا ، ثم تنظر إلى العلم فتعلم أن الله قد علم ما هو كاين قبل أن يكون ، ثم تنظر إلى ما سخر لك الله من جميع الخلق وذرأ وبرأ من السماء التي زيّنها بالكواكب والشمس والقمر وأجرى ذلك المنافع للخلق ، وما جعل في الرياح والسحاب وما جعل من ذلك في الارض الحيوان المسخر المقهور المنقاد إلى المنافع فتحمد الله على ذلك كثيرا .
قال الوافد : فما وراء ذلك يرحمك الله ؟
قال العالم : الصبر على قضاء الله وما جاء من عند الله حمدت الله على ذلك وسلمت الامر لله ورضيب بقضاء الله وحمدت الله عليه ولم تسخط ذلك .
قال الوافد : فما وراء ذلك يرحمك الله ؟
قال العالم : تنظر من بعد ذلك إلى نفسك وتعلم أن الله سبحانه وتعالى خلق الانسان من نطفة تقع في رحم مظلم فتقيم في الرحم أربعين يوما يجعلها علقة ، ثم يجعلها ذكرا أو انثى فتكون فيه لتسعة وتسعين يوما ، ثم يخلق الله العروق والعظام والعصب ثم يصيره الله تعالى بعد ذلك التمام مائة وسبعين يوما ، وذلك أربعة آلاف ومائة واثنين وخمسين ساعة ، فجمع حمل الولد التمام حمل امه كاملة أشهره وأيامه وساعاته .

مصباح الأنظار499

وأما أشهره تسعة أشهر كل شهر ثلاثون يوما ، وأيامه مائتان وسبعون يوما ، وساعاته ستة آلاف وأربع مائة وثمانون ساعة فهذه أيام الولد كاملة أشهره وأيامه وساعاته في تركيبه الحرارة والبرودة واليبوسة واللين ، والدم حار ليّن ، والمرة الفصراء حارة يابسة ، والمرّة السوداء باردة يابسة ، والبلغم بارد رطب .
وتركيب الانسان اثني عشر وصلة وله مائتان وثمانون وأربعون عظما وله ثلاث مائة وستون عرقا ، فالعروق تسقي الجسد ، والعظام تمسكها ، والعصب يشدّها ، ولكل يد أحد وأربعون عظما ، والعضد عظم ، والترقوة ثلاثة أعظم ، وللرجل ثلاثة وأربعون عظما ، للقدم من ذلك خمسة وثلثون عظما ، وللساق عظمان ، وللربكة ثلاثة عظام ! وللورك عظمان ، وكذلك الرجل الاخرى .
وللصلب ثمانية عشر عظما ، ولكل جنب سبعة أضلع ، وللرقبة ثمانية أعظم ، وللرأس ستة وثلثون عظما ، للاسنان من ذلك اثنان وثلثون عظما .
وطول الأمعاء سبعة أذرع ، فسبحان الخالق الانسان خلقا من بعد خلق في ظلمات ثلاث ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو حتى إذا جاء أوان خروجه من بطن امه إلى الأرض لم يقدر أحد على خروجه أبدا ولو اجتمعت الانس والجن ما أحسنوا ذلك ، فسبحان الذي أخرجه سويّا لا يعرف أحدا ، وأسال رزقا وجعل الله رزقه في صدر امّه لبنا يغذيه به لضعفه وقلة بطشه .
حتى إذا جل عظمه وبر لحمه وقطع سنه وطحن ضرسه وبطشت يده ومشى على قدميه وعلم أن الله خالقه وأنه أوصل إليه رزقه في بطن امّه وبعد خروجه من مهده نسي ذلك وجحده وجعل يطلب رزقه من مخلوق مثله قتل الانسان ما أكفره ، وما علم أن الذي رزقه في ضعفه هو يرزقه في وقت قوته أما سمع ما قال الله تعالى في كتابه لنبيه (ص) : «لا نسئلك رزقا نحن نرزقك والعاقبة للتقوى»(1) أما سمعت قول الله تعالى : قال عز من قايل : «وفي السماء رزقكم وما توعدون فو ربّ السماء والأرض انه لحق مثل ما أنكم تنطقون»(2) .
أما سمع قول رسول الله (ص) حيث قال : «لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها» ، وقال : «كم من هرب من رزقه كما تهرب من الموت لادركه رزقه كما يدركه الموت» وقيل لأمير المؤمنين علي (ع) (يا أمير المؤمنين من أين يأتي الرزق إلى الانسان قال : من حيث يأتيه الموت) .

