بين يدي الاستاذ 25

علينا الطريق بطوله وعرضه ، فلقد طاول السحاب بارتفاعه ، وعارض الريح بقطره ، وكان التعب قد اجهد قواي ، ولكنني تماسكت على نفسي حتى انطرح على الارض ، فجلست امامه ، فقال لي : اظن ان السير قد اجهد قدميك ، والصمت قد اجهد شهوتك للكلام ، فانت تحب الالفاظ اكثر مما تحب المعاني وذلك من طبيعة الشعراء ؛ لانهم ابناء الالفاظ ينسّقونها حسبما يوجههم الذوق الفني حسب اصطلاحهم المغلوط ، فيبنون منها بيتا او ابيات يسمونه الشعر ، وقد يرتفعون به عن ارضه السحيقة الى السماء العالية فيسمونه الوحي ، وانت تعلم ان الوحي تنسيق الحقائق والمعاني ، والشعر تنسيق الالفاظ والكلمات ، والالفاظ وان كانت قوالب للمعاني لكنما قد يكبر اللفظ عن المعنى ، فيكون كثوب الشاب الفارع يلبسه الطفل الراضع ، فهو لا ينسجم مع المعنى في كل شيء ، واكثر الشعر من هذه الفصيلة ، وربما تلاءم اللفظ والمعنى ، فشف اللفظ عن المعنى ، وشف المعنى عن اللفظ ، ومن ذلك قول الصاحب بن عباد :
رق الزجاج ورقت الخمر فتشابها وتشاكل الامر
فكأنه خمر ولاقدح وكأنه قدح ولا خمر

جلست اتطلع الى البستان ، فسحرتني اشجاره اليانعة ، وقرع سمعي خرير شلال من الماء ينزل من الجبل ويصب في نهير الى البستان ليسقي اشجاره وازهاره ، ولقد كان تنسيق اشجارها يدل على ان يدا من البشر هي التي اوجدت البستان ، فان التنسيق مفقود في اشجار الغابات . قلت لرفيقي الاستاذ : اظن ان احدا من الاعيان مر بهذه الارض ، فرأى الشلال الذي يصب في هذا المجرى ويمر بهذه الارض التي دلت الاعشاب النابتة على الشاطئ المجرى على انها تربة خصبة صالحة للزرع ، فراح يستملك هذه القطعة منها ، ويغرس فيها هذه الاشجار والازهار باسلوب فني رائع ، كما اعتقد انه اباحها للعابرين ، ولا سيما الذين يهبطون من هذا الجبل المتعب ، وبهذه النظرية الفرضية يرتفع كل ما فرضته من المحاذير ، وخلاصته :
انها بستان مملوكة لثري يحب اللهو والجمال اباحها للعابرين ؛ اذ لو لم يرض

بين يدي الاستاذ 26

ان يدخلها احد من الناس الا بأذنه لما باح حماها ، فجعلها بلا سور ولا باب ولا كلب يحرسها ، فنفس وجودها بلا معارض دليل على عدم معارضته للدخول .
قال لي : هب اني صدقتك ، واخذت برأيك ، وذهبت معك الى البستان ، وهناك عرفت انك اشتبهت في رأيك ، فصاحب البستان لا يرضى ان يدخل اليها احد من الناس ، او ان في البستان من المحاذير التي لا ينبغي لنا ان نجازف بانفسنا فيها ، فمن المسؤول عن الدخول ، هل المسؤولية تقع عليك ؛ لانك سهلت لنا الامر باخيلتك وتصوراتك ؟ او انها تقع علي ؛ لاني مسؤول عن كل حركة وسكون صدر منك في هذه الرحلة ؟ لا شك بان عبء المسؤولية يُلقى على عاتقي ، واكثر من ذلك انني سوف اكون موضع ملامة المدرسة وهيآتها التعليمية ، حيث اخذت برأيك ، بينما الوظيفة تقرر ان تاخذ انت برأيي ، فاي استاذ ضعيف انا ؟ واي تلميذ شقي انت ؟ ولذلك ينبغي لي ان ادرس موضوع الدخول بنفسي ، فاذا اقتنعت بعدم وجود مانع في البين صاحبتك الى البستان ، وتركته يفكر قليلا ، ثم يقول لي : لا مانع عندي من الدخول ، وهكذا زرنا البستان ، وطفقنا نستعرض مشاهدها الفاتنة ، فاذا بها نموذج حي للفن الزراعي الراقي ، فهذه الصفوف المتراصة من الاشجار ، وهذه الالواح المنسقة من الارواء ، وهذا البساط السندسي الذي رسمت فيه ريشة الفن بدائعها وروائعها حتى اصبح فتنة للناظرين .
والحق يقال انها جنة عالية ، قطوفها دانية ، ومشينا فيها حتى بلغنا بحيرة صناعية ، في وسط البستان بنيت بالاسمنت ، وقد وضعت حولها كرأس من الحديد ، تدعو العابر الى الجلوس ، فجلسنا ونحن في حالة مسحورة ، قد اسكرنا جمال البستان ، وانسانا متاعب السفر ومشاقه ، وقد حفلت الاغصان بالعصافير والبلابل بين مزقزق ومغرد ، انها لذة ما فوقها لذة ، واعتقد بان رفيقي الاستاذ قد سحرته هذه الروعة ، فراح يختلس المتعة منها ما وسعه الاختلاس ، وترك الفلسفة وآفاقها الموحشة ، انه لا يلتفت الي ، ولا يلقي باسئلته المرهقة علي ، انه في حالة من الصفاء ، وفي نشوة من الاحلام ، وحلق الفكر بخيالي حتى نسيت نفسي ورفيقي لولا ان اعادني صوته الى واقعي ، فاذا به يسألني : اظن ان المنظر اثار

