|
|
المدرسة ، لا تقدم ولا تؤخر من نفسك لنفسك شيئا ، ومن الغريب اني ارضى بمصاحبة هيكل فارغ لا يملك لنفسه نفعا ، ولا يدفع عن نفسه ضرا ، فلي العذر اذا فارقتك فاني لا افارق الا صنما اصمّا ، وتمثالا جامدا ، واني لا احب مصاحبة الاصنام والتماثيل ، قلت له : اوَلست انت مثلي ايضا آلة تديرها اجهزة المدرسة بلا ان يكون لك اختيار من نفسك لنفسك في هذا الدوران . فقال لي ـ وقد حضره الغضب المخيف ـ : لا ، انا مالك نفسي اوجّهها كما اشاء ، لي حرّيتي في كل شيء ، وقد قبلت الانتماء باختياري الى هذه المؤسسة ، ومتى رأيتها لا تلائم وضعي اسحب انتمائي منها بكل حرية واختيار ، كما ان الرحلات التي تكلّفني بها المدرسة او الدروس التي القيها فيها ، فان لي الحرية الكاملة في قبولها او رفضها ، فليس للمدرسة ، ولا لرجالها القائمين بشؤونها ، اجباري على اي شيء فيها ، فقد خلقني الله حرا لأتمتع بحرّيتي كما تشاء الحرية ، وقد رأيت مني الازورار من الرحلة ، كما رأيت منهم الطلب الضارع والسؤال المنكسر ، فهم يلتمسون مني الدرس ، وانا امنحهم ما امنحهم منها جودا وتفضلا ، فقلت له ـ وقد ازعجتني هذه الكبرياء ، وآلمني ذلك الترفع ـ ألست : موظفا في هذه المؤسسة تتقاضى راتبك منها ؟ وألست مستأجرا للقيام بهذه الدروس والرحلات تأخذ اجرتك عليها ؟ واين الحرية من الموظف والمستأجر ، فهما مستخدمان يقومان بالعمل الذي تبتغيه منهما الوظيفة والاجارة ، فبأي حرية تتغنى ايها الموظف الاجير ؟ وهنا ابتسم في وجهي وقال : ان فهمك محدود جدا ، فانت لا تدرك الا الظواهر ، ولذلك تنفي الحرية عن الموظف والاجير ، ولو كنت ممن درس فوعى بان المتمكن من السبب متمكن من المسبب لما جابهتني بهذا المنطق الضعيف ، وهنا اسألك : هل انا حر في قبول هذه الوظيفة او ردها ؟ او انا مجبر على قبولها بحيث لا استطيع ردها عن نفسي ! قلت له : نعم ، انت مختار في القبول او الرد ، فقال لي : ان المختار في الوظيفة مختار في القيام بشؤونها ايضا ، فهو متمكن من ترك تلك الشؤون باستقالته من الوظيفة ; لان المتمكن من السبب متمكن من المسبب ، قلت له : ولكنك بعد قبولك الوظيفة اصبحت حريتك الاولى مقيدة بالوظيفة ، فانت مجبور على القيام بما تريد ، كما ان
الانسان لا يمكنه ان يمنع المسبب بعدما اوجد السبب ، فهو قد كان حرا قبل ايجاد السببب ، اما بعد ايجاد السبب اختيار ابدا . قال لي ـ وقد اخذته حدة في الكلام مخيفة ـ : قلت لك : ان المتمكن من السبب متمكن من المسبب ، وان فقد هذا المتمكن بعد ايجاد السبب ; لكنه بما ان وجود السبب وعدمه بيده ، ووجود المسبب وعدمه بوجود السبب ، فتمكنه من السبب يلازم تمكنه من المسبب ، واطلب منك ان تتأمل في كلامي لتفهم مرامي ، والا فان الاسترسال في هذا النقاش لا يوصلنا الى غاية ونهاية ، فانت يا رفيق سفري ، حر في قبول هذا السفر لانك حر في الانتماء الى المدرسة ، وانا ايضا حر في مصاحبتك لاني حر في قبول التدريس فيها ، فلا تنفي عن نفسك