(1) سورة طه : الآية 132 .
(2) سورة الذاريات : الآية 22 ـ 23 .
مصباح الأنظار500

قال الوافد : أيها العالم الحكيم أخبرني ما افضل ما أعطي العبد ؟
قال : العقل الذي يعرف به نعمة الله ويقيمه على شكرها ، وقام بخلاف الهوى حتى عرف الحق من الباطل والضر من النفع والحسن من القبيح .
قال الوافد : فما وراء ذلك يرحمك الله ؟
قال العالم : الايمان ، وحقيقة الايمان الاخلاص وصدق النية حتى إذا عملت عملا صالحا لم تحب أن تذكره وتعظم من أجل عملك ولا تطلب ثواب عملك إلا من الله ، فهذا هو اخلاص عملك ، فان عملت عمل واجب واحببت ان تذكره وتعظم من أجله فقد تعجل ثواب من غير الله لم يبق لاخرتك منه شيء .
قال الوافد : فما تقول في المناجاة ؟
قال العالم : لا تكن المناجاة إلا على الرجاء والمصافاة ، بقلب سليم من الآفات ، والظنون والغيبات ، ثم يقول إلهي إن لم أكن لحقك راعيا لم أكن لغيرك داعيا ، وإن لم أكن في طاعتك سابقا لم أكن لأعدائك مطابقا ، وإن لم أكن لك عابدا لم أكن لاياتك معاندا ، وإن لم أكن لك واجدا لم أكن لغيرك ساجدا وإن لم أكن للخيرات مسارعا لم أكن لباب الخطايا قارعا ، وإن لم أكن لحدودك حافظا لم أكن بكلام السوء ناطقا ، وإن لم أكن في سبيلك مجاهدا لم أكن لدليلك جاحدا .
الهي كيف يصافيك من لا يأتيك ، وكيف يرجوك من لا يتقرب إليك أنا المتخلف عن أقراني ، أنا الضعيف في اركاني أنا الفريد بحفرتي عن اخواني سيدي قد أتيتك بفاقتي ، وجئت اليك لما عدمت طاقتي أنت العالم بجرمي المطلع على ظلمي ، المحصي خطيئتي ، الشاهد على كربتي الناظر اليّ في خلوتي .
الهي كسدت طاعتي وحسرت بضاعتي ، وخسرت تجارتي ، ولم اتزود من حياتي وقد قربت وفاتي .
إلهي إن لم تقبلني فأين الملجأ وإن لم تغفر لي فأين الملتجأ للعبد إلا مولاه ذهبت أيامي ، وبقيت آثامي ابتداني بتفضيله ، واكرمني بطوله .
ما الحيلة اعضائي ذليل ما الحيلة حزني طويل ، ما الحيلة احساني قليل ، ما الحيلة وليس لي سبيل .