بين يدي الاستاذ 27

شاعريتك بعد ركودها ، انك تعرج في آفاقها ، ولا تلتفت الى حالك ومستقبلك ، انك لا زلت تعيش بماضيك ، وما امات الشرق الا حياته بماضيه ، فهو لا يزال يعيد نغمة الآباء والاجداد ، ويتشدق بالفتوحات العربية الماضية ، فاذا سألته عن نفسه ، وعن جهادها في الحياة ، رأيته يلتفت الى الماضي ، فلا يعيد الا ما بدأ به اولا ، انه اكتفى بالماضي فعاش به ، وترك مستقبله للحوادث تلعب به ما شاءت ، فهو مستعبد للغرب ، وارضه مستعمرة لقواه ، واتعابه وجهوده مستغلة من قبل رجاله ، فاذا حاولت ان تستفزه لوّح لك بالماضي ، فكان هذا الماضي هو الحياة الواقعية ، وما سواه خيال عابر لا يستحق ان يهتم به الانسان ، ليت هذا الماضي نسينا لننساه ، انه اصبح الغل الذي يستعمر مواهبنا واحاسيسنا ، انه السد الذي يمنعنا من التقدم الى الامام ، ولو اننا كنا نتخذ من الماضي عبرة نستدل بها الى المستقبل لكان لنا فتح جديد في الحياة ، ولعد وجوده طفرة موفقة في تأريخنا الزمني ، ولكننا نحلم بالماضي فنلتذ به ، ونكتفي بلذة احلامه عن الواقع المر الذي نعيش فيه ، وانت ألست ابن هذا الشرق ؟ أقلتك ارضه ؟ واظلتك سماؤه ؟ واولدتك رجاله ؟ وحملتك نساؤه ؟ انك مصداق له في كل احاسيسك ، اننا قاسينا ما قاسيناه لننسيك هذا الماضي ، ولنخرجك من مزالق الخيال ، لنلمسك الواقع ، ومع ذلك اذا غفلنا عنك لحظة ، او غفلت عن نفسك لحظة رجعت الى ماضيك لتحلق بك الشاعرية باجنحة الخيال الى سماء الاحلام والاوهام ، انك اسوأ حالا من هذا العصفور ، فهو حذر مني وينتهي كتاب برحلته المثيرة في علم النفس الى هذا المقطع : منك ومن المفاجآت» .
«وسكت الاستاذ قليلا ثم قال : اننا سنختم محاضرتنا بابداء حقيقة ظاهرة ربما غفلتم عنها ، وهي ان مثل هذا السالك الالهي يكون قد وصل في سيره الوجداني الى درجة سامية من الوجود ؛ لانه قد اتصل بالوجود المطلق ، ذلك الوجود الذي ينبعث منه الوجود ، فالوجود اثر من آثاره ، فهل يتساوى الاثر والمؤثر في الحقيقة كما يتساوى الضوء والنور ، مع انهما علة ومعلول ؟ او تختلف حقيقة الوجودين كما تختلف حقيقة الشمس عن حقيقة اشعتها ؟ ان الوسائل الانسانية على اختلاف

