أدب الطف دائرة المعارف المواقع التابعة إصداراتنا البث المباشر



فتية وشباب  شباب وبنات  



آفات الحركة الإسلامية(محاضرة)                   عدد الزيارات:3109

الآفات لماذا ؟
( الثورة أو الحركة ) كأية ظاهرة أخرى تصاب بالآفات والأمراض ومسؤولية ( القيادة ) هي الوقاية من هذه الآفات أو محاربتها بالوسائل الموجودة في حال تسللها داخل الحركة ومن المؤكد أنه لو لم تستطع القيادة من معالجة آفات الحركة أو إهمال محاربتها فإن الحركة إما أن تفشل أو إنها تتحول الى حركة مضادة للثورة تتبعها نتائج معكوسة .
إننا نحاول هنا طرح بعض أنواع الآفات التي إستطعنا ملاحظتها ولا ندعي بأننا استقصينا جميع الآفات التي يمكن أن تواجه أية ثورة أو حركة .
1 ــ تغلغل الفكر الأجنبي :
بعد إنتصار أية حركة ثورية يستطيع (الفكر الأجنبي) أن يتغلغل إليها عبر طريقين : طريق الأعداء وطريق الأصدقاء .
أما طريق الأعداء: فعندما تـتوسع رقعة التغيـير لدى أي حركة إجتماعية وتجمع حولها الأنصار وتـثبت تفوقها على جميع الحركات والمذاهب الأخرى عند ذاك يحاول أنصار الحركات الأخرى التسلل داخل الحركة الثورية والقيام بتخريبها من الداخل عبر إدخال أفكار ونظريات أجنبية وغربية ومغايرة تماماً لأفكار تلك الحركة الثورية بهذا العمل تقوم بإسقاط دور المذهب الفكري لتلك الحركة أو التقليل من أثرها .
ولنا دليلاً واضحاً لذلك مما حدث في صدر الإسلام فبعد إنتصار الإسلام وإنتشاره في العالم حاول الأعداء محاربة هذا الدين عبر تحريف أفكاره، وبدأوا يستوردون أفكارهم الإسرائيلية والمجوسية باسم الإسلام وتحت غطاء إسلامي وأدخلوها في الحديث والتفسير وأذهان المسلمين وفعلوا ما فعلوا بالمسلمين ولكن من حسن الحظ أن علماء الإسلام إنتبهوا لذلك وحاربوا تلك الآفة ولا زالوا يحاربونها .
وأما الطريق الثاني: فهو طريق الأصدقاء والأنصار . . ففي بعض الأحيان نرى أن أنصار تلك الحركة الثورية يتأثرون ــ حسب جهلهم بأيدلوجية الحركة ــ بسلسلة من النظريات والأفكار الغربية والأجنبية ويحاولون ــ عن علم أو جهل ــ إعطاء تلك الأفكار صبغة شرعية ثم عرضها على الجماهير .
ومثال ذلك نشاهده أيضاً من القرون الأولى للإسلام عندما تأثرت بعض الفئات بالفلسفة اليونانية أو العادات والرسوم الإيرانية أو التصوف الهندي فادخلوا تلك الأفكار والنظريات في الفكر الإسلامي لا بقصد خيانة الإسلام بل بقصد خدمته .
اليوم . . . بعد إتساع رقعة الحركة الإسلامية في إيران كمثال، وتفوقها على سائر المذاهب والنظريات الفكرية الأخرى نرى ظهور هاتين الفئتين داخل الحركة .
فبالإضافة الى أننا نرى مجموعة من أنصار المذهب الطبيعي ــ المادي ــ يحاولون عرض أفكارهم المادية الاجنبية باسم الإسلام لأنهم يعلمون بأنهم لا يستطيعون التأثير على الشباب باسم الأفكار والشعارات الطبيعية ومن الواضح أن يترك الشباب ذلك الإسلام الذي يكون ظاهره إسلامي . . وحقيقته مادية .
بالإضافة الى ذلك نرى مجموعة ثانية وهي أخطر من الأولى من الذين لا يعرفون الإسلام جيداً ولكنهم متأثرين بالفكر الأجنبي يحاولون الكتابة باسم الإسلام فيكتبون عن الأخلاق الأجنبية باسم الاخلاق الإسلامية ويكتبون أيضاً عن فلسفة التاريخ وفلسفة الدين والنبوَّة الأجنبية وعن الإقتصاد الإسلامي و . . . و . . الإسلامي .