حرية تفضل بها عليك المنعم العظيم ، واذا كنت حرا في عملك كان عليك ان تعي عملك وتتوصل الى الغرض المنشود منه ، والا فستطلب مجهولا لا تفهمه ، وتسير الى جهة لا غرض لك فيها ، وطالب المجهول مذموم عند العقلاء ، فعليك ان تعي غرضك من سفرك ، كما عليك ان تعرف مقصدك منه ، واعتقد باني قربتك من الغرض ، لو تأملت قليلا فانت قد دخلت هذه المدرسة لغرض معين في نفسك ، وانت هضمت دروسها لنفس الغرض ، وانت تتوجه في سفرك هذا لتحصل ذلك الغرض ، فوجهتك الغرض المنشود ، فاذن انت لا تطلب مجهولا كما تتصور ، ولا تسير الى جهة غير معلومة كما تقول ، فقلت له ـ وقد اطربني بيانه وتحقيقه ـ : نعم ، يا سيدي الاستاذ كما قلت . انا اسير الى جهة خاصة كما اطلب غرضا معينا ، وهما تكميل النفس وتحصيل الانسانية الصحيحة ، ولهذه الغاية اتحمل ما اتحمل من المشاق والآلام ، اما الدروس الفكرية والعملية ، فان غموضها امر طبيعي للتلميذ ، والا فلو كانت واضحة لما لزمه احتمال مشقة التعليم ، اما انت ايها الاستاذ القدير والمرشد الخبير فان عملك رأس مالك في الحياة ، فانت عالم بمبدأ السير ومنتهاه ، وبالطرق التي نجتازها في سفرنا الوجداني ، لكنما فيك خشونة تتعب السالك ، وغموض يبعث الحيرة في سلوك التلميذ ومعاملته معك ، فازوراري عنك مرة ، واحتمالي خشونة اخلاقك مرة اخرى ، منشأهما سماحي من ناحية ، وجهلي باخلاقك وسيرك الاجتماعي من ناحية اخرى ، فلك العذر على وضعك لانك تطبعت عليه ،
ولي العذر على وضعي لانني جاهل بك وباخلاقك ، واردت ان استرسل في خطأبي ، واذا به يضع يده على فمي ، ويرجع الجمل والمفردات المتزاحمة في مخارج الحروف الى مواطنها ويقول لي : اظنك حسبت نفسك الاستاذ (الاخفش) النحوي المشهور ، وحسبتني (كبشه) المعروف . ولذلك رحت تغمرني بسيل خطأبك الجارف . والحق يقال : انه جارف ، فقد كدت انجرف مع بيانك واحلق في آفاقك الساحرة ، ولكنني امسكت نفسي واكبرت منزلتي ان تجاري منزلتك ، فانت تستمد منطقك من الجهل المترائي بالعلم ، وانا استوحي خطأبي من سماوات الحقائق ومناطق الشهود ، انت تردد خطأبك كالببغاء يلقنها صاحبها الكلام ، وانا استنزل المعاني من مصادرها ، التقطها وانا عالم باسرارها وحقائقها ، ولذلك يلزمك ان تقتضب كلامك وتختزنه لموضع الحاجة ، ولا اظنك تحتاج اليه في هذه العجالة ، انت تحتاج الى الصمت اكثر من احتياجك الى الكلام والصمت لامثالك ذهب ابريز ، بل هو جوهر ثمين ، عليك ان تحفظه من الضياع ، وبالكلام تضيع طبيعته فيصبح التبر ترابا والجوهر حصباء . قلت له : سيدي الاستاذ ، انا راض بالذي تفرضه علي ، فعليك الامر وعلي الاطاعة ، وانما ارجو من فضلك ان تسرع بنا لئلا نتأخر في السير ، قال لي : انك كما قلت لا تفهم ما تقول ، فانت تناقض نفسك بنفسك ، ان الرضا والاطاعة يتنافيان من رجائك مني بسرعة السير ، فرجاؤك معناه طلب الاطاعة مني لك ، بينما انت في مقام الاطاعة لي ، ولفهم هذه الحقيقة لا بد لنا من فهم معنى الرضا .
