جهاد الامام السجاد عليه السلام 71

الجيش الجرار إنما توجّه بقصده الى ( علي بن الحسين ) لا ليحترمه طبعا !
فعلي بن الحسين ، في نظر الناس ، لا يزال عدوّا للدولة ، رغم انعزاله ، وابتعاده ، وعدم تورّطه في الحركة !
كما يدلّ قول البلاذري أن علي بن الحسين عليه السلام استجار بمروان وابنه عبدالملك ، فأتيـا به ليطلبـا له الأمـان (1) على أن الإمام عليه السلام كان يخشى من فتك مسرف بن عقبة.
لكن الدولة ، التي لم تغفل عن الإمام السجاد عليه السلام كانت على علم بتصرفاته ، ولم يقع لها ما يبرّر اتهامه وصبّ جام الغضب عليه والفتك به.
ومن أجل امتصاص النقمة ، وخاصة بعد تحرّك أهل المدينة ، صار رجال الدولة الى النفاق ، لتغطية جرائمهم تجاه أهل البيت وتجاه المدينة وأهلها ، فأخذوا يعلنون التزلّف الى الإمام عليه السلام بإظهار التودّد إليه ، ويكرمونه ، ويقرّبونه ، ويعبّرون عنه بـ « الخير الذي لا شرّ فيه ، مع موضعه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومكانته منه» (2).
وقال المسعودي : ونظر الناس الى علي بن الحسين السجاد ، وقد لاذ بالقبر وهو يدعو ، فأتي به الى مسرف ، وهو مغتاظ عليه ، فتبرّأ منه ومن آبائه ، فلمّا رآه وقد أشرف عليه ارتعد ، وقام له ، وأقعده الى جانبه ، وقال له : سلني حوائجك ، فلم يسأله في أحد ممن قدّم الى السيف ألاّ شفّعه فيه ، ثم انصرف عنه.
فقيل لعلي : رأيناك تحرّك شفتيك ، فما الذي قلت ؟
قال : قلت : اللهم رب السماوات السبع وما أظللن ، والأرضين وما أقللن ، رب العرش العظيم ، رب محمد وآله الطاهرين ، أعوذ بك من شرّه ، وأدرأ بك في نحره ، أسألك أن تؤتيني خيره ، وتكفيني شرّه.
وقيل لمسلم : رأيناك تسبّ هذا الغلام وسلفه ، فلّما اُتي به إليك رفعت منزلته
فقال : ما كان ذلك لرأي منّي ، لقد مليء قلبي منه رعبا (3).
وهكذا يفرض عنصر ( الغيب ) نفسه في البحث ، ولا يمكن إبعاده لكونه واردا في المصادر المعتمدة.

(1) أنساب الأشراف ( 4 : 323 ) وانظر الأخبار الطوال للدينوري (ص 266).
(2) الارشاد للمفيد (ص 260).
(3) مروج الذهب ( 3 : 8 ).
جهاد الامام السجاد عليه السلام 72

ونحن وأن كنّا ابعدنا هذا العنصر عن ما نستشهد به ، إلاّ أن الذين يريدون أن يضفوا على حياة الإمام السجاد عليه السلام أشكال العبادة والزهد والحياة الروحية ، عليهم أن لا يستبعدوا هذا العنصر !
مع أن خوف الإمام عليه السلام وفزعه ، من الجيش السفّاك ، ولجوءه وعوذه بالحرم الشريف ، وسبّ القائد الاموي له وتبرّءه منه ، أدلة كافية في إثبات أن الإمام عليه السلام كان مستهدفا ، الاّ أن سياسته الحكيمة التي اتخذها منذ دخوله المدينة كانت من أسباب نجاته وخلاصه من المصير الذي سحق كبار أهل المدينة وأشرافها !

ومع أعباء القيادة :
ورجع الإمام عليه السلام الى المدينة :

ليواجه الخطر المحدق بالإسلام ، والذي انتشر في نفوس الامة وهو اليأس والقنوط من الدين وأهدافه ، بعدما تعرّض الحسين ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لمثل هذا القتل ، وما تعرّض له أهله من التشريد والسبي ، في بلاد المسلمين.
فهذا الوزير عبيد الله بن سليمان كان يرى : أن قتل الحسين أشدّ ما كان في الإسلام على المسلمين ، لأن المسلمين يئسوا بعد قتله من كل فرج يرتجونه ، وعدل ينتظرونه (1).
هذا بالنسبة الى أصل الإسلام.