بين يدي الاستاذ 28

منازلها ومراتبها لم تحل هذه المشكلة ، ولا يهمنا حلها بعد ما عرفنا بان هذا الوجود اثر من ذلك الوجود ، وهب انهما يتحدان اسما وحقيقة ، او يختلفان ماهية ، وان اتحدا عنوانا ... ، ان ذلك لا يهمنا بعد ما عرفنا بان الاثر المتصل بالمؤثر اقوى جدا من المنفصل عنه ، فالنور المقترب من الشمس اقوى من الشعاع المبتعد عنها . والسالك المتصل بالعالم الالهي اقوى وجودا من غير المتصل به ، ولذلك راح يرى ويسمع ويحس بما لا يدركه غيره ، ان علمه من علم الحق فهو يشهد الحقائق بلا وسائل الشهود ، انه يشهدها بالعلم اللدني الذي استودعه لديه العليم الحكيم : «وعلمناه من لدنا علما» (1) ، كما حققنا ذلك سابقا ، فعلمه شهود بلا حجاب وانكشاف عيني ، لا شهود علمي او كشف بوسيلة الادلة ، وحتى نظره ايضا فانه نظر خاص لا يستعمل فيه هذه الادلة المسماة بالعين ، انه يرى في كل جارحة من جوارحه ، بل انه يرى بلا جارحة ، انه ينظر من خلفه كما ينظر من امامه ؛ لانه في عيش الشهود ، قد فنى في حقيقة الوجود .. ، والذي يفني في الشهود والوجود لا يغيب عنه شهود ولا موجود ، ان وجوده متضخم جدا ، واشعاعاته شديدة القوة ، فهو محيط بكل شيء ، وهو نافذ في كل شيء ؛ لانه يتصل بالمحيط اللطيف ...» .
وسكت الاستاذ ... ، ثم حيانا وانصرف ، وهكذا بقيت وحدي وانا في صفي مع التلاميذ ، بقيت وحدي لاني انجرفت بتيار الآفاق التي اوصلني اليها استاذي الكريم ، ورحت ادرس موقفي فيها ، فاذا وجودي ينجذب اليها بقوة جبارة ، وهناك استحال وجودي سمعا ماج فيه نداء «فاخلع نعليك انك بالواد المقدس طوى» (2) ، ما هذا النداء ؟ وما هو الواد المقدس ؟ فهل الافق الذي تجذبني تياراته هو الواد المقدس ؟ وماذا يريد هذا المنادي من قوله : اخلع نعليك ، انني لا احتذي نعلا لاخلعه ، فماذا يريد من الخلع ؟ هل يرمز عن النعل بخلع المشخصات الوجودية ليؤهلني الى الاتصال بالعالم المجرد ، ان المجرد لا يراه الا المجرد ، انني تجردت من كل شيء ،
(1) الكهف : الآية 65 .
(2) طه : الآية 12 .
بين يدي الاستاذ 29