مصباح الأنظار501

لا حيلة غير الرجوع ، والتضرع والخضوع ، والاقبال والاياب ، وتعفير الوجه في التراب ، والتذلل عند الباب وقراءة آيات الكتاب ، والسجود لرب الارباب ، وترك الاشتغال بالاشغال ، والاقبال على مقدر الارزاق والاجال ، وترك المعارضة ورفض المناقضة ، وحنين وحرقات ، وانين وزفرات ، وله سهر دايم ، وليل قايم ونهار صائم ، وقلب هايم ، ووعظ لايم ، فرار بلا قرار ، فراق كل محبوب ، والبين عن كل مسلوب .
الحيلة أن تخضع حتى تسمع ، ويخاف القلب ويخشع ، وتعبر العين وتدمع ، اقرع الباب يأتيك الجواب .
قال الوافد : لقد سمعت لذيذ المناجاة كيف يصنع ذلك وقد تمكن في قلبي حتى اقلعه واحسمه .
قال العالم : من أوجعته علته أظهر عند الطبيب زلته ، وابدا إليه شكيته ، من عدم مراده ، قلق فؤاده ومن قلق فؤاده بان منه رقاده ، ارفع خواطر القلب إلى الرب فهو يجلي الكرب ، ويغفر الذنب ارفع حوائجك إلى ربك كما ترجوه بغفران ذنبك اكتب قصّة الاعتذار ، بقلم الافتقار امش إلى باب الجبار بقدم الاضطرار ، في وقت الأسحار وارفع يديك بالاستغفار .
قال : فما تقول في البكاء .
قال العالم : لأن تبكي وأنت سليم خير من أن تبكي وأنت سقيم ، وفي النار مقيم بين اطبقا الجحيم والشيطان لك قرين وخصيم .
واعلم أنك دخلت الدنيا عند خروجك من بطن امك وانت باكيا عابسا ، فاجتهد أن تخرج منها ضاحكا مستبشرا ان تبكي في الطريق خير من أن تبكي وانت في الحريق ، البكاء مع السلامة خير من البكاء مع الملامة ، اليوم ينفع البكاء لو بكيت ندما وغدا لا ينفع البكاء لو بكيت وانشد يقول :
ادم البكاء قبـل المعاينـة خير من البكاء يوم المعاينة

ابك لضعف فاقتك إبك لقلة طاقتك ، ابك لكثرة معاصيك ، ابك لعظم مساويك ، ابك لافلاسك ، ابك لبعد اناسك ، ابك لقلة عمرك ، ابك لقلة حيلتك ، ابك لعدم وسيلتك ، ابك

مصباح الأنظار502

لكثرة وزرك ، ابك لثقل ظهرك ، ابك لفساد أمرك ، ابك لظلام قبرك ، ابك لقسوة قلبك ، ابك لمضي دهرك ، ابك لانقطاع حياتك ، ابك لغربتك في لحدك ، ابك لتوديع دارك ، ابك لاستقبال أهوالك .
قال الوافد : كيف اصنع إذا لم استطع البكاء ولم تدمع العين ؟
قال العالم : ما جمود العين إلا بقساوة القلب ، وما قساوة القلب إلا بكثرة الذنوب ، وما كثرة الذنوب إلا برضا العيوب ، وما رضا العيوب إلا بكثرة الذنوب . جمود العين من قلة الدين وقال في ذلك يقول بعد الصلاة على الرسول :
تـزوّد مـن حيـاتـك للـممـات‏‎ و لا تغـتـرّ فـي طـول الحيـاة
‍‍‌‏‎اتـرقـد و المنـايـا طـارقـات كـأنـك قـد امنـت مـن البيـات
‍‍‌‏‎أتضحـك أيهـا العاصـي وتلهـو و نــار الله تضـرم للـعصـات
فيـا قلبـي فلـم تـزدد رجوعـا واعراض عن عصاة ذوي العصات