وأما بالنسبة الى الإمامة ، والى أهل البيت ، والى الإمام عليه السلام ، فقد تفرّق الناس عنهم ، وأعرضوا ، بحيث عبّر الإمام الصادق عليه السلام عن ذلك : بالارتداد.
قال عليه السلام : أرتدّ الناس بعد قتل الحسين عليه السلام إلاّ ... (2).
وكان منشأ اليأس والردّة : أنهم وجدوا الآمال قد تبدّدت بقتل القائد ، وسبي أهله ، وظهور ضعف الحقّ وقلة أنصاره ، هذا من جهة.

(1) نقله الثعالبي في آخر كتاب ( ثمار القلوب ) بواسطة : علي جلال في ( الحسين عليه السلام ) ( 2 : 195 ).
(2) اختيار معرفة الرجال ( رجال الكشي ) ( ص 123 ) رقم (194).
جهاد الامام السجاد عليه السلام 73

ومن جهة أخرى ملأ الرعب قلوبهم لمّا وجدوا الدولة على هذه القوّة والجرأة والقسوة ، فكيف يمكن التصدي لها ، والإمام في مثل هذا الموقع من الضعف ، فليس التقرّب منه إلاّ مؤدّيا الى الاتهام والمحاسبة ، فلذلك ابتعد الناس عن الإمام عليه السلام.

لكن الإمام زين العابدين عليه السلام بخطته الحكيمة استفاد من هذا الابتعاد ، وقلبه الى عنصر مطلوب ، ومفيد لنفسه ، وللجماعة الباقية من حوله على ولائه.
حتى اصبح ، بما ذكرنا من التصرفات ، في نظر رجال الحكم « خيرا لا شرّ فيه ».
وبذلك التخطيط الموفّق حافظ الإمام عليه السلام ، لا على نفسه وأهل بيته من الإبادة الشاملة ، فقط ، بل تمكّن من استعادة قواه ، واسترجاع موقعه الاجتماعي بين الناس ، لكونه مواطنا صالحا لا يخاف من الاتصال به والارتباط به ، لانه أصبح « علي الخير » (1).
وطبيعي أن يعود الناس ، وتعتدل سيرتهم مع الإمام حينئذ ، ولذلك قال الإمام الصادق عليه السلام في ذيل كلامه السابق : « ... ثم إن لنا لحقوا وكثروا» (2).
أن انفراط أمر الشيعة بعد مقتل الحسين عليه السلام وتشتت قواهم ، كان من أعظم الأخطار التي واجهها الإمام السجاد عليه السلام بعد رجوعه الى المدينة ، وكان عليه السلام ـ لأنه الإمام ، وقائد المسيرة ـ أن يخطط لاستجماع القوى ، وتكميل الإعداد من جديد ، وهذا كان بحاجة الى إعداد نفسي وعقيدي وإحياء الأمل في القلوب ، وبثّ العزم في النفوس.
وقد تمكّن الإمام السجاد عليه السلام بعمله الهادىء الوادع من الإشراف على تكميل هذه الاستعادة ، وعلى هذا الإعداد ، والتمهيد ، بكل قوة ، وبحكمة وبسلامة وجدّ.
وكما قد يكون تأسيس بناء جديد ، اسهل وأمتن من ترميم بناء متهرّىء ، فكذلك ، إن بناء فكرة في الأذهان الخالية من الشبهات ، والمليئة بالأمل بهذه الفكرة ، والجادّة في الالتفاف حولها ، والعزم على إحيائها ، هو أسهل ، وأوفر جهدا من محاولة ترميم فكرة أصاب الناس يأس منها ، وتصوّر إخفاق تجربتها ، وهم يشاهدون إبادة

(1) شرح نهج البلاغة ، لابن أبي الحديد ( 15 : 273 ).
(2) اختيار معرفة الرجال ( الكشي ) (ص 123) رقم (194).
جهاد الامام السجاد عليه السلام 74