تجردت من حياتي الشخصية فتركت اهلي واخواني ووظيفتي وشخصيتي .. والتحقت بهذه المدرسة التي راحت تسير بي في حياة جديدة حتى اوصلتني الى هذا العالم ، هل يريد ان يجردني حتى من هذه المدرسة ، أليست المدرسة هي الطريق الموصل اليه ، اعتقد بانه يريد ان يجردني من المدرسة ، بمعنى ان اخلع علاقتي مع هذه المدرسة لاخلص له ، لهو لا يريد شريكا في العبادة ، اي في الحب ، وهل الحب الا عبادة الاحرار والابرار ؟ انه يريد ان يجردايماني به من وسائل الايمان ، وان كانت السبب في ايماني به لان الوسائل في نظره حجب للايمان الصحيح . انه يريد ان يجردني حتى من نفس الشهود ؛ لان الشهود انما يحصل بوسيلة الآلة الشاهدة ، والآلة في نظر الشاهد حجاب المشهود ، فهو يريد ان يخلصني منها ليخلص شهودي اليه ، ان هذه الوسائط في نظرة كالنعل يلزم خلعها مثله ؛ لانه لا محل لها في المواطن المقدسة ، وكذلك يلزم المواصل الى حظيرة الجمع او منطقة الشهود ان تخلع عن نفسه كل الوسائل والوسائط فانها اجنبية لا تلائم مقام القرب المقدس ، او حرم الحق الشريف ، وحينما وصلت في سيري الوجداني الى هذه المنطقة ، رأيت وجودي يتجرد عن كل شيء حتى عن الوجود نفسه يتجرد عنه لكي لا يبقى هناك الا الحق وحده ؛ اذ لم يبق في عوالم حياتي اله ، فهو الذي يشغلها كلها ، انني الآن لا احس الا به ، انه هو الذي يدبر عوالمي واكواني ، ان الزمان والمكان معمور به ، انني مفرد مثله ، انني او انه يشغل كل آفاق الحياة او آماد الوجود ، انا وهو ، ان امري لعجيب ، هل هذا العالم الضاج بالآف الملايين من الصور والحقائق يخلو في لحظة واحدة الا عني وعنه ، فهل بعد ما جردت العالم عن سواه يبقى لوجودي اثر يشير الي ، انني مضطرب ، انني اكاد اخرج عن حدود المنطق ، انني .. انني .. هل انا انا ، وهل هو هو ؟ انني لا افهم شيئا ، ان هذه المنطقة حساسة وخطرة جدا ، ان المنطق تتلاشى وسائله في هذا المكان فهو يكاد ان يعربد كما عربد السكارى من المتصوفة ، انني لا احب ان اعيش صوفيا ينكر كل شيء ، انني فرد من الناس ، انني عبد الله ، انني رشح من البحر ، انني .. انني ، ومع ذلك فقد تلاشى كل شيء في الوجود فلم يبق الا انا والا هو ، فهل انا انا ؟ وهل هو هو ؟ انها منطقة الشك الذي

بين يدي الاستاذ 30

تهوي بالانسان الى الالحاد . رب اعني على مقامي فاني اصبحت منك على قاب قوسين او ادنى ، انني فرد ، وانك فرد في هذه المنطقة ، واخال نفسي قد تلاشت ايضا فلم يبق وجود الاك .. وهنا يهتف الايمان بي : ان ارجع الى نفسك ، فقديما ارشدني ائمة الهدى الى خطر هذه المنطقة بقولهم : «ان لنا مع الله حالات نخال بأننا هو ، وبانه نحن ، ولكنه هو هو .. ونحن نحن» ، وان هذه الحالة ، اعني بها حالة الانفراد من تلك الحالات ، فاني اخال ان نفسي قد تلاشت ولم يبق الا وجهه انني موجود ، موجود بشخصي ، فانا انا ولا شك بانه موجود بعالمه المجهول ، فهو هو ، كل ما هنالك ان حجب العلم والمنطق والمحيط والعادات والتقاليد كلها قد ارتفعت ، ولم يبق هناك الا الواقع المشهود والحق الموجود ، فانا معه فقط ، وهو معي فعلا ، اكاد اراه والمسه ، وان كنت لا اراه ولا المسه ، ان هذا الفراغ يكاد ان يجنني ، وهل بقي لي عقل ليمشي اليه الجنون ، انني قد تركت العقل وعوالمه جانبا حينما بلغت درجة الشهود ، فالعقل انما نحتاجه كوسيلة الى الواقع ، فاذا ادركنا الواقع فاي حاجة لنا بالعقل ؟ ان هذا الفراغ يكاد يصرعني ، فأكاد انكر نفسي ، فاخالها قد تلاشت ولم يبق الا وجهه ، ومع ذلك فاني احس بنفسي وبأني موجود ، فالفراغ يشغلني كما يشغله ، فهو وانا ، هو هو . انا انا ، وهنا رجعت الى وعيي واذا بالاستاذ يهزني بشدة ، ويقول لي : افق ، افق ، انك وصلت الى منطقة دقيقة تحتاج الى الافاقة . احذر من السكر فانه يهوي بك الى اعماق هاوية لا قرار لها ، افق والتفت الى نفسك ، انك في منطقة الحق ، انك في حظيرة الجمع ، اوتدري ما هي حظيرة الجمع ؟ انها منطقة تجمعك بالحق ، ولا يمكن الجمع معه الا باسقاط التفرقة بينك وبينه ، ولا يمكن اسقاطها الا فنائك فيه ، بحيث تندك فيه اندكاكا وجوديا ، وهذا المعنى وان لم يتحقق لاحد الا بالفناء الحقيقي ، حيث تفنى الذات ، وتذوب العناصر ، وترجع الوديعة الى بارئها لتتصل بالحق وتجتمع معه ، ولكن الاندكاك الوصفي ايضا له خصائص الاندكاك الذاتي ، فان عروض الصفة لا بد وان يكن على الموصوف ، ولا بد ان يكون بين الصفة والموصوف توافق طبعي ، ليقبل الموصوف الصفة ولتنطبق الصفة على الموصوف ، والا فان عروض الحرارة على الثلج ، او عروض البرودة على النار من المستحيلات