ان الرضا مقام عظيم يجتاز الانسان في سيره الوجداني ، فالراضي بالشيء مرتاح الضمير ، فارغ البال ، يعيش ولا يهمه ما ينزل في الارض او يصعد الى السماء ، فهو راض بحياته ، سعيد بعيشه ، وان الرضا بالحياة لا يحصل حتى تملأ حياته كل فراغ في وجوده .
وان السعادة بالعيش لا تتأتى الا بامتلاء عالم احلامه ، والا فان وجد فراغ في الحياة لاجتهد وسعى صاحبه لأشغاله ، ولو بقي له حلم واحد لم يتحقق لأوصل ليله بنهاره حتى يحققه ، فالرضا حالة قدسية لا تتحقق الا لمن فهم الحياة ووعى
حقيقتها الغامضة ، ان الحياة آمادا واسعة لا يجتازها السالك الا باجنحة الايمان بالله ، ومعنى ذلك ان على الانسان ان يفهم مقامه من عوالم التكوين ، وموقفه من آفاق الوجود ، انه لو قاس نفسه بهذه العوالم او تلك الآفاق لكان اضأل من قطرة تقاس بالمحيط الواسع ، واصغر من ذرة تقرن بالجبل الشاهق ، اقول : انه اضأل واصغر من القطرة والذرة وانا اعني ما اقول ، فان البحر يتكون من قطرات ، والطود يتقوم من الذرات ، اما العالم فوجوده لا يحتاج الى انسان ابدا ، فلو فرضنا انه انعدم منه العنصر الذي يعيش به الانسان ، فانعدم منه هذا الحيوان الشقي المسمى بالانسان لما نقص من العالم شيء ابدا ، بل يبقى الكون وما فيه على حاله ، وتبقى اجهزته وافلاكه تدور وتسير من غير ان يحدث فيها فقد الانسان اي نقص او قصور في الجهاز او السير ، فوجود الانسان في هذا العالم كعدمه لا يؤخر ولا يقدم من العالم شيئا ابدا ، ولذلك صار اضأل من القطرة واصغر من الذرة ، فاذا كان مقامك ايها الانسان من العالم يقع في هذا الجزء الحقير الضئيل فيه ، فكيف تروم ان تحيط به وتلم بكل ما فيه .
ان محاولتك هذه اسخف من محاولة نملة صغيرة تريد ان تنقل طودا من جهة الى جهة اخرى ، فهي تتعب نفسها في نقل ذرات صغيرة منه حتى تتلاشى وتبيد ويبقى الطود على حالته كما كان لم ينقص منه شيء ابدا ، ولذلك ينبغي للعاقل ان يدرب نفسه على القناعة بما يجود به نظام التكوين ، ويتلطف عليه فيه المدبر الحكيم ، واعتقد بانه لو وعى حقيقة نفسه ومقامه وحقيقة الكون ومقام مدبره العظيم لأحتفل بكل ما تنعم عليه به هذه العظمة الجبارة ، فالتفات مثلها لمثله نعمة لا يحيط بها شكر ، والذي يبلغ سيره الوجداني هذه المرحلة ، يتأهب لان تتساوى عنده الحالات ; لانها احكام تنزل من مقام العظمة المقدسة ، فهي التي تريد سروره ، وهي التي تريد حزنه ، وهي التي تريد راحته ، وهي التي تريد مشقته ، فاذا كانت الحالات كلها منها يلزمه ان تتساوى حالاته ايضا تجاهها ، حيث انها متساوية في نظر القضاء ، وتساويها يفرض عليه ان تتساوى حالاته في كل تلك الاحوال ، ولا شك بأن البلوغ الى هذه المرتبة اصعب من الصعب ، فان الالم يوجع ويبيد
الاعصاب ، فكيف يمكننا ان نجعله في منزلة الفرح الذي ينعش الاعصاب ، وينشط الروح ، ولكن علماء الاخلاق يقولون : بأن من يعي هذه الحقيقة تصبح حالاته متساوية ، لا يمتاز ربحه عن خسارته ، ولا نجاحه عن سقوطه ، ولا مرضه عن صحته ; لأنه وعى ان الباعث والمدبر لهذه الحالات واحد لا شريك له ، فايجاد النجاح في جهاده لا يقصر عن ايجاد السقوط ، وبعث المرض في بدنه لا يزيد عن بعث الصحة ، وهكذا ، وبما انه لا يريد من عبده الا تكميل نفسه ; لانه خلقه للمعرفة المساوية للكمال ، فالحالات التي تتوارد عليه انما هي مقامات يجتازها الانسان الى مرتبة الكمال ، فعليه ان لا يفرق بينهما ابدا ; لانها لا تختلف درجاتها في نظر المدبر القدير ولا قيد شعره ، ولا شك ان الانسان اذا بلغ هذه المنزلة فرضى بما يرضى به الله اصبحت نفسه مخاطبة بقوله تعالى في كتابه العزيز : «يا ايتها النفس المطمئنة * ارجعي الى ربك راضية مرضية» (1) .