كبار حامليها ، وضعف أنصارها ، واستيلاء المعارضين عليها ، فحرّفوا معالمها ، وشوّهوا سمعتها ، وزيّفوا أهدافها.
فإن عامة الناس يقفون موضع الحيرة والشكّ من كل ما قيل وطرح وعرض ، ويحاولون الانسحاب والارتداد ، والوقوف على الحواشي ، ليروا ما يؤول إليه أمر القيادات المتنازعة !
فقد مني المسلمون بإخفاق ويأس ممّا في الإسلام من خطط تحرّرية ، ومخلّصة من العبودية والفساد ، وذلك لمّا رأوا الأمويين ـ أعداء هذا الدين قديما ، ومناوئيه حديثا ـ قد استولوا على الخلافة ، وبدأوا يقتلون أصحاب هذا الدين من أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، والأنصار القدماء له ، ويعثون فسادا في أرض الإسلام بالقتل والفجور ، وكل منكر حرّمه الإسلام.

وإذا كان صاحب الحقّ ، منحصرا في الإمام علي بن الحسين السجاد عليه السلام ، الذي قام النصّ على إمامته ، وهو وارث العترة ، وزعيم أهل البيت في عصره ، فهو الإمام الحامل لنقل الرسالة على عاتقه ، فلا بدّ أن يدبّر الخطّة الإصلاحية ، ليجمع القوى ، ويلملم الكوادر المتفرّقة ، ويعيد الأمل الى النفوس اليائسة ، والرجاء الى العيون الخائبة ، والحياة الى القلوب الميّتة.
الى جانب مقاومته للأعداء ، وتفنيد مزاعمهم واتّهاماتهم ، والكشف عن مؤامراتهم ودسائسهم ، وتبديد خططهم وأحابيلهم !
إنّ أئمة أهل البيت عليهم السلام ـ مع ما لهم من مآثر العلم والمجد والإمامة ، التي أقرّ بها لهم جميع الأمة ـ هم يهتمّون بغرز معاني النضال والجهاد في نفوس أبنائهم منذ نعومة أظفارهم ، ليرسّخوا في نفوسهم أمجاد الإسلام.
والإمام عليه السلام قد استلهم الإسلام بكلّ ما له من معارف ومآثر علمية وعملية ، فأخذها من مصادرها الأمينة الموثوقة.
وهم آباؤه الطاهرون.
وكان في طليعة ما أخذ من المعارف هو مغازي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسراياه ، كما في الحديث عن عبد الله بن محمّد بن علي ، عن أبيه. قال : سمعت علي بن الحسين يقول :

جهاد الامام السجاد عليه السلام 75

كنّا نعلّم مغازي النبي صلى الله عليه وآله وسلم وسراياه كما نعلّم السورة من القرآن (1).
فتلقّن الإمام السجاد عليه السلام أمثل صور الجهاد والنضال في سبيل الله ومن أجل الإسلام ، فرسمها في قرارة نفسه منذ الطفولة.
وبعد أن رأى باُم عينيه ـ في كربلاء ـ بطولات أبيه الإمام الحسين عليه السلام وجهاد أصحابه الأوفياء ، في سبيل إعلاء كلمة الله ، لم يكن ليرفع اليد عن محاولة تطبيق تلك الصورة الفريدة ، والتخطيط للوصول الى نتائجها الغالية.
ولقد بدأ الإمام السجّاد عليه السلام في الفصول التالية ، من جهاده وجهوده ، لتحقيق هذه الأهداف السامية.
وحاولنا ـ نحن ـ بقدر وسعنا ، لجمع ما انتشر من أنباء ذلك الجهاد ، وتلك الجهود ، في المجالات العملية والعلمية ، بعون الله وتوفيقه.

(1) الجامع لأخلاق الراوي والسامع للخطيب البغدادي ( 2/288 ) رقم (1649).
جهاد الامام السجاد عليه السلام 76




جهاد الامام السجاد عليه السلام 77

الفصل الثاني

النضال الفكري والعلمي


أولا : في مجـال القرآن والحديث
ثانيا : في مجال الفكـر والعقيدة
ثالثا : في مجال الشريعة والأحكام
وأخيرا : في إعمار الكعبة المعظّمة