إنني كفرد وبحكم مسؤوليتي الإلهية احذّر كل قيادات الحركة الإسلامية الذين أكن لهم وافر الإحترام وأتمم الحجّة بيني وبين الله وأقول بأن تغلغل وانتشار الفكر والنظرية الغربية في مجتمعنا باسم الفكر الإسلامي وبغطاء إسلامي سواء كان عن حسن نية أم سوء نية هو خطر كبير يهدد الكيان الإسلامي .
وإنّ مكافحة هذا الخطر لا يتم عبر تحريم هذه الأفكار أو منعها فهل يمكننا أن نمنع العطاشى الذين يلهثون لجرعة ماء من شربة بدليل أن الماء ملوث بالميكروب ؟ إننا المسؤولون في هذا المجال وإننا لم نقدم للمجتمع القدر الكافي من الكتب في جميع المجالات الإسلامية وبقلم سلس عصري . . إننا لو كنّا عرضنا الماء الصافي والمنعش لما قصدوا أبداً المياه الملوثة .
إن الطريق الصحيح لمكافحة الأفكار الأجنبة هو طرح الإسلام في جميع مجالاته وبلغة عصرية حديثة .
واليوم بعد أن دخلت (الحوزة العلمية الدينية) مجال النشاط الإجتماعي بهكذا حرارة وروحية يجب عليها أن تعرف بدقة مسؤوليتها العلمية والفكرية العظيمة يجب عليها مضاعفة أعمالها العلمية والفكرية الى عشرة أضعاف يجب أن تعرف بأن الإنشغال بدروس الفقه والأصول وحدها لا يستطيع أن يستجيب لمشاكل الجيل المعاصر .
2 ــ التجدد المفرط في الإسلام :
الوقاية من الإفراط والتفريط وإتخاذ الإعتدال من أي عمل ليس بسهولة من شيء . . فإن طريق الاعتدال في المسير ضيق الى درجة بحيث أن أقل غفلة يسبب الإنحراف والخروج عن الطريق وأن ما جاء في الحديث الشريف عن أن ( الصراط ) أحد من الشفرة إشارة الى أن إتخاذ الإعتدال بين الإفراط والتفريط ــ في أي عمل صعب ومشكل ــ .
ومن البديهي أن مشاكل المجتمعات البشرية تتجدد وأن المشاكل الجديدة بحاجة الى حل جديد وما جاء في الحديث الشريف (وأما الحوادث الواقعة) (1) فهي تشير الى الأحداث الجديدة التي لا يستطيع أن يحلها إلا أصحاب المعارف الإسلامية وهذا هو بالضبط سر ضرورة وجودالمجتهد ) في كل مرحلة من المراحل البشرية وضرورة (التقليد) (2) المسلمين من المجتهد الحي ذلك أنما ــ بأستئناء المسائل الحديثة ــ فإن التقليد في أكثر الأحكام والمسائل الشرعية المتفق عليها لا يختلف بين تقليد المجتهد الحي أو المجتهد الميت ولو لم يتهم المجتهد بالمسائل والأحكام الحديثة والمشاكل المستجدة فيجب أن نصنفه في قائمة الأموات .
وهنا يظهر الإفراط والتفريط من العمل فالبعض ــ من المجتهدين ــ يتبع أذواق (عوام الناس) وأكثر إهتمامات عوام الناس هو الإتجاه نحو القديم وعدم الإهتمام بقضايا الساعة أو المسائل المستقبلية والبعض الآخر ــ من المجتهدين ــ يهتم بالمسائل المعاصرة والمستقبلية ولكن مع الأسف عملهم هذا يكون على حساب الإسلام فباسم (الإجتهاد الحر) يجعلون المتطلبات والروح العصرية معياراً للحق والباطل بدل أن يكون الإسلام معياراً لذلك مثلاً يقولون: إن المهر ــ في الزواج ــ مخالف للحياة العصري وأن تعدد الزوجات يذكرنا بعهود الرق والحجاب رمز العبودية . . . وإن الإجارة والمضاربة والمزارعة تذكرنا بعهود الإقطاعيين و. . و. . وبما أن الإسلام هو دين العقل والإجتهاد فإن الإجتهاد يسمح لنا بأن نجتهد ونحكم بإلغاء هذه المسائل .