ثم قال : تبتغي صفات الفؤاد مع بقاء المراد ، تضيع الاصول بتركيب الفصول ، ثم تطمع بالوصول ، وأنت لا تتبع ما جاء به الرسول تطلب الزاد مع كثرة الرقاد ، وقلة الاجتهاد ، تطلب المساعدة ، مع قلة المجاهدة ، إن هذا من علامات المباعدة ، لن تنال الاماني إلا بترك الفاني ، لا بالكسل والتواني ، أسهر العيون ، تصبح غير مغبون ، لن تنال الجنان إلا بصفاء الجنان ، وخالص الايمان ، وقراءة القرآن ، وتوحيد الرحمن ، واطعام الطعام ، ورحمة الأيتام ، وكثرة القيام ، وطول الصيام ، من طالت مناجاته ارتفعت درجاته ، وقلت في القيامة فزعاته .
قال الوافد : بما ينال العبد جنة الخلود ؟
قال العالم : بحفظ الحدود ، وبذل الركوع والسجود ، ومن اراد الامان فليخلص الايمان ، ويفعل الاحسان ، ويقرأ القرآن ، لن ينال جنة النعيم إلا من أتى الله بقلب سليم ، لن ينال من الله المزيد إلا من يصدق بالتوحيد ، وكثرة التمجيد للواحد الحميد ، من أراد البر فلا يكتسب الوزر ، ومن أراد العطاء صبر على الأذى والبلاء .
لن تنال شهوات الآخرة إلا بترك شهوات الدنيا ، لن تنال النعيم إلا بترك النعيم ، لن تنال معانقة الحور إلا بصلاح الامور ، ومجانبة الشرور ، ورفض المحذور ، لن ينال الشفاعة إلا من قام لأخيه المؤمن النفاعة ، وحافظ على صلاة الجماعة ، وطعام الايتام في المجاعة ، من أحب

مصباح الأنظار503

الشرب من حوض الرسول فيترك كلام الفضول ، ويثبت فيما يقول ، فانه لا بد مسؤول .
قال الوافد : صف لي الحياء .
قال العالم : من عمل برياء فقد منه الحياء ، وحجب الضياء ، وتنكّرت عليه الدنيا ، وعاش في الدنيا يهوديّا ، وحشر مجوسيّا .
قال الوافد : كيف أنال حلاوة الطاعة ؟
قال العالم : بترك الحلاوة ، ولا ينال حقايق المعاني إلا بترك الأماني ، ولا يتمكن في قلبك الخوف والوجل إلا برفض الدنيا وقصر الأمل ، واخلاص العمل وترك الكسل .
قال الوافد : صف لي الورع .
قال العالم : لن تنال الورع إلا بكثرة الخوف والفزع ، واختيار الجوع على الشبع ، وترك الشهوات والطمع ، وصفا عند ذلك قلبك ونلت السهر والقيام ، وقربت من ذي الجلال والاكرام ، وملكت نفسك ، واوقفت نفسك ، ورضي عنك الرب ، وغفر لك الذنب .
واعلم أنك لا تنال من الله البر والسلامة إلا بالصبر والاستقامة ، ولا تنال حقايق الرجاء إلا بالانقطاع إلى الله والالتجاء ولا تنال الكرم والتفضيل إلا بالدوام والتذليل ، ولا تنال الراحة في الآخرة إلا بترك الراحة في الدنيا وكثرة البكاء والنياحة ، ولا تنال الرياسة إلا بالحراسة والعيانة ، ولا تنال مجاورة الأبرار في دار القرار إلا بترك الأوزار ، ولا يخشع القلب ويلين إلا بالتفكر والتبيين ، ولا تأمن الخوف إلا بترك عسى وسوف ، ولا تنال الفضل إلا باهمال الشغل ، ولا ينقى القلب مع بقاء شيء من الذنب ، ولا يدرك صفى الهم من في قلبه من الدنيا هم ، ولا يزول عنك الهم ما دام لك في الدنيا خصم .
من انفق مما يحب فهو حق المحب ، من ترك ما كان مالكا دخل الجنة وثوابه مضاعف ، من عمل بما أقول شفع له الرسول ، من عمل بغير ما أقول لم يكن عمله مقبولا ، من لم يندم على معصيته أخذته زبانية النار بناصيته ، من قصر الطاعات حرم الصالحات ، من نافس في الخيرات ارتقى الدرجات ، من اعتبر بالليل فجمع بالنهار ومن سهى بالنهار فجمع بالليل ، من ركب الظن غبن أيّ غبن ، من ركب فرس الاماني عثر في ميدان التواني ، التاجر بمال غيره مفلس .
قال الوافد : كيف المجاهدة في المباعدة والوحدة والصبر على المحنة والشدة ؟