جهاد الامام السجاد عليه السلام 78




جهاد الامام السجاد عليه السلام 79

يكاد المؤرّخون لحياة الإمام السجاد عليه السلام ، لا سيما الدارسون الأجتماعيّون ، الذين يريدون إبعاد الإمام عن الحياة السياسية ، يتّفقون على أن الإمام عليه السلام : « انكبّ على الشؤون الدينية ، ورواية الحديث ، والتعليم» (1) وأنّ مهمّته كانت : « الانصراف الى بثّ العلوم ، وتعليم الناس ، وتربية المخلصين ، وتخريج العلماء والفقهاء ، والإشراف على بناء الكتلة الشيعية» (2).
ولا ريب في أن الإمام السجاد عليه السلام قام بدور بليغ في هذه المجالات كلّها ، ولكن لم تكن ـ قطّ ـ هذه الأمور خارجة عن العمل السياسي ، أو بديلا عن العمل السياسي !

بل ، إن هذه الواجبات هي من أهم وظائف الانبياء والأئمة بل المصلحين السياسيين من البشر ، بأن يقوموا بها ، ويبلغوا بالامم والشعوب الى مستويات راقية فيها ، خاصة التعاليم الإلهية التي من أجلها بعثوا ، ولها عيّنوا ، وبتبليغها وبثّها كلّفوا ، وهم طريق معرفة الناس بها ، والأمناء الوحيدون عليها.
والتعليم الصحيح هو واحد من طرق النضال ، فكل مناضل يعلم ـ بوضوح ـ أن من مقوّمات كل حركة سياسية ، هو تثقيف الجماهير ، وتوعيتها ، بالتعليم والتلقين ، لتكون على علم بما يجري حولها وما يجب لها من حقوق وما عليها من واجبات.

وقد سعى الحكّام الفاسدون ـ على طول التاريخ ـ الى إبعاد الناس عن الحقّ ، والتعاليم الأصيلة ، بطرق شتى :

(1) معتزلة اليمن ( ص 17 ـ 18 ).
(2) الإمام السجاد عليه السلام لحسين باقر ( ص 13 ـ 14 ).
جهاد الامام السجاد عليه السلام 80

منها : التصدّي للذين يبلّغون رسالات الله ، بالضغط ، والأسر ، والتشريد والحبس ، وحتى القتل.
ومنها : تزييف الأديان وتحريفها بالبدع والخرافات ، وبثّ التعاليم الباطلة ، والعمل من أجل ترويجها.
ومنها : منع تثقيف الناس ، حذرا من تنبّههم الى ما هم عليه من خلل ونقص في الحياة المادّية ، وما هم فيه من ذلّ ومهانة في الحياة المعنوية.
ومنها : محاولة استيعاب أجهزة التعليم ، بوضع المناهج التعليمية المشبوهة والمحرّفة.
وهكذا تضيع جهود القائمين على التعاليم ، بشراء الضمائر ، وغسل الأدمغة والعقول ، وتفريغها من الرؤى الصائبة ، وملئها بالأفكار الفاسدة والمنحرفة.
وقد استعمل معاوية هذا الأسلوب بكل جرأة لما استولى على أريكة الخلافة ، فعمّم كتابا على أقطار نفوذه ، يأمر فيه الولاة بوضع الأحاديث والروايات واختلاقها ، وبثّها بين الناس في المدارس والمساجد والكتاتيب والبيوت ، ليربّي جيلا ناشئا مشبّعا بتلك التعاليم المزوّرة في صالح الأمويين ، والتي تعارض التعاليم الإسلامية الأصيلة (1).
فوجود المعلّمين المناهضين لتلك الخطط الهدّامة ، وتلك المناهج التعليمية الفاسدة ، يكون صدّا سياسيا للأنظمة الحاكمة ، ويكون عملهم جهادا ونضالا سياسيا ، بلا ريب.
وإنّ الحكومات الفاسدة ، من أجل تنفيذ خططها في تحريف الدين وإغواء الناس وإبعادهم عن العلماء المصلحين ، اصطنعت من علماء السوء رجالا مقنّعين بالعلم ، ملجمين بلباس الدين ، من العملاء بائعي الضمائر ، ليكونوا وسائل لإقناع العامة بما تمليه الدولة عليهم من أحكام باطلة ، وقضايا منافية للحقّ ، وليصحّحوا للدول الظالمة تصرّفاتها الجائرة.