ولا بد لنا من الإنتباه الى هذه النقطة بأننا في نفس الوقت الذي لا نستطيع أن نتبع المجتهدين الشيعة في هكذا إجتهادات فإننا لا نستطيع أن نقبل ما عليه بعض العلماء الواعين والتقدميين من علماء أهل السنة من أمثال (عبده) و(إقبال). . . في طرح الحلول لبعض المشاكل المستجدة عندما فرقوا بين الإجماع والإجتهاد والشورى وغيرها أو آرائهم الإسلامية عن الحياة والمجتمع ذلك بأننا نملك تلك الثقافة الإسلامية التقدمية الشيعية. . بحيث نرى أن علوم الفقه والحديث والكلام والفلسفة الإجتماعية عند الشيعة أكثر تطوراً وتوسعاً من هذه العلوم في العالم السنّي .
وبالرغم من أن اخواننا اهل السنة ــ ولأسباب جغرافية أو غير جغرافية ــ واجهوا المدنية ومشاكلها ومسائلها أكثر من الشيعة ولذلك أيضاً تعرفوا على المدنية أكثر وذهبوا وراء كشف الحلول لمشاكلها وقضاياها وأن الشيعة تأخرت كثيراً في عرض آرائها ولكن بعد أن نقوم بمقايسة ما عرضه المنظرون من أخواننا السنة ــ وما عرضه المنظرون الشيعة ــ، فإننا نرى أن ما عرضه الشيعة أكثر عمقاً وأكثر منطقة لأنهم يستلهمون أفكارهم من مدرسة أهل البيت (ع).
على كل حال . . فإن التجدد المفرط ــ الذي يظهر ولا يزال عند الشيعة والسنة معاً ــ والذي يعني حقيقة ربط ما هو ليس بإسلام بالإسلام وإخراج ما هو إسلام منه، تنازلاً لمتطلبات العصر، وإعطاء الوجه العصري للإسلام إن هذا التجدد المفرط هو آفة ومرض كبير للثورة والحركة الإسلامية ومن واجب القيادة الإسلامية الوقوف أمام هذه الأعمال.
3 ــ عدم إتمام مسيرة الحركة :
عند دراسة الحركات الإسلامية في القرن الأخير نواجه ــ ومع الأسف ــ بأن هناك نقصاً يكمن في قيادة رجال الدين وهو أن رجال الدين يقودون الثورات حتى إسقاط الحكام وإنتصار الثورة ولكنهم بعد ذلك يتركون كل شيء ويذهبون نحو أعمالهم ويتركون النتائج للآخرين أو للإعداء أحياناً وذلك يشبه كمن يناضل بقوة ويصرف المال والأنفس لأسترجاع أرضه المغصوبة ولكن بعد إسترجاعها يتركها للآخرين لكي يزرعوا فيها أو يستفيدوا منها (فثورة العشرين في العراق) ــ ضد الإستعمار البريطاني ــ إنتصرت بقيادة رجال الدين الشيعة ولكنهم لم يستثمروها ونرى العراق اليوم ماذا حل به و( ثورة الدستور ) في ايران كانت بقيادة رجال الدين وإنتصرت ولكنهم تركوها وبعد فترة وجيزة صعد الى الحكم ديكتاتور خشن ولم يبق من ثورة الدستور إلا إسمها بحيث تداعى لبعض الجماهير بأن (الحكم الملكي) أساساً أفضل من (الحكومة الدستورية).
و (الثورة الإسلامية) اليوم في إيران تعيش مرحلة العمل السلبي أو مرحلة الهدم فالشعب الإيراني قام متحداً ضد الدكتاتورية والإستعمار ولابد بعد كل مرحلة هدم وعمل سلبي مرحلة بناء وعمل إيجابي ذلك أنه بعد كل (لا إله) هناك (إلا الله).
ولايخفى أن مرحلة البناء والعمل الإيجابي في كل ثورة أصعب بكثير من مرحلة الهدم والعمل السلبي ولذلك نرى الآن وجود خشية في أذهان بعض الناس وهم يسألون: هل يترك رجال الدين مسيرة الثورة وسط الطريق، أم يستمرون حتى النهاية ؟
4 ــ تسلل العناصر الإنتهازية
تسلل الأفراد والعناصر الإنتهازية داخل الحركة من أكبر آفات كل ثورة والمسؤولية الكبرى للقادة الواقعيين هو الوقوف أمام نفوذ وتسلل هذه العناصر داخل صفوف الحركة .