وهنا اسرع الاستاذ في سيره ، فاسرعت اعدو خلفه بشدة لأصل اليه ، وهيهات ان اصل اليه ، فكانه استعار من الزوابع نشاطها ، ومن النور حركته ، فهو يسير بقوة خارقة ، وانا اتعثر في آثاره المنطبعة على الرمال ، بينما كان في شخصه غائبا عن نظري ، ما هذا النشاط ؟! وما تلك القوة الجبارة ؟ اني حائر في امر هذا الشيخ المدهش ، وسرت طويلا حتى رأيته وقد اعتزل الطريق ، وجلس يراقب السماء وكانه شاعر يستعرض فيها آثارها الرائعة ، او كأنه نبي يستنزل منها الوحي والالهام ، ولما وصلت اليه لم يلتفت الي ، فهو مشغول عني بنفسه وبسمائه ، واحسبه لم يرد تحيتي التي وجهتها اليه باسلوب ملفت للنظر ، ورأيت من المناسب ان اتركه وحالته الحالمة ، لئلا اشغله عن لذته ومتعته ، فان الفيلسوف يجد لذته في الاعتزال عن الناس ، وها هو يعتزل حتى عن نفسه ومقصده ، ليأخذ خطته من هذه الوحدة الملذة في صحراء ساحرة المشاهد ، واعتقد بانه وجد في الصحراء ما يجده القس في صومعته ، والعابد في محرابه ، والفنان في مرسمه ، والمخترع في مختبره ،
|
|
(1) الفجر : الآيتان 27 و28 .
|
فهو مشغول به عن غيره ، وقد سرت منه الى تلك السكرة الروحية فاذا بي اهيم في اخيلة لا مد لها ، ولولا صرخته التي ارجعتني الى نفسي لهمت في اودية لا نهاية لها من الاحلام ، قال لي وهو يبتسم : ما بالك تنظرني بذهول وانبهات ، فهل رأيت مني ما يستوجب هذا التفكير العميق ؟ او ان التعب اثر في اعصابك فتركك هامدا بلا حركة ولا شعور ، او انك انجذبت الى الآفاق التي جذبتني مفاتنها فرحت التقط منها روائع الخلود ؟ واعتقد بانك لست من الفريق الثالث ، لانك لم تصل بعد الى مرتبة تتكشف عن بصيرتك الحجب لترى ما لا تراه العين المجردة ، قلت له : ان حالتك الذاهلة ووصفك المعجب هو الذي اشغلني عنك ، فانا كما قيل مشغول بك عنك اراك تحلم يقظانا بأمور لا تصل اليها احلامك وانت نائم كانك تلتقط الروائع الخالدة من وراء الحجب ، وليتني شاركتك هذه اللذة التي لأجلها ضحيت ما ضحيت من لذائذ الحياة ، ومتع الدنيا الساحرة . نعم ، شغلتني حالتك فرحت اهيم في اوضاعها وتجاوزتها الى حالاتي التي تعاودني في ادوار درأساتي المبهمة ، ولقد اذهلتني هذه العوالم حتى لم اسمعك وانت تهتف باسمي ، ولم التفت اليك وانت تحاول لفت نظري اليك ، واعتقد بان العذر الذي قدمته اليك يكفي لاستحصال رضاك وعفوك .