بين يدي الاستاذ 31

الاولية ، ولما كانت صفات الحق لا تعرض الا على ذات الحق ، لذلك يلزم للسالك ان تستحيل ذاته في الحق حتى تعرض عليه صفاته ، والا فان صفات الحق لا تعرض على ذات تخالف الحق في ماهيتها .
ان هذا المعنى بما يعرض على السالك الوارد الى حظيرة الجمع ، لكنه لو تأمل جيدا لعرف بان هذا المعنى مما يأباه المنطق وينفيه الايمان ، ان هذا السالك لما صهر صفاته في بوتقة الرياضيات الالهية ، حتى اصبحت تحاكي صفاته الحق في الخصائص والآثار ، وحتى صارت ملكاته لا تستجيب الا للدواعي الالهية ، فقد تخيل انه ارتدى صفات الحق نفسها ، اي حلت فيه صفات الحق ، ولما كانت صفات الحق لا تحل الا في ذات الحق ، فلا بد وان تكون ذاته ايضا منصهرة في ذات الحق ، وعلى هذا البيان يكون السالك هو الحق ؛ لان صفاته صفاته ، ولا تعرض صفات الحق الا لذات الحق ، فتكون ذاته ايضا ذات الحق ، فهو الحق ، هذا ما تصوره له العربدة الصوفية ، ولكن المسكين قد غفل عن ان العبد اذا صهر صفاته في صفات الحق ، حتى اصبحت ملكاته ملكاته في الدعوات والاستجابات ، فانه لا يلزم هذا الانصهار الوصفي انصهار في الذات ايضا ، للتبدل حقيقته ، بحيث تتحول ماهية ذات العبد الى ماهية ذات الحق ، ان الحق لا يزال بماهيته المجهولة وله صفاته وآثاره ، وان العبد لا يزال بماهيته العبدية التي خلع عليها صفات تحاكلي صفات الحق في الآثار ، ولو توجه جيدا الى ذاته وصفاته لشاهد ان صفاته بحدودها غير صفات الحق بحدودها ، ان الحديدة المحماة وان حاكت النار بلونها واثرها الا ان النار لا تزال نارا والحديدة لا تزال حديدة ، وكذلك السالك الذي يتلبس بصفات الحق ، فتصبح دعواته واستجاباته دعوات الحق واستجاباته ، حتى توهم انه الحق ، ان صفات هذا السالك لا تزال صفاته ، وصفات الحق لا تزال صفاته ، لكن منهما حدودهما المشخصة لها ، الا ان تشابه آثارهما ادى الى شبهة الواحدة .
رق الزجاج ورقت الخمر فتشابها وتشاكل الامر
فكأنه خمر ولا قدح وكأنه قدح ولا خمر