كل حركة ما دامت تطوي المراحل الصعبة الأولى فإن أعباء مسؤوليتها تقع على عاتق العناصر المؤمنة المخلصة والمضحية ولكن بمجرد ما وصلت الى (النتيجة) أو على الأقل ظهرت علائم نضوج الثمار وتفتح البراعم ترى ظهور العناصر الإنتهازية على الساحة وكلما تقل الأخطار والمشاكل في مسيرة الثورة وكلما تقترب الحركة من النصر وقطف الثمار يلتصق الإنتهازيون بشدة وقوة بالحركة ويتظاهرون بالثورة أكثر فأكثر الى درجة يتفردون بالساحة ويخرجون الثوار والمضحين الأوائل من ساحة النصر .
وهذه القضية أصبحت عامة بحيث يقال اليوم (الثورة تأكل أبناءها) وكان من خصائص الثورة أنها بمجرد انتصارها تأكل أبنائها واحداً تلو الآخر .
ولكني أعتقد بأن الثورة لا تأكل أبنائها بل أن عدم إنتباه القادة وتسلل ونفوذ العناصر الإنتهازية داخل صفوف الحركة هي جذر المأساة .
ولا نذهب بعيداً في التاريخ لنبحث دليلاً على ذلك فمن الذي قاد ثورة الدستور حتى إنتصرت وبعد الإنتصار ما هي الوجوه التي أحتلت الكراسي والمسؤوليات؟ وماذا كانت النتيجة النهائية؟
فشخصيات مثل (سردار ملي) و(سالار ملي) ومن أمثالهم من الأبطال الأحرار الذين قادوا ثورة الدستور حتى انتصارها قد تركوا وانزوا ونسي ذكرهم وفي النهاية ماتوا على الجوع وهم مجهلون ولكن فلان الدولة وفلان السلطان الذي كان أمس يحارب الثوار تحت راية الدفاع عن الدكتاتورية والإستبداد ويلقي السلاسل. والحبال في رقاب المدافعين عن الدستور ــ أصبح اليوم مقام الصدارة العظمى ومن المسؤولين الكبار ــ والنتيجة النهائية كانت حكومة إستبدادية مغلفة ومؤطرة بالدستور .
(الإنتهازية) لم تخن التاريخ الإيراني فحسب بل نرى آثارها المشؤومة في صدر الإسلام ففي عهد الخليفة عثمان يحتل الإنتهازيون أماكن الشخصيات المؤمنة بالإسلام والأهداف الإسلامية، فيصبح من أمثال (الطريد) (وزيراً) ومن أمثال (كعب الأحبار) مستشاراً. ولكن أبو ذر وعمار ومن أمثالهم يُنفون الى الخارج أو يُمزقون تحت الأرجل .
هل تعلمون لماذا يُفرق القرآن بَين الإنفاق والجهاد قبل الفتح ــ فتح مكة ــ والإنفاق والجهاد بعد الفتح؟ أو في الأصح الفرق بين المؤمن والمنفق المجاهد ما قبل الفتح ــ فتح مكة ــ والمؤمن المنفق المجاهد ما بعد الفتح، حيث يقول القرآن :« لايَستَوي مِنكُم مَن أَنفَقَ مِن قَبلَ الفَتَحِ وَقَاتَل أُولَئِكَ أَعَظَمُ دَرَجَة مِنَ الذِينَ أَنفَقُوُا مِن بَعَد وَقَاتَلَوا وَكُلاً وَعَدَ اللّهُ الحُسنَى » . . . « والله بما تعملون خبير » .
والسر في ذلك واضح جداً ذلك أن مسلمي مرحلة ما قبل فتح مكة كانوا لا يواجهون إلا الصعوبات والمشقات وكان إيمانهم أكثر إخلاصاً وإنفاقهم وجهادهم اكثر خلوصاً، نيَّاتهم بعيدة جداً عن الإنتهازية والمصلحية في حين أن إنفاق وجهاد مسلمي ما بعد الفتح لا يملك ذلك الخلوص والصفاء من الشوائب .