(1) لاحظ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ( 11 : 44 ـ 46 ) والاحتجاج للطبرسي (ص 295) ولاحظ كتابنا « تدوين السنة الشريفة » (ص 475).
جهاد الامام السجاد عليه السلام 81

فكان التصدّي لهؤلاء ، وفضح دسائسهم ، وإبطال استدلالاتهم ، والكشف عن سوء نيّاتهم ، من واجب الأئمة والمصلحين الإلهيين.
وقد قام الإمام السجاد عليه السلام في عصره بأداء دور مهمّ في هذا الميدان الشائك بعد أن استلهم العلوم من مصادرها الأمينة الموثوقة وصار الدور إليه في قيادة الأمة ودلالتها الى الحق والخير.
فكان معلّما للحقّ ، يبثّ الفضيلة ، ويدعوا الى الإسلام المحمّدي الاصيل ، الذي توارثه عن آبائه ، والموصول بالرسول صلى الله عليه وآله وسلم بأوثق السبل ، وأقرب الطرق.
وأصبح ـ لكونه حاملا أمينا للتعاليم الإسلامية الرصينة ، وقائما مخلصا بالشؤون الدينية الحقّة ـ سدّا منيعا في مواجهة كلّ انحراف وتزوير كان يبديه علماء السوء من وعّاظ السلاطين.
ولا ريب في أنّ مواجهة الإمام السجاد عليه السلام للدولة في هذا النضال ، لابدّ أنّ تعدّ في قمّة أعماله السياسية ، ومن أخطر أوجه النضال السياسي في حياته الكريمة.
وقد اخترنا مجالات ثلاثة عمل فيها الإمام عليه السلام ، لنقف على أوجه نشاطه فيها ، وهي :

جهاد الامام السجاد عليه السلام 82

أوّلا : مجال القرآن والحديث

عاش الإمام السجاد عليه السلام ، فترة نشاطه إماما للشيعة ، من سنة ( 61 ـ 95 ) مدّة الثلث الأخير من القرن الأول.

والقرن الأول بالذات هو فترة المنع الحكومي من رواية الحديث ونقله وكتابته وتدوينه ، قبل أن يرفع هذا المنع بقرار من قبل الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز.
وكانت عملية منع الحديث ـ تدوينا ورواية ـ بدأت بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم مباشرة ، واستمرّ عليها الحكّام الذين تسنّموا أرائك الخلافة بدءا بأبي بكر ، ثم عمر الذي كان أكثر تشديدا ونكيرا على من كتب شيئا من الحديث أو نقله ورواه ، بحيث استعمل كل أساليب القمع من أجل الوقوف دون تسرّب شيء منه ، فحبس جمعا من الصحابة من أجل روايتهم الحديث ، وهدّد آخرين بالضرب والنفي ، وأحرق مجموعة من الكتب التي جمعت حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
والتزم الحكّام من بعد عمر ، سنّة عمر وسياسته في منع تدوين الحديث وروايته ، وقد أعلن عثمان ومعاوية عن اتّباعهما لعمر في منع الحديث النبوي « إلاّ حديثا كان على عهد عمر» (1).
وقد ظلّت سياسة عمر بمنع الحديث سارية المفعول ، حتى بلغ الأمر الى أن الحجّاج الثقفي ـ سفّاك العراق ـ قام بالاعتداء على كبار صحابة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، فختم على أيديهم وأعناقهم ، حذرا من أن يحدّثوا الناس ، أو يسمع الناس حديثهم (2).
فلم يكن القيام بأمر رواية الحديث في مثل هذه الفترة بالذات ، وفي مثل هذه الاجواء أمرا سهلا ، ولا هيّنا.

ولقد قاوم أئمة أهل البيت عليهم السلام وأتباعهم هذه السياسة المخرّبة ضدّ أهمّ مصادر الفكر الإسلامي ، فكانوا الى جانب كتابتهم للحديث ، وإيداعه المؤلّفات يبادرون

(1) لقد تحدثنا عن منع الخلفاء من كتابة الحديث وتدوينه ، ومن نقله وروايته ، بتفصيل في كتابنا ( تدوين السنة الشريفة ) المطبوع في قم سنة 1413 هـ.
(2) اُسد الغاية ، لابن الأثير ( 2 : 472 ) ترجمة سهل الساعدي.
جهاد الامام السجاد عليه السلام 83