ولكننا لو دققنا النظر جيدا لرأينا القدح لا يزال قدحا ، والخمر لا يزال

بين يدي الاستاذ 32

خمرا ... ، انكم ايها الواصلون الى حظيرة الجميع ، الرافعون الحجب والملابسات بينكم وبينه ، حتى اصبحتم تشاهدون الحق بعين الحق ، لا تغركم هذه الظاهرة التي تجعلكم تتصورون انفسكم آلهة ، انما الله واحد لا شريك له ، ان السير الى الحق يشرفكم على وحدة الحق في ذاته وصفاته ، فانتم انتم ، وهو هو ، لا شريك له» .
الى هنا تنتهي المقاطع من كتاب «هكذا عرفت نفسي» اما هذا الكتاب الذي بين يديك عزيزي القارئ فهو رحلة اخرى في عالم الروح ، قد لا تتوفر فيه عناصر الامتاع الادبي لكنه ينطوي على كثير من الحقائق التي ينبغي الاطلاع عليها . انه يشير وبصراحة اكثر الى تاريخ الانسان ومصيره ، وهو على كل حال تجربة من تجارب الروح يجدر بنا جميعا الاطلاع عليها .
بقيت مسألة اود الاشارة اليها في هذه السطور ، وهي ضرورة تطوير نظرتنا الى الاشياء ، لقد اعتدنا رؤيتها بابعادها الثلاثة ، ثم فاجئنا انشتاين بالبعد الرابع وهو «الزمن» .
وكان الفيلسوف الايراني ملا صدرا قد سبقه في الاعلان بان الزمن بعد كمي للاجسام ، والبعد الرابع للاشياء ؛ لانه مقدار الطبيعة المتجددة بذاتها من جهة تقدمها وأاخرها الذاتيين ، وهذا امر ممتد وكمي ؛ ذلك ان جميع الموجودات التي في العالم واقعة لذاتها في الزمان والتغير مندرجة تحت مقولة «متى» ، كما انها واقعة في المكان مندرجة تحت مقولة «اين» ، فالزمن بعد اصيل في الجسم ، وهو ليس علة للحركة ، كما ان الحركة ليست علة له (1) ، وقد بحث الفيلسوف الراحل هذه المسالة مفصلا فيما عرف بعد ذلك بنظرية الحركة الجوهرية .
وفي ضوء الاثارات الروحية في التكوين الانساني في عالميه الداخلي العميق الاغوار وما يحيطه من وجود فسيح لانهاية له ، وفي التناسق الذي يكاد يوحد بينهما الوشائج القوية التي تربطهما ، يمكننا ان نثير مسألة اخرى هي وجود بعد آخر للاشياء يمكننا ان ندعوه بالبعد الخامس .. هذا البعد الذي يشير اليه الكتاب
(1) الاسفار الاربعة 3 / 11 .
بين يدي الاستاذ 33

ويسميه بالبعد الملكوتي .
فالقرآن الكريم يتضمن اشارات صريحة في هذا المضمار ، ورؤيا يوسف عبرت عن الشمس والقمر والكواكب بـ «رأيتهم» دلالة على ان ما رآه كان يتجسد في موجودات مدركة تتمتع بالشعور ، وربما يكون ذلك على اساس الرؤيا في التعبير عن مخلوقات آدمية سوف تتجسد في ابويه واخوته .
لكن القرآن يشير ايضا الى مسألة عرض الامانة ، وقد اشفقت عن حملها السموات والارض وحملها الانسان (1) . اضافة الى مجيء السموات والارض طاعة (2) ، وكذا تسبيح الاشياء لله (3) .
كما ورد في الرواية ان صخور الجبل ابان بعثة النبي صلى الله عليه وسلم كانت تشهد لرسول الله بالنبوة .
وهذه الرواية التي يرويها الزهري عن سعيد بن المسيب ، قال : كان القوم لا يخرجون من مكة (بعد انتهاء موسم الحج) حتى يخرج علي بن الحسين سيد العابدين ، فخرج وخرجت معه ، فنزل في بعض المنازل ، فصلى ركعتين ، فسبح في سجوده بهذا التسبيح :
«سبحانك اللهم وحنانيك ، سبحانك اللهم وتعاليت ، سبحانك اللهم والعز ازارك ، سبحانك اللهم والعظمة رداؤك ، سبحانك اللهم والكبرياء سلطانك ، سبحانك من عظيم ما اعظمك ، سبحانك سبحت في الملأ الاعلى ، سبحانك تسمع وترى ما تحت الثرى ، سبحانك انت شاهد كل نجوى ، سبحانك موضع كل شكوى ، سبحانك حاضر
(1) «انا عرضنا الامانة على السماوات والارض والجبال فابين ان يحملنها واشفقن منها وحملها الانسان انه كان ظلوما جهولا» الاحزاب : الآية 72 .
(2) «ثم استوى الى السماء وهي دخان فقال لها وللارض ائتيا طوعا او كرها قالتا اتينا طائعين» فصلت : الآية 11 .
(3) «تسبح له السماوات السبع والارض ومن فيهن وان من شيء الا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم انه كان حليما غفورا» الاسراء : الآية 44.
بين يدي الاستاذ 34