مصباح الأنظار504

قال العالم : من لا عبادة له لا زاد له ولا عقبى له ، اقرع الباب يأتيك الجواب ، من أمل العظيم وهب الجسيم ، من أراد الجود أدام السجود ، من لا سجود له لا جود له ، من لا ندامة له لا كرامة له من لا خير فيه لا خير عنده ، خير البضاعة الطاعة ، من همّ بالطاعة نجى من فزعات الساعة ، لا بد من سهر الاسحار ، وقيام الليل وصيام الانهار .
إذا أردت الجنة فاسجد وتضرع ، واظمأ وتجوّع ، واسهر وتطوّع ، وتذلل وتخشع ، وتفرّد وتوحّد ، واضجع وتجرّد ، إذا أردت أن تنال فضل الواحد الأحد اترك الآثام تأمن الصولة ، واعمل صالحا تكن صاحب الدولة ، واهجر الحرام تصل وأنت سالم ، من اكثر النحيب لم يكن عليه رقيب ، ومن دعا اجيب وكان له من كل خير نصيب ، من رغب إلى الله أعطاه ، ومن اكتفى به كفاه ، ومن استغنا به اغناه ومن لجأ إليه آواه .
قال الوافد : كيف اكون ذاكرا وأنا لا أسلم من الغفلة ؟
قال العالم : لا تقع العلة إلا فيمن اكثر الغفلة ، من غفل وقع في الزلل ، إذا أردت السعادة فودّع الوسادة ، وجالس أهل الزهادة ، وأكثر العبادة ، عجبا ممن يستريح وقد بان وباله ، وجميع ما كان في الله تلفه كان على الله خلفه ، اجتهد تجد ، واخلص تخلص ، اتبع الرسول وابشر بالوصول ، من اتصل وصل ، ومن اكثر الجدال نال خير منال ، وكفي الشدة والاهوال ، من خالف هواه كانت الجنة مأواه .
قال الوافد : فما حيلة من دنى من الباب فمنعوه الحجّاب فلم يصل إلى الاحباب ؟
قال العالم : حيلته ملازمة القلق والاكتياب ، والحزن والانتحاب ، والفرق والانتداب ، حتى يأذن له الاحباب ، ويفتحوا له الباب ، إذا اردت في الجنة الوقوف فاكثر في المساجد العكوف ، فانك تأمن من كل مخوف ، كم من متردّد لا يؤذن له ، وطارق لا يفتح بابه ، وكم من طامع في ثوابه ، هو من أهل عذابه .
قال الوافد : فكيف الوصول ؟
قال العالم : تصل الليل بالنهار ، وتتضرّع في غسق الاسحار ، وتسبّح بالعشي والابكار ، وتتعود الندم والاستغفار ، لعل الله يخفف عنك ثقل الاوزار ، ويحرم بدنك على النار .
قال الوافد : كنا صبيان فلعبنا ، فصرنا شبّان فسكرنا ، فصرنا كهولا فكسلنا ، فصرنا شيوخا فعجزنا وضعفنا فمتى نعبد الله ربّنا ، عطلنا الشباب بالجهالة ، واذهبنا العمر في البطالة فأين الحجة والدلالة ؟