بحزم الى رواية الحديث ونشره وبثّه ، على طول تلك الفترة !
وقد عرفنا أنّ الإمام السجاد ـ كما قال ابن سعد ـ : كان « ثقة مأمونا كثير الحديث عاليا رفيعا ورعا » (1) وقد أكثر من نقل الحديث وروايته حتى أفاد علما جمّا ، كما قال النسّابة العمري (2).
ولا ريب في أن تصدي الإمام السجاد عليه السلام للوقوف في وجه المنع السلطوي ، وقيامه بأمر رواية الحديث ونقله ، ليس إلاّ تحديا صارخا لأوامر الدولة وسياستها !
ثم إنه عليه السلام كان يطبّق السنة ويدعو الى تطبيقها والعمل بها فقد روي عنه أنه قال : إن أفضل الإعمال ما عمل بالسنّة وإن قلّ (3).
وكان يندّد بمن يستهزيء بحديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ويدعو عليه ويقول : ما ندري ، كيف نصنع بالناس ؟! إن حدّثناهم بما سمعنا من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ضحكوا ، وإن سكتنا لم يسعنا ، ثم ندّد بمن هزأ من حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (4).
وقد رويت عن الإمام السجاد عليه السلام مجموعة كبيرة من الأحاديث المسندة المرفوعة ، وأخرى موقوفة على آبائه عليهم السلام.
وأمّا ما صدر منه من الحديث الذي يعتبر من عيون الحديث الذي يعتزّ به التراث الشيعي فكثير جدا ، ولذلك عدّ الحافظ الذهبي ، الإمام السجاد عليه السلام من الحفاظ الكبار وترجم له في طبقات الحفّاظ الكبار (5).
ومع كل هذا ، فأين موقع كلمة قالها بعض النواصب أن الإمام عليه السلام كان « قليل الحديث » !؟

(1) تهذيب التهذيب ( 7/305 ).
(2) المجدي في الأنساب (ص 92) وتدوين السنة الشريفة ( ص 149 ـ 152 ).
(3) المحاسن ، للبرقي (ص 221) ح (133).
(4) الكافي ( 3/234 ) الحديث 4 ، وبحار الأنوار ( 46/142 ) وعوالم العلوم ( ص 85 وص 290 ).
(5) تذكرة الحفاظ ( 1/74 ـ 75 ).
(6) قال ذلك الزهري ، كما في تهذيب التهذيب ( 7/305 ) وقد كذّب الزهريّ قومه ، كما أنه متهم
جهاد الامام السجاد عليه السلام 84

ثم إن محتوى الأحاديث المرويّة عن طريق الإمام السجاد عليه السلام ، وتلك المنقولة عنه تشكّل مجموعة من النصوص الموثوقة ، التي يطمئنّ بها المسلم ، فقد تمّ نقلها من مصدر أمين ، متصل بينابيع الوحي والرسالة ، وفيها ما يسترشد به المسلم ، ويعرف من خلاله مصالحه ، ويحدّد واجباته ، ويدفع عنه اليأس (1) ، مثل روايته المرفوعة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : « انتظار الفرج عبادة» (2).
فقد يكون الإنسان في مثل تلك الظروف الحرجة المأساوية معرضا للقنوط ولكن بانتظار الفرج وتوقع كشف الغّم ، المستتبع للعمل من أجل ذلك والكون على استعداد له ، والإعداد لحصوله ، هو افضل وسيلة للنجاة من مأزق الياس ، وموت الخمول.

ومع القرآن :
إن القرآن الكريم ، باعتباره الوحي الإلهي المباشر ، والمصدر الأساسي المقدّس بنصّه وفصّه ، والذي اتفقت كلمة المسلمين على حجيته وتعظيمه وتقديسه ، فهو الحجّة عند الجميع ، والفيصل الذي لا يردّ حكمه أحد ممن يلتزم بالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وآله وسلم نبيّا.

ولذلك كانت دعوة أهل البيت عليهم السلام إلى الالتزام به ، والاسترشاد به وقراءته والحفاظ عليه ، دعوة صريحة مؤكدة.
وفي الظروف التي عاشها الإمام زين العابدين عليه السلام ، كان الحكّام بصدد اجتثاث الحقّ من جذوره وأصوله ومنها القرآن ، بقتل أعمدته وحفظته ومفسّريه (3).