وكذلك أيضاً يصرح القرآن الكريم عن المجاهدين الأوائل في صدر الإسلام ويقول :« إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين » ولكن بمجرد دخول عناصر اخرى لا تملك الروح الإسلامية الكافية ولاتؤمن بالأهداف الإسلامية إيماناً كاملاً بعبارة أخرى عندما كان الدخول في الإسلام فرصة وغنيمة يقول القرآن :«فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين» .
إن الذين يبدأون بالثورة هم المصلحون. . لا الإنتهازيون وإن الذين يستمرون في إدامة الثورة هم المصلحون المؤمنون بأهداف الثورة لا الإنتهازيون الذين يفكرون بمصالحهم .
وعلى كل حال فإن مكافحة نفوذ وتسلل الإنتهازيين على رغم كل تظاهرهم بالثورة يعتبر من الشروط الأصلية في مسيرة الحركة الإسلامية .
5 ــ الغموض في البرامج المستقبلية :
ولكي نستطيع أن نوضح هذه الآفة جيداً لابد من أن نستدل بمثال لذلك ولنفرض مثال ذلك عندما نريد هدم بناء قديم وإقامة بناء جديد مكانه فإننا عندما نريد هدم البناء القديم والخرب، وإقامة بناء جديد وجميل ومتكامل مكانه فإننا نملك في ذلك الوقت شعورين، الشعور الأول شعور سلبي تجاه البناء الذي نريد تخريبه بأسرع وقت ممكن والتخلص من مضاره، والشعور الثاني شعور إيجابي تجاه البناء الجديد الذي نريد إقامته وإيجاد الحياة الأفضل فيه.
من ناحية الشعور السلبي فإن القضية واضحة، ولا نحتاج الى شرح مبسط لضرورة الهدم والتخريب، ذلك إننا عملياً نلمس الأضرار من البناء القديم ولكن من ناحية الشعور الإيجابي تجاه البناء الجديد فهناك حالتين إما أن يقدم لنا مخطط واضح للبناء أو نموذج لذلك ويقال لنا إن البناء الجديد في المستقبل سيكون هكذا، وبهذه المزايا والمحسنات عند ذاك ولو لم نستطع تعيين نوع في هذا المخطط نستلم ونقبله وإما أن لا يقدم لنا نموذج ومخطط أو أن الإخصّائيين يقولون لنا بإختصار بأنه سوف نبني بناءاً جيداً بعد هذا الخراب طبعاً فإننا نفرح لهذا الكلام ولكن في قلوبنا نوع من الشك حول صحة هذا القول .
لو قدمت لما مجموعيتن من المهندسين أقتراح هندسي لبناء جديد، المجموعة الأولى قدمت تخطيطاً هندسياً واضحاً تعين فيه من الآن مكان الأبواب، كيفية ومكان المطبخ وموقع ومساحة صالة الضيوف، محل الحمام والمغسلة، في حين أن المجموعة الثانية بالرغم من ثـقـتـنا وإعتمادنا بمعرفتهم وشخصيتهم ولكنهم لم يقدموا أي تخطيط هندسي ولكنهم أكتفوا بالقول بإننا سنبني لكم بناء من أفضل الأبنية وهنا بالضبط هو العامل الذي يدفعنا من أن نعتمد على الفريق الأول ذوي التخطيط الواضح، لا نعتمد على الفريق الثاني .
(رجال الدين) هم ذلك النوع من المهندسين الإجتماعيين الذين يعتمد عليهم المجتمع ولكنهم ولأسباب خاصة ــ لم يقدموا تخطيطاً مكتوباً ــ في حين أن هناك في الطرف الثاني من المجتمع مجموعات قدمت برامج وأنظمة مكتوبة وواضحة بحيث يستطيع الفرد أن يعرف عبر ذلك البرنامج أن الإدارة والحكم، الدستور والحرية، الملكية والثروات، النظام القضائي والأخلاقي وكيف يكون في ذلك المجتمع المثالي الذي ينشدون إليه.
إن التجارب دلت على أن عدم وضوح (البرنامج المستقبلي) لكل حركة أفقدت الكثير من الطاقات البشرية. ومن الضروري للحركة الإسلامية أن تطرح البرامج الواضحة، والخالية عن كل إبهام، والمقبولة من قبل القادة حتى نستطيع الوقوف أمام ضياع الطاقات البشرية .