مصباح الأنظار505

قال العالم : من غفل في وقت شبابه ندم في وقت خضابه «خطابه خ ل» الشاب لا يصبر على الصواب ، ويندم عند الخضاب «الخطاب خ ل» ما أحسن الشاب في المحراب إلى متى العصيان ، إلى متى متابعة الشيطان ، إلى متى التجري على الرحمن إلى محضر لباس القطران ، وتهدّد مالك الغضبان ، وضرب الزبانية والاعوان ، ألا تفر من يوم الفاني إلى يوم الباقي وتتخلّص من الهوان واللوام .
أيها المغرور بشبابه المسرور باصحابه المحتال بأثوابه ، أما تحذر يوم عذابه ، وتخاف شديد عقابه ، كم من وجه صبيح ، وخدّ مليح ، وبدن صحيح ، ولسان فصيح أصبح في العذاب يصيح ، بين أطباق النار لا يستريح .
وكم من شباب ينظر الحبيب ، عاجله الموت وأحل به النحيب ، كم من مسرور بشبابه عاجله الموت من احبابه إلى قبره وترابه ، أيها الشاب الجهول إلى التراب منقول ، وعلى النعش محمول ، وعن اعمالك مسؤول ، ما لك لا ترجع ، ما لك لا تفزع ، ما لك لا تخضع ، اه من يوم يقول فيه المولى : عبدي شبابك فيم أبليته ، وعمرك فيما افنيته ، فلا تنظر إلى الشباب وطراوته ، ولا تغتر في حسنه وملاحته ، ولكن انظر صرعته وندامته .
ما أحسن الاناب بالشباب ، وما أقبح الخضاب بمن قد شاب وما تاب ، ما بقاء الشيخ في الدهر الا كبقاء الشمس على القصر في وقت العصر ، الشيب داعي الموت وناعي الفوت الشيب يأذن بالفراق ، ويخبر بالتلاق ، الشيب ظاهره وقار ، وباطنه ازدجار ، الشيب يكدر المنا ، ويكثر العناء ، الشيب كسل في كسل ، وعلل في علل وملل في ملل ، وخلل في خلل ، وآخره تقريب الأجل ، وقطع الأمل .
فلما بلغ كلام الوافد إلى هذا الحد قال له العالم : ما أسوأ عبد أقرب منه الأجل وهو يسيء العمل ، ما أسوأ عبد ظهر فيه الخجل وهو يكثر الزلل ، من شابت ذوائبه خفّت حبايبه ، أين الاستعداد ، أين تحصيل الزاد ، وانت للذنوب تعتاد ، وقد ناداك المناد ، أين الرجع إلى الله أين المشتري نفسه من الله ، أين النادم من ذنبه ، أين الباكي على أمسه ، أين المستعد لرمسه ، أين الطالب للثواب ، أين الخايف للعذاب .
ألا ترجعون إلى الهدى ألا تقبلون إلى الله ، ألا تخافون من عذاب الله ، ألا تطمعون في ثواب الله ، ألا تقتدون بأولياء الله ، ألا تتوبون من الذنوب . الا ترجعون عن العيوب ألا تندمون على ما أسلفتم ، ألا تعرفون لما تقترفون ، ألا تستغفرون لما اجرمتم .

مصباح الأنظار506

أما للقلوب أن تخشع ، أما للعيون أن تدمع ، أما للصدور أن تجزع ، أما للعاصي أن يفزع من الذنوب ، أما للخاطي أن يرجع عن العيوب ، أما تعلم أيها العاصي أنه لا تخفى خافية على علام الغيوب أما تعلم أنك مأخوذ مطلوب ، ومتعتع في النار مسحوب ، أما تعلم أنك مفارق لكل صديق ودمعك على خدك مسكوب ، أما تخاف وانت عن رحمته محجوب ، وعلى وجهك في النار مكبوب ، فيا له من جسد متعوب ، ودمع مسكوب وقلب وعقل مرعوب .
قال الوافد : كيف الاحتيال في الخلاص ؟
قال العالم : أما تعتبر أما تزدجر ، أما تستغفر ، أما لك فيمن مضى عبرة ، أما في احد مثلك فكرة إلى متى هذه الجفوة والفترة إني أخاف عليك من القسوة والحسرة ، فكم هذه الغفلة الامرة ، والقسوة الحاضرة ، أما تغتنم أيامك ، أما تمحو آثامك أما تكفر أجرامك ، أما تحذر ما قدامك ، أنسيت ما أمامك ، أما تنتبه من رقادك ، أما تتأهب لمعادك ، أنسيت اللحد وضيقه ، أغفلت عن البعث والنشور يوم يظهر كل مستور ، ويحصل ما في الصدور .
إلى متى تعلل بالايمان الكاذبة ، وتضيع الحقوق الواجبة ، أفنسيت الأحباء فلم تعتبر ، وغيبتهم المقابر فلم تزدجر . ما للناس لا يرجعون ، يوعظون فلا يعقلون ، ينهون فلا ينتهون ، ينادون فلا يسمعون ، استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله اولئك حزب الشيطان ألا ان حزب الشيطان هم الخاسرون ، يقولون ما لا يفعلون يأملون ما لا يبلغون ، وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون ، وإذا امروا بالطاعة لا يطيعون ، ويجمعون مالا ياكلون ولا يلبسون ، بل هم يكذبون ويسرفون ، وينافقون ويحلفون ويخالفون ويراؤون ويبخلون فبأي حديث بعد القرآن يؤمنون ويجمعون ما لا يأكلون ويبنون ما لا يسكنون ، لا من الله يخافون ، ولا عند المعاصي يستحيون ، ينامون نوم البهايم ثم شربه ، ويأخذون فيه بالجرايم ثم يصبحون على خلاف ما يسمعون ، همومهم دنيّة ، وأعمالهم رديّة ، وأحوالهم غير مرضية .
قال الوافد : كيف يصنع من أصبح مع هؤلاء ؟
قال العالم : يرضى صاحبا ، ويعتزل عنهم جانبا ، ويل لمن له ذنب وثناء مشهور ، وهو عند الله مثبور ، ظاهره بالخير معروف ، وباطنه بالدنيا مشعوف وهو عن باب الله مصروف ، وثيابه أبيض من الحليب ، وقلبه مثل قلب الذيب ، باطنه من التقوى خراب ، وهو يطمع في الثواب ، وهو في الدنيا سكران من غير شراب ، ظاهره فيه سيماء الصالحين ، وباطنه فيه سيماء الجاحدين ، مقالته مقال الأبدان ، وأفعاله فعال الجهّال ، فاولئك من المطرودين عن باب رب