في ما يقوله في أهل البيت ، لما سيأتي من عمالته للأمويين ، لكنّ أمثال هذا المخذول قد حرموا أنفسهم من الاستمتاع بعلم أهل البيت عليهم السلام حيث تركوهم وصاروا الى أصحاب الرأي والاجتهاد في مقابل النصّ ، فخسروا خسرانا مبينا.
(1) إن كتابنا هذا يحتوي على مجموعة كبيرة من الأحاديث التي رويت عن الإمام السجّاد عليه السلام والتي استشهدنا بها ، تجدها مجموعة في فهرس الأحاديث في آخر الكتاب.
(2) كشف الغمة ( 2 : 101 ) ولاحظ الجامع الصغير ( 1 : 108 ).
(3) مثل سعيد بن جبير ، ويحيى بن أم الطويل ، وميثم التمار ، وغيرهم من شهداء الفضيلة ، فلاحظ كتب التاريخ لتلك الفترة.
جهاد الامام السجاد عليه السلام 85

فكانت الدعوة الى القرآن من أوجب الواجبات على الأئمة عليهم السلام مضافا الى ما ذكرنا من قدسيّة القرآن عند الجميع ، فلم يتمكّن الحكّام من منع تعظيمه وقرائته والدعوة إليه.
فقام الإمام زين العابدين عليه السلام بجهد وافر في هذا المجال :
ففي الحديث أنه قال : عليك القرآن ، فإن الله خلق الجنة بيده ، لبنة من ذهب ولبنة من فضّة ، وجعل بلاطها المسك ، وترابها الزعفران ، وحصاها اللؤلؤ ، وجعل درجاتها على قدر آيات القرآن ، فمن قرأ منها قال له : « إقرأ وارق » ومن دخل الجنة لم يكن في الجنة أعلى درجة منه ، ما خلا النبيين والصديقين (1).
واسند عن الزهري قال : سمعت علي بن الحسين عليه السلام يقول : آيات القرآن خزائن العلم. فكلما فتحت خزانة ينبغي لك أن تنظر ما فيها (2).
وقال عليه السلام : من ختم القرآن بمكّة لم يمت حتّى يرى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويرى منزله في الجنة (3).
وكان يعبّر عن كفاية القرآن ، بتعاليمه الروحانية القيّمة ، بكونه مؤنسا للانسان المسلم ، يعني : أنّ الوحشة إنّما هي بالابتعاد عن هذه التعاليم حتى لو عاش الإنسان بين الناس ، فكان يقول : لو مات مَنْ ما بين المشرق والمغرب ما استوحشت بعد أن يكون القرآن معي(4).
وهكذا يجدّ الإمام عليه السلام في تعظيم القرآن ، وتخليده في أعماق نفوس الأمة ، كما يسعى في التمجيد له عمليا وبأشكال من التصرفات :
فمّما يؤثر عنه عليه السلام : أنه كان أحسن الناس صوتا بالقرآن ، حتى : أن السقّائين كانوا يمرّون ببابه ، فيقفون لاستماع صوته ، يقرأ... (5).
وقال سعيد بن المسيب : إن قرّاء القرآن لم يذهبوا الى الحج إلاّ إذا ذهب علي بن

(1) تفسير البرهان ( 3 : 156 ).
(2) اصول الكافي ( 2 : 609 ) المحجة البيضاء ( 2 : 215 ).
(3) المحجة البيضاء ( 2 : 215 ).
(4) الكافي ـ الأصول ـ ( 2 : 602 ) وانظر المحجة البيضاء ( 2 : 215 ) وبحار الأنوار ( 46 : 107 ).
(5) الكافي ( 2/616 ) بحار الأنوار ( 46 : 70 ) ب 5 ح 45. ولاحظ عوالم العلوم (ص 135).
جهاد الامام السجاد عليه السلام 86

الحسين عليه السلام ، ولم يخرج الناس من مكة حتى يخرج علي بن الحسين عليه السلام (1).
وفي بعض الاسفار بلغ عدد القراء حسب بعض المصادر : ألف راكب (2)

وقد كان الامام السجاد عليه السلام مرجعا في علوم القرآن ومعارفه ، يسأله كبار العلماء عن القرآن :
قال الزهري : سألت علي بن الحسين : عن القرآن ؟
فقال : كتاب الله ، وكلامه (3).