قال لي : انك معذور من اول الامر في كل ما صدر منك ، ولكنني لا ارى لنفسك عذرا في كل ما تفعله انت ، فان المدرسة كلفتني بك ، والتكليف هو القاء المسؤولية علي ، فانا مسؤول عن اعمالك واقوالك ، ولذلك تراني اضغط عليك واتحامل على سيرك ; لاني اشعر بثقل المسؤولية .
والآن اسرع بنا فقد فات علينا الوقت ، وراح يجاريني في السير ، واعتقد بانه كان يراقب وضعي ويراقب فكري ايضا ، وقديما كانت الفرأسة تقرأ الضمائر من الوجوه ، فهل يقرأ ضميري من وجهي ؟ أله علم بالضمائر من غير طريق الفرأسة ؟ اني احس بمراقبته لي ، واشعر بان عينه تجول في كل افق من وجودي لكني حتى في فكري على حذر من هذه العين السحرية ، وهكذا سرنا والصمت يغمرنا حتى وصلنا الى بحيرة قطعت علينا الطريق ، فكان علينا ان نعبرها ، وهنا كانت المشكلة ، فليس فيها قارب نستقله ، ولا جسر نعبر عليه ، وهنا قال لي رفيقي : ارح
نفسك قليلا على ضفاف هذه البحيرة الساحرة ، ومتع بصرك وفكرك بامواجها الرائعة ، وهكذا جلسنا على شاطئها الماتع ، وسألني ، : هل لك قابلية العبور الى الشاطئ الآخر ؟ قلت له : اني لا اجيد السباحة ، ولكنني لا اطمئن من قواي ، فان عرض البحيرة يزيد على نصف كيلومتر ، وهي مسافة طويلة ، ولا سيما والماء ساكن راكد ، والامواج رقيقة لا تساعد السابح على العبور . قال لي : اذن انت لا تطمئن من نفسك ، ولا تعتمد على فنك ، وانما تستند الى قوة الموج ودفعه لك ، وما اضعف من يعتمد على الموج ويتوكل على التيار ، وهما كما يعلم الجميع مسخران بقوة اخرى تدفعهما يمينا وشمالا ، فانت اذن كهذه الامواج الصماء لا ارادة لها ، بل لا قوة لك على المسير ولا وعي لك بمقصدك ، وان من يسير بلا قوة ذاتية ولا وعي شخصي يكون من اضعف الناس ، كان عليك ان تستمد القوة من نفسك لنفسك في اعمالك ، ولا تحصل هذه القوة الا بعد درأسة الموضوع من جميع جهاته ، ثم درأسة كفايتك من جميع وجوهها ، فاذا هضمت كفاءتك الموضوع تقدم اليه بلا خوف من معارض ، والا فابتعد عنه بلا استناد على شيء ، فان الله قد اودع فيك طاقة غير محدودة من القوى تتمكن فيها من تأدية الاعمال الشاقة ، ولا اريد ان اقول : بانك تستطيع ان تحقق المستحيل ، فالمستحيل لا يتحقق ، وان من المستحيل ان يتمكن من عبور هذه البحيرة من لا يحسن السباحة ، فاذا تعلمها اصبح عبورها من اسهل الممكنات ... ان مراعاة التيار ومسايرة الموج من جملة قواعد السباحة ، فانا اذا اعتمدت على الموج او جاريت التيار لم اكن مخالفا لأصول فن السباحة وقواعدها ، بل انما اطبق قاعدة من قواعدها عمليا ، فانا لا اعتمد الا على الفن وعلى نفسي حينما اعتمد على الموج في سباحتي ، فليس كل من يعتمد على نفسه لا يعتمد على الموج ، وليس كل من يعتمد على الموج لا يعتمد على نفسه ، وهل سياسة الاجتماع الا الاعتماد على الموج والا مجاراة الرأي العام ؛ لان التيار لا يكبح الا اذا جاريته فعرفت موطن الضعف فيه ، ثم نفذت الى قواه فلويتها كما تريد .