مصباح الأنظار507

العالمين ، يسوّفون التوبة ، ويلبسون ثياب الزاهدين ، ويضمرون أسرار الظالمين .
ألا وإن أبعد الناس من الله من نظر إلى عيب أخيه المسلم ولم ينظر إلى عيب نفسه إن رأى لأخيه المسلم حسنة سترها ، وإن رأى سيئة نشرها ، فذلك جزاؤه جهنم وبئس المصير ، من لم يميز بين الحلال والحرام اسرعت إليه أسهم الانتقام ، من تأسف على شيء من الدنيا لم تفته كثرة نزعته عند موته .
قال الوافد : صف لي الهالك المشق .
قال العالم : هو الذي يتأسف على رزق لم يأته ، وينتظر مالا وربّما لا يستوفيه ، يخاف شره ، ولا يرجى خيره ، يظهر خيره ، ويكتم شرّه ، وهو مرتبط بالنفاق ، معانق بالشقاق ، شين الاخلاق ، قليل السؤال ، قرين المحال كثيره قليل رضي بالقليل ولا سلك طريق النجاة ، ولا يخاف المفاجاة ظاهره مع أهل الدين ، وباطنه مع المنافقين قد باين الفرقان ، وأغضب الرحمن ، فقلبه لا يخشع ، وعينه لا تدمع ، ونفسه لا تشبع قد اثر العمى على الهدى ، وبدل الدين بالدنيا ، وفي ذلك يقول بعد الصلاة على الرسول :
مضى عمري وقد حصلت ذنوب ‏‎ و عـزّ علـيّ انـي لا أتـوب
‍‍‌‏‎يطـهـر للجمـال لنـا ثيـاب و قد صدئت لقسوتهـا القلـوب
و أعربنـا الكـلام فمـا لحنـا ونلحن فـي الفعـال فلا نصيب