كل ملأ ، سبحانك عظيم الرجاء ، سبحانك ترى ما في قعر الماء ، سبحانك تسمع انفاس الحيتان في قعور البحار ، سبحانك تعلم وزن السماوات ، سبحانك تعلم وزن الارضين ، سبحانك تعلم وزن الشمس والقمر ، سبحانك تعلم وزن الظلمة والنور ، سبحانك تعلم وزن الفيء والهواء ، سبحانك تعلم وزن الريح كم هي من مثقال ذرة ، سبحانك قدوس قدوس قدوس ، سبحانك عجبا من عرفك كيف لا يخافك ! سبحانك اللهم وبحمدك ، سبحانك الله العلي العظيم» .
ويقول الراوي الذي شهد تلك الواقعة : فلم يبق شجر ولا مدر الا سبح معه ، ففزعنا ، فرفع رأسه فقال : «يا سعيد ، أفزعت ؟» .
فقلت : نعم ، يابن رسول الله .
فقال : «هذا التسبيح الاعظم ، حدثني ابي ، عن جدي ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تبقى الذنوب مع هذا التسبيح ، وان الله جل جلاله لما خلق جبرئيل الهمه هذا التسبيح ، وهو اسم الله الاكبر» (1) .
فهناك بعد خاص مستور في الاشياء التي قد تبدو لنا في ظاهرها جامدة لأننا لا ندرك اسرارها .
فكما اننا لا ندرك تلك الحركة الهائلة في ذراتها نجهل ايضا تسبيحها .
ولذا نحن مطالبون بالاصغاء والانصات اكثر لنسمع نشيد الكائنات وسمفونية هذا الوجود العظيم الذي يسبح لله الخالق البارئ المصور له الاسماء الحسنى .
كمال السيد
(1) الصحيفة السجادية .
بين يدي الاستاذ 35



مقدمة المؤلف

بدأت الكتابة في ليلة الميلاد المبارك لسيدنا الحسين (3 شعبان 1403هـ) مستمدا عزيمتي من تلك الروح العظيمة في طرح اعقد الموضوعات العلمية والروحية في قوالب لفظية سهلة ، لتكون امثلة واضحة للسائرين في طريق الحق والحقيقة ، وما توفيقي الا بالله ، وما هدفي الا رضاه .
بين يدي الاستاذ
كان لي استاذ طيب ، وكم كان بي رؤوفا ؛ ما سألته الا واجاب ، وكان يقص علي القصص ..
عيناه نافذتان تطلان على عالم الحقائق ، فما اكثر ما حدثني عن عالم الروح .. ادرك حقيقتها واحوالها ، فاوضح لي ما اوضح ، وكفاه انه يرى الحقيقة عيان او مشاهدة ، فيحدث عنها ، وكنت كلما جلست اليه اشعر بان روحي تحلق في عالم الصفاء ، فازداد حبا لله .
اجد نفسي في رحاب الله ، وفي حضرة النبي والائمة الاطهار من آله صلى الله عليه وسلم . فلا ارتكب خطيئة ولا اقترب من محرم .. يمسح بكفه على رأسي ، ويشع علي كمالا من كماله .
يشاركني حزني ، ويحميني من الشرور التي تهاجم الروح ..
وآن لي ان استعيد اللذائذ التي اقتطفتها روحي في اوراق هذا الكتاب ، فلعلني

بين يدي الاستاذ 36

اتلذذ مرة اخرى ، ولعل ابواب الرحمة الالهية تنفتح امامي ، ولعلكم يا قرائي الكرام تنتفعون بتجربتي ، وتكون لكم زادا في طريق الكمال ، وعندها تجلسون كما جلست بين يدي استاذي ، وتنهلون من عمله .
من هذا الاستاذ ، واين هو ؟
لماذا تبحثون عنه وتسألون ؟ أليست غايتكم الانتهال من علمه واخلاقه وروحه ؟
ها انا اكتب اليكم ، فان غاب عنكم شخصا شاخصا فكلماته بين ايديكم في هذا الكتاب .
بل افترضوا انه لا يوجد ثمة استاذ ، وانما اردت ان اضع امامكم حقائق روحية كبرى ، فاخترت لها هذه الطريقة .. فهل على هذا مؤاخذة ؟ لا اظن !
فليكن همكم حقائق الاسلام العليا ومعارفه الكبرى ، ولقد بذلت جهدا في بسطها ما استطعت ، وساذكر الاستاذ دائما بـ «قال لي معلمي» ، وانا لا اقصد غيره على مدى فصول الكتاب .
واني اسجل عمق ايماني بهذا الكتاب جاعلا اياه حجتي بيني وبين ربي ؛ ذلك انه خلاصة آيات من القرآن الكريم وروايات اهل البيت عليهم السلام .


السابق السابق الفهرس التالي التالي