إننا سعداء جداً ونشكر الله على ذلك حيث نملك تراثاً فكرياً ضخماً وغنياً وإننا لسنا بحاجة الى أي مصدر للفكر وأن العمل الوحيد الذي يجب أن نقوم به هو إستخراج هذا التراث الفكري وتصفيته من الشوائب وتحويله من مادة خام الى مادة فكرية قابلة للإستعمال والتطبيق وهذا العمل يستلزم منا الوعي والعمل وصرف الأوقات الثمينة.
وإننا سعداء أيضاً حيث أظهرت بوادر الوعي في الحوزات العلمية ــ الدينية ــ ونأمل أن يتكاثر هذا الوعي وأن نرى باسرع وقت ما كنا نأمله ونرجوه.
اللهم حقق رجائنا ولا تخيب آمالنا .
6 ــ فقدان الإخلاص في العمل الثوري :
الآفة السادسة التي تهدد الثورات الإلهية هي آفة معنوية، آفة التغيير في إتجاه الفكر، آفة الإنحراف في النية، والقصد أن النهضة الإلهية يجب أن تبدأ لله وتسير مسيرتها لله وأن لا تدع لاي فكر أو خطور ذهني غير إلهي أن ينفذ إليها حتى تشمل العناية الإلهية هذه النهضة .
وعندما تبدأ النهضة الإلهية، يجب عليها أن لا تفكر إلا بالله، و أن لا تتوكل إلا على الله وأن تفكر دائماً بأن المصير الى الله. يقول القرآن على لسان النبي شعيب :«إن أريد إلا الإصلاح ما أستطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب» وعندما إنتهى المجاهدون المسلمون من إحدى الحروب في صدر الإسلام وكانوا يرجعون الى المدينة فإن الرسول قال لهم: ( مرحباً بقوم قضوا الجهاد الأصغر وبقي عليهم الجهاد الأكبر فقيل : يا رسول الله وما الجهاد الأكبر؟ قال: الجهاد مع النفس).
إن الإحتفاظ بالنقد الصحيح والنية الخالصة في مرحلة الثورة، مرحلة الهدم والإنكسار والإنشغال الدائم بالعدو الخارجي، ليس بصعب ولكن بمجرد ما تنتصر الثورة وتصل الى مرحلة البناء والثبات وتتخللها مرحلة تقسيم الغنائم فإن الإحتفاظ بحالة الحرص والنية الخالصة صعب جداً .
والقرآن الكريم يعلن في سورة المائدة ــ التي هي من أواخر سور القرآن والتي نزلت في الأيام الأخير من حياة الرسول الأكرم وكان الوقت هو تلك الفترة التي كان المشركون فيها بأضعف حالاتهم ولم يكونوا خطراً يهدد الإسلام، وفي ذلك الوقت تعينت إمامة المسلمين من قبل الرسول الأكرم في (غدير خم) ونصب الإمام علي (ع) بامر من الباري إماماً وخليفة للمسلمين ــ إن القرآن الكريم ومن قبل الله ــ يعلن عن خطر موجه لكل المسلمين وهو:
إنكم والى الآن كنتم تخافون (العدو) الذي يهدد وجودكم اليوم قد أنتهى هذا الخطر، والخطر اليوم موجه من قبلي فمن الآن لا تخافوا الكفار والعدو الخارجي إنما يجب أن تخافوا منّي:«الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ» وهذا يعني ان المجتمع الإسلامي اليوم مهدد في داخله من خطر الإنحراف عن المسيرة الإلهية الخالصة مهدد بأن ينسى (الله) .
وإن سنة الله التي لا تتغير تقول بأنه عندما يحدث أي تغيّير وتحول داخل الأمة وفي جوانبها الأخلاقية فإن الله ــ حينذاك ــ يغير مصيرها :
«إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ» (3) .


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الإمام الصادق (ع) : ( وأما الحوادث الواقعة بعدي فارجعوا فيها الى رواة حديثنا فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله ) .
(2) التقليد عند الشيعة يعني إطاعة ولي الأمر وإتباع المجتهد العالم في تطبيقه الأحكام الإسلامية ــ المترجم ــ .
(3) سورة الرعد : 11 .

المصدر:سلسلة تراث وآثار الشهيد مرتضى المطهري - الثورة والدولة