قال الوافد : اسأل الله تعالى سلوك طريق الأخيار ومجانبة طريقة الفجار .
قال العالم : إن الله سبحانه وتعالى قد تبيّن لعباده طريق الهدى ، وحذّرهم المخاوف والردى بعث إليهم رسولا ، وجعل القرآن لهم دليلا ، وركب فيهم عقولا ، أمرهم ونهاهم وخيّرهم ومكنهم وأعد لهم ثوابا وعقابا ، فمن أطاع أوفاه ثوابه ، ومن عصاه فله عقابه ، وإيّاك والظلم والعدوان ، والاقدام على الزور والبهتان ، وعليك بالعدل والانصاف ، والتذلل والألطاف ، ولا تظلم أحدا فان الظالم نادم ، الظلم يخرب الدار ، ويفرد الجار ، من أكبر المصايب والخسرات ، المأخوذ يوم القيامة بالتبعات يوم لا شفيع يشفع ، ولا دعاء يرفع ، ولا عمل ينفع ، لا ينفع الظالم ندمه ، وقد زل به قدمه ، وقد شهدت عليه جوارحه ، يا حسرة الظالم يا ويحه .
قال الوافد : كيف الاعتبار ؟

مصباح الأنظار508

قال العالم : انظر إلى أهل الدنيا جمعوا كثيرا ، وأملوا طويلا ، وعاشوا قليلا هل تسمع لهم حسّا ، أو ترى لهم في القبور انسا ، سكنوا في التراب وتغايبوا عن الاحباب ، ولم يسلموا من العقاب ، حملوا ثقيلا ، وعاينوا وبيلا ، وصارت النار لهم منزلا ومقيلا ، ومضت عليهم جهنم بكرة وأصيلا ، لا يطيقون قبيلا ، ولا يسمعون جميلا ، ولا يرجون تحويلا ، ولا يملون عويلا ، أين الذين شيّدوا العمران ، وشرّفوا البنيان ، وعانقوا النسوان ، وفرحوا بالاولاد ، وجمعوا الديوان ، وتملكوا البلاد ، وغلقوا الابواب فأقاموا الحجاب .
أما رأيت كيف دارت عليهم الدوائر ، وخلت منهم المكاسر ، وتعطلت منهم المنابر ، وضمّتهم المقابر ، وغيّبتهم الحفاير ، وتمزّقت جلودهم ورجفت قلوبهم ، قصورهم خراب واجسادهم تراب ، أين ملوكهم ، أين خيلهم ، أين مواليهم ، أين أنصارهم ، أين عددهم أين وزراؤهم ؛ أين ندماؤهم ، أين أموالهم أصبح غنيهم فقيرا ، وأميرهم حقيرا .
هل بقي الذكر إلا لمن أطاع مولاه ، ورفض في رضاء الله دنياه ، وخالف من خوف الله هواه وقدم الخير لعقباه ، فدخل دار السرور ، وكفاه الله كل محذور ، دار فيها الأمكان ، والحور الحسان ، والاكاليل والتيجان ، والوصائف والغلمان ، والانهار الجارية ، والاثمار الدانية ، والنعمة الوافية ، والسرر المصفوفة ، والموائد المعروفة : والفرش المفروشة ، والاكواب الموضوعة والخيام المضروبة ، والقصور المنصوبة ، تلك دار اليقين ، ومحل الصالحين ، ومأوى المؤمنين ، وذلك شعر يقول :
تنـام ولم تنـم عنك المنايا‏‎ تنبـه للمنيـة يـا ظلـوم
‍‍‌‏‎وحق الله إن الظلـم شـؤم وما زال المسيء هو الملوم
‍‍‌‏‎إلى الديان يوم الدين نمضي ‍‍‌‏‎و عند الله تجتمع الخصـوم
‍‍‌‏‎سل الأيام عـن امم تفانت فتخبرك المنازل والرسـوم
تروم الخلد في دار المنايـا وكم قد رام قبلك مـا تروم

قال أيضا في ذلك شعر تقول بعد الصلاة على الرسول :
اعادك ما له لتقوم فيه‏‎ بطاعته وتعرف فضل حقّه
‍‍‌‏‎فلم تشكر لنعمته ولكن قويت على معاصيه برزقه
تبارزه بها يوما وليلة وتستحيي بها من شر خلقه

ثم قال : ما أسوأ حال من يصلي ويصوم ، ويسهر ويقوم ، ثم يحفر لأخيه المسلم بئرا ،

السابق السابق الفهرس التالي التالي