وقد كان الإمام زين العابدين عليه السلام يستفيد من تفسير القرآن في إرشاد الامة الى ما يحييهم ، ويطبق مفاهيمه على حياتهم ، ويحاول تنبيههم الى ما يدور حولهم من قضايا ، وإليك بعض النصوص :
روي أنه عليه السلام قال في تفسير قوله تعالى : «ولكم في القصاص حياة»: [ سورة البقرة « 2 » الآية « 179 » ] « ولكم » يا أمة محمد« في القصاص حياة» لأن من هم بالقتل ، فعرف أنه يقتصّ منه ، فكفّ لذلك من القتل ، كان حياة للذي همّ بقتله ، وحياة لهذا الجافي الذي أراد أن يقتل ، وحياة لغيرهما من الناس : إذا علموا أن القصاص واجب ، ولا يجسرون على القتل مخافة القصاص « يا أولي الألباب» أولي العقول « لعلكم تتقون ».
ثم قال عليه السلام : عباد الله ، هذا قصاص قتلكم لمن تقتلونه في الدنيا ، وتفنون روحه !
أفلا أنبئكم بأعظم من هذا القتل ؟ وما يوجبه الله على قاتله ممّا هو أعظم من هذا القصاص ؟

قالوا : بلى ، يابن رسول الله.
قال : أعظم من هذا القتل أن يقتله قتلا لا يجبر ، ولا يحيى بعده أبدا !
قالوا : ما هو ؟
قال : أن يضلّه عن نبوّة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعن ولاية علي بن أبي طالب عليه السلام ، ويسلك به غير سبيل الله ، ويغيّر باتباع طريق أعداء عليّ والقول بإمامتهم ، ودفع عليّ عن حقّه ، وجحد

(1) رجال الكشي ( ص 117 ) رقم 187.
(2) عوالم العلوم ( ص 303 ).
(3) تاريخ دمشق ، ومختصره لابن منظور ( 17 : 240 ) وسير أعلام النبلاء ( 4 : 396 ).
جهاد الامام السجاد عليه السلام 87

فضله ، وأن لا يبالي بإعطائه واجب تعظيمه ، فهذا هو القتل الذي هو تخليد المقتول في نار جهنم ، مخلدا أبدا ، فجزاء هذا القتل مثل ذلك : الخلود في نار جهنم
(1).
وكان الإمام زين العابدين عليه السلام كثيرا ما يستشهد بآيات من القرآن ويستدل بها ، وعندما يجد مناسبة يعرّج على تطبيق ذلك على الحالة الاجتماعية المتردّية التي كان يعيشها المسلمون.
ففي الخبر : إنه عليه السلام كان يذكر حال من مسخهم الله قردة من بني إسرائيل ، ويحكي قصتهم ( المذكورة في القرآن ) فلما بلغ آخرها ، قال : إن الله تعالى مسخ أولئك القوم ، لاصطيادهم السمك !
فكيف ترى ـ عند الله عز وجل ـ يكون حال من قتل أولاد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهتك حريمه ؟
إن الله تعالى ، وإن لم يمسخهم في الدنيا ، فإن المعدّ لهم من عذاب الآخرة أضعاف أضعاف عذاب المسخ
(2).
إن تصدّي الإمام زين العابدين عليه السلام لهذه القضايا ، لاشك أنه أكثر من مجرد تعليم وتفسير للقرآن ، بل هو تطبيق له على الحياة المعاصرة ، وتحريك للأفكار ضدّ الوضع الفاسد الذي تعيشه الأمة ، ولا ريب أن ذلك يعتبره الحكام تحديا سياسيا يحاسبون عليه.
ومن فلتات التاريخ أنه خلّد لنا من التراث صفحة من القرآن الكريم ، منسوبة كتابتها الى خط الإمام زين العابدين عليه السلام.
والعجيب أن هذه الصفحة تبدأ بقوله تعالى : «القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل» ، وتنتهي بآيات الجهاد : قوله تعالى« يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا »(3) [ سورة الأنفال 8 الآيات 41 ـ 45 ].

(1) الاحتجاج ( ص 319 ).
(2) الاحتجاج ( ص 312 ).
(3) دائرة المعارف الشيعية ( ج 2 ص 66 ).

السابق السابق الفهرس التالي التالي