قال لي : انك تحدثني عن سياسة الاجتماع المبتنية على النفاق والخداع ، والتي لا يفهمها الوجدان ولا يقبلها الضمير ، انني اما ان اؤمن بفكرة فاتبناها ، واما ان
لا اؤمن بها فابتعد عنها تماما ، ان مجاراة المحيط الممقوت ، والرقص على نغمة لا يحبها الذوق شيء يأباه سلوكي الفردي والاجتماعي ، فالانسان الحر لا يقبل القيد ولو كان من ذهب ، ولا يهضم المر ولو كان من غرس الجنة ، وبما انك تعيش في وطن العبيد طاب لك الخنوع ; لان الاستعمار الدولي فرضه عليك ، فرحت تتجرعه حتى اعتدت عليه ، بل وحتى اصبحت له قاعدة كلية تعتمد عليها سياسة الاجتماع ، ولذلك ماتت فيكم روح الحرية ، وفسدت في عروقكم الدماء ، وزال من اعصابكم النشاط ، فانتم لا تعتمدون الا على النفاق ، ولا تسايرون الا التيار ، ثم تحاولون ان تلبسونه عنوان الفن ليقبله الذوق ، ولتصبح مجاراة التيار من صميم الفن ، انك لا تكون عبدا لنفسك تخدمها حتى تتحرر من عبودية غيرك ، ولا تتحرر من عبودية غيرك حتى تقطع احتياجاتك من ذلك الغير ، فالحاجة طوق العبودية يضعها الاجنبي على رقبتك فيقودك فيها كما يشاء ، ولا اعني بالاستغناء عن الغير استغناءك في العناوين العامة التي تقوم بها المجتمعات ، كالحرف والمهن والفنون والعلوم ، لا ، لا اعني ذلك ، فان تكوّن المجتمع بأعضائه ، فحياته بحياة الاعضاء ، فكما يقوم كل عضو من اعضاء بدنك بوظيفته الخاصة ، فالعين تبصر ، والاذن تسمع ، واليد تلمس ، والقدم تسير ، ومنها يتكون هيكلك الموقر ، كذلك الاجتماع فاعليته بفعالية اعضائه ، فالطبيب يداوي ، والمهندس يرسم الخطوط ، والبناء يبني ، والبقال ، والعطار ، والنجار ، و... الى ما يحتاجه المجتمع ، فكل من هؤلاء يكون لبنة من المجتمع ، ومنهم جميعا يتكون المجتمع ، فانا لا اعني من استغناءك استغنائك عن هذه الاعضاء ، وانما اعني ان النجار ينبغي ان لا يعتمد في مهنته على العطار ، والطبيب لا يستند في عمله على الاديب ، والمهندس لا يتكئ في فنه على الصيدلي ، وهكذا ; لان هذا الاستناد يميت فيهم روح الحرية ، وينشر فيهم التخاذل ، ويكبل كل واحد منهم بطوق العبودية للآخر ، بل ينبغي ان لا يعتمد الطبيب في اختصاصه حتى على طبيب آخر ، الا اذا ادى الى خيانة الانسانية بخيانة العلم ، وانما يقوم بوظيفته حسبما تفرضه عليه مهنته ، وتطيقه طاقته العملية ، ولو اعتمد الطبيب في وظيفته على طبيب آخر مثله ، وترك واجبه المهني كان مثله مثل الدولاب الغاص
بالكتب ، كل فائدته انه يضم الكتب فقط ، انه لا يفيد بعلمه ولا يستفاد من عمله ، وربما سرت روح التخاذل منه الى ابناء مهنته ، فاعتمد كل منهم على صاحبه ، وتكون النتيجة ان المريض يموت لانه لا طبيب له يداوي مرضه ، بينما القطر يغص بالاطباء ، كالظمآن يموت عطشا وهو على الماء ، وفي مثل هذا المحيط تخور العزائم ، وتخان الواجبات ، وتتعطل الاعمال ، فيطمع بالوطن الطامعون ، وتمد العبودية اشراكها لتصطاد هذا الشعب المتخاذل ، ان الانسان الحر ينبغي له ان يفهم انه انسان وانه حر ، ولاجل ان تفهم الحرية اعرض عليك حقيقة العبودية .
ان العبودية هي فقد القدرة من كل شيء ، فهو لا يستطيع ان يعمل او يقول شيئا بأختياره ، وانما حياته بيد مولاه ، يوجهها حسبما يشاء ، فهو لا يقوم الا حينما يريد المولى قيامه ، وهو لا ينام الا حينما يريد المولى منامه ، فهو لا يستفيد من مواهبه ومخصصاته ، وانما فائدته لمولاه فقط ، فهو الذي يوجهها حسب مصالحه العامة او الخاصة ، والحرية هي ما تقابل هذه العبودية تماما ، فالحر هو الذي يستخدم مواهبه ومخصصاته كما يشاء هو لا كما يشاء غيره . ولذلك يستخدم مواهبه ومخصصاته كما يشاء هو لا كما يشاء غيره ; ولذلك قلت لك : ان الحر اذا ترك مخصصاته لغيره كان عبدا من هذه الناحية لذلك الغير ، واذا سرت العبودية في ناحية من نواحي الحياة اصبحت النواحي الحرة ايضا مهددة بالعبودية ، ليعيش كما تريده الحياة ، والا فهو غرض لهجمات المتعبدين ما دامت العبودية تحتل قسما من حياته ; لان رائحة العبودية تجذب وحوش الاستعباد الى نفسها كما تجذب رائحة الطعام الهرة الجائعة الى مكمن الطعام ، وان مجاراة التيار من وسائل العبودية وحبائلها ، فالذي يعتمد على التيار يفقد الثقة بنفسه ، والا لما اعتمد على التيار ، والفن الذي يعتمد على التيار ايضا فن استعبادي نشرته العبودية لتصطاد به الثقة بالنفس حتى تتكل على الغير ، واذا زالت الثقة بالنفس ، اصبحت النفس مسخرة لمن تثق به وهو معنى العبودية ، وبعد كل هذه المقدمات ، هل تتمكن من عبور هذه البحيرة ؟ فان سفرنا متوقف على عبورها .
خلعت ثيابي وشددتها برأسي ، ووضعت رجلي في البحيرة لأقيس ماءها ، واذا
برجلي تغوص فيغوص بدني كله ، واذا بالماء يغمر البستي فتثقل كاهلي ، واردت ان ارميها في البحيرة لاخفف عن جسمي ، واذا به يصيح بي : اتريد ان تسافر عريانا ، انا لا اصاحب العراة في السفر ; لاني لا احب جمعية العراة التي شكلتها الوحوش البشرية في المانيا ، وكدت ان اجيبه بغلظة وشدة لولا ان رأيت نفسي ابتعد عن الشاطئ الى وسط البحيرة ، فرحت اسبح واسبح حتى كلت قواي ، كنت انا اسبح وحضرة الاستاذ يتفرج على سباحتي من الشاطئ . الهي ما هذه القساوة ؟ أهذا الذي يدعي توجيه البشرية ، اتراه من البشر ، ان قلبه من الفولاذ والحجر ، وفأجاتني موجة دفعتني الى القعر حتى شربت كثيرا من ماء البحيرة وكان مالحا ، وكدت ان افقد توازني واستسلم للغرق لولا ان اهاب بي حب الحياة ، وهكذا رحت اسبح واسبح حتى قاربت الشاطئ الآخر ، وكدت ان اخرج من الماء ، وحينما رأيت رفيقي يسبح امامي ، وينزل الى الشاطئ الثاني قبلي فاخذتني الحيرة ، فمتى نزل الى الماء ؟ ومتى وصل الى الشاطئ ؟ وانا الذي رأيته قبل لحظات يتفرج على سباحتي ؟ وكأنني ممثل يعتلي المسرح ليقوم بدوره التمثيلي ، وكأنه ناقد صحفي يستعرض تمثيلي ليسجل عني نظرياته في صحيفته ، فمتى نزل الى الماء ؟ ومتى اجتاز هذه المسافة حتى عبر البحيرة قبلي ؟ انه والحق يقال يتمتع بقوى خارقة ، فهل كان يستمدها من السماء ، او كان يستمدها من الجحيم ، فربما يكون ملاكا سماويا ، وربما يكون شيطانا من ابالسة الجحيم ، وكادت الافكار المتشتتة تخرجني من وضعي وتفقدني توازني فاغرق وانا على قيد خطوات من الشاطئ ، لولا ان اهاب بي وصاح : توجه الى نفسك ودع التفكير بغيرك ، وانقذتني صيحته ، فرحت اسبح بنشاط حتى وصلت الشاطئ وخرجت من الماء لأنشر ثيابي في مجاري الريح لتغدو صالحة للبس بعد الجفاف ، وجلست امامه ، فلم يلتفت الي ، وكأني لم اقم بهذا العمل الجبار ، او كأن العمل تافه لا يستحق لفتة من حضرته ، وبعد مدة قليلة قال لي : هل تذوقت لذة الاعتماد على النفس ؟ وهل فهمت ان الحياة لا تحصل الا بالاعتماد على النفس ، لا كما تزعم بانها تتوقف على مجاراة التيار ، ان الاعتماد على التيار هو الذي امات الشرق الحي ، والاعتماد على النفس هو الذي بعث الغرب
المائت الى الحياة ، فلولا انك يئست من مساعدتي لما حصلت عندك هذه العزيمة القوية ، ولما انبعثت فيك تلك الهمة العالية ، ولما وصلت الى الشاطئ سالما ، انك كدت ان تترك البستك ضعفا وخورا ، كما ترك ابناء وطنك وطنهم للاجنبي ضعفا وخورا ، ان العزيمة الصادقة التي تخلق الحياة تخلق القوة ، ولكي نفهمها كان علينا ان نفهم معنى الصدق وموارده .
الصدق هو مطابقة الحال للواقع ، فاذا طابق الخبر الواقع كان صادقا ، واذا اتجه القصد الى المقصود كان صادقا ، واذا ميزت النظرات خير الشيء وشره كان صادقه ، واذا طابق صدقك الحق كان الصدق صادقا ، فالصدق قد يكون في القصد ، وقد يكون في القول ، وقد يكون في النظر ، وقد يكون في الصدق نفسه ، فالعمل لا ينتج الا اذا كان القصد منه صادقا حتى يندفع الى العمل بهمة ونشاط ، فاذا صدق القصد وجد العمل ، والقول لا تستفيد منه الانسانية الا اذا كان صادقا ، والا فالكلام عبء ثقيل على الانسانية يجب عليها التخلص منه ، والنظرة لا تنفع الا اذا ميزت موارد الامان من موارد الهلاك ، ليسير اليها ، وليأمن نفسه شر الدمار .
والصدق لا يفيد الا اذا طابق الحق ، ومعنى مطابقته للحق ان يكون مما يريده الله ; لان الله لا يريد الا خير الانسانية ، ولا يكره الا شرها ، ولقد اشارت الآية الكريمة الى ذلك بقوله تعالى : «فلو صدقوا الله لكان خيرا لهم» (1) ; لان من صدق الله في عزمه وقوله ونظره وصدقه ، لما جاء الا بالخير لنفسه وللانسانية ، ولقد صدقتك حينما قلت لك : لا تعتمد الا على نفسك ; اذ لو كنت كاذبا في قولي لكنت الآن من المغرقين ، واعتقد بان ثيابك قد جففتها الريح ، فقم والبسها فان الشمس تكاد تغرب ونحن لا نستطيع ان نقضي هذا الليل في هذا المكان ، وهكذا سرنا . وسرنا بنشاط جديد ، فكأن السباحة قد بعثت في اعضائي قوة جديدة ، فكان يسرع في سيره فالحقه ، وربما كنت اتقدمه في السير ، فيصيح بي : ان القافلة اذا تقدمت على الدليل مرقت وضلت ، وطال سيرنا وسكوتنا حتى وصلنا الى سفح جبل قطع
|
|
(1) محمد صلى الله عليه وسلم : الآية 21 .
